×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

صلح الإمام الحسن (ع) من منظور آخر / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٧ فارغة
كتاب صلح الإمام الحسن (عليه السلام) من منظور آخر لـ الأسعد بن علي (ص ١ - ص ٢٩)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

المقدمة


ليست دراسة التاريخ ترفاً فكرياً واستغراقاً في الماضي، يحجب عنا الواقع وأسئلته، و الحاضر ومشكلاته. بل الوعي التاريخي مقدمة لبناء الذات، ونحت المجتمعات وتحقيق النهضة والتغيير يستند إلى جملة عوامل، من بينها الفهم العميق للتاريخ، والرؤية المتوازنة للماضي.

صحيح أننا لا نتحمل مسؤولية ما قام به الأولون ولكن قطعاً ما قاموا به يشكل الأرضية والقاعدة لأي فعل جديد، فقراءة التاريخ والسّير في آثار الماضين، يوفر دروساً مهمةً للاتعاظ والاعتبار من (السلف) ومن تاريخ الشعوب والأمم.

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}(١).

(١) سورة الروم: ١٠٩.

٨
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً}(١).

والعودة إلى التاريخ تمنحنا الفرصة للكشف عن نواميسه وقوانينه التي تحكم صعود الحضارات ونزولها ونهضة الشعوب وتقهقرها، وقيام الثورات وسقوطها، وظهور الدول وأفولها: {سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً}(٢).. {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً}(٣)، {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ}(٤)، {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}(٥).

هذا التأمل في التاريخ يمنح الفرد منا عمراً تاريخيا يختزن من خلاله كل تجارب السابقين.. فيتحرك عن بصيرة وإحاطة وخبرة، يقول الإمام علي (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام):

(١) سورة فاطر: ٤٤.

(٢) سورة الأحزاب: ٦٢.

(٣) سورة فاطر: ٤٣.

(٤) سورة آل عمران: ١٣٧.

(٥) سورة النساء: ٢٦.

٩
«أي بني إني لو لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمرت مع أوّلهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره»(١).

فإذا كان للتاريخ ودراسته هذه الأهمية فكيف بقراءة سيرة الرسول والأئمة الأطهار (عليهم السلام) وهم القادة الربانيون الذين لا تمثل حياتهم جزءاً عظيماً وفصلاً منيراً من تاريخ الأمة فحسب، وإنما تعبّر عن دينها وشريعتها ومرجعياتها العقائدية والسلوكية فهم مهبط الوحي ومعدن العلم والسبيل إلى الله تعالى.

ولكن الباحث حينما يرجع إلى مصادر التاريخ وكتب السير يواجه عوائق عديدة تحول دون الاستفادة القصوى من هذا المعين المهم في نحت ثقافة المؤمن وبناء وعيه الديني والتاريخي.

فالسيرة جزء من التاريخ، والتاريخ تحكّم في كتابته السلاطين والدول التي سادت ثم بادت. فهو خاضع أولاً وبالذات للأهواء والعصبيات لا للميزان العلمي والموضوعية

(١) نهج البلاغة: الكتاب ٣١ من وصيته للحسن (عليه السلام).

١٠
والتجرّد «فالذين دوّنوا الآثار الإسلامية في عصور التدوين الأولى لم تعنهم الحقائق أكثر من إرضاء عواطفهم المذهبية وتفاعلهم مع الفئات السياسية يوم كانت سياسة الحاكمين تجري لدى أكثر المسلمين مجرى الدم»(١).

إن المواقف المبدئية والخط الرباني الذي اعتصم به أئمة أهل البيت فرفضوا الظلم ونبذوا الانحراف ونددوا بالجور جعلهم وجهاً لوجه مع مختلف الأنظمة الطاغوتية التي تحكمت في تاريخ المسلمين، من أمويين وعباسيين وغيرهم..

فالأئمة كانوا دوماً جبهة المعارضة: العلنية أحياناً، والخفية أحياناً أخرى، وقد لاقوا لأجل ذلك شتّى أنواع التنكيل والتعذيب والتشريد والسلطات الجائرة لم تقنع بما أصاب أهل البيت (عليهم السلام) من ويلات، فدسّت في صفوفهم - إمعاناً في الإيذاء - من يشوّه تعاليمهم ويضع الأحاديث والأكاذيب، بل في صفوف المسلمين جميعاً..

فضاع جزء كبير من الحقيقة بين مؤرخ يسعى لإرضاء

(١) هاشم معروف الحسني: سيرة الأئمة الاثني عشر، ج١ ص٧، دار التعارف ط١. ١٩٩٧م.

١١
السلطان فيحطُّ من شأن المعارضة ويهمشها كما هو ديدن الكتّاب المتاجرين في كل عصر وبين واضع مدلّس كاذب يفتعل الأقاصيص ويختلق الروايات ليشوّه صورة الأئمة (عليهم السلام) الناصعة وبين ناقل هذا وذاك دون نقد وتمحيص.

«ولعلهم (عليهم الصلاة والسلام) وهم في مراقدهم يكابدون ممن جمعوا ما رواه الرواة عنهم من الآثار ودوّنوا جميع ما ينسب إليهم من الأقوال والأفعال بدون غربلة، ولا تمحيص، ليظهر الحصى من الجوهر والدّرر من الصدف. هؤلاء على ما بذلوا من جهد مشكور قد أمدّوا أعداء الإسلام والحاقدين عليه وعلى أهل البيت بالسلاح ويسّروا لهم بث سمومهم وتشويه العقيدة الشيعية، كما يبدو ذلك من مؤلفاتهم التي تصدر بين الحين والآخر»(١).

وما يكتب حديثاً عن سيرة الأئمة لا يخرج في الغالب عن كونه ترديداً لما ذكر في المراجع القديمة، وهذا يحول أيضاً دون استفادة المؤمن المعاصر من تاريخ الأئمة (عليهم السلام) وربط حياتهم بواقعه فكل دراسة أو قراءة للتاريخ هي ناظرة إلى مرحلتها

(١) هاشم معروف الحسني: مصدر سابق ص٩.

١٢
وزمانها ونمط تفكير أبناءها ومستوى وعيهم.. فلا يمكن أن نقرأ اليوم سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أو سيرة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) كما قرأها القدامى، فقراءتهم كانت استجابة لحاجاتهم وأسئلة عصرهم..

هذه بعض العوائق التي تواجهنا في كتابة السيرة.

وحينما نريد التعاطي مع سيرة الحسن (عليه السلام) تبرز إلى جانب كل ذلك مشكلة جديدة؛ إنها مظلمة التحريف والتزييف، ونحن نعلم أن جل الأئمة لم يسلموا من تشويه واتهام، فالحسين (عليه السلام) قتل بسيف جده؟!! والرضا (عليه السلام) بقبوله ولاية العهد أعطى الشرعية للعباسيين الظالمين! والإمام علي (عليه السلام) أمضى بيعة الخلفاء وتنازل عن حقه الشرعي! إلى آخره من تفسيرات تتنافى مع عصمتهم، وسلامة خطهم.

ولكن سيرة الحسن (عليه السلام) تواجه ما لا تواجهه سيرة أي إمام آخر من التأويلات الباطلة والتشويهات المقصودة.

فالحسن (عليه السلام) عند الكثيرين رجل مزواج مطلاق، تجاوز عدد زوجاته المائة وخمسين زوجة!! حتى أن الإمام علي (عليه السلام) ضجر منه فقال: «لا تزوجوا ولدي حسن فإنه مطلاق»!

١٣
وآخر (طه حسين) يدّعي أنه عثماني وأن هواه يميل مع بني أمية ويرى مظلومية عثمان ولهذا تنازل عن الخلافة لمعاوية؟!!

ومؤرخ آخر: يرى أنه متردد ولا يمتلك شخصية قوية(١) ولا يملك أهلية القيادة..الخ.

ومن جهة ثانية أخضعت سيرة الحسن (للحط من شأنه والعياذ بالله) إلى مقارنات ظالمة تارة مع معاوية للتدليل على حنكة الأخير وعدم خبرة الإمام!!

وطوراً مع الإمام علي (عليه السلام) للتدليل على حزم علي (عليه السلام) وجرأته وضعف الحسن (عليه السلام) وتردده!

وطورا آخر مع الحسين (عليه السلام) للتدليل على ثورية الحسين (عليه السلام) وسلبية واستسلام الحسن (عليه السلام).

هذه الإثارات المجحفة في حق الحسن (عليه السلام) يغرزها عدم تأطير هذه البحوث بالإطار العقائدي للإمامة فهم ينظرون للحسن (عليه السلام) كقائد سياسي فحسب ويلغون صفته كإمام وحافظ للدين والقيم!!

(١) انظر: هشام جعيط، الفتنة، دار الطليعة ص٣١٦.

١٤
هذا الفصل بين الإطار العقائدي والسياق التاريخي أوقع هؤلاء في مثل هذه التقييمات الجائرة.. كما أن التحليل الموضعي الذي يتعاطى مع النصوص بحرفية ولا يستند إلى منهج ترابطي في دراسة حياة الأئمة (عليهم السلام)(١) زاد الطين بلة.

فلتكن بعون الله دراستنا عن الحسن (عليه السلام) وخياراته الصعبة مسلحة بأدوات منهجية تتجاوز هذه الأخطاء والعوائق، حتى نفهم حقاً موقعه ونقرأ قراءة واقعية صلحه الذي كثر حوله اللغط والجدل. والدراسة تقوم إلى جانب هذه المقدمة على أربعة فصول وخاتمة.

الفصل الأول: الإمام الحسن من المهد إلى اللحد.

الفصل الثاني: معاهدة الصلح البنود والسياق التاريخي.

الفصل الثالث: أبعاد الصلح وأسراره.

الفصل الرابع: شبهات حول الصلح.

الخاتمة: صلح الحسن وخيارات الأمة الراهنة الصعبة!!

(١) سيأتي تفصيل هذا المنهج في الفصل الرابع.

١٥

الفصل الأول:



الإمام الحسن (عليه السلام)
من المهد إلى اللحد



عاش الإمام الحسن (عليه السلام) على امتداد خمسة عقود تقريبا غنية بالأحداث والتحولات، هذه الحياة القصيرة نسبياً واكب الإمام عبرها منعرجات حاسمة في تاريخ الأمة الإسلامية تحكمت في مصيرها طوال قرون مديدة.

وبنظرة فاحصة يمكن أن نقسم حياة الحسن المجتبى إلى خمس مراحل:

- المرحلة الأولى: من الميلاد إلى وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله).

- المرحلة الثانية: الإمام الحسن في ظل الخلفاء.

- المرحلة الثالثة: الإمام في ظل إمامة علي (عليه السلام).

- المرحلة الرابعة: من استشهاد علي (عليه السلام) إلى عقد

١٦
الصلح.

- المرحلة الخامسة: من العودة إلى المدينة إلى استشهاده.

المرحلة الأولى: من الميلاد إلى وفاة الرسول.

ولد الإمام الحسن (عليه السلام) في منتصف رمضان من السنة الثالثة للهجرة (٣هـ).

أسماه رسول الله حسناً حيث لم يشأ علي (عليه السلام) أن يسبق النبي في تسميته وكان أول من سمي بهذا الاسم. والحسين اشتق من هذا الاسم أيضا والمروي أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سمى حسناً وحسينا (رضي الله عنهما) واشتق اسم حسين من اسم حسن(١).

وعن جعفر بن محمد (عليه السلام) أن فاطمة (عليها السلام) حلقت حسناً وحسيناً يوم سابعهما ووزنت شعرها فتصدقت بوزنه فضة(٢).

لقد عاش الحسن طفولته في أعظم بيوتات التاريخ في {بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} (النور: ٣٦)

(١) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، مؤسسة الأعلمي ط١ ج١٦ ص٢١٠.

(٢) م. س ص٢١١.

١٧
وبين أعظم وأطهر خلق الله؛ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) ثم الحسين (عليه السلام) وفي كنف أهل البيت {إِنّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيــراً} (الأحزاب: ٣٣).

كانت طفولة فريدة نمت وترعرعت في أجواء الدين وعبق الرسالة في السنوات السبع الأخيرة من حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين وطد أركان الدولة الإسلامية داخل الجزيرة العربية وسقطت جميع حصون الشرك والكفر وأمنت الدولة الفتية وثغورها.

عاش الحسن طفولته في ظلال النبوة وهي تتحرك لتعلي كلمة (لا اله إلا اله محمد رسول الله) أولى الكلمات التي تناهت إلى سمعه من فم رسول الله وهو وليد، عاش طفولة غمرها الرسول بفيض من العاطفة والحنان، فالروايات تحدثنا أن الرسول كان يحمله على عاتقه وهو يقول: «اللهم إني أُحبه فأحبَّه».

وعن عائشة انه كان يأخذه فيضمه ويقول: «إن هذا ابني وأنا أحبه وأحب من يحبه».

١٨
ورآه رجل وهو يحمله على رقبته فقال: نعم المركب ركبت يا غلام. فقال الرسول: «ونعم الراكب هو».

وتروي كتب الحديث: أن الحسن كان يأتي جده وهو ساجد فيطيل السجود والحسن على ظهره فإذا فرغ قال للمصلين: لقد ترحلني الحسن فكرهت أن أعجله.

وللأسف فالتاريخ لا يحدثنا كثيراً عن الحسن في هذه الفترة ربما لصغر سنه، ولكن الروايات خلدت تلك الكلمات العظيمة التي رسخت حب الحسن في وجدان الأمة وعززت مكانته بين صفوفها:

«الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا».

«الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة».

«الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا».

«من أحبني فليحبهما ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله وأدخله النار».

إضافة إلى آيات الوحي النازلة في تمجيد أهل البيت عموماً وأصحاب الكساء، فالحسن أحدهم بلا نزاع.

١٩
لم تدم هذه الرعاية النبوية الحانية طويلا فلم يبق الحسن مع الرسول سوى سبع سنوات مرت كطيف نسيم لتعصف بقلب الصبي الطاهر أحزان عميقة تتوالى حلقاتها مع وفاة جده، ثم أمه.. وتلك المظالم التي ستصب على أهل البيت (عليهم السلام).

مات الرسول ولما يبلغ الحسن الثامنة، مات رسول الله وهو يتوج حفيده بكلمات شامخة في حقه بأنه وريث هيبته وسؤدده «فقد أتت فاطمة (عليها السلام) بابنيها إلى رسول الله في شكواه الذي توفي فيه فقالت يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئاً فقال: أما حسن فله هيبتي وسؤددي وأما حسين فله جرأتي وجودي»(١).

امتزج حزن الحسن عن جده بحزن أمه الزهراء على أبيها فهي مازالت بعد أبيها معصبة الرأس ناحلة الجسم منهدة الركن باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة.

المرحلة الثانية: الإمام الحسن زمن الخلفاء.

امتدت هذه الفترة إلى سنة ٣٥ه‍ تقريباً عام مقتل عثمان ومبايعة الإمام علي (عليه السلام) ولا يسعفنا التاريخ هنا أيضا بمعلومات

(١) ابن أبي الحديد شرح النهج: ج١٦ ص٢١١.

٢٠