×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

صلاة التراويح سنة مشروعة او بدعة محدثة ؟ / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٢ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥١) (٠٠٩٨)

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥١) (٠٠٩٨)

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ (٣٣) (٠٠٩٦٤)

الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : [email protected]


شابِك ( ردمك ) :٨-٠٤-٨٦٢٩-٩٦٤

صلاة التراويـــح سنة مشروعة او بدعة محدثة؟

تأليف

الدكتور الشيخ جعفر الباقري

صفّ الحروف و الإخراج الفني: المؤلف

الطبعة الأولى - ٢٠٠٠ نسخة

سنة الطبع: ١٤٢٧هـ/٢٠٠٦م

المطبعة : ستارة

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *

٣

مقدّمة المركز

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين أبي القاسم محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

الصلاة إحدى الطُرق العلميّة للتوسّل إلى الله تعالى، كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «أفضل ما توسّل به المتوسّلون.... وإقامة الصلاة فإنّها الملّة».

وهي ركن من أركان الدين، بل عموده، الجاحد لها جاحد لإحدى ضرورات الدين.

وهي أمر توقيفي بيّنها الشارع المقدّس بشكل واضح لا شكّ ولا ريب فيها، فأوضح عدد ركعاتها، وأركانها، وما يقرأ فيها، وغيرها من الأمور المتعلّقة بها، سواء كانت واجبة أو مستحبة، وعلى ذلك اتفق المسلمون عموماً.

نعم، اختلفوا في بعض جزئياتها مثل عدد التسبيحات، ومقدار الذكر والتشهّد والتسليم.

ومن الصلوات المستحبّة المؤكّدة هي الصلاة في ليالي شهر رمضان، خصوصاً صلاة ألف ركعة الموزّعة على لياليه المباركة، وقد وردت فيها روايات كثيرة من طرق الفريقين.

أمّا صلاة التراويح بشكلها وكيفيّتها المعروفة فلم ترد فيها نصوص معتبرة من طرق أتباع مدرسة الخلفاء، فضلاً عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، لذلك نجد الاختلاف واقع بين العلماء في كلّ شيء منها: كيفيّتها، عدد ركعاتها، ما يقرأ فيها....

وجاء الأخ الدكتور جعفر الباقري وتناول هذا الموضوع الحسّاس بروح علميّة وأمانة في النقل، وعالجه بشكل واضح لا يدع مجالاً للقارئ للشكّ فيما ذهب إليه أتباع مدرسة أهل البيت عليهم

٤

السلام من عدم إقامة هذه الصلاة؛ لأنّها بدعة كما عبّر مخترعها عمر بن الخطّاب، ولم يأتي بها الشارع المقدّس بهذه الهيئة المتعارفة عند الناس.

فتناول المؤلّف أوّلاً الرواية التي أوردها البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الرحمن بن عبد القارئ، والتي بيّنت كيفيّة وضع هذه الصلاة من قبل عمر بن الخطّاب، وبدأ بمناقشتها مناقشة علمية دقيقة.

ثُمّ بيّن موقف النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته عليهم السلام من هذه الصلاة، معتمداً على الروايات الواردة من طرق أتباع مدرسة الخلفاء، من باب ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم.

ثُمّ أضاف عدّة أدلّة ومؤيّدات تدلّ على عدم مشروعيّتها، وهل هي بدعة حسنة أم لا؟ وهل هي مشمولة بحديث: سنّة الخلفاء الراشدين؟ وأنّها اجتهاد في مقابل النصّ.

فجاء هذا الكتاب بحمد الله تعالى متناولاً لكلّ ما يتعلّق بهذه الشعيرة المقدّسة، وحجّة على المخالف الذي يرى مشروعيتها.

إلا أنّنا نستشكل على المؤلّف نقله عن بعض المصادر المتأخّرة لمؤلّفين معاصرين، وهذا قد يكون ناشئاً من عدم توفّر المصادر الرئيسيّة لديه لأنّه يُقيم في استراليا بعيداً عن الدول الإسلاميّة الزاخرة بالكتب والمصادر الرئيسية.

وعلى كلّ حال، فإنّنا نقدّر المجهود العلمي من المؤلّف، ونتمنّى له الرقي في حياته العلميّة.

ومركز الأبحاث العقائدية ـ إذ يقوم بطبع هذا الكتاب ضمن سلسلة ردّ الشبهات ـ يدعو العلماء والمفكّرين إلى المساهمة في رفد هذه السلسلة بما تجود به أقلامهم دفاعاً عن الدين الإسلامي الأصيل المتمثّل بمدرسة أهل البيت عليهم السلام، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.


محمّد الحسّون

٢٧ جمادى الآخرة ١٤٢٧ هـ

site.aqaed.com/Mohammad

[email protected]




٥

المقدمة

عندما يشعر الإنسان بأنَّه مخلوق من أجل غايةٍ مقدسةٍ خالدة، وخاضع لرقابةِ الله، ومسؤول عن الصغيرةِ والكبيرة من أفعاله، فإنَّه يسعى جاهداً من أجل نيلِ السعادةِ الأبدية، من خلال تطبيقِ أحكامِ الخالقِ المبدع، وتجسيدِ تعاليمه، ليكونَ فكرُه، وخلُقُه، وسلوكُه، موافقاً لما أراده اللهُ تعالى منه، ومكلَّلاً بعنايته ومرضاته.

فينظرُ الإنسانُ على صعيدِ الفكرِ في معتقداته، لينهضَ بها إلى مستوى النُّضج، والمعرفةِ اليقينية الشاملة، فيؤسّسَ بذلك قاعدةً فكريةً محكمة، ورؤيةً كونيةً واضحة، تمنحُه الثقةَ والثبات، وترفدُه بالطمأنينةِ والأمان.

وينظرُ ثانيةً على صعيدِ النفسِ في سجاياه، ليرتقيَ بها نحوَ التتميمِ والتهذيب، ويخلِّصَها من الشوائبِ والنقائص، ويعوِّدَها على محاسنِ الأفعال، ومكارمِ الأخلاق، ويروضَها على الفضيلةِ والإخلاصِ والصفاء، ليردفَ من خلالِ ذلك العقيدةَ السليمةَ بالخُلُقِ الرفيع.

وينظرُ ثالثةً على صعيدِ السلوكِ في مواقفه العملية تجاه خالقِه، ونفسِه، وعائلتِه، والمجتمعِ المحيطِ به، لينظِّمَ عباداتِه، ومعاملاتِه، وفقاً لتعاليمِ الإسلامِ العظيم، ويجعلَ من شريعةِ الإسلام محوراً لحركاتِه وسكناتِه، ورافداً لأساليبِ حياتِه.

٦

ومن أهم ملامح هذا النظرِ المتجدّدِ للفكرِ، والنفسِ، والسلوكِ، أن يكونَ هذا النظرُ حرّاً طليقاً، يعتمدُ المنهجَ العلمي، والمنطقَ السليم، والحوارَ البنّاء، بعيداً عن عشوائيةِ التقليد، وقيودِ العادات.

وبما أنَّ الجانبَ العبادي يحتلُّ الموقعَ المتقدم في تحديدِ طبيعةِ الالتزامِ الديني لدى الفردِ المسلم، ويكشفُ عن شفافيةِ الروح، ورقَّةِ القلب، وصدقِ المشاعر فلا بدَّ أن يكونَ نقياً من الزيادات، وخالصاً من الاجتهادات، وموافقاً للواقعِ المفروض.

ومن أجلى مصاديقِ العبادات موضوعُ الصلاة، لأنَّها تمثِّلُ الصلةَ الدائمةَ المتجددةَ بين العبدِ والمعبود، والرابطةَ الوثيقةَ بين الخالقِ والمخلوق.

وللصلاةِ المفروضةِ على المكلَّفِ المسلمِِ كيفيَّةٌ توقيفيةٌ مخصوصة، وردت محددةً في القرآنِ الكريم، والسنَّةِ الشريفة، فليس من حقِّ أيِّ بشرٍ أن يغيِّر فيها شكلاً أو مضموناً، وليس بوسع أيِّ أحدٍ أن يجتهدَ في مقابل النصوصِ الواردةِ بشأنها، لأنَّها لغةٌ إلهيةٌ خاصةٌ، لقَّنَها اللهُ لعبادِه، بكيفيَّةٍ معينةٍ، وبعددٍ محدد.

وما على المخلوقِ إلاّ الانقياد والتسليم لإرادةِ الخالقِ المهيمن، الذي جرت أمورُه وفقاً للحكمةِ البالغة، ودلَّ بديعُ نظامه على كمالِه المطلق، فهو المحيطُ بالكونِ كلِّه، والعارفُ بمصالح الإنسانِ ومفاسده، فشرعَ لهُ من الدين ما يكفلُ سعادتَه الأبديةَ، وخلودَه الدائم.

وقد بالغت الشريعةُ الإسلامية في بيانِ مقدّماتِ الصلاة، وحدودِها، وشرائطِها، وأجزائِها، وموانعِها، ومن ثمَّ بالغَ صاحبُ الرسالةِ محمدٌ (صَلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ) في معاهدتِها، وتعليمِ الصحابةِ بتفاصيلها، وجعلَ لهم ميزاناً عملياً ثابتاً يرجعون إليه في ذلك، حيثُ قالَ في الحديثِ المتفَقِ عليه: (صَلُّوا كَما رَأيتُمُوني أُصَلِّي)، فأصبحَ المسلمونَ ملزمينَ باتباعِ النبي الخاتَم (صَلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ) في حذافيرِ صلاتِه وتفاصيلها.

٧

واتفقَ المسلمونِ جميعاً على عددِ ركعاتِ الصلاةِ المفروضة، وجوهرِها، واختلفوا قليلاً في كيفيتِها، كما اختلفوا قليلاً في الصلواتِ الأخرى، بعدَ الاتفاقِ فيها على الروحِ، والمضمونِ، والحقيقة.

ومما لا يختلفُ عليه اثنانِ من المسلمين أنَّ صلاةَ رسولِ الله (صَلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ) قد جاءَت على النحوِ الأكملِ والأتم الذي أمرَ اللهُ تعالى عبادَه به، فهيَ قرّةُ عينِه، ومعراجُ روحِه، وراحلةُ سلوكِه نحوَ الحقِّ (جَلَّ وعَلا)، وهيَ صلاةٌ واحدةٌ، لا تعددَ في واقعها، ولا اختلاف في حقيقتِها.

ويدورُ الخلافُ فقهياً بين المسلمينَ بمختلفِ مذاهبهم في إطار التفاصيلِ والكيفيات التي تشتملُ عليها الصلاة، كعدد التسبيحات، ومقدارِ الذكرِ، وطريقة التشهد والتسليم، بما لا يفسد للودٍّ قضيةً، ومن بابِ الاجتهادِ المشروع، بعد الاتفاقِ على حدودِها الرئيسيةِ العامة، وخطوطِها العريضة، فالسعيدُ من حظيَ بالطريقِ الآمنِ الذي يوصلُه إلى معرفةِ صلاةِ النبي الخاتَم (صَلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ) بكيفيتِها الواقعية؛ لكي يكونَ له في رسولِ اللهِ أسوةٌ حسنةٌ، وتكونَ صلاتُه محاكيةً لصلاتِه (صَلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ)، ويكونَ متبعاً لسنتِه وهَديِه، فتُؤتي بذلك صلاتُه ثمارَها، وتشعُّ على حياتِه بركاتُها وآثارُها، وتكفلُ له العروجَ السليمَ نحوَ السعادةِ الخالدة، والكمالِ الإنساني.

وطبقاً لقاعدةِ: (إنَّ أهلَ البيتِ أدرى بما فيه)، ولأنَّ العترةَ الطاهرةَ (عَليهمُ السَّلامُ) هم قرناءُ الكتابِ الكريم، ولأنَّهما لن يفترقا حتى يردا الحوضَ، بنصِّ (حديثِ الثقلين)، المروي عن طريقِ أكثر من بضعة وثلاثينَ صحابياً وصحابيَّةً، فقد كانَ التمسُّكُ بحبلهِم، والركوبُ في سفينتِهم، هو الطريقَ الأمثلَ لمحاكاةِ صلاةِ رسول الله (صَلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ)، ورجاءِ موافقةِ الأمرِ الواقع في تطبيقِها، وكانَ هذا هو المنهج الذي اختارَهُ أتباعُ مدرسةِ أهلِ البيت (عَليهمُ السلامُ)، وساروا على هَديِه.

٨

ولكنْ ثَمةَ خطورة تكمنُ في طريقِ البحثِ الفقهي الذي يتحملُ وجهاتِ النظر المتعددة؛ وذلك عندما تتطورُ المواقفُ إلى درجةِ المسِّ بثوابتِ الشريعة الإسلاميةِ الأساسية، والاحتكاكِ مع خطوطِها التوقيفيةِ الحمراء، إذ يتحولُ الجدلُ الدائرُ بينَ الأطرافِ من الإطارِ الفقهي الاجتهادي المحض إلى الإطارِ الفقهي العقائدي الذي يتصلُ بأساسِ فهمنا للتشريع.

فمن أولياتِ البحثِ الفقهي الأساسية، هو أن يكونَ للمسألة المبحوثِ حولها أصلٌ في الدين، وأن تكونَ مشرَّعةً على لسانِ سيدِ المرسلين (صَلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ)، وأما إذا لم يكن للمسألةِ المبحوثِ فيها هذا الانتماءُ المشروعُ للدين، ولم تولد هذه المسألةُ من رحمِ الشريعةِ الغرّاء، وإنَّما استُفيدت شرعيتُها من خلالِ اجتهاداتٍ شخصية، وآراءَ بشرية، في مقابل النصوصِ الشرعيةِ الثابتة.. فلا شكَ أنَّ البحثَ سيأخذُ منحىً عقائدياً، لتصحيحِ مسارِ المسألة، ووضعِها في دائرةِ الخلافِ الفقهي، أو إقصائِها كبدعةٍ دخيلةٍ على الدين.

وكانت (صلاةُ التراويحِ) مسرحاً لهذا الجدلِ الفقهي العقائدي، وقد دارت حولَها رحى البحوثِ في المدرستين، فمدرسةُ الخلفاءِ اعتبرتها في الأغلب سُنَّةً مؤكدةً على الكيفيةِ التي يُؤتى بها في شهرِ رمضانَ جماعةً، وأطلقت عليها اسمَ (التراويح)، وأمّا مدرسةُ أهلِ البيتِ (عَليهمُ السَّلامُ) فقد اعتبرت القيامَ في ليالي شهرِ رمضانَ بالنوافل من السُّننِ المؤكَّدة، إلا أنَّها عدَّت الإتيانَ بالنوافل جماعةً (بدعةً) محدثةً لا علاقةَ لها بالدين.

وسوف نقومُ من خلال هذه الدراسة بالبحثِ في هذه المسألة من جوانبها المختلفة، إدراكاً منّا بأهميّةِ طرقِ هذا الموضوعِ الإسلامي الحساس، الذي أصبحَ يشكِّلُ بهيئتِه المألوفة لدى مدرسةِ الخلفاء في ليالي شهرِ رمضانَ ظاهرةً راسخة، تتعمقُ

٩

مشروعيتُها مع مرورِ الزمان، وينساقُ لأدائها الملايينُ من الناس، ظناً بأنفسِهم أنَّهم يُحسنونَ صُنعاً، ويتقربونَ بها إلى اللهِ زُلفى.

ومن شأنِ الإنسانِ المفكرِ الحرِّ أن يبحثَ عن الحقيقة، ويجري خلفَها، لاسيما إذا شعر بوجود مخاطرةٍ عاليةِ المستوى على صعيد عباداتِه، التي هي من أجلى المصاديقِ التي يتقرب بها إلى خالقِه.

وتترسخُ ضرورةُ هذا البحث لدى كلِّ مسلمٍ عندما يشعرُ بوجود مثل هذا الخلاف العقائدي الحسّاس، الذي يمكنُ أن لا تكونَ النتائجُ فيه إلى صالحه، مما يؤدي بعملِه إلى مواجهةِ الله ورسولِه، فضلاً عن عدم مشروعية العملِ وقبوله؛ لذا أدعو القارئَ المسلمَ الحرَّ طليقَ الفكر، والباحثَ عن الحقيقة، أن يفتحَ عقلَه وقلبَه لهذا البحث، وأن يتسعَ صدرُه لمواجهة نتائجِه، والسيرِ على هَدي الحقيقة، مهما كان الثمنُ غالياً، إذ لا خسارةَ أكبرُ من أن يصادرَ الإنسانُ عقلَه وفكرَه، ولا ثمنَ أغلى من نيلِ الحقيقةِ، والظفرِ بها، وقطفِ ثمارِها.

ولا أنسى أن أتقدم بالشكرِ الجزيل والثناء الجميل إلى (مركز الأبحاث العقائدية) الذي يحظى برعاية المرجع الديني الكبير السيد علي السيستاني دام ظله الوارف، وبإشرافٍ من قبل الأخ حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد الحسّون النجفي على احتضانهم لمجموعة البحوث التي أعددتُها في مجال الدفاع عن العقيدة الغرّاء، وتهيئة الأجواء الملائمة لنشرها ضمن السلسلة العلمية الموسومة بـ (سلسلة ردّ الشبهات)، التي يقدمونها للقرّاءِ الكرام من أبناءِ العالمِ الإسلامي لرفعِ غُبارِ الشبهات عن منهج أهل البيت (عَليهمُ السلامُ)، وتبيانِ الحقائقِ الناصعةِ التي غطَّت عليها السياساتُ القمعيةُ، والتعصباتُ المقيتةُ عبرَ السنينَ الطويلة.

كما أنّي أستميحُ القارئَ الكريمَ عذراً إذا ما وجدَ بعضَ المصطلحات العلميةِ التخصصية، أو العباراتِ الشائكة، بينَ طياتِ البحث، لأنَّ ضرورةَ مثل هذا البحث

١٠

تقتضي إيرادَها، على الرغم من أنّي بذلتُ قصارى جُهدي من أجلِ طرح مضامين هذه الدراسة بلغةٍ واضحة، بعيدةٍ عن التعقيد؛ ليتمَّ الانتفاعُ بها من خلال أكبر عدد ممكنٍ من القرّاء الكرام.

كما أرجو العذرَ إذا ما وُجدت زلَّةٌ هنا، أو عثرةٌ هناك، إذ لا عصمةَ إلاّ لمن عصمَ الله، ولا كمالَ إلا لله الواحدِ القهّار.

(سُبحانَكَ لا عِلمَ لَنا إلاّ ما عَلَّمتَنا إنَّكَ أنتَ العَليمُ الحَكيمُ).

جعفر الباقري

(أبو أُسامة سامي صبيح علي)

imamali١٤@hotmail.com

قم المقدسة

١٣/ رجب / ١٤٢٤ هـ / ١٠ / ٩ / ٢٠٠٣م






١١

الفصل الأول
صلاةُ التراويح..
نقطةُ الخلافِ حولَها


١ ـ نص الروايةِ ومضمونُها

٢ ـ قيام الليلِ سُنَّة مؤكَّدة عموماً

٣ ـ قيامُ الليلِ سُنَّة مؤكَّدة في شهر رمضان

٤ ـ نقطة الخلافِ بينَ المدرستين


١٢
١٣

نظرة
على الفصل الأول

نستعرضُ من خلالِ هذا الفصل روايةَ صلاةِ (التراويحِ) نصاً ومضموناً، اعتماداً على أكثرِ المصادرِ وَثاقةً لدى مدرسةِ الصحابة، لكي نأخذَ فكرةً عن جذورِ (التراويحِ) في حياةِ المسلمين.

ومن خلالِ هذا الاستعراض سوف نتوصلُ إلى النتيجةِ القائلةِ: بأنَّ صلاةَ (التراويحِ) تعني إقامةَ نافلةِ الليلِ في شهرِ رمضانَ جماعةً، وقد ابتكرها (عمرُ بنُ الخطاب) في زمنِ خلافتِه، واعتبرَها (بدعةً) بقوله: (نعمتِ البدعةُ هذهِ).

وسوفَ نتعرفُ على أنَّ القدرَ المتفقَ عليهِ بينَ (مدرسةِ الصحابة) ومدرسةِ أهلِ البيتِ (ع) هوَ أنَّ قيامَ الليلِ في جميعِ الليالي سُنَّةٌ مؤكدةٌ، وثابتةٌ في التشريعِ بشكلٍ قاطعٍ، وقد التزمَ النبيُّ الخاتَم (ص) بها، وكذلكَ الأمرُ بالنسبةِ إلى قيامِ الليلِ في ليالي شهرِ رمضانَ فرادى، فهو سُنَّةٌ مؤكدةٌ أيضاً على النحوِ المذكور.

ونقطةُ الخلافِ بينَ المدرستينِ تتمحورُ في مشروعيةِ إقامةِ نافلةِ الليلِ في شهرِ رمضانَ جماعةً، فـ (مدرسةُ الصحابة) تدّعي بأنَّ ذلكَ مشروع، وتعتمدُ أساساً على تشريعِ (عمر) لها، وأما مدرسةُ أهلِ البيتِ (ع) فتعتقدُ بأنَّ إقامةَ هذهِ النافلةِ جماعةً أمرٌ لا علاقةَ له بالدين؛ لأنَّه لا يختزنُ خصوصياتِ الأمرِ المشروع، فيكونُ (بدعةً) في مقابلِ (السُنَّة).

صلاةُ التراويح

١٤
١٥

(١)
نصُّ الروايةِ ومضمونُها

وردَ في أُمهات الكتبِ الحديثية لدى (مدرسةِ الصحابة) بما في ذلك (البخاري) و(الموطأ) ـ واللفظ للبخاري ـ:

(وعن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريِّ أنَّه قالَ: خرجتُ مَعَ عمر بن الخطّاب رضي اللّهُ عنه ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناسُ أوزاعٌ متفرّقون، يصلي الرجلُ لنفسه، ويصلي الرجلُ فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمرُ:

ـ إنِّي أرى لو جمعتُ هؤلاءِ على قارئ واحدٍ لكانَ أمثل.

ثمَّ عزمَ فجمعهم على (أُبي بن كعب). ثم خرجتُ معه ليلةً أخرى، والناسُ يصلّون بصلاة قارئهم، قالَ (عمر):

ـ نعم البدعةُ هذه، والتي ينامونَ عنها أفضل من التي يقومون ـ يريدُ آخرَ الليل ـ وكانَ الناسُ يقومون أوَّله)(١) .

وفي (الموطأ) أنَّ (عمر بن الخطّاب) قالَ:

(نعمتِ البدعةُ هذه).

إنَّ مضمونَ هذه الرواية الذي وردَ بصياغاتٍ لفظية مختلفة في أكثر كتب مدرسة الصحابة وثاقةً قد أصبحَ المستندَ الأساسي لصلاة (التراويح)، والمرجعَ الرئيسي لمشروعيتها، وتوالت الأجيالُ من بعد هذه الحادثة متمسكةً بها، ودائبةً في أدائها، ومصرةً على المحافظة عليها، ومتشددةً على المتهاونين فيها، وقد أفردَ لها الفقهاءُ

(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٢، ص: ٢٥٢، والموطأ لمالك بن أنس، ص: ٧٣.

وانظر: كنز العمال للمتقي الهندي، ج: ٨، ح: ٢٣٤٦٦، ص: ٤٠٨.

١٦

باباً خاصاً في مصنفاتهم، وأشبعوها بحثاً وتحليلاً، وأدخلوها في الكثير من أبواب الفقه المختلفة، ومسائله المتنوعة.

إنَّ شيوعَ هذه الصلاة في شهر رمضان، وسعةَ انتشارِ صيتها لدى القاصي والداني من المسلمين، يجعلُنا في غنىً عن الخوض في تعريفها وبيان معناها بالتفصيل، ونكتفي هنا بالقول بأنَّها إنما سُميت بصلاة (التراويح)؛ لأنَّ المصلين يستريحون بعدَ كلِّ أربع ركعاتٍ منها، أي بعدَ كل تسليمتين (١)، ثمَّ يبادرون للأربع الأخرى، ثم صارت (الترويحة) اسماً لكل أربع ركعات من هذه الصلاة (٢).

و(التراويح) مفردها (ترويحة) وهي (الاستراحة) في اللغة (٣)، مأخوذة من (الراحة) التي تعني زوالَ المشقة والتعب (٤)، وهي تُطلقُ على (الجلسة) مطلقاً، فأُطلقت على الاستراحة المخصوصة بعد كلِّ تسليمتين من هذه الصلاة، ثم على كلِّ أربع ركعاتٍ منها كما تقدم.

إنَّ مضمونَ الرواية ينصُّ على أنَّ (عمر بن الخطاب) شاهد المصلين يتنفلون بالصلاة ليلاً في المسجد النبوي الشريف تقرباً إلى الله (جَلَّ وَعَلا) في زمن خلافته سنة أربع عشرةَ للهجرة، وكانوا يصلون نوافلهم فرادى كما هو دأبهم من قبل، وكما تعلّموا ذلك من رسول الله (صَلّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ)، وكما كانَ أمرُهم عليه في زمن خلافة (أبي بكر)، ولكنَّ (عمر بن الخطاب) لم يرقه هذا المشهد، ولم يعجبه منظرهم متفرقين أشتاتاً؛ فرأى في تلك اللحظة أن يجمعهم على إمامٍ واحدٍ، ويحولَّ أداءهم للصلاة من أداءٍ فرديٍّ إلى أداءٍ جماعي، فاختار الصحابي (أبيَّ بن كعب)، وطلب منه أن يؤم

(١) سعدي أبو حبيب، القاموس الفقهي لغةً واصطلاحاً، ص: ٥٥.

وانظر: الزبيدي، تاج العروس، ج: ٢، ص: ١٥١.

(٢) السيد سابق، فقه السنة، ج: ١، ص: ٢٠٥.

(٣) قلعجي، د. محمد و قنيبي، د. حامد، معجم لغة الفقهاء، ص: ١٢٧.

وانظر: ابن منظور، لسان العرب، ج: ٢، ص: ٤٦٢.

(٤) ابن منظور، لسان العرب، ج: ٢، مادة: روح.

١٧

المصلين في هذه النافلة، وفي رواياتٍ أُخرى أنَّه عيَّنه إماماً للرجال، وعيَّنَ (تميمَ الداري) إماماً للنساء.. فامتثل الإمامُ والمأمومون لهذا الطلب، وأخذوا يصلونها جماعةً، وحينما شاهدَ (عمرُ) منظرَ المصلين في ليلةٍ أخرى، أعجبَه ذلك المشهد الجديد، فقال:

(نعمتِ البدعةُ هذه).

ومن خلال هذا البحث نحاولُ أنْ نسلّطَ الضوءَ على هذه الصلاة بكيفيتها الجديدة التي ابتكرها (عمر)؛ لنرى مدى شرعيتها، وارتباطها بالدين الحنيف.

(٢)
قيامُ الليلِ سُنَّة مؤكدة عموماً

من المتفق عليه بين (مدرسة الصحابة) ومدرسة أهل البيت (عَلَيهِمُ السَّلامُ) أنَّ قيام الليل والتهجُّدَ فيه للعبادة من السُنن المؤكدة، وقد نصَّ (القرآنُ المجيد) على ذلك في مواضع عديدة، فمن ذلك قوله (جَلَّ وَعَلا):

(ومن الليلِ فتهجَّدْ بهِ نافلةً لكَ عسى أن يبعثكَ ربُّكَ مقاماً محموداً)(١) .

وقوله (جَلَّ وَعَلا):

(إِنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ ما ءَاتاهُم رَبُّهُم إِنَّهُم كَانُوا قَبلَ ذلِكَ مُحسِنينَ * كَانُوا قَليلاً مِنَ اللَّيلِ ما يَهجَعُونَ * وَبِالأَسْحارِ هُم يَستَغْفِرُونَ)(٢) .

وقوله (جَلَّ وَعَلا):

(١) الإسراء / ٧٩.

(٢) الذاريات / ١٥ - ١٨.

١٨

(تَتَجافى جُنُوبُهُم عَنِ المَضاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقناهُم يُنفِقونَ * فَلا تَعلَمُ نَفس ما أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعمَلون)(١) .

ولدى (مدرسة الصحابة) ورد في الحديث الشريف حول هذه الآية الكريمة أنَّ رسول الله (صَلّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ) قال:

(يُحشر الناسُ على صعيدٍ واحدٍ يومَ القيامة، فينادي منادٍ فيقولُ: أينَ الذين كانوا تتجافى جنوبُهم عن المضاجع؟ فيقومون وهم قليل، فيدخلونَ الجنةَ بغير حساب، ثمَّ يؤمرُ بسائرِ الناس الى الحساب)(٢) .

وقال (صَلّى اللهُ عَليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ):

(عليكم بقيام الليل؛ فانَّه دأبُ الصالحين قبلكم، ومقربة لكم الى ربِّكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد)(٣) .

ولدى مدرسة أهل البيت (عَلَيهِمُ السَّلامُ) ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلامُ) أنَّه قال:

(قيامُ الليلِ مصحةٌ للبدن، ورضاءُ الرب، وتمسّكٌ بأخلاق النبيين، وتعرّضٌ للرحمة)(٤) .

فنافلة الليل إذنْ، مما اتفقت على استحبابها المدرستان في الجملة من دون خلاف.

(١) السجدة / ١٦ - ١٧.

(٢) المنذري، الترغيب والترهيب، تعليق: مصطفى محمد عمارة، ج: ١، ص: ٤٢٥، ح: ٩.

(٣) المنذري، الترغيب والترهيب، تعليق: مصطفى محمد عمارة، ج: ١، ص: ٤٢٦، ح: ١٠.

(٤) البرقي، أبو جعفر، المحاسن، ج: ١، ص: ١٢٥، ح: ٨٩.

١٩

(٣)
قيامُ الليلِ سُنَّة مؤكَّدة في شهرِ رمضان

واتفقت (مدرسةُ الصحابة) ومدرسةُ أهل البيت (عَلَيهمُ السَّلامُ) كذلك على أنَّ أداءَ نافلة الليل في شهر رمضان من السُنن المؤكدة، وأنَّ للقيام في لياليه ثواباً عظيماً، وأجراً كبيراً.. ففي (مدرسة الصحابة) رُويَ في (صحيح البخاري):

(عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنَّ رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلَّم قالَ: مَن قامَ رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه)(١) .

ورُويَ فيه أيضاً عن (عائشة):

(حدثنا إسماعيل قال حدّثني مالك عن سعيد المغبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنَّه سألَ عائشةَ رضيَ اللّهُ عنها: كيف كانت صلاةُ رسول اللّه صلى اللّهُ عليهِ وسلَّم في رمضان؟ فقالت: ما كانَ يزيدُ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنَّ، ثمَّ يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنَّ، ثم يصلي ثلاثاً، فقلت: يا رسول اللّه، أتنامُ قبل أن توتر؟ قال: يا عائشةُ إنَّ عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي)(٢) .

وفي مدرسة أهل البيت (عَلَيهمُ السَّلامُ) رُويَ عن الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلامُ) أنَّه قال:

(١) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٢، ص: ٢٤٩ - ٢٥٠.

(٢) البخاري، صحيح البخاري، ج: ٢، ص: ٢٥٢ - ٢٥٣.

وانظر: كنز العمال للمتقي الهندي، ج: ٧، ح: ١٧٩٨٩، ص: ٦٧.

٢٠