×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الرد على الفتاوى المتطرفة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

أيضاً، روى عنه في الصحيح وفي الأدب المفرد. ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والذهلي والدارقطني والطبراني في الأوسط. قال أبو حاتم: كان عنده كتب يونس بن زيد، وهو صالح الحديث لا بأس به. وقال ابن عدي: ولشبيب نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري أحاديث مستقيمة. وقال ابن المديني: ثقة كان يختلف في تجارة الى مصر، وكتابه كتاب صحيح.

هذا ما يتعلق بتوثيق شبيب، وليس فيه اشتراط صحة روايته بأن تكون عن يونس بن يزيد، بل صرح ابن المديني بأنه كتابه صحيح. وابن عدي إنما تكلم على نسخة الزهري عن شبيب فقط، ولم يقصد جميع رواياته!

فما ادعاه الألباني تدليس وخيانة! يؤكد ذلك أن حديث الضرير صححه الحفاظ ولم يروه شبيب عن يونس عن الزهري! وإنما رواه عن روح بن القاسم!

ودعواه ضعف القصة بالاختلاف فيها، حيث لم يذكرها بعض الرواة عند ابن السني والحاكم لون آخر

٦١
من التدليس! لأن من المعلوم عند أهل العلم أن بعض الرواة يروي الحديث وما يتصل به كاملاً، وبعضهم يختصر منه بحسب الحاجة، والبخاري يفعل هذا أيضاً، فكثيراً ما يذكر الحديث مختصراً أو يوجد عند غيره تاماً. والذي ذكر القصة في رواية البيهقي إمام فذ، يقول عنه أبو زرعة الدمشقي: قدم علينا رجلان من نبلاء الناس أحدهما وأرحلهما يعقوب بن سفيان، يعجز أهل العراق أن يرو مثله رجلاً.

وتقديمه رواية عون الضعيف على من زاد القصة، لون ثالث من التدليس والغش! فإن الحاكم روى حديث الضرير من طريق عون مختصراً، ثم قال: تابعه شبيب ابن سعيد الحبطي عن روح بن القاسم زيادات في المتن والإسناد، والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون، هذا كلام الحاكم، وهو يؤكد ما تقرر عند علماء الحديث والأصول أن زيادة الثقة مقبولة، وأن من حفظ حجة على من لم يحفظ!

والألباني رأى كلام الحاكم لكن لم يعجبه لذلك ضرب عنه صفحاً، وتمسك بأولوية رواية عون الضعيف عناداً وخيانة.

ثالثاً: تبين مما أوردناه وحققناه في كشف تدليس الألباني وغشه، أن القصة صحيحة جداً، رغم محاولاته وتدليساته، وهي تفيد جواز التوسل بالنبي (ص) بعد انتقاله، لأن الصحابي راوي الحديث فهم ذلك، وفهم الراوي له قيمته العلمية، وله وزنه في مجال الإستنباط.

وإنما قلنا إن القصة من فهم الصحابي على سبيل التنزل، والحقيقة أن ما فعله عثمان بن حنيف من إرشاده الرجل الى التوسل كان تنفيذاً لما سمعه من النبي (ص) كما ثبت في حديث الضرير. قال ابن أبي خيثمة في تاريخه: حدثنا مسلم بن ابراهيم، ثنا حماد بن سلمة أنا أبو جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة، عن عثمان بن حنيف (رضي الله عنه) : أن رجلاً أعمى أتى النبي (ص) فقال: إني أصبت في بصري فادع الله لي قال: إذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه اليك بنبيي محمد نبي الرحمة. يا محمد إني أستشفع بك الى ربي في رد بصري. اللهم فشفعني في نفسي، وشفع نبيي في رد بصرى. وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك. إسناده صحيح. والجملة الأخيرة من الحديث تصرح بإذن النبي (ص) في التوسل به عند عروض حاجة

٦٢
تقتضيه. وقد أعلَّ ابن تيمية هذه الجملة بعلل واهية. بينت بطلانها في غير هذا المحل. وابن تيمية جرئ في رد الحديث الذي لا يوافق غرضه ولو كان في الصحيح! مثال ذلك: روى البخاري في صحيحه حديث (كان الله ولم يكن شئ غيره) وهو موافق لدلائل النقل والعقل والإجماع المتيقن، لكنه خالف رأيه في اعتقاده قدم العالم، فعمد الى رواية للبخاري أيضاً في هذا الحديث بلفظ (كان الله ولم يكن شئ قبله) فرجحها على الرواية المذكورة، بدعوى أنها توافق الحديث الآخر (أنت الأول فليس قبلك شئ) . قال الحافظ ابن حجر: مع أن قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه الرواية على الأولى لا العكس، والجمع مقدم عل الترجيح بالإتفاق.

قلت:

تعصبه لرأيه أعماه عن فهم الروايتين اللتين لم يكن بينهما تعارض...

مثالٌ ثانٍ:

حديث أمر رسول الله (ص) بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي، حديث صحيح، أخطأ ابن الجوزي بذكره في الموضوعات. ورد عليه الحافظ في القول المسدد. وابن تيمية لانحرافه عن علي كما هو معلوم، لم يكفه حكم ابن الجوزي بوضعه، فزاد من كيسه حكاية اتفاق المحدثين على وضعه!! وأمثلة رده للأحاديث التي يردها لمخالفة رأيه كثيرة يعسر تتبعها) . انتهى كلام الصديق المغربي.

ثالثاً: تعليم عائشة للمسلمين أن يتوسلوا بقبر النبي صلى الله عليه وآله

عقد الدارمي في سننه ج١ص٤٣، باباً تحت عنوان: (باب ما أكرم الله تعالى نبيه صلىالله عليه وسلم بعد موته) ، وروى فيه

٦٣
هذا الحديث:

حدثنا أبو النعمان، ثنا سعيد بن زيد، ثنا عمرو بن مالك النكري،حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله،قال قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: أنظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوىً إلى السماء، حتى لايكون بينه وبين السماء سقف، قال ففعلوا فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق) .اهـ.

وقد تحير ابن تيمية وأتباعه مثل الألباني

في رواية عائشة في التوسل، لأنها صريحة، وهي على موازين علماء الجرح والتعديل صحيحة! وبحثا عن منفذ لتضعيفها، فتعقبهم النقاد من أتباع المذاهب المختلفة وكشفوا ما ارتكبوه في تضعيف حديث عائشة اتباعاً للهوى!

قال الحافظ الصديق المغربي في رسالته (إرغام المبتدع الغبي في جواز التوسل بالنبي) ص٢٣:

(قال الدارمي في سننه...ونقل الرواية ثم قال: ضعف الألباني هذا الأثر بسعيد بن زيد، وهو مردود لأن سعيداً من رجال مسلم، ووثقه يجيى بن معين. ذكر الألباني تضعيفه في كتاب (التوسل أنواعه وأحكامه الطبعة الثانية ص ١٢٨: واحتج بحجج باطلة على عادته في تمويهاته حيث نقل كلام ابن حجر في التقربب الذي يوافق هواه ولم ينقل من هنالك أنه من رجال مسلم في صحيحه، فلننتبه إلى هذا التدليس وهذه الخيانة التي تعود عليها هذا الرجل، الذي يصف أعداءه بكتمان الحق وما يخالف آراءهم، كما في مقدمته الجديدة لآداب زفافه والتي حلاها بما دل على اختلاطه من هجر وخنا، ثم أردف ذلك بنقل ترجمة سعيد بن زيد من الميزان

٦٤
للذهبي، زيادة في الكتم والتعمية، وقد خان فلم يذكر ما ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب:٤/٢٩ من نقل أقوال موثقيه، زيادةً على أنه من رجال مسلم في الصحيح....

وضعفه أيضاً باختلاط أبي النعمان، وهو تضعيف غير صحيح لأن اختلاط أبي النعمان لم يؤثر في روايته، قال الدارقطني: تغير بأخرة وما ظهر له بعد اختلاط حديث منكر، وهو ثقة. وقول ابن حبان وقع في حديثه المناكير الكثيرة بعد اختلاطه، رده الذهبي فقال: لم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثاً منكراً!) . انتهى.

وقال الحافظ السقاف في رسالته (الإغاثة بأدلة الإستغاثة) ص ٢٤:

الدليل السادس للإستغاثة: حديث الدارمي في سننه أو مسنده (١/٤٣) :

عمرو بن مالك أبو النعمان هو عارم واسمه محمد بن الفضل السدوسي من رجال البخاري ومسلم والأربعة أيضاً. وهو ثقة ثبت. تغير في آخر عمره، وما ظهر له بعد تغيره حديث منكر، كما نص على ذلك أكابر الحفاظ كالدارقطني، وأقره الحافظ الذهبي في الميزان (٤/ ٨) فمن حاول أن يطعن فيه بالإختلاط فقد حاول الطعن في البخاري ومسلم، وسجل على نفسه بأنه لا يعرف في هذا العلم كثيراً ولا قليلاً، وليس لكلامه قيمة أصلاً.

سعيد بن زيد: هو من رجال مسلم في الصحيح. وثقه يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل، وقال الإمام البخاري: حدثنا مسلم بن ابراهيم، ثنا سعيد بن زيد أبو النكري، حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت...الخ.

٦٥
قلت: وهذا صريح أيضاً بإسناد صحيح بأن السيدة عائشة رضي الله عنها استغاثت بالنبي بعد موته، وكذا جميع الصحابة الذين كانوا هناك وافقوها وفعلوا ما أرشدتهم إليه) . انتهى كلام السقاف.

*  *

٦٦

ملاحظة بالمناسبة

يدل قول عائشة هذا على أن قبر النبي صلى الله عليه وآله لم يكن في حجرتها، بل كان في حجرة النبي صلى الله عليه وآله التي كان يستقبل فيها ضيوفه، وتعرف بحجرة فاطمة÷لأنها كانت تسكن فيها قبل زواجها.

ويدل على ذلك أيضاً حديث عائشة أيضاً عن آيات القرآن التي أكلتها السخلة في مرض النبي صلى الله عليه وآله ففي صحيح مسلم:٤/١٦٧، عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله (ص) وهنَّ فيما يقرأ من القرآن! ورواه الدارمي في سننه:٢/١٥٧. ورواه ابن ماجة في سننه:١/٦٢٥ وروى بعده عن عائشة قالت: لقد نزلت آية الرجم، ورضاعة الكبير عشراً. ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله (ص) وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها) . انتهى. والداجن الحيوان الأهلي الذي يربى في المنزل كالماعز، فهذا يدل على أن مرض النبي صلى الله عليه وآله ووفاته لم يكن في غرفتها، وإلا لما كانت فارغة ودخلتها السخلة وأكلت الآيات! وبحث ذلك خارج عن موضوعنا.

*  *

٦٧

رابعاً: روى الجميع توسل عمر بن الخطاب بالعباس عم النبي صلى الله عليه وآله

روى الحاكم في المستدرك: ٣/٣٣٤:

(عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أنه قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم هذا عم نبيك العباس نتوجه اليك به فاسقنا. فما برحوا حتى سقاهم الله. قال فخطب عمر الناس فقال: أيها الناس إن رسول الله كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله في عمه العباس، واتخذوه وسيلة الى الله عز وجل فيما نزل بكم) . وروت ذلك عامة مصادرهم.

*  *

خامساًً: إذا كان التوسل شركاً، فلماذا جوزوه بالحي؟!

لم يخالف ابن تيمية في أصل التوسل، بل خالف في التوسل بالأموات لأنهم بزعمه لاينفعون، وجوزه بالأحياء لأنهم ينفعون! واعتبر النبي صلى الله عليه وآله الذي هو في عقيدة كل المسلمين أفضل من الشهداء الأحياء عند ربهم يرزقون، اعتبره ابن تيمية ميتاً لاينفع، وجعل التوسل به شركاً!

فالتوسل بالميت عنده شرك حتى لو كان بالنبي صلى الله عليه وآله! والتوسل بالحي عنده إيمان وعبادة حتى لو كان بشخص كافر!

فلو قال شخص: اللهم إني أتوسل اليك بنبيك صلى الله عليه وآله فقد كفر! ولو قال: اللهم أتوسل اليك بالشيخ حنتوش بن جعموص، فهو مؤمن!!

كل ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله بزعمه عاجز لايقدر على نفع من توسل واستغاث به الى الله تعالى، بينما حنتوش وحتى الشحاذ الكافر في (الهايد

٦٨
بارك) قادر على النفع فالتوسل به حلال وإيمان!

واستدل على رأيه بأن عمر بن الخطاب قد توسل بالعباس عم النبي صلى الله عليه وآله ولم يتوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وفسر ذلك بأن عمر مثله يعتقد أن التوسل بالميت حرام وشرك، والتوسل بالحي حلال وإيمان حتى بالكافر!

مع أن العقل والشرع يقولان: إن حكم التوسل واحد، فإن كان بالميت شركاً، فهو بالحي شركٌ أيضاً! وإن كان بالحي جائزاً فهو بالميت جائز، ومحال أن يكون بعضه شركاً وبعضه إيماناً!

وكما قال السيد الخوئي (رحمه الله) إن جعل التوسل شركاً بالله تعالى لأنه دعاء غير الله تعالى، فلا فرق في ذلك بين التوسل بالحي أو الميت! وإلا لزم أن يعتقد بأن بعض الشرك جائز لا يخرج عن الإسلام، وبعضه حرام مخرج عن الإسلام! وهذا تهافت! وهو إشكال لاجواب له عندهم!

قال ابن باز في جواب سؤال عن الإستغاثة بالحي فيما يقدر عليه:

(أما الحي فلا بأس أن يتعاون معه، لأن له عملاً فيما يجوز شرعاً من الأسباب الحسية كما قال تعالى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ.[القصص: ١٥]، في قصة موسى، فإن موسى حيٌّ وهو المستغاث به، فاستغاثه الإسرائيلي على الذي من عدوه وهو القبطي، وهكذا الإنسان مع إخوانه ومع أقاربه، يتعاونون في مزارعهم، وفي إصلاح بيوتهم، وفي إصلاح سياراتهم، وفي أشياء أخرى من حاجاتهم،

٦٩
يتعاونون بالأسباب الحسية المقدورة، فلا بأس..... فالتعاون مع الأحياء شئ جائز بشروطه المعروفة، وسؤال الأموات، والإستغاثة بالأموات، والنذر لهم أمر ممنوع، ومعلوم عند أهل العلم أنه شرك أكبر) !

(موقع فتاوي ابن باز: http://search.ibnbaz.org/Result١.asp?c=٠)

*  *

سادساً: النبي صلى الله عليه وآله سيد الأحياء عند ربه وهو ينفع حياً وميتاً

من الإشكالات عليهم أن المسلم الذي يدافع عن بيته وماله فيقتل، فهو حي عند ربه يرزق بنص القرآن، بقوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران:١٦٩) فكيف تجعلون النبي صلى الله عليه وآله الذي هو أفضل الخلق، ميتاً لايسمع توسلنا، ولاينفع من يتوسل به الى ربه، لأنه لا يستطيع أن يدعو له؟!!

وأصل مشكلة هؤلاء المشايخ أنهم ينقصون من مقام النبي صلى الله عليه وآله ولا يفهمون شخصيته الربانية المقدسة، بسبب غلظة أذهانهم وغلبة التفكير المادي عليهم، فهم يتصورون أن النبي صلى الله عليه وآله إذا مات فقد انقطع عن الدنيا، فكأنهم غربيون لايؤمنون بعوالم الغيب والروح، وحياة الشهداء عند ربهم، وأن الأنبياء عليهم السلام أحياء عند ربهم بحياة أعلى من حياة الشهداء.

٧٠
والعجيب أنهم يغمضون أعينهم عن الأحاديث الشريفة الصحيحة الصريحة في حياة نبينا صلى الله عليه وآله وأن سلامنا يبلغه وأنه يرد الجواب على أهله، وأن صلاتنا عليه تبلغه، وأعمالنا تعرض عليه، وينسون أن الله تعالى أمرنا بآية صريحة في كتابه أن نأتي إليه صلى الله عليه وآله ونستغفر الله عنده ونطلب منه أن يستغفر لنا، فقال:

(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) سورة النساء:٦٤ وهو أمرٌ عام لكل مسلم في كل عصر، وهو أمرٌ مطلق لحياة النبي صلى الله عليه وآله أو بعد وفاته، وتخصيصه بحياته تحكُّمٌ بلا دليل.

هكذا فهم الآية جميع المسلمين، وعملوا بها في حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعد وفاته، وأفتى بها الفقهاء من جميع المذاهب ودونوها في مناسكهم! فهل كانوا كلهم على ضلال حتى جاء ابن تيمية في القرن الثامن واكتشف أن جميع المسلمين بقصدهم زيارة النبي صلى الله عليه وآله وتوسلهم به مشركون كفار؟!!

قال الحافظ الصديق المغربي في الرد المحكم المتين ص٤٤:

(فهذه الآية عامة تشمل حالة الحياة وحالة الوفاة وتخصيصها بأحدهما يحتاج إلى دليل وهو مفقود هنا، فإن قيل: من أين أتى العموم حتى يكون تخصيصها بحالة الحياة دعوى تحتاج إلى دليل؟ قلنا: من وقوع الفعل في سياق الشرط والقاعدة المقررة في الأصول أن الفعل إذا وقع في سياق الشرط كان عاماً، لأن الفعل في معنى النكرة لتضمنه

٧١
كتاب الرد على الفتاوى المتطرفة للشيخ علي الكوراني (ص ٧٢ - ص ٩٠)
٧٢
رسالته (إرغام المبتدع الغبي في جواز التوسل بالنبي) فقال في الأخيرة ص١٩:

(تواتر عن النبي صلى عليه وسلم تعليم التشهد في الصلاة، وفيه السلام عليه بالخطاب ونداؤه (السلام عليك أيها النبي) وبهذه الصيغة علمه على المنبر النبوى أبو بكر وعمر وابن الزبير ومعاوية، واستقر عليه الإجماع كما يقول ابن حزم وابن تيمية! والألباني لابتداعه خالف هذا كله وتمسك بقول ابن مسعود (فلما مات قلنا السلام على النبي) ومخالفة التواتر والاجماع هي عين الابتداع) .

ومنها: ما رواه الحافظ الممدوح في رفع المنارة ص ٦٢، قال:

(قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون. أخرجه البيهقي في حياة الأنبياء ص١٥، وأبو يعلى في مسنده:٦/١٤٧، وأبو نعيم في أخبار أصبهان:٢/٤٤، وابن عدي في الكامل:٢/٧٣٩. وقال الهيثمى في المجمع: ٨/٢١١: ورجال أبى يعلى ثقات. اه، والحديث له طرق.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مررت على موسى وهو قائم يصلى في قبره. أخرجه مسلم:٤/١٨٤٥، وأحمد:٣/١٢٠، والبغوى في شرح السنة:١٣/٣٥١، وغيرهم. وقال ابن القيم في نونيته عند الكلام على حياة الرسل بعد مماتهم (النونية مع شرح ابن عيسى: ٢/١٦٠) .

والرسل أكمل حالةً منه (الشهيد) بلا * شك، وهذا ظاهر التبيـان

٧٣
فلذاك كانوا بالحيـاة أحـق مـن * شهدائنـا بالعقــل والبرهـان
وبأن عقد نكاحه لـم ينفسـخ * فنساؤه في عصمة وصيان
ولأجل هـذا لـم يحـل لغيره * منهن واحدة مدى الأزمان
أفليـس في هـذا دليل أنـه * حيٌّ لمن كانـت له أذنان

ومن العجيب أن ابن القيم تلميذٌ مغال في شيخه ابن تيمية، ومع ذلك يعترف بأن النبي صلى الله عليه وآله حيٌّ عند ربه يسمع وينفع صلى الله عليه وآله مع أن شيخه يقول إن التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله شرك لأنه ميت لايسمع ولا ينفع!!

قال الشيخ أحمد زيني دحلان المصري شيخ الشافعية، في الدرر السنية ج١ ص٤٢:

في حديثه عن محمد بن عبد الوهاب: (حتى أن بعض أتباعه كان يقول: عصاي هذه خير من محمد، لأنها ينتفع بها في قتل الحية ونحوها، ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع أصلاً!!) . انتهى.

ونقله أيضاً الشيخ الزهاوي شيخ الأحناف في العراق، في كتابه الفجر الصادق ص ١٨. والشيخ أبو حامد الإستانبولي من علماء الأحناف في تركيا في كتابه التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين ص٢٤٥، والسيد محسن الأمين من علماء الشيعة في كتابه كشف

٧٤
الإرتياب ص ١٢٧.

واعتقاد أتباع ابن تيمية بأن النبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته لاينفع، ثابتٌ عليهم لايحتاج الى رواية مسندة عن ابن عبد الوهاب ولاغيره، لأن ذلك عقيدتهم الى اليوم، وعليه يرتكز تحريمهم التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وكل الأموات، ولئن سألت أي شيخ منهم هل ينفع النبي صلى الله عليه وآله اليوم، يدور ويلف ولا يقول ينفع!

بينما يجوزون التوسل بأي شخص حي، ولو كان كافراً بوالاً على عقبيه!

سابعاً: جوَّز المتطرفون التوسل بالحيوانات، وحرَّموه بالأنبياء عليهم السلام!

مما يشكل عليهم به أنهم جوزوا التوسل في صلاة الإستسقاء بالحيوانات، فكيف يحرمونه بالأنبياء والأولياء عليهم السلام؟!

قال النووي في المجموع:٥/٦٦:

(وقال أبو اسحاق: استحب إخراج البهائم لعل الله تعالى يرحمها، لما روي أن سليمان (ع) خرج ليستسقي فرأى نملة تستسقي، فقال إرجعوا فإن الله تعالى سقاكم بغيركم) .

وقال في المجموع:٥/٧٠:

(يستحب أن يستسقى بالخيار من أقارب رسول الله (ص) وبأهل الصلاح من غيرهم، وبالشيوخ والضعفاء والصبيان والعجائز وغير ذوات الهيئات من النساء) .

*  *

٧٥

ثامناً: خالفوا نص إمامهم أحمد على استحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله

ومما يشكل به عليهم أن إمامهم أحمد بن حنبل نص على مشروعية التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله واستحبابه:

قال الحافظ الممدوح في رفع المنارة:

(وهو - التوسل- السؤال بالنبي أو بالولي أو بالحق أو بالجاه أو بالحرمة أو بالذات وما في معنى ذلك. وهذا النوع لم ير المتبصر في أقوال السلف من قال بحرمته أو أنه بدعة ضلالة، أو شدد فيه وجعله من موضوعات العقائد، كما نرى الآن. لم يقع هذا إلا في القرن السابع وما بعده! وقد نقل عن السلف توسلٌ من هذا القبيل.

قال ابن تيمية في التوسل والوسيلة ص٩٨:

(هذا الدعاء (أي الذي فيه توسل بالنبي) ونحوه قد روي أنه دعا به السلف، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروزي التوسل بالنبي (ص) في الدعاء. انتهى، ونحوه في ص ١٥٥ من الكتاب المذكور! وقال في ص٦٥: (والسؤال به (أي بالمخلوق) فهذا يجوزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس) . انتهى.

وذكر أثراً فيه التوسل بالنبي (ص) لفظه: (اللهم إني أتوجه اليك بنبيك محمد نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم تسليما. يا محمد اني أتوجه بك الى ربك وربي يرحمني مما بي) . وقال ابن تيمية: فهذا الدعاء ونحوه روي أنه دعا به السلف، ونقل عن أحمد بن حنبل في منسك المروزي التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء. انتهى.

وهذا هو نص عبارة أحمد بن حنبل، قال في منسك المروزي بعد

٧٦
كلام ما نصه: وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه (ص) تقض من الله عز وجل. انتهى. هكذا ذكره ابن تيمية في الرد على الأخنائي ص ١٦٨!!

والتوسل به (ص) معتمدٌ في المذاهب ومرغبٌ فيه، نص على ذلك الأمة الأعلام، وكتب التفسير، والحديث، والخصائص، ودلائل النبوة، والفقه، طافحةٌ بأدلة ذلك) . انتهى.

*  *

تاسعاً: إمامهم ابن حنبل كان يزور القبور ويتوسل بالأموات!

يتعجب الإنسان عندما يقرأ عن الحنابلة في القديم وحتى في الحاضر، فيجد أنه ثبت عندهم أن إمامهم أحمد وكبار أئمتهم كانوا يزورون القبور ويتوسلون الى الله تعالى بأصحابها!

ويجد أنهم هم بنوا على قبر أحمد بن حنبل في بغداد مسجداً وقبة، وجعلوه مزاراً يصلون عنده، ويتمسحون به ويتوسلون به! وما زال ذلك ديدن الحنابلة الى اليوم! فما بالهم اليوم يسكتون عمن يزور قبر أحمد بن حنبل في بغداد، ولا يفتون بوجوب هدم قبته، ولا يمنعون الناس من التوسل به والتبرك والتمسح بقبره؟

فهل كان إمامهم أحمد مشركاً؟ وهل أن أسلافهم وإخوانهم مشركون؟

أم كيف صار ذلك حلالاً، بينما صار قصد زيارة أفضل الخلق وسيد المرسلين صلى الله عليه وآله حراماً، والتوسل به الى الله بدعةً وشركاً وكفراً؟! فهل إمامهم أحمد بن حنبل، وأحمد عبد الحليم تيمية، أفضل من النبي صلى الله عليه وآله؟!

٧٧

ففي النهاية لابن كثير:١٢/ ٣٢٣:

(وفي صفر سنة ٥٤٢ رأى رجل في المنام قائلاً يقول له: من زار أحمد بن حنبل غفر له. قال: فلم يبق خاصٌ ولا عامٌ إلا زاره، وعقدت يومئذ ثم مجلساً، فاجتمع فيه ألوفٌ من الناس) !!

وفي وفيات الأعيان لابن خلكان:١/ ٦٤:

(أحمد بن حنبل... توفي ضحوة الجمعه لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول... ودفن بمقبرة باب حرب، وباب حرب منسوب الى حرب بن عبد الله أحد أصحاب أبي جعفر المنصور، والى حرب هذا تنسب المحلة المعروفة بالحربية، وقبر أحمد بن حنبل مشهور بها يزار.

وفي مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي الحنبلي ص ٤٥٤:

(حدثني أبو بكر بن مكارم بن أبي يعلى الحربي وكان شيخاً صالحاً قال: كان قد جاء في بعض السنين مطرٌ كثير جداً قبل دخول رمضان بأيام، فنمت ليلة في رمضان فأريت في منامي كأني قد جئت على عادتي الى قبر الإمام أحمد بن حنبل أزوره، فرأيت قبره قد التصق بالأرض حتى بقي بينه وبين الأرض مقدار ساف أو سافين، فقلت: إنما تم هذا على قبر الإمام أحمد من كثرة الغيث! فسمعته من القبر وهو يقول: لا، بل هذا من هيبة الحق عز وجل لأنه عز وجل قد زارني!! فسألته عن سر زيارته إياي في كل عام فقال عز وجل: يا أحمد، لأنك نصرت كلامي فهو ينشر ويتلى في المحاريب.

فأقبلت على لحده أقبله ثم قلت: يا سيدي ما السر في أنه لا يقبل قبر إلا قبرك؟ فقال لي: يا بني، ليس هذا كرامة لي ولكن هذا كرامة لرسول الله (ص) ! لأن معي شعرات من شعره!! ألا ومن يحبني يزورني

٧٨
في شهر رمضان! قال ذلك مرتين!!

وفي طبقات الحنابلة لأبي يعلى الموصلي: ٢/ ١٨٦:

(سمعت رزق الله يقول: زرت قبر الإمام أحمد صحبة القاضي الشريف أبو علي فرأيته يقبل رجل القبر! فقلت له: في هذا أثر؟قال لي: أحمد في نفسي شئ عظيم، وما أظن أن الله تعالى يؤاخذني بهذا!!

وفي تاريخ بغداد للخطيب: ٤ / ٤٢٣:

(عن أبي الفرج الهندباني يقول: كنت أزور قبر أحمد بن حنبل فتركته مدة، فرأيت في المنام قائلاً يقول لي: لمَ تركت زيارة إمام السنة!!

وفي عمدة القاري في شرح البخاري للعيني: ٥ جزء ٩ / ٢٤١:

(سعيد العلائي قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل.. أن الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي (ص) وتقبيل منبره، فقال: لا بأس بذلك. قال فأريناه للشيخ تقي الدين بن تيمية، فصار يتعجب من ذلك ويقول: (عجبت! أحمد عندي جليل، يقول هذا الكلام) ! وأي عجب وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به!!

وفي تاريخ الإسلام للذهبى: ١٤ / ٣٣٥:

(قال ابن خزيمه: هل كان ابن حنبل إلا غلاماً من غلمان الشافعي؟)

وفي الغدير للأميني: ٥ / ١٩٤:

(قال ابن حجر في (الخيرات الحسان) في مناقب الإمام أبي حنيفة في الفصل الخامس والعشرين: إن الإمام الشافعي أيام كان هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة ويجئ الى ضريحه يزوره فيسلم عليه ثم يتوسل الى الله تعالى به في

٧٩
قضاء حاجاته، وقال: قد ثبت أن الإمام أحمد توسل بالإمام الشافعي حتى تعجب ابنه عبد الله بن الإمام أحمد فقال له أبوه: إن الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن. ولما بلغ الإمام الشافعي أن أهل المغرب يتوسلون بالإمام مالك لم ينكر عليهم.

وفي الغدير: ٥/ ١٩٨: قال (ابن الجوري) في المنتظم: ١٠/ ٢٨٣:

وفي أوائل جمادي الآخرة سنة ٥٧٤ تقدم أمير المؤمنين بعمل لوح ينصب علي قبر الإمام أحمد بن حنبل، فعمل ونقضت السترة جميعها وبنيت بآجر مقطوع جديدة، وبني له جانبان، ووقع اللوح الجديد وفي رأسه مكتوب: هذا ما أمر بعمله سيدنا ومولانا المستضئ بأمر الله أمير المؤمنين. وفي وسطه: هذا قبر تاج السنة وحيد الأمة العالي الهمة العالم العابد الفقيه الزاهد الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (رحمه الله) . وقد كتب تاريخ وفاته وآية الكرسي حول ذلك. ووعدت بالجلوس في جامع المنصور، فتكلمت يوم الإثنين سادس عشر جمادي الأولى، فبات في الجامع خلق كثير وخُتمت ختمات، واجتمع للمجلس بكرة ما حزر بمائة ألف، وتاب خلق كثير وقطعت شعور، ثم نزلت فمضيت الى زيارة قبر أحمد، فتبعني من حزر بخمسة آلاف.

وقال الكوثري في هامش السيف الصقيل ص ١٨٥:

(رأيت بخط الحافظ الضياء المقدسي الحنبلي في كتابه الحكايات المنثورة المحفوظ تحت رقم ٩٨ من المجاميع بظاهرية دمشق، أنه سمع الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي يقول إنه خرج في عضده شئ يشبه الدمل فأعيته مداواته ثم مسح به قبر أحمد بن حنبل فبرئ ولم

٨٠