×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسالة في الأحاديث المقلوبة في مناقب الصحابة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

يستقربون الدخول إلى المسجد منها، فأمروا بعد ذلك بسدها.

فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين، وبها جمع بين الحديثين المذكورين أبو جعفر الطحاوي في (مشكل الآثار) وهو في أوائل الثلث الثالث منه، وأبو بكر الكلاباذي في (معاني الأخبار) وصرح بأن بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد وبيت علي لم يكن له باب إلاّ من داخل المسجد. والله أعلم» (١).

وكذا قال في «القول المسدّد» وأورده السيوطي ووافقه (٢) وذكر القسطلاني ملخصه في مقام الجمع بين الحديثين (٣).

أقول:

١ ـ إن هذا الجمع الذي ذكره يبتني ـ كغيره ـ على أن يكون لأبي بكر بيت إلى جنب المسجد، وقد عرفت أن غير واحدٍ من محققيهم ينفي ذلك، ومن هنا حمل البعض الحديث على أنه كناية عن الخلافة! وابن حجر، وإن ضعّف القول المذكور قائلاً: «وهذا الاستناد ضعيف» لكنه لم يذكر لدعواه مستنداً قوياً، وما ذكره من خبر ابن شبّة ضعيف سنداً (٤).

٢ ـ إن هذا الجمع الذي ذكره عن الطحاوي وغيره مما قد وقف عليه النووي وأمثاله قطعاً، وإذ لم يتعرضوا لهذا الجمع فهم معرضون عنه وغير معتمدين عليه... وهذا هو الصحيح، وستعرف بعض الوجوه الدالة على سقوطه.

٣ ـ فيما نقله ابن حجر عن البزار نقاط:

الأولى:

إن رواة قصّة علي «كوفيون» ورواة قصّة أبي بكر «مدنيون» وهذا ما لم نتحققه.

(١) فتح الباري ٧|١٢.

(٢) اللآلي المصنوعة ١|٣٤٧.

(٣) إرشاد الساري ٦|٨٣.

(٤) أخبار المدينة المنوّرة ـ لابن شبة ـ ١|٢٤٢.

٦١

والثانية:

إنّ روايات قصّة علي «بأسانيد حسان». وهذا ما يخالف الواقع ولا يوافق عليه ابن حجر... وقد تقدمت عبارته في رده على كلام ابن الجوزي.

والثالثة:

تشكيكه في روايات قصّة عليّ بقوله: «إن ثبتت» وهذا تشكيك في الحقيقة الواقعة، ولا يوافق عليه ابن حجر كذلك.

والرابعة:

كون معنى «لا يحل لأحد أن يطرق المسجد جنباً غيري وغيرك» هو «إن باب عليّ كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره فلذلك لم يؤمر بسدّه» باطل جدّا.

أمّا أولاً:

فلأنّ الحديث المذكور لا يدل إلاّ على أختصاص هذا الحكم بهما عليهما السلام، فأين الدلالة على المعنى المذكور؟!

وأمّا ثانياً:

فلأنه لو كان السبب في أنه لم يؤمر بسد بابه أنه «لم يكن لبيته باب غيره» لم يكن وجه لاعتراض الناس وتضجّرهم مما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لا سيّما عمه حمزة حيث جاء ـ فيما يروون ـ وعيناه تذرفان بالدموع... !

ولكان الأجدر برسول الله أن يعتذر بأنه: ليس له باب غيره فلذا لم أسدّ بابه وأنتم لبيوتكم بابان باب من داخل وباب من خارج، لا أن يسندّ سدّ الأبواب إلاّ بابه إلى الله قائلاً: «ما أنا سددت شيئا ولا فتحته، ولكن أمرت بشيء فاتبعته»!

ولكان لمن سأل ابن عمر عن عليّ ـ فأجابه بقوله: أما عليّ فلا تسأل عنه أحدا وانظر إلى منزلته من رسول الله: قد سدّ أبوابنا في المسجد وأقر بابه ـ أن يقول له: وأي منزلة هذه منه صلى الله عليه وآله وسلّم و«لم يكن لبيته باب غيره»؟!

ولكان لقائل أن يقول له: كيف تكون هذه الخصلة أحب إليك من حمر النعم، وتجعلها كتزويجه من بضعته الزهراء، وإعطائه الراية في خيبر، وقد كان من الطبيعي أن لا يسدّ بابه لأنه «لم يكن لبيته باب غيره»؟!

ولو كان كذلك لم يبق معنى لقول بعضهم: «تركه لقرابته. فقالوا: حمزة أقرب منه وأخوه من الرضاعة وعمّه»! ولا لقول آخرين: «تركه من أجل بنته»! حتى بلغت أقاويلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج إليهم... في حديث ننقله بكامله

٦٢
رسالة في الأحاديث المقلوبة في مناقب الصحابة للسيد علي الحسيني الميلاني (ص ٦٣ - ص ٧٣)
٦٣

تأملت فيه فوجدته وجهاً مغايراً للوجه السابق...!

ثمّ وجدت السمهودي ينصّ على ذلك فيقول بعد نقل العبارة: «قلت: والعبارة تحتاج إلى تنقيح، لأنّ ما ذكره بقوله: (ومحصّل الجمع) طريقة أخرى في الجمع غير الطريقة المتقدّمة، إذ محصّل الطريقة المتقدّمة أن البابين بقيا، وأن المأمورين بالسدّ هم الذين كان لهم أبواب إلى غير المسجد مع أبواب من المسجد. وأما علي فلم يكن بابه إلا من المسجد، وأن الشارع صلى الله عليه [ وآله ] وسلم خصه بذلك، وجعل طريقه إلى بيته المسجد لما سبق، فباب أبي بكر هو المحتاج إلى الاستثناء، ولذلك اقتصر الأكثر عليه، ومن ذكر باب علي فإنما أراد بيان أنه لم يسدّ، وأنه وقع التصريح بإبقائه أيضا.

والطريقة الثانية تعدد الواقعة، وأن قصة علي كانت متقدمة على قصة أبي بكر.

ويؤيد ذلك ما أسنده يحيى من طريق ابن زبالة وغيره عن عبدالله بن مسلم الهلالي، عن أبيه، عن أخيه، قال: لما أمر بسدّ أبوابهم التي في المسجد خرج حمزة بن عبدالمطلب يجرّ قطيفة له حمراء وعيناه تذرفان يبكي يقول: يا رسول الله أخرجت عمّك واسكنت ابن عمّك ! فقال: ما أنا أخرجتك ولا أسكنته، ولكن الله أسكنه.

فذكره حمزة رضي الله عنه في القصة يدلّ على تقدّمها...» (١).

٥ ـ وفي الجمع الثاني ـ وهو وقوع الأمر بسدّ الأبواب مرتين ـ نقطتان التفت إليهما ابن حجر نفسه:

أحداهما: أن هذا الجمع لا يتم إلا بأن يحمل ما في قصّة علي على الباب الحقيقي، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازي، والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه.

والثانية: ما أشار إليه بقوله: وكأنهم لما أمروا بسدّ الأبواب سدّوها وأحدثوا خوخاً...

(١) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ١|٤٨٠.

٦٤
أقول: أما في الأولى فلقد تقدّم أن البخاري هو الذي حرف الحديث من «الخوخة» إلى «الباب» وقد ذكرنا هناك توجيه ابن حجر ذلك بأنه نقل بالمعنى ولا يخفى التنافي بين كلامه هناك وكلامه هنا.

واما في الثانية: فإن الوجه في قوله: «وكأنهم...» هو أن قصة حديث «إلأ باب عليّ» متقدّمة على قصة «حديث الخوخة» بزمن طويل. فتلك كانت قبل أُحدٍ كما عرفت، وهذه في أيام مرضه الذي توفي فيه كما ذكروا، فإذا كان قد أمر بسدّ الأبواب فأيّ معنى للأمر بسدّ الخوخ ؟! فلا بدّ من أن يدعى أنهم أطاعوا أمره بسدّ الأبواب لكنهم أحدثوا خوخا يستقربون الدخول إلى المسجد منها! لكن ابن حجر يقول: «وكأنهم...» فهو غير جازم بهذا...

وأقول:

١ ـ هل من المعقول أن يأمر بسدّ الأبواب ويأذن بإحداث خوخ يستقربون الدخول إلى المسجد منها؟! إن كانت الخوخ المستحدثة يستطرق منها إلى المسجد فما معنى الأمر بسدّ الأبواب ؟!

٢ ـ إنه لا يوجد في شيء من ألفاظ حديث «سدّ الأبواب إلأ باب علي» ما يدلّ على إذن النبي صلى الله عليه واله وسلم...

٣ ـ هناك في غير واحد من الأحاديث تصريح بالمنع عن إحداث الخوخ بعد الأمر بسدّ الأبواب...

ففي حديث: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سدّوا أبواب المسجد إلأ باب علي. فقال رجل: أترك لي قدر ما أخرج وأدخل ؟ فقال رسول الله: لم أؤمر بذلك. قال: أترك بقدر ما أخرج صدري يا رسول الله ؟! فقال رسول الله: لم أؤمر بذلك. وانصرف. قال رجل: فبقدر رأسي يا رسول الله ؟ فقال رسول الله: لم أؤمر بذلك. وانصرف واجداً باكيا حزيناً، فقال رسول الله: لم أؤمر بذلك، سدّوا الأبواب إلأ باب

٦٥

علي»(١).

وفي آخر: «قال له رجل من أصحابه: يا رسول الله دع لي كوّة أنظر إليك منها حين تغدو وحين تروح. فقال: لا والله ولا مثل ثقب الإبرة» (٢).

ومن هنا قال السمهودي:

«وقد اقتضى ذلك المنع من الخوخة أيضا، بل وممّا دونها عند الأمر بسدّ الأبواب أوّلا...» (٣).

إلى هنا وقد ظهر أن الحق مع المعرضين عن الجمع...

كلام ابن عراق

وابن عراق حيث نقل كلام ابن حجر أعرض عما قال ابن حجر قبل: «ومحصل الجمع» وإنها ذكر في وجه الجمع: «أن هذه قصة أخرى فقصّة علي في الأبواب الشارعة، وقد كان أذن له أن يمر في المسجد وهو جنب، وقصّة أبي بكر في مرض الوفاة في سدّ طاقات كانوا يستقربون الدخول منها. كذا جمع القاضي إسماعيل في أحكامه والكلاباذي في معانيه والطحاوي في مشكله» (٤).

فتراه يقتصر على الجمع الثاني وهو اختلاف القصتين، ويعرض عن دعوى أن السبب في عدم سدّ باب علي كون بابه من داخل المسجد!! والموضوع في القصة الأولى «الأ بواب» وفي الثانية: «طاقات»!!

والذي ينسبه إلى المتقدّمين في وجه الجمع هو هذا المقدار فقط !!

(١) وفاء الوفا ١|٤٨٠.

(٢) وفاء الوفا ١|٤٨٠.

(٣) وفاء الوفا ١|٤٨٠.

(٤) تنزيه الشريعة المرفوعة ١|٣٨٤.

٦٦

كلام المباركفوري

والمباركفوري وافق ابن حجر في أن أحاديث «باب عليّ» يقوي بعضها بعضا، وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلا عن مجموعها. ثم تهرب عن الدخول في تفصيل المطلب وقال: «فهذه الأحاديث تخالف أحاديث الباب. قال الحافظ: ويمكن الجمع بين القصتين وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده...» (١).

كلام الحلبي

والحلبي صاحب السيرة التفت إلى وهن هذا الجمع فأورده مع تفسيرات وتغييرات من عنده... فقال:

«وجمع بعضهم بأن قصة عليّ متقدّمة على هذا الوقت، وأن الناس كان لكل بيت بابان، باب يفتح للمسجد وباب يفتح خارجه، إلأ بيت عليّ كرم الله وجهه فإنه لم يكن له إلأ باب من المسجد وليس له باب من خارج، فأمر صلى الله عليه [وآله] وسلم بسدّ الأبواب، أي التي تفتح للمسجد. أي بتضييقها وصيرورتها خوخا إلأ باب عليّ كرم الله وجهه، فإن علياً لم يكن له إلآ باب واحد ليس له طريق غيره كما تقدم، فلم يأمر صلى الله عليه [ وآله ] وسلم بجعل خوخة ثم بعد ذلك أمر بسدّ الخوخ إلأ خوخة أبي بكر. وقول بعضهم: حتى خوخة عليّ كرم الله وجهه. فيه نظر، لما علمت أن علياً كرم الله وجهه لم يكن له إلأ باب واحد. فالباب في قصة أبي بكر ليس المراد به حقيقته بل الخوخة، وفي قصّة عليّ كّرم الله وجهه المراد به حقيقته» (٢).

أقول:

لقد غير العبارة من: «وأحدثوا خوخاً...» إلى تضييق الأبواب وصيرورتها خوخا» على أن المراد من «سدّوا الأبواب إلأ باب علي» هو: ضيّقوها واجعلوها خوخا... فبالله عليك هل تفهم هذا المعنى من «سدّوا الأبواب....»!! لكنّه

(١) تحفة الأحوذي ١٠|١٦٣.

(٢) إنسان العيون ٣|٤٦٠ ـ ٤٦١.

٦٧

اضطر إلى هذا التمحّل لما رأى بطلان كلام ابن حجر...

كما أنه ترك قول ابن حجر: «يستقربون إلى المسجد منها» لالتفاته إلى أنها حينئذ «أبواب» لا «الخوخ» !

لكنه مع ذلك كله نبّه على ما نبّه عليه السمهودي من أن الأحاديث الواردة تنفي الإذن بجعل «الخوخ» بعد «سدّ الأبواب»... فقال:

«وعلى كون المراد بسدّ الأبواب تضييقها وجعلها خوخاً يشكل ما جاء (١)... فعلى تقدير صحة ذلك يجتاج إلى الجواب عنه».

ولكن لا جواب، لا منه ولا من غيره !!

ثم قال: «وعلى هذا الجمع يلزم أن يكون باب علي كرم الله وجهه استمر مفتوحا في المسجد مع خوخة أبي بكر، لما علم أنه لم يكن لعلي باب آخر من غير المسجد. وحينئذ قد يتوقف في قول بعضهم: في سدّ الخوخ إلآ خوخة أبي بكر إشارة إلى استخلاف أبي بكر لأنه يحتاج إلى المسجد كثيرا دون غيره» (٢).

أقول: وفي هذا رد على الخطابي وابن بطال ومن تبعهما... وعلى ابن حجر نفسه الذي اختار هذا الجمع وهو مع ذلك ينقل كلمات أولئك... اللهم إلا أن يقال بعدم ارتضائه لها لما أشرنا إليه سابقا من قوله لدى نقلها: «وقد ادعى....»...

حقيقة الحال في هذا الحديث

أقول: قد رأيت عدم تمامية شيء مما ذكروا في وجه الجمع بين القصتين، وأن

(١) ذكر العباس في قضية «سد الأبواب إلا باب علي» غلط، بل هو حمزة عليه السلام، لأن العباس أسلم عام الفتح وقصة علي قبل أُحد... وهذا واضح وقد نبه عليه غير واحد... ثم رأيت ابن سيد الناس في عيون الأثر ٢|٣٣٦ يذكر طلب العباس واعتراضه في قضية «إلأ باب أبي بكر» المزعومة... وكأنه لغرض تثبيت قصّة أبي بكر !!

(٢) إنسان العيون ٣|٤٦١.

٦٨

كلمات القوم في المقام متهافتة للغاية، وما ذلك إلأ لامتناعهم عن الإدلاء بالحق والاعتراف بالواقع...

وحقيقة الحال في هذا الحديث هو: أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمر بسدّ الأبواب الشارعة إلى المسجد تنزيهاً له عن الأدناس وتجنيبا عن الأرجاس... وحتى باب عمّه حمزة سيد الشهداء عليه السلام سدّه على ما كان عليه من الفضل والقرابة والشأن الرفيع... والأحاديث الدالة على كون ما ذكرناه هو السبب في سدّ الأبواب كثيرة عند الفريقين...

لكنه إنما لم يؤمر بسدّ بابه وباب علي وأجاز مكث علي وأهل بيته ومرورهم من المسجد ـ في حال الجنابة ـ لكونهم طاهرين مطهرين بحكم آية التطهير النازلة من رب العالمين وغير هذه الآية من أدلة عصمة أهل البيت وامتيازهم بهذه الخصيصة عن سائر الخلق أجمعين... فبابهم لم يسدّ لعدم الموجب لسدّه كما كان بالنسبة إلى غيرهم ... وبهذا ظهرت ميزة أخرى من مميزاتهم (١)... الأمر الذي أثار عجب قوم وحسد أو غضب قوم اخرين...

ثم إن هذا الحسد لم يزل باقيا في نفوس أتباع أولئك... كمالك وأمثال مالك ... فحملهم الحسدّ لعليّ والحب لأبي بكر ـ وهو ممّن سدّ بابه كما هو صريح أخبار الباب ـ على أن يضعوا له في المقابل حديثا ويقلبوا الفضيلة... !

والواقع: أن هذا الوضع ـ في أكثره ـ من صنع أيام معاوية... لكن وضع على لسان النبي صلى الله عليه واله وسلم في أواخر أيام حياته... وله نظائر عديدة...

لقد نصبوا أبا بكر للخلافة وبايعوه... وهم يعلمون بعدم وجود نصّ عليه وبعدم توفّر مؤهّلات فيه كما اعترف هو بذلك فيما رووه... فحاولوا أن يضعوا أشياء وينسبوها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن قالها في أيام مرضه زعموا أن فيها إشارة قوية إلى خلافته... ليصبغوا ما صنعوا بصبغة الشرعية... وليضيفوا ما وقع منهم

(١) وممن نص علي هذه الميزة والاختصاص المحب الطبري في ذخائر العقبى: ٧٧.
٦٩

إلى الإرادة الإلهّية...

ومن هذه الأحاديث المختلقة في هذه الفترة:

حديث: «مروا أبا بكر فليصل بالناس».

وقد بحثنا عنه في رسالة مفردة...

وحديث: «... يأبى الله والمؤمنون إلآ أبا بكر...».

ولعلنا نبحث عنه في مجال آخر.

وحديث: «سدوا الأبواب إلآ باب أبي بكر» او: سدّوا الخوخ إلآ خوخة أبي بكر».

وهو موضوع رسالتنا هذه... حيث أثبتنا عدم تماميّته سنداً ومعنىً ودلالةً، حتى أن القوم حاروا في معناه واضطربت كلماتهم وتهافتت مواقفهم تجاهه... حتى التجأ بعضهم إلى دعوى أن حديث «إلآ باب علي» هو الموضوع المقلوب !!

الاعتراف بوضع أحاديث

ولقد كان الأولى والأجدر بأبن الجوزي القول بالحق والاعتراف بالحقيقة... وهو: كون الحديث في أبي بكر موضوعاً، لقلًة طرقه جدّاً، وضعف كلّها سنداّ، وعدم وجود شاهد له أبداّ...

ما صب الله في صدري شيئاّ إلآ وصببته في صدر أبي بكر

وقد وجدنا ابن الجوزي وغيره يعترفون بوضع أحاديث في فضل أبي بكر، كحديث «ما صب الله في صدري شيئاً إلآ وصببته في صدر أبي بكر» هذا الحديث الموضوع الذي ربما استدل به بعضهم في فضل أبي بكر واحتجّ به غيره في مقابلة حديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها» المتواتر بين الفريقين...

يقول ابن الجوزي: «وما أزال أسمع العوامّ يقولون عن رسول الله صلّى الله

٧٠

عليه [وآله] وسلم أنه قال:

(ما صب الله في صدري شيئاً إلآ وصببته في صدر أبي بكر)!

و(إذا اشتقت إلى الجنة قبّلت شيبة أبي بكر)!

و(كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان، سبقته فاتبعني ولو سبقني لاتبعته)!

في أشياء ما رأينا لها أثراً، لا في الصحيح ولا في الموضوع.

ولا فائدة في الإطالة بمثل هذه الأشياء» (١).

ويقول: المجد الفيروزآبادي:

«وأشهر الموضوعات في باب فضائل أبي بكر:

حديث: إن الله يتجلي يوم القيامة للناس عامة ولأبي بكر خاصّة!

وحديث: ما صب الله في صدري شيئاً إلأ وصببته في صدر أبي بكر! وحديث: كان رسول الله إذا اشتاق إلى الجنة قبل..!

وحديث: أنا وأبو بكر كفرسي رهان...!

وحديث: إن الله تعالى لما اختارالأرواح اختار روح أبي بكر!

وأمثالها من المفتريات الواضح بطلانها ببداهة العقل» (٢).

ويقول الفتني ـ نقلاً عن كتاب الخلاصة في أصول الحديث للطيبي ـ ما نصّه:

«في الخلاصة: ما صب الله في صدري شيئاً إلا وصببته في صدر أبي بكر. موضوع»(٣).

ويقول القاري ـ نقلا عن ابن القيم ـ: «ومّما وضعه جهلة المنتسبين إلى السّنة في فضل الصّديق:

حديث: إن الله يتجلّى للناس عامة يوم القيامة ولأبي بكر خاصة!

وحديث: ما صب الله في صدري شيئا إلآ صببته في صدر أبي بكر!

(١) الموضوعات ١|٢١٩.

(٢) سفر السعادة ـ خاتمة الكتاب.

(٣) تذكرة الموضوعات: ٩٣.

٧١

وحديث: كان إذا اشتاق إلى الجنة قبّل شيبة أبي بكر!

وحديث: أنا وأبو بكر كفرسي رهان !

وحديث: إن الله لما اختار الأرواح اختار روح أبي بكر!

وحديث عمر: كان رسول الله عليه السلام وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينهما!

وحديث: لو حدثتكم بفضائل عُمَر عُمْر نوح في قومه ما فنيت، وإّن عمر حسنة من حسنات أبي بكر!

وحديث: ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، وإنما سبقكم بشيء وقر في صدره ! وهذا من كلام أبي بكر ابن عياش» (١).

ويقول الشوكاني:

«حديث: ما صبّ الله في صدري شيئاً إلاّ وصببته في صدر أبي بكر. ذكره صاحب الخلاصة وقال: موضوع» (٢).

لو لم أُبعث لبُعث عمر

وقال ابن الجوزي في ما وضع في فضل عمر:

«الحديث الثاني: أنبأنا إسماعيل بن أحمد، قال: أنبأ ابن مسعدة، قال: أنبأ حمزة، قال: أنبأ ابن عدي، قال: ثنا علي بن الحسن بن قديد، قال: ثنا زكريا بن يحيى الوقار، قال: ثنا بشر بن بكر، عن أبي بكر بن عبدالله بن أبي مريم، عن حمزة بن حبيب، عن عصيف بن الحارث، عن بلال بن رباح، قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو لم أبعث فيكم لبُعث عمر!

قال ابن عديّ: وثنا عمر بن الحسن بن نصر الحلبي، قال: ثنا مصعب بن سعد

(١) الموضوعات الكبرى: ١٣٢.

(٢) الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة: ١٥٢.

٧٢

أبو خيثمة، قال: ثنا عبدالله بن واقد، قال: حدّثنا حياة بن شريح، عن بكر بن عمر؛ وعن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر، قال:

قال رسول الله: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر!

قال المصنف: هذان حديثان لا يصحان عن رسول الله. أمّا الأول، فإن زكريا ابن يحيى كان من الكذابين الكبار. قال ابن عديّ: كان يضع الحديث. وأما الثاني، فقال أحمد ويحيى: عبدالله بن واقد ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: انقلبت على مشرح صحائفه فبطل الاحتجاج به» (١).

خذوا شطر دينكم عن الحميراء

ومن الأحاديث الموضوعة في فضل عائشة:

«خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء».

وهو حديث مشهور... لكنهم أجمعوا على أنه موضوع:

قال ابن أمير الحاج: «ذكر الحافظ عماد الدين ابن كثير أنه سأل الحافظين المزي والذهبي عنه فلم يعرفاه».

وقال: «قال شيخنا الحافظ ـ ابن حجر العسقلاني ـ: لا أعرف له إسناداً، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث...»(٢).

وتبعهم السخاوي (٣).

وقال السيوطي: «لم أقف عليه، وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير في تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب: هو حديث غريب جداً، بل هو حديث منكر. سألت عنه...»(٤).

(١) الموضوعات ١|٣٢٠.

(٢) التقرير والتحبير في شرح التحرير ٣|٩٩.

(٣) المقاصد الحسنة: ١٩٨.

(٤) الدرر المنتثرة: ٧٩.

٧٣