×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسالة في الأحاديث المقلوبة في مناقب الصحابة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وسأله عراقي عن أربعين مسألة فما أجابه إلاّ عن خمس!! (١).

وسأله رجل عن مسائل فلم يجبه بشيء أصلاً(٢).

وكان مالك يصرح بأنه أدرك سبعين من المشايخ يحدّثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فلم يأخذ من أحدهم شيئا!!(٣).

٩ ـ بكاؤه على الفتيا بالرأي:

وأجمع المؤرّخون على رواية خبر بكائه في مرض موته وقوله: «ليتني جُلدت بكل كلمة تكلّمت بها في هذا الأمر بسوط»(٤).

ولا بُدّ له أن يبكي.. ومن أحق منه بالبكاء كما قال ؟! وهل ينفعه ؟!

فقد قال الليث بن سعد: «قد أحصيت على مالك سبعين مسألة كلّها مخالفة لسنة النبي مّما قال مالك فيها برأيه. قال: ولقد كتبت إليه بذلك في ذلك»(٥).

١٠ ـ تكلّم الأعلام فيه:

هذا.. وقد تكلّم في مالك وعابه جماعة من أعلام الأئمّة:

قال الخطيب: «عابه جماعة من أهل العلم في زمانه»(٦) ثم ذكر: ابن أبي ذؤيب، وعبدالعزيز الماجشون، وابن أبي حازم، ومحمد بن إسحاق (٧).

وقال يحيى بن معين: «سفيان أحب إليّ من مالك في كلّ شيء».

(١) الانتقاء ـ لابن عبدالبرّ ـ ٣٨.

(٢) العقد الفريد ٢|٢٢٥.

(٣) حلية الأولياء ٦|٣٢٣، الديباج المذهّب: ٢١.

(٤) وفيات الأعيان ٣|٢٨٦. جامع بيان العلم ٢|١٤٥، شذرات الذهب ١|٢٩٢.

(٥) جامع بيان العلم ٢|١٤٨.

(٦) تاريخ بغداد ١٠|٢٢٣.

(٧) تاريخ بغداد ١٠|٢٢٤.

٤١

وقال سفيان في مالك: «ليس له حفظ»(١).

وقال ابن عبدالبرّ «تكلّم ابن أبي ذؤيب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاء وخشونة كرهت ذكره»(٢).

وتكلّم في مالك إبراهيم بن سعد، وكان يدعو عليه.

وكذلك تكلم فيه عبدالرحمن بن زيد بن أسلم وابن أبي يحيى(٣).

وناظره عمر بن قيس ـ في شيء من أمر الحج بحضرة هارون ـ فقال عمر لمالك: «أنت أحياناً تخطئ وأحياناً لا تصيب. فقال مالك: كذاك الناس»(٤).

***

ترجمة ابن أبي أويس

والراوي عن مالك ـ عند البخاري ـ هو «إسماعيل بن أبي أويس» وهو ابن أخت مالك ـ:

قال النسائي: «ضعيف»(٥).

وقال يحيى بن معين: «هو وأبوه يسرقان الحديث».

وقال الدولابي: «سمعت النضر بن سلمة المروزي يقول: كذاب».

وقال الذهبي بعد نقل ما تقدّم: «ساق له ابن عدي ثلاثة أحاديث، ثم قال: روى عن خاله مالك غرائب لا يتابعه عليها أحد»(٦).

وقال إبراهيم بن الجنيد عن يحيى: «مخلّط، يكذب، ليس بشيء»(٧).

(١) تاريخ بغداد ١٠|١٦٤.

(٢) جامع بيان العلم ٢|١٥٧.

(٣) جامع بيان العلم ٢|١٥٨.

(٤) تهذيب التهذيب ٧|٤٣٢.

(٥) الضعفاء والمتروكون: ١٤.

(٦) ميزان الاعتدال ١|٢٢٢.

(٧) تهذيب التهذيب ١|٣١٢.

٤٢
رسالة في الأحاديث المقلوبة في مناقب الصحابة للسيد علي الحسيني الميلاني (ص ٤٣ - ص ٦٢)
٤٣

النظر في سند الحديث المحرّف

قد عرفت أن البخاري حرف حديث الخوخة الذي أخرجه هو وغيره عن ابن عباس وأبي سعيد.

اما تحريفه حديث ابن عباس فلم يذكر له سنداً، وأمّا تحريفه حديث أبي سعيد فهو بالسند التالي:

«حدثني عبدالله بن محمد، حدثني أبو عامر، حدثني فليح، قال: حدثني سالم أبو النضر، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري...»

كذا في «باب المناقب».

وفي «باب الخوخة والممرّ في المسجد»: «حدثنا محمد بن سنان، قال: حدّثنا فليح، قال: حدّثنا أبو النضر، عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدريّ...»

ومداره على«فليح بن سليمان» وقد عرفته في النظر في الطريق الثاني من رواية مسلم، وعلمت أن لفظه عند مسلم عن الرجل «الخوخة» لا «الباب» فما عند البخاري محرف، وقدّ تقدم محاولة بعض الشراح توجيهه.

ثمّ إن في سند البخاري هنا في «باب الخوخة والممر» مشكلة أخرى، فقد جاء فيه «عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد» مع أن «عبيداً» المذكور لا يروي عن «بسر»... وهذا ما اضطرب القوم في توجيهه كذلك:

فقال ابن حجر: «قال الدارقطني: هذا السياق غير محفوظ، واختلف فيه على فليح، فرواه محمد بن سنان هكذا، وتابعه المعافى بن سليمان الحراني. ورواه سعيد بن منصور ويونس بن محمد المودّب وأبو داود الطيالسي عن فليح، عن أبي النضر، عن عبيد بن حنين وبسر بن سعيد جميعاً، عن أبي سعيد.

قلت: أخرجه مسلم عن سعيد، وأبو بكر ابن أبي شيبة عن يونس، وابن حبّان

٤٤

في صحيحه من حديث الطيالسي.

ورواه أبو عامر العقدي عن فليح، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد. ولم يذكر عبيد بن حنين. أخرجه البخاري في مناقب أبي بكر.

فهذه ثلاثة أوجه مختلفة».

ثم شرع في الجواب عن هذا الاعتراض والدفاع عن البخاري (١).

وكذلك تعرض للموضوع بشرح الحديث وحاول تصحيحه بأن الحديث عند «أبي النضر» عن شيخين يعني «بسراً» و«عبيداً» وأن «فليحاً» كان يجمعهما مرة ويقتصر على أحدهما مرة، ولكنه اعترف بالخطأ فقال: «فلم يبق إلاّ أن محمد بن سنان أخطأ في حذف الواو العاطفة، مع احتمال أن يكون الخطأ من فليح حال تحديثه له به !» (٢).

زيادة باطلة في الحديث المقلوب

ثم إن بعض الوضّاعين شاء أن يزيد في حديث أنس صراحة في الدلالة على الفضيلة والخصيصة !! فزاد عليه جملة... لكن الخطيب البغدادي وابن الجوزي والسيوطي.. نصوا على أن الزيادة وهم، وأصل الحديث منقطع، فقد جاء في «اللآلي المصنوعة»:

«أنبأنا محمد بن عبدالباقي البزار، أنبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا عمر بن أحمد الواعظ، حدّثنا الحسن بن حبيب بن عبدالملك، حدثنا فهد بن سليمان، حدثنا عبدالله بن صالح، حدثنا الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أنس:

أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم خطب الناس فقال: سدّوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلاّ باب أبي بكر. فقال الناس: سدّ الأبواب كلها إلاّ

(١) مقدّمة فتح الباري، الحديث الرابع من الأحاديث التي اعترض فيها على البخاري.

(٢) فتح الباري ـ شرح صحيح البخاري، ولاحظ أيضاً: عمدة القاري للعيني الحنفي.

٤٥

باب خليله ! فقال: إني رأيت على أبوابهم ظلمةٍ ورأيت على باب أبي بكر نوراً ن فكانت الآخرة عليهم أعظم من الأولى.

قال الخطيب: هذا وهمّ، والليث روى صدّره عن يحيى بن سعيد منقطعا، ورواه كله عن معاوية بن صالح منقطعاً»(١).

الاستدلال بالحديث المقلوب بكلمات مضطربة

ولمّا كان حديث «الخوخة» يدل بزعمهم على فضل لأبي بكر، لا سيّما وأنه مخرج في الكتابين الصحيحين عند أكثرهم... فقد جعلوا هذه القضية خصيصة لأبي بكر وفضيلة دالة على إمامته وخلافته:

قال النووي: «وفيه فضيلة وخصيصة ظاهرة لأبي بكر» (٢).

وقال ابن حجر: «قال الخطابي وابن بطال وغيرهما: في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر، وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة، ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي صلى الله عليه [واله] وسلم في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلاّ أبو بكر.

وقد ادعى بعضهم: أن الباب كناية عن الخلافة، والأمر بالسدّ كناية عن طلبها، كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلاّ أبا بكر فإنه لا حرج عليه في طلبها.

وإلى هذا جنح ابن حبان، فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا الحديث دليل على أنه الخليفة بعد النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم، لأنه حسم بقوله: (سدّوا عني كل خوخةٍ في المسجد) أطماع الناس كلهم على أن يكونوا خلفاء بعده.

وقوّى بعضهم ذلك: بأن منزل أبي بكر كان بالسنح من عوالي المدينة ـ كما

(١) اللالي المصنوعة ١|٣٥٢.

(٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج ـ هامش القسطلاني ـ ٩|٢٥٢.

٤٦

سيأتي قريباً بعد باب ـ فلا يكون له خوخة إلى المسجد.

وهذا الاستناد ضعيف، لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسنح أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار وقد كان له إذ ذاك زوجة أخرى ـ وهي أسماء بنت عميس ـ بالاتفاق، وأمّ رومان على القول بأنها كانت باقية.

وقد تعقّب المحبّ الطبري كلام ابن حبّان فقال: وقد ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة: أن دار أبي بكر التي أذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه فباعها...»(١).

وقال العيني ـ بعد الحديث في كتاب الصلاة ـ: «ذكر ما يستفاد منه من الفوائد:

الأولى: ما قاله الخطابي وهو: أن أمره صلى الله عليه [وآله] وسلم بسدّ الأبواب غير الباب الشارع إلى المسجد إلاّ باب أبي بكر يدلّ على اختصاص شديد لأبي بكر وإكرام له، لأنهما كانا لا يفترقان.

الثانية: فيه دلالة على أنه قد أفرده في ذلك بأمر لا يشارك فيه، فأولى ما يصرف إليه التأويل فيه أمر الخلافة. وقد أكثر الدلالة عليها بأمره إياه بالإمامة في الصلاة التي بني لها المسجد.

قال الخطاب: لا أعلم أن إثبات القياس أقوى من إجماع الصحابة على استخلاف أبي بكر مستدلّين في ذلك باستخلافه إياه في أعظم أمور الدين وهو الصلاة، فقاسوا عليها سائر الأمور، ولأنه صلى الله عليه [وآله] وسلم كان يخرج من باب بيته وهو في المسجد للصلاة، فلما غلّق الأبواب إلاّ باب أبي بكر دلّ على أنه يخرج منه للصلاة، فكأنه أمر بذلك على أن من بعده يفعل ذلك هكذا» (٢).

(١) فتح الباري ١|٤٤٢.

(٢) عمدة القاري ٤|٢٤٥.

٤٧

وفي باب المناقب، أورد كلام الخطابي وابن بطّال وابن حبان الذي ذكره ابن حجر وأضاف: «وعن أنس قال: جاء رسول الله صل الله عليه [وآله] وسلّم فدخل بستاناً وجاء آتٍ فدقّ الباب. فقال: يا أنس، افتح له وبشره بالجنة وبشره بالخلافة بعدي. قال: فقلت: يا رسول الله أعلمه ؟ قال: أعلمه ؟ فإذا أبو بكر. فقلت: أبشر بالجنة وبالخلافة من بعد النبي عليه الصلاة والسلام.

قال: ثمّ جاء آتٍ فقال: يا أنس، افتح له وبشره بالجنة وبالخلافة من بعد أبي بكر. قلت: أعلمه ؟ قال: نعم؛ قال: فخرجت فإذا عمر فبشرته.

ثمّ جاء اتٍ فقال: يا أنس، افتح له وبشره بالجنة وبشره بالخلافة من بعد عمر وأنه مقتول. قال: فخرجت فإذا عثمان. قال: فدخل إلى النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال: إني والله ما نسيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيد بايعتك ! قال: هو ذاك.

رواه أبو يعلى الموصلي من حديث المختار بن فلفل عن أنس وقال: هذا حديث حسن»(١).

وفي باب هجرة النبي بشرحه: «فأمر الشارع بسدها كلّها إلاّ خوخة أبي بكر ليتميّز بذلك فضله. وفيه إيماء إلى الخلافة»(٢).

والكرماني أورد كلمات القوم في دلالته على الإمامة مرتضياً إياها (٣).

والقسطلاني قال بشرحه في الصلاة: «فيه دلالة على الخصوصية لأبي بكر الصديق بالخلافة بعده والإمامة دون سائر الناس، فأبقى خوخته دون خوخة غيره، وهو يدلّ على أنه يخرج منها إلى الصلاة. كذا قرره ابن المنير» (٤).

وفي المناقب: «قيل: وفيه تعريض بالخلافة له، لأن ذلك إن أريد به الحقيقة

(١) عمدة القاري ١٦|١٧٦.

(٢) عمدة القاري ١٧|٣٩.

(٣) الكواكب الدراري ٤|١٢٩.

(٤) إرشاد الساري ١|٤٥٣.

٤٨

فذاك، لأن أصحاب المنازل الملاصقة للمسجد كان لهم الاستطراق منها إلى المسجد، فأمر بسدها سوى خوخة أبي بكر، تنبيها للناس على الخلافة، لأنه يخرج منها إلى المسجد للصلاة. وإن أريد به المجاز فهو كناية عن الخلافة وسدّ أبواب المقالة دون التطرق والتطلّع إليها.

قال التوربشتي: وأرى المجاز اقوى، إذ لم يصحّ عندنا أن أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد، وإنما كان منزله بالسنح من عوالي المدينة. انتهى.

وتعقبه في الفتح بأنه استدلال ضعيف، لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسنح أن لا يكون له دار مجاورة للمسجده ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار...» (١).

وفي هجرة النبي: «فأمر رسول الله بسدها كلها إلاّ خوخة أبي بكر تكريماً له وتنبيهاً على أنه الخليفة بعده، أو المراد المجاز فهو كناية عن الخلافة وسد أبواب المقالة دون التطرق. ورجّحه الطيّبي محتجاً بأنه لم يصح عنده أن أبا بكر كان له بيت بجنب المسجد، وإنما كان منزله بالسنح من عوالي المدينة» (٢).

هذه كلمات شرّاح الحديث.

وفي الكتب المؤلفة في العقائد... تجد الاستدلال بحديث الخوخة في باب الفضائل المزعومة لأبي بكر وفي أدلّة إمامته وخلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم... ولا حاجة إلى ذكر نصوص عباراتهم، ولربما أشرنا إلى بعضها في غضون البحث.

أقول: لا يخفى الاضطراب والاختلاف بين القوم في كيفية الاستدلال، بل إن الباحث المحقق يجد كلمات الواحد منهم في موضع تختلف عن كلماته في الموضع الآخر ... ونحن نلخص ما قالوا ونعلّق عليه باختصار حتى يتبين الحال:

(١) إرشاد الساري ٦|٨٣.

(٢) إرشاد الساري ٦|٢١٤.

٤٩

أمّا النووي..

فما قال إلآ أن «فيه فضيلة وخصيصة ظاهرة لأبي بكر» فلم يتعرض للإمامة والخلافة، ولم يدّع دلالة الحديث عليها لا بالصراحة ولا بالكناية...

ونقول:

أمّا «الفضيلة» فتتوقف على ثبوت القضيّة، وأمّا كونها «خصيصة» فتتوقف ـ بالإضافة إلى الثبوت ـ على عدم ورود مثل ذلك في حق غيره.

وأمّا الخطابي وغيره..

فزعموا «الخصيصة» و«الإشارة القويّة إلى استحقاقه للخلافة، ولا سيّما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي، في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلاّ أبو بكر» بل جعل بعضهم «الباب» كناية عن «الخلافة» والأمر بالسدّ كناية عن طلبها...

ونقول:

أمّا «الخصيصة» فقد عرفت ما في دعواها. وأمّا «الإشارة القوية...» فلا دليل عليها إلاّ ما زعمه من القرينة الحالية... لكن القول بأنه صلى الله عليه وآله وسلّم أمر أبا بكر بالصلاة كذب (١).

وهل هذه «الإشارة القويّة» مبنية على إرادة الحقيقة أو المجاز؟ قولان...

والقسطلاني..

بعد أن زعم الدلالة في موضع، نسبها في موضع اخر إلى «قيل» وذكر القولين من الحمل على الحقيقة أو المجاز، واكتفى بنقل الخلاف فقال: «قيل: وفيه تعريض بالخلافة له، لأن ذلك إن أريد به الحقيقة فذاك... وإن أريد به المجاز فهو كناية عن الخلافة...». وقد عرفت أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة، لكن الدلالة على الخلافة متوقفة على ثبوت أصل القضية، ثم ثبوت عدم ورود مثلها في حق غيره !!

فالعجب من مثل ابن حجر العسقلاني... كيف يسكت على دعوى دلالة الحديث على الإمامة ـ إن لم نقل بكونه من القائلين بذلك ـ بعد رده على دعوى المجاز كما عرفت وإثباته ورود مثل الحديث في حق علي عليه السلام كما ستعرف ؟!

(١) انظر: الرسالة الرابعة من هذه الرسائل.

٥٠

استشهاد بعضهم بحديث مختلق

وكأن العيني التفت إلى أن الحديث ـ مع ذلك كلّه ـ قاصر عن «الإشارة» فضلا عن «الدلالة» على الخلافة فقال: «وقد ادّعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة... وإلى هذا مال ابن حبّان...» ثمّ قال: «وعن أنس قال: جاء رسول الله فدخل بستانا...» إلى آخر الحديث، وقد تقدّم....

فإن ذكر هذا الحديث في هذا المقام بعد كلمة «وقد ادّعى...» ظاهر في عدم الموافقة على ما قيل، ولذا التجأ إلى الاستدلال ـ أو الاستشهاد ـ للمدعى بحديث آخر.

لكنه حديث باطل سنداً ومتناً، والاستدلال به من العيني في هذا الموضع بشرح البخاري عجيب جدّاً... لكنه الاضطرار وضيق الخناق !!

وإن كنت في ريب مّما قلنا.. فإليك عبارة ابن حجر في الحديث ورجاله:

«الصقر بن عبدالرحمن أبو بهز سبط مالك بن مقول. حدث عن عبدالله بن إدريس، عن مختار بن فلفل، عن أنس بحديث كذب: قم يا أنس فافتح لأبي بكر وبشره بالخلافة من بعدي، وكذا في عمر وعثمان.

قال ابن عدي: كان أبو يعلى إذا حدثنا عنه ضعّفه.

وقال أبو بكر ابن أبي شيبة: كان يضع الحديث.

وقال أبوعليّ جزرة: كذاب.

وقال عبدالله بن علي بن المديني: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: كذب موضوع».

ثمّ روى ابن حجر الحديث... وقال:

«لو صح هذا لما جعل عمر الخلافة في أهل الشورى، وكان يعهد إلى عثمان بلا نزاع. والله المستعان» (١).

(١) لسان الميزان ٣|١٩٢.

٥١

وأقول:

وإن كل حديث جاء في مناقب الخلفاء وذكرت أساميهم على الترتيب حديث موضوع بلا ريب...

ثمّ إنا نجد أنساً في هذا الحديث يقوم كل مرة ويفتح الباب بكل سرعة، ولا يقابلهم بما قابل به أمير المؤمنين عليه السلام في حديث الطير حيث ردّه غير مرة، ولما غضب عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلّم اعتذر بأنه كان يرجو أن يكون الذي سأل النبي حضوره رجلا من الأنصار!!

إفراط البعض في التعصّب

ثم إن بعضهم لم يقنع برواية الحديث المختلق المقلوب والاستدلال به حتى جعل يقدح في الحديث الأصل... قال العيني بشرح حديث الخوخة:

«فإن قلت: روي عن ابن عبّاس أنه صلى الله عليه [وآله] وسلّم. قال: سدّوا الأبواب إلاّ باب عليّ.

قلت: قال الترمذي: هو غريب. وقال البخاري: حديث إلاّ باب أبي بكر أصحّ. وقال الحاكم: تفرد به مسكين بن بكير الحرّاني عن شعبة. وقال ابن عساكر: وهو. وهم. وقال صاحب التوضيح: وتابعه إبراهيم بن المختار»(١).

بل تجاوز بعضهم عن هذا الحدّ... حتى زعم أن الحديث الأصل من وضع الرافضة:

قال ابن الجوزي ـ بعد أن رواه في بعض طرقه ـ: «فهذه الأحاديث كلّها من وضع الرافضة قابلوا بها الحديث المتفق على صحته في: سدّوا الأبواب إلاّ باب أبي بكر»(٢).

(١) عمدة القاري ٤|٢٥٤.

(٢) الموضوعات ١|٣٦٦.

٥٢

وقال ابن تيمية: «هذا مّما وضعته الشيعة على طريق المقابلة»(١).

وقال ابن كثير: «ومن روى إلاّ باب عليّ ـ كما في بعض السنن ـ فهو خطأ، والصواب ما ثبت في الصحيح» (٢).

قلت:

لا شك في أن الأمر بسدّ أبواب الصحابة إلاّ باب واحد منهم فضيلة وخصيصة ... ولمّا رأى المناوئون لأمير المؤمنين عليه السلام المنكرون فضائله وخصائصه ـ كمالك ابن أنس ونظائره ـ حديث «سدوا الأبواب إلاّ باب عليّ» ولم يتمكنوا من إنكاره لصحّة طرقه عمدوا إلى قلبه إلى أبي بكر وجعل حديث الخوخة في حقه... ثم اختلفت مواقف المحدّثين والشراح تجاه الحديثين.

فمنهم من لم يتعرض لحديث «سدّوا الأبواب إلاّ باب علي» لا نفياً ولا إثباتا ... كالنووي والكرماني في شرحيهما على مسلم والبخاري وابن سيّد الناس في سيرته...

ومنهم من تعرض له واختلف كلامه، كالعيني.. فظاهره في موضع طرحه أو ترجيح حديث الخوخة عليه، وفي آخر الجمع بما ذكره الطحاوي وغيره.

ومنهم من حكم بوضعه... كابن الجوزي ومن تبعه...

ومنهم من اعترف بصحته وثبوته، وردّ على القول بوضعه أوضعفه... وحاول الجمع بين الحديثين... كالطحاوي وابن حجر العسقلاني ومن تبعهما...

أما السكوت وعدم التعرض فلعدم الجرأة على ردّ حديث «إلاّ باب علي» وعدم تماميّة وجه للجمع بين الحديثين... بعد فرض صحة حديث الخوخة لكونه في الصحيحين...

وأمّا الطعن في حديث «إلاّ باب عليّ» فلأن الفضيلة والخصيصة لا تتّم لأبي

(١) منهاج السنة ٣|٩.

(٢) تفسير ابن كثير ١|٥٠١.

٥٣

بكر إلاّ بالطعن في ذاك الحديث، بعد فرض عدم تمامية وجهٍ للجمع بينهما.

ردّ البعض على البعض

لكنّ الطعن في حديث «إلاّ باب عليّ» مردود عند أكابر المحدّثين وشراح الحديث بل نصوا على أنه تعصّب قبيح...

قال ابن حجر بشرحه: «تنبيه: جاء في سدّ الأبواب التي حول المسجد أحاديث يخالف ظاهرها حديث الباب.

منها: حديث سعد بن أبي وقاص قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم بسدّ الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب عليّ. أخرجه أحمد والنسائي. وإسناده قويّ.

وفي رواية للطبراني في الأوسط ـ رجالها ثقات ـ من الزيادة: فقالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا ! فقال: ما أنا سددتها ولكن الله سدّها.

وعن زيد بن أرقم قال: كان لنفرٍ من الصحابة أبواب شارعة في المسجد. فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم: سدوا هذه الأبواب إلاّ باب عليّ. فتكلّم ناس في ذلك فقال رسول الله: إني والله ما سددت شيئاً ولا فتحته ولكن أمرت بشيء فاتبعته. أخرجه أحمد والنسائي والحاكم، ورجاله ثقات.

وعن ابن عباس قال: أمر رسول الله بأبواب المسجد فسدت إلاّ باب علي. وفي روايةٍ: وأمر بسدّ الأبواب غير باب علي، فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره. أخرجهما أحمد والنسائي، ورجالهما ثقات.

وعن جابر بن سمرة قال: أمرنا رسول الله بسدّ الأبواب كلها غير باب عليّ، فربّما مر فيه وهو جنب. أخرجه الطبراني.

وعن ابن عمر قال: كنا نقول في زمن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم: رسول الله خير الناس ثمّ أبو بكر ثمّ عمر. ولقد أعطي عليّ بن أبي طالب ثلاث خصال لئن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله ابنته

٥٤

وولدت له، وسدّ الأبواب إلاّ بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر. أخرجه أحمد وإسناده حسن.

وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عرارـ بمهملات ـ قال: فقلت لابن عمر: أخبرني عن عليّ وعثمان. فذكر الحديث وفيه: وأما عليّ فلا تسأل عنه أحداً وانظر إلى منزلته من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، قد سدّ أبوابنا في المسجد وأقرّ بابه. ورجاله رجال الصحيح إلاّ العلاء وقد وثّقه يحيى بن معين وغيره.

وهذه الأحاديث يقوّي بعضها بعضاً، وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلاً عن مجموعها.

وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في الموضوعات، أخرجه من حديث سعد ابن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر، مقتصراً على بعض طرقه عنهم، وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته، وليس ذلك بقادح، لما ذكرت من كثرة الطرق.

وأعلّه أيضاً بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر. انتهى.

وأخطأ في ذلك خطأ شنيعاً، فإنه سلك في ذلك ردّ الأحاديث الصحيحة بتوهّمه المعارضة، مع أن الجمع بين القصتين ممكن...» (١).

ولابن حجر كلام مثله في كتابه «القول المسدد» (٢).

وقد أورد السيوطي كلام ابن حجر في معرض الردّ على ابن الجوزي حيث قال:

«قلت: قال الحافظ ابن حجر في القول المسدد في الذبّ عن مسند أحمد: قول أبن الجوزي في هذا الحديث أنه باطل وأنه موضوع، دعوى لم يستدلّ عليها إلاّ بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين، وهذا إقدام على رد الأحاديث الصحيحة بمجرد

(١) فتح الباري ٦|١١ ـ ١٢.

(٢) القول المسدد في الذب عن مسند أحمد: ١٦ ـ ٢٠.

٥٥

التوهّم، ولا ينبغي الإقدام على حكم بالوضع إلاّ عند عدم إمكان الجمع، ولا يلزم من تعذّر الجمع في الحال أنه لا يمكن بعد ذلك، لأن فوق كل ذي علم عليم.

وطريق الورع في مثل هذا أن لا يحكم على الحديث بالبطلان، بل يتوقف فيه إلى أن يظهر لغيره ما لم يظهر له، وهذا الحديث من هذا الباب، هو حديث مشهور له طرق متعدّدة، كل طريق منها على انفراده لا تقصر عن رتبة الحسن، ومجموعها مّما يقطع بصحّته على طريقة كثير من أهل الحديث.

وأمّا كونه معارضاً لما في الصحيحين فغير مسلم، ليس بينهما معارضة...

وها أنا أذكر بقية طرقه ثم أبين كيفية الجمع بينه وبين الذي في الصحيحين...».

ثمّ قال بعد ذكر طرقٍ للحديث:

«فهذه الطرق المتضافرة بروايات الأثبات تدلّ على أن الحديث صحيح ذو دلالة قوية. وهذه غاية نظر المحدّث... فكيف يدعى الوضع على الأحاديث الصحيحة بمجرد هذا التوهّم ؟! ولو فتح هذا الباب لردّ الأحاديث لأدّى في كثير من الأحاديث الصحيحة البطلان، ولكن يأبى الله ذلك والمؤمنون...» (١).

وقال القسطلاني بشرح حديث الخوخة: «وعورض بما في الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: سدوا الأبواب إلاّ باب علي.

وأجيب بأن الترمذي قال: إنه غريب، وقال ابن عساكر: إنه وهم.

لكن للحديث طرق يقوّي بعضها بعضاً، بل قال الحافظ ابن حجر في بعضها: إسناده قويّ، وفي بعضها: رجاله ثقات» (٢).

وقال بعد ذكر طرق لحديث «إلاّ باب علي»: «وبالجملة فهي ـ كما قال الحافظ ابن حجر ـ: أحاديث يقوّي بعضها بعضاً، وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلاً عن مجموعها» (٣).

(١) اللآلي المصنوعة ١|٣٤٧ ـ ٣٥٢.

(٢) إرشاد الساري ١|٤٥٣.

(٣) إرشاد الساري ٦|٨٤ ـ ٨٥.

٥٦

وقال ابن عراق الكناني بعد كلام ابن الجوزي: «تعقبه الحافظ ابن حجر الشافعي في القول المسدّد فقال: هذا إقدام على رد الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم، ولا معارضة بينه وبين حديث الصحيحين، لأن هذه قصة أخرى، فقصة عليّ في الأبواب الشارعة وقد كان أذن له أن يمر في المسجد وهو جنب، وقصة أبي بكر في مرض الوفاة في سدّ طاقّات كانوا يستقربون الدخول منها. كذا جمع القاضي إسماعيل في أحكامه والكلاباذي في معانيه والطحاوي في مشكله...» (١).

الاضطراب في حل المشكل

قد ظهر إلى الآن اضطراب القوم في حلّ المشكل...

لكن السكوت عن وجود حديث «إلاّ باب عليّ» ظلم، وما الله بغافل عمّا يعمل الظالمون... وإن إبطاله أمر يأباه الله والمؤمنون...

فأمّا الاعتراف باختلاق حديث «الخوخة»...لكن الحقيقة مرة...

وإما الجمع بين الحديثين بطريق يرتضيه ذوو الأفكار الحرة...!!

وقد سلك ابن حجر وجماعة ممّن تقدّم وتأخر مسلك الجمع.. لكنها كلمات متناقضة.. ومحاولات يائسة...

كلام ابن روزبهان

قال ابن روزيهان: «كان المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم متصلاً ببيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم وعلى ساكن بيت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لمكان ابنته، وكان الناس من أبوابهم في المسجد يتردّدون ويزاحمون المصلين، فأمر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بسدّ الأبواب إلاّ باب علي. وقد صح في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أمر بسد كل

(١) تنزيه الشريعة ١|٣٨٤.

٥٧

خوخةٍ في المسجد إلاّ خوخة أبي بكر. والخوخة الباب الصغير.

فهذا فضيلة وقرب حصل لأبي بكر وعلي» (١).

أقول:

في هذا الكلام نقاط:

الأولى:

إن علياً عليه السلام كان يسكن بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن له هنالك بيت.

وهذا إنكار للحقيقة الراهنة التي تدلّ عليها أخبار الباب، ولذا لم نجد أحداً يدعي هذه الدعوى. نعم، هناك غير واحد منهم ينفي أن يكون لأبي بكر بيت إلى جنب المسجد، أما بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام فالأمر بالعكس... وفي عبارة ابن كثير الاتية تصريح بذلك.

والثانية:

إنه كان الناس من أبوابهم في المسجد يتردّدون ويزاحمون المصلّين. فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسدّ الأبواب إلاّ باب عليّ.

ومحصّل هذا أن السبب للأمر بسدّ الأبواب مزاحمة المصلين. وهذا مّما لا شاهد عليه في الأخبار، بل مفاد الأخبار في هذا الباب وغيره أن السبب الذي من أجله أمر بسدّ الأبواب عن المسجد هو تنزيه المسجد عن الأرجاس وتجنيبه عن الأدناس... واستثنى نفسه وعلياً وأهل بيته لكونهم طاهرين مطهرين، أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

والثالثة:

جمعه بين حديث «باب عليّ» و«خوخة أبي بكر» بأن هذا فضيلة وقرب حصل لكليهما... والمقصود من هذا الجمع ـ وإن لم يشتمل على زعم دلالة حديث الخوخة على خلافة أبي بكر كما تقدّم عن بعضهم ـ إنكار اختصاص هذه الفضيلة بأمير المؤمنين عليه السلام... وستعرف الإشكال فيه من كلام الحلبي...

(١) إبطال نهج الباطل/ في ردّ«نهج الحق» للعلاّمة الحلّي.

٥٨

كلام أبن كثير

وقال ابن كثير بشرح حديث «إلاّ باب عليّ»: «وهذا لا ينافي ما ثبت في صحيح البخاري من أمره عليه السلام في مرض الموت بسدّ الأبواب الشارعة إلى المسجد إلاّ باب أبي بكر الصديق، لأن نفي هذا في حق علي كان في حال حياته لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها، فجعل هذا رفقاً بها. واما بعد وفاته فزالت هذه العلة، فاحتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصليّ بالناس، إذ كان الخليفة عليهم بعد موته عليه السلام، وفيه إشارة إلى خلافته» (١).

أقول:

١ ـ فيه تصريح بأنه كان لعليّ عليه السلام هناك بيت غير بيت النبي صلى الله عليه واله وسلم !... وإعراض عما قاله المتقدّمون عليه في مقام الجمع !

٢ ـ جعل السبب في إبقاء باب علي مفتوحاً «احتياج فاطمة إلى المرور» من بيتها إلى بيت أبيها» ولم يذكر السبب في سدّ سائر الأبواب !

٣ ـ إذا كان السبب لترك بابها مفتوحاً هو«المرور من بيتها إلى بيت أبيها» فلماذا لم يترك باب أبي بكر رفقاً بعائشة !! كي تمر من «بيتها إلى بيت أبيها»؟!

٤ ـ وإذ «احتيج إلى فتح باب الصدّيق...» فهل سدّ باب عليّ من تلك الساعة أو لاً؟! إن كان يدّعي سدّه فأين الدليل ؟! وكيف وليس له إلاّ باب واحد ؟! لكنه لا يدعي هذا، بل ظاهر العبارة بقاوّه مفتوحاً غير إنه فتح باب أبي بكر... فأين الإشارة إلى الخلافة ؟!

٥ ـ ثم إن هذا كله يتوقف على أن يكون لأبي بكر بيت إلى جنب المسجد... وهذا غير ثابت...

(١) البداية والنهاية ٧|٣٤٢.

٥٩

٦ ـ هذا، وابن كثير نفسه يروي عن أم سلمة:

«خرج النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم في مرضه حتى انتهى إلى صرحة المسجد فنادى بأعلى صوته أنه لا يحل المسجد لجنب ولا لحائض إلاّ لمحمّد وأزواجه وعلي وفاطمة بنت محمّد، إلاّ هل بينت لكم الأسماء أن تضلّوا» (١).

وهذا الحديث يبين السبب في سدّ الابواب إلاّ باب عليّ عليه السلام ويبطل جميع ما ذكره أبن الأثير... ومن الطبيعي والحال هذه أن يقدح في سنده!

كلام ابن حجر

وقال ابن حجر: «إن الجمع بين القصتين ممكن، وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة علي، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري، يعني: الذي أخرجه الترمذي أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم قال: لا يحلّ لأحد أن يطرق هذا المسجد جنباً غيري وغيرك.

والمعنى: أن باب علي كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره، فلذلك لم يؤمر بسدّه.

ويؤيّد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في أحكام القران من طريق المطلب ابن عبدالله بن حنطب أن النبي لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلاّ لعلي ابن أبي طالب، لأن بيته كان في المسجد.

ومحصل الجمع أن الأمر بسدّ الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى: استثني عليّ لما ذكر، وفي الأخرى استثني أبو بكر. ولكن لا يتم ذلك إلاّ بأن يحمل ما في قصّة علي على الباب الحقيقي، وما في قصّة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة، كما صرح به في بعض طرقه. وكأنهم لمّا أمروا بسد الأبواب سدّوها وأحدثوا خوخاً

(١) البداية والنهاية ٧|٣٤٣.
٦٠