×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السلفية بين أهل السنة والإمامية / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب السلفية بين أهل السنة والإمامية للسيد محمد الكثيري (ص ١ - ص ٣٢)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الإهداء

إلى من سفكت دماؤهم، وسبيت ذراريهم، ونهبت أموالهم، بفتاوى الشيخين ابن تيمية الحراني، ومحمد بن عبد الوهاب النجدي.

وإلى كل من يتعرض للاضطهاد السلفي المعاصر من أهل السنة والإمامية.

أقدم هذا الجهد العلمي المتواضع.

٦



" إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، ويتولى عليها رجال رجالا، على غير دين الله.

فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق، لم يخف على المرتادين ولو أن الحق خلص من لبس الباطل، انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى ".

الإمام علي بن أبي طالب
[ نهج البلاغة، الخطبة ٤٩ ]




٧

كلمة المركز

اكتوى المؤلف، وهو باحث مغربي مختص في علم الاجتماع الديني، بنار الاختلافات التي شغلت أبناء الصحوة الإسلامية، وأدت إلى تخبط عقيدي وفقهي، تمثل في أزمة من مظاهرها الانقسام وتكاثر الفرق والتكفير. فعقد العزم على مواصلة مسيرة البحث لمعرفة أسباب هذه الأزمنة ونتائجها، وقرر السفر إلى الشرق حيث يجد المراجع والمصادر الخاصة بالمذاهب الإسلامية.

وكشف سفر المعرفة حقائق منها أن في العالم الإسلامي حدودا مذهبية أيديولوجية يتم الحفاظ عليها أكثر من الحفاظ على الحدود الجغرافية - السياسية وأن فيه " أصناما ذهبية براقة " ينبغي أن تعرف حقيقتها. وأثار هذا السفر أسئلة كثيرة تتعلق بدعاة سلفية جديدة يقفون وراء الفتن المذهبية التي تمزق وحدة المسلمين.

في سبيل الإجابة عن هذه الأسئلة كان لا بد من متابعة تاريخية تتبين نشوء المذاهب وتكونها، وتوضح طبيعة آراء السلفيين التي تصنف المسلمين بين " سلفي " مؤمن و " بدعي " كافر، بوصف هذه الآراء اختيارات مجتزأه محرفة، واجتهادات حرفية ظاهرية لا تمثل الحقيقة الإسلامية أو آراء السلف الصالح وأعماله. وإضافة إلى أنها كانت، ولا تزال، نتاج سياق تاريخي: سياسي، اجتماعي، أخرجها إلى الوجود لتحقيق أهداف معينة.

تركزت الإجابات في هذا الكتاب الموسوم بعنوان: " السلفية بين أهل السنة والإمامية "، وهو يتألف من قسمين كبيرين:

القسم الأول يبحث في " السلفية: الخلفيات التاريخية والمذهبية "، ويتضمن بحث عدة قضايا: أولاها تعريف السلفية والحشوية وأهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية، وثانيتها تعريف المذهب الحنبلي (رحم الحشوية)، ودور السياسة في انتشار المذاهب الفقهية، وأحمد بن حنبل وعصره والمذهب الفقهي والأصولي المنسوب إليه، وثالثتها تقي الدين، أبو العباس بن تيمية الحراني الحنبلي ودوره في " عقلنة الحشو " وفي إثارة الحروب والفتن بين المسلمين وعلاقته بالتصوف،

٨
ورابعتها محمد بن عبد الوهاب النجدي الحنبلي وقيام الدعوة السلفية الحشوية في بلاد نجد، حيث عضد السيف القلم فانتشرت الدعوة وظهرت للوجود دولة تتخذ السلفية الجديدة مذهبا في الدين وأساسا للشرعية السياسية، ومن يطلع على ما كتبه مؤرخها " ابن بشر " يجد أن قوامها مجموعة من البدو يتزعمهم فقيه حنبلي حكم على باقي المسلمين بالكفر والارتداد وأباح دماءهم وأموالهم. وقد أتيح لهذه الدولة الدعم الغربي ومال النفط، فعملت على أن تجعل السلفية دعوة عالمية، مستخدمة القوة العسكرية والمال وتحريف التراث والكذب وإشعال الفتن.

والقسم الثاني يبحث في " أهل السنة والإمامية في مواجهة السلفية "، ويتضمن بحث عدة قضايا منها: مواقف أهل السنة والشيعة الإمامية من السلفية، والجديدة منها بخاصة، وآراؤهم في ما تذهب إليه في مختلف الأمور.

ويبدو واضحا، منذ البداية، أن أتباع هذه السلفية لا يقتنعون بالحجة الساطعة لأن سلطانهم له حجتان قاطعتان عليهما يعتمد، وهما: الحسام البتار والدرهم والدينار.

ويعود المؤلف في بيا ن ذلك إلى جزور الصراع وتاريخيته منذ " فدك " المغتصبة إلى محنة التشيع في أيام الأمويين والعباسيين، ويتوقف عند يوميات الصراع السلفي مع الشيعة الإمامية، ومنها بخاصة فتاوى ابن تيمية وما آلت إليه في من فتن ومذابح، وصولا إلى ما يعانيه شيعة المنطقة الشرقية في نجد، وإلى أكاذيب السلفية وهجمتهم الإعلامية الشرسة على الجمهورية الإسلامية وإلى محاربة الكتاب الشيعي. ثم يورد ردود المستبصرين المسلمين على دعاة السلفية في ما يتعلق بإمامة أهل البيت والشيعة والصحابة: إضافة إلى أن الكتاب يتضمن ثبتا بالمؤلفات التي ترد دعاوى السلفيين.

يهدف هذا الكتاب، كما يبدو، إلى تحصيل معرفة تضئ وتكشف، وتبين، فيميز المسلم ويختار، وهو على بينة من أمره، وبهذا يسهم في الجهد الرامي إلى تجاوز الأزمة القائمة في العالم الإسلامي.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية

٩

المقدمة

قبل عقد ونصف من الزمن كنت في زيارة لأحد أقاربي، شيخ طاعن في السن و " مقدم " في الطريقة التيجانية، يقيم في منزله حلقات الذكر والدعاء، فكان أتباع هذه الطريقة يؤمون بيته في كل وقت للذكر والزيارة. وقد صادف يوم زيارتي أن جاءه رجل في الخمسينات من عمره، وبعد أن سلم وجلس بجوار الشيخ بدأ يحدثه عن زيارته للأماكن المقدسة. قال الرجل أنه زار مكة والمدينة وقد التقى بالشيخ أبو بكر الجزائري الواعظ السلفي المشهور.

حيث دار بينهما نقاش طويل حول زيارة القبور والتوسل بالأولياء. قال الرجل إنه أفحم الواعظ السلفي فلم يجد ما يرد به عليه إلا اعتراضه على حلق اللحية وقد كان الرجل حليقا. فقال له، إنك لو تترك لحيتك فستكون مسلما جيدا.

لكن هذا المريد التيجاني رد عليه بقوة قائلا: إن الله سبحانه وتعالى لم يقل أنه ينظر إلى لحاكم بل قال إنه ينظر إلى قلوبكم، فحار الشيخ أبو بكر الجزائري في جوابه وانتهى الحوار.

كان الرجل يحدث أصحابه بفخر واعتزاز وقد ظهرت الغبطة والسرور على وجوه الحاضرين ومنهم شيخ الطريقة، وكأنه يحدثهم عن انتصار مهم في معركة حامية الوطيس، انتقل الحاضرون بعد ذلك لنقاش بعض القضايا، فسمعت اسم ابن تيمية يتردد على ألسنتهم، قال أحدهم إن الرحالة ابن بطوطة ذكر في رحلاته أن ابن تيمية ذكر حديث النزول، نزول الله إلى سماء

١٠
الدنيا، وأنه - أي ابن تيمية - نزل درجة من على المنبر قائلا كنزولي هذا.

وتابع الحاضرون نقاشاتهم بين مستنكر لما قاله ابن تيمية وبين معلق عليه...

لم أكن أعرف وقتها أن هناك صراعا عقائديا مريرا بين هؤلاء الطرقيين وبين المذهب الفقهي والأصولي المنتشر في جزء كبير من شبه الجزيرة العربية، لأنني كنت في بدايات تحصيلي العلوم الدينية. كما أن الكتب التي كانت تغزو الساحة آنذاك ومن بينها فتاوى ابن تيمية لم تكن تدعو لمذهب فقهي أو أصولي معين، أو معروف لدى أبناء الصحوة الإسلامية. وإنما هي دعوة للتشبث بالسنة النبوية والعمل بمقتضاها ورفض التقليد في الدين. وقد واكب ذلك انتشار كبير لآراء وفتاوى تخالف المذهب المالكي وأشهرها القبض في الصلاة بدل الاسبال.

أما الحوارات الفقهية والأصولية التي كانت تدور في ساحات الجامعة وداخل الفصول، فكانت تثير الكثير من التساؤلات، وذلك لوجود طلبة ممن لديهم اطلاع جيد على العلوم الإسلامية. فالآراء الجديدة كانت تجد معارضة قوية ويتحول النقاش في أحيان كثيرة إلى خصام واتهام الطرف الآخر بالجهل وقلة الاطلاع. وبعد ذلك ينقسم الطلبة إلى تيارين مختلفين ومتنافسين، ويبدأ كلا الفريقين في الدعوة لاختياراته الفقهية بالخصوص وتكثير الأتباع.

لقد شاركت في الكثير من هذه الحوارات والنقاشات الساخنة، وانتصرت لبعض الآراء الفقهية معتمدا على ما تجود به المكتبات من كتب حديثه طبعت في بيروت والقاهرة وفي بعض الأحيان في السعودية، ولم نكن نعرف عن أصحابها شيئا اللهم إلا ابتدائها ببسم الله الرحمان الرحيم، واحتضانها عشرات الأحاديث النبوية والآيات القرآنية ! ؟.

كنا نعتقد ونحن نناقش ونجادل أن حججنا قوية بما فيه الكفاية، وأن المخالف لنا إنما هو معاند ومكابر، متشبت بتقليد الآباء والأجداد دون علم أو تحقيق. لكن أحدا منا لم يكن يخطر بباله أن حقائقه الجديدة التي يدعو لها

١١
إنما هي انتصار لمذهب فقهي وأصولي تجتاح كتبه الساحة الإسلامية في غفلة من باقي المذاهب الإسلامية الأخرى. كل ما هنالك أن هذه الآراء التي نقرأها هي جديدة بالنسبة لنا. فمثلا عندما قرأنا عن صفة صلاة النبي (ص) وجدنا أنه عليه السلام كان يضع يده اليمنى على اليسرى، لكننا وآباءنا نسدل أيدينا في الصلاة. وقد ورثنا ذلك خلف عن سلف دون أن نعرف الأدلة على ذلك، وعندما قرأنا كتبا تخالف ما نحن عليه وتنتصر بقول الرسول (ص) لم نجد بدا من اعتناق الرأي الجديد وضربنا بغيره عرض الحائط.

لكن السؤال الكبير الذي لم نكن نجد له جوابا شافيا، كان في حل هذا التناقض والاختلاف العلمي والنظري الذي بدأ يقسم الساحة إلى تيارين مختلفين ومتصارعين. فأغلب الفقهاء المالكية على سبيل المثال لا يقبضون في الصلاة بل يسدلون أيديهم. كما يؤيدون ما تقوم به الزوايا من مراسيم واحتفالات سنوية بالأولياء. بل إن الكثير منهم يشارك مشايخ الطرق الصوفية مجمل عقائدهم في التوسل والشفاعة ودعاء الأولياء وبناء القبور والأضرحة، هذه العقائد والاختيارات الفقهية درج الجميع عليها منذ قرون خلت.

وإذن كيف لم تصلهم هذه الأحاديث التي اكتشفناها نحن مؤخرا وعملنا بها ؟ ! ! في التوحيد والشرك ومحاربة البدع وصولا إلى القبض في الصلاة وغير ذلك من المسائل الفروعية ؟ !.

لن أكون مجانبا للصواب إذا قلت بأن مسألة التمذهب والمذهبية أو الاختيارات الفقهية والأصولية. كانت قضايا مبهمة لدينا ولدى غالبية الملتزمين الشباب من جيلنا. أولا لندرة الكتب التي تعالج هذه القضية الشائكة، ثانيا لعدم معرفتنا بتفاصيلها وخلفياتها التاريخية ونحن في بداية التحصيل العلمي الديني. زد على ذلك خلو الساحة من أي تعدد مذهبي فقهي أو أصولي، لأن منطقة المغرب العربي هي منطقة نفوذ تاريخي للمذهب المالكي. لذلك كانت معرفتنا بباقي المذاهب الفقهية والأصولية الأخرى

١٢
هزيلة، بل نكاد لا نعرف شيئا عن المذاهب الإسلامية خارج إطار أهل السنة والجماعة.

إن هذه الاختلافات الفروعية والأصولية التي شغلت أبناء الصحوة الإسلامية مبكرا، كانت تبشر بأزمة خطيرة بدأت ملامحها تظهر وتتعمق، ليس فقط على مستوى التعدد الحركي أو الانتماءات السياسية، ولكن في التمزق الفكري الديني. كل شاب يختار الالتزام بتعاليم الدين عليه أن يقرأ الكتب الإسلامية في العقائد والفقه بمفرده، أن يدرس ويفهم ثم يختار ويطبق ما توصل إليه من مفاهيم وآراء في العقيدة وفي الإسلام ككل. ويهون الخطب لو كان الأمر ليقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه في أغلب الأحيان، لأن ما سيتوصل إليه هذا الشاب الملتزم سيتحول إلى ميزان وقانون يحاكم به المجتمع والأفراد من حوله. فمن قبل بما توصل إليه من آراء وفتاوى فهو على الحق، ومن خالفه فهو بالتأكيد على الباطل ؟ !.

من هنا بدأ التمزق يغزو كيان الصحوة الإسلامية داخل كل بلد، وتعددت الخلافات وكثرت الأحكام الفقهية المتناقضة والمتضاربة. وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه أمام أبناء الصحوة دون شرط أو قيد، سوى امتلاك كتب الحديث النبوي والقدرة على القراءة والفهم. وبين عشية وضحاها يصبح الشاب المراهق فقيها مجتهدا، يقضي في الدماء والأعراض والأموال. ولنا أن نتصور ماذا كانت النتيجة، ظهور مذاهب فقهية وأصولية بعدد أبناء الصحوة، لأن كل ملتزم أو متدين يلتحق بصفوف الصحوة هو مشروع فقيه مجتهد، ومفكر إسلامي يحمل هموم الأمة الإسلامية ويفكر في إيجاد الحلول لمشاكلها المستعصية ! !.

هذا التخبط والاختلاف العقائدي والفقهي العقيم الذي بدأ يمزق جسد الصحوة الإسلامية كان سببا في انتشار موجة من القلق الفكري والروحي داخل صفوف أبناء الصحوة، دفع البعض إلى التحرر تدريجيا من الالتزام

١٣
الديني والتوجه نحو الانشغالات الدنيوية، والنظر إلى " الإسلام الجديد " بنوع من الحذر والريبة. ومنهم من هرب قاصدا الطرق الصوفية على اعتبار أن التعبد هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن أن يختلف حولها مع تجنب بعض مظاهر الشرك. وبقيت فئات عريضة داخل هذه البؤرة تتخبط في الاختلاف والتناقض وتتوزعها كيانات فكرية وحركية لا تتوقف عن الانقسام والتكاثر، كل كيان يسفه أحلام خصومه، بل يكفرهم ويرمي بهم بعيدا عن جماعة المسلمين.

الواقع أنني كنت ممن اكتوى بنار هذا الاختلاف وأصابه شرر من لهيبها المتطاير، أيام بل شهور وشهور من القلق الفكري والعقائدي كادت أن تعصف بكياني الإيماني والالتزامي. لكن العناية الإلهية أدركتني في الوقت المناسب فانتشلتني من هذا التخبط الذي حشرت فيه، وأمدتني بالقوة والعزم الكافيين لمواصلة مسيرة البحث والدراسة لمعرفة أسباب الخلاف وعوامله ومن يقف وراءه. فعقدت العزم لدراسة المذاهب الإسلامية المتعددة والتعرف على رجالاتها وكتبهم والبحث عن الدراسات المهمة التي تعالج قضية المذهبية وتاريخ المذاهب. ولما لم يكن ذلك متيسرا في وطني لقلة المراجع والمصادر الخاصة بالمذاهب الإسلامية المختلفة قررت السفر إلى الشرق لتحقيق هذا الغرض.

لن أسترسل في ذكر تفاصيل أسفاري وقراءاتي وتخصصي في علم الاجتماع الديني، لكنني قد أكون اكتشفت حقائق كثيرة كانت غائبة عني وعن أبناء جيلي من أبناء الصحوة. منها أن العالم الإسلامي لا تتوزعه جغرافية سياسية فقط، وإنما هناك جغرافية مذهبية وأيديولجية كذلك. حدود خفية ودقيقة يتم الحفاظ عليها وحراستها أكثر من الحدود السياسية الجغرافية.

فالجزائر مثلا كان أريد لها أن تصبح سلفية ؟ !. فكان ذلك وأغرقت الأسواق بالمنتجات الفكرية السلفية التي غذت نهم أبناء الصحوة للمعرفة. ولبست

١٤
الحقيقة رداء السلفية في الجزائر، وحوربت الحقائق الأخرى بضراوة وشراسة.

إن البحث والدراسة العميقة لتاريخ الإسلام بشكل عام وتاريخ المذاهب الفقهية والأصولية بشكل خاص وعلاقة ذلك بالاجتماع والسياسة، يكشف عن حقائق مهمة وخطيرة تنزل أصناما ذهبية براقة من عليائها لترمي بها في مزابل التاريخ، لأنها العار الأبدي على جبين الإنسانية، ورمز للانحراف والظلم اللذين شيدا صروح النفاق والكفر.

أما هذا الكتاب وفصوله الستة فيأتي كمساهمة في إيجاد إجابات لمئات التساؤلات التي تطرحها مسيرة الصحوة الإسلامية اليوم على المستوى العقائدي والمذهبي، ومحاولة لتسليط الضوء على أسباب وعلل الاختلاف الديني، ومن يقف وراء الفتن المذهبية والحروب الطائفية التي تمزق وحدة المسلمين في الوقت الراهن. كل ذلك من خلال متابعة تاريخية شاملة لنشوء المذهب الحنبلي في الفقه والعقائد، ورصد ليومياته في الدعوة والانتشار وعلاقته بخصومه ومخالفيه من المذاهب الإسلامية الأخرى، مع عرض لبعض خصوصياته العقائدية والفقهية.

هذا المذهب الذي انبعث فجأة من مقبرة التاريخ، نافضا غبار السنين، مستفيدا من الظروف المؤاتية، ليكتسح الساحة الإسلامية. ليس كمذهب اجتهادي في الفقه والأصول، ولكن كحقيقة إسلامية مطلقة تقسم جماعة المسلمين إلى " سلفي " مؤمن و " بدعي " كافر ! !.

سيجد القارئ أن هذه المتابعة التاريخية الطويلة والضرورية هي جديد هذا الكتاب، وتجاوز للنقص الذي شكت منه الكتب والدراسات التي عالجت هذا الموضوع، من زاوية أن الفكر الوهابي أو السلفي يقف مباشرة وراء هذا التمزق العقائدي والفقهي العميق الذي تعيشه الساحة الإسلامية السنية خصوصا. فالتركيز على معالجة قضايا التوحيد والشرك وحصرها في إطار مسائل التوسل والشفاعة وبناء القبور، والدخول في مناقشات عقيمة مع أتباع

١٥
المذهب الحنبلي المعاصرين " السلفية "، من خلال تجميع وحشد الأحاديث المخالفة والمناقضة لما يذهبون إليه، لم يؤد إلى وضوح قضايا التوحيد الشائكة أمام أعين أبناء الصحوة الإسلامية، مما ساعد على انتشار الفكر العقائدي السلفي الذي يرفع شعار التوحيد ويدعو للابتعاد عن الشرك ومظاهره.

والسبب كما قلت يرجع إلى إهمال وعدم اعتبار الخلفية التاريخية والمذهبية للآراء والأفكار. فلو علم أبناء الصحوة أن مجمل ما يصلهم اليوم وبشكل عام ويقرأونه ويؤمنون به على أنه رأي الصحابة وعمل السلف الصالح، ليس سوى اختيارات المذهب الحنبلي في العقائد والفقه، واجتهادات رجالاته عبر التاريخ ؟ ! في مقابل آراء واجتهادات واختيارات المذاهب الأخرى التي ظهرت للوجود قبل المذهب الحنبلي، بل قبل أن يولد مجتهدوه الكبار بقرون عدة. والكل يدعي ارتباطه بالسلف الصالح والصحابة ويسند أقواله وأفعاله لهم ؟ ! !

ولو أتيح لغالبية أبناء الصحوة سبيل الاطلاع ومعرفة آراء وأفكار مذاهب أخرى لا يعرفون عنها شيئا، فمما لا شك فيه أنهم سيراجعون عددا لا بأس به من أفكار قدمت لهم على أنها عمل السلف الصالح ومعتقد صحابة رسول الله (ص)، بالتالي الحقيقة الإسلامية.

لذلك وتأكيدا لهذه الحقيقة ارتأيت في الفصل الأخير وأنا أرد على إتهامات السلفية للشيعة الإمامية أن أترك المجال لمجموعة من أبناء أهل السنة والسلفية لترد على هرطقات دعاء السلفية، إنطلاقا من اطلاعهم الجديد على مذهب التشيع، واقتناعهم بحقائقه التي كانت غائبة عنهم أو لنقل غيبت عنهم، فاعتنقوا عقائد التشيع بعدما عرفوها وأصبحوا دعاتها والمدافعين عنها بكل حزم وقوة.

إن الخلفيات التاريخية والمذهبية والسياسية وكذا الاجتماعية هي التي تعطي للفكرة أو منظومة الأفكار الأبعاد الداخلية العميقة والصورة الشكلية

١٦
الخارجية. فتظهر الحقيقة من خلال هذا العمق وهذه الصورة واضحة جلية ليس فيها لبس أو إشكال. وهذا هو الذي يساعد الإنسان على حسن الاختيار والتمييز بين الحق والباطل ليعيش ويموت على بينة. إن هذا الكتاب الذي جعل هدفه توضيح مجموعة من المغالطات وعلى رأسها الحقيقة السلفية التي ليست هي الحقيقة الإسلامية المطلقة كما يدعى وإنما مجرد " حقيقة ؟ ! " مذهبية محكومة بنمط اجتهادي حنبلي متميز، وتسبح في فضاء سياسي واجتماعي وجغرافي هو المسؤول عن إخراجها للوجود ونشرها في الآفاق البعيدة.

جهد كذلك ولو بشكل غير مباشر على إزاحة بعض الأقنعة عن وجوه ورجالات وكيانات مذهبية وسياسية مختلفة، حيث تتشابك المصالح المادية مع الأهواء الشيطانية وصراع الإرادات الشريرة، لتصنع تاريخا مزيفا ودينا محرفا، وواقعا تتخبط فيه الأنفس والأرواح من شدة والقلق.

السيد محمد الكثيري   
بيروت ٦ / ٣ / ١٩٩٦ م

١٧

الباب الأول
السلفية
الخلفيات التاريخية والمذهبية

١٨
١٩

الفصل الأول
التعاريف

السلفية

الحشوية

أهل السنة والجماعة

الشيعة الإمامية

٢٠