×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

من علي مع إختلافهم في أن أيهما أفضل وقد إلتبس هذا المقام على بعض من لافطنة عنده فظن إن من قال من الإصوليين إن أفضلية أبي بكر إنما ثبتت في الظن لا بالقطع يدل على أن خلافته كذلك وليس كما زعم على إنهم كما صرحوا بذلك صرحوا معه بأن خلافته قطعية فكيف حينئذ يتأتى ما ظنه ذلك البعض هذا ولك أن تقول أن افضلية ابي بكر ثبتت بالقطع حتى عند غير الأشعري أيضاً على معتقد الشيعة والرافضة وذلك لأنه ورد عن علي وهو معصوم عندهم والمعصوم لايجوز عليه الكذب إن أبا بكر وعمر أفضلا الأمة قال الذهبي وقد تواتر ذلك عنه في خلافته وكرسي مملكته وبين الجم الغفير من شيعته ثم بسط الأسانيد الصحيحة في ذلك قال: ويقال «رواه عن علي نيف وثمانون نفساً وعد منهم جماعة ثم قال فقبح الله الرافضة ما أجهلهم» انتهى آ

ومما يعضد ذلك ما في البخاري عنه إنه قال خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم رجل آخر فقال إبنه محمد بن الحنفية ثم أنت ؟ فقال إنما أنا رجل من المسلمين وصحح الذهبي وغيره طرقاً أخرى عن علي بذلك وفي بعضها إلا وإنه بلغني إن رجالاً يفضلوني عليهما فمن وجدته فضلني عليهما فهو مفتر، عليه ما على المفتري. انتهى

اقول: سنبين بعون الملك الوهاب لأولى الألباب، إن ما ذكره هذا الشيخ الجامد الممرور المرتاب في هذا الباب، من تفضيل أبي بكر والإجماع عليه من بقية الأحزاب، وعبدة الازلام والأنصاب، وبطلان مازعمه الشيعة وما آلو اليه وتصريح علي بأفضلية الشيخين عليه أماني كاذبة وخيالات غير صائبة بل هي من أضغاث الأحلام أو مما زينه لهم الشيطان من الوساوس والأوهام فمن إغتر بها من الطلبة الممرورين كان حقه معاناة دماغه بما يعاني به سكان المارستان ونحن لم نشتغل بإيضاح فسادها والإفصاح عن فضيحة مفادها إلا لتحذير القاصرين من الناضرين وصونهم عن الوقوع في ورطات الخاسرين فنقول:

٢٦١
يتوجه على ما أطال فيه الكلام، بما يدل على إنسلاخه عن فطرة أولي الأحلام، وجوه من الكلام، وضروب من الطعن والملام.

أما أولاً فلما مر من أن الكلام في مطلق الإجماع خصوصاً في دعوى إنعقاده على خلافة أبي بكر وأفضليته طويل، وإنه لأهل السنة في تحقيقه فزع وعويل، والنقرر حاصله ها هنا بعبارة أخرى، هي أضبط وأحرى، وهو إنهم أجمعوا على إن لا دليل لهم في المقامين سوى الإجماع وقد عرفوا الإجماع في كتبهم كالمحصول للرازي والمنهاج للبيضاوي والمختصر لإبن الحاجب وغيرها بأنه إتفاق جميع أهل الحل والعقد يعني المجتهدين على أمر من الأمور في وقت واحد وقد بحثوا فيه من وجوه أكثرها مذكور في شرح المختصر للقاضي عضد الأيجي فقالوا: هل الإجماع أمر ممكن أو محال ؟ وعلى تقدير الإمكان هل هو متحقق أولاً ؟ وعلى تقدير التحقق هل يمكن العلم به أم لا ؟ وعلى تقدير العلم هل يمكن إثباته بالنقل أم لا ؟ وعلى تقدير الإثبات هل يصير حجة ودليلاً أم لا ؟ (١) وعلى تقدير صيرورته حجة إذا لم ينته ثبوته الى حد التواتر هل يصير حجة أم لا ؟ وقد وقع الخلاف من علماء اهل السنة في كل من هذه المراتب فيجب إثبات كل مما وقع أحد طرفي الترديد في هذه المراتب حتى يثبت حقية خلافة أبي بكر وافضليته وليت شعري إن من لم يكن قائلاً بشيء من ذلك كيف يدعي حقية إمامة أبي بكر وافضليته قطعاً أو ظناً ثم بعد ذلك يوجد خلاف آخر وهو إنه هل يشترط في حجية الإجماع أن لا يبقى من الجماعة التي أجمعوا الى ظهور المخالف وأن لايخالفهم أحد الى موت

(١) وقال النووي في باب نكاح المتعة من شرحه لصحيح مسلم «إختلف الإصوليون أي إن الإجماع بعد الخلاف هل يرفع الخلاف وتصير المسئلة مجمعاًعليها أولاً والأصح عند اصحابنا إذ لا يرفعه بل يدوم الخلاف ولا تصير المسألة بعد ذلك مجمعاً عليها أبداً وبه قال القاضي ابو بكر الباقلاني» كذا منه ره في الحاشية.

٢٦٢
الجميع أم لا ؟ وأيضاً قد إختلفوا في أن الإجماع بمجرده حجة أو يحتاج الى سند هو الدليل والحجة حقيقة ؟ ومن البين إن لاسند لأهل السنة في ذلك سوى ما نسجوه من القياس الفاسد وهو ما مر سابقاً من أن النبي صلى الله عليه وآله قد إذن في مرض موته لأبي بكر أن يكون أمام الناس في صلاتهم وإذا جعله النبي صلى الله عليه وآله إماماً في أمر الدين ورضي به فتقديمه لأمر الدنيا وهو أمر الخلافة يكون أرضى له بطريق أولى فقد قاسوا أمر الخلافة بالإمامة في الصلاة وحسبوه سنداً للإجماع ولا يخفى فساد ذلك عند من له أدنى معرفة بالإصول لأن إثبات حجية القياس أيضاً مما إستشكله الناس، واختلفوا في شروطه واقسامه إختلافاً يهدمه من الأساس، وعلماء أهل البيت عليهم السلام ينكرون حجيته ولهم أدلة عقلية ونقلية على ذلك مذكورة في محلها وعلى تقدير ثبوته الذي دونه خرط القتاد إنما يعتبر فيما إذا كان في الأصل علة تساوي الفزع فيها الأصل وفيما نحن فيه من أمر الخلافة وإمامة الصلاة العلة ليست بظاهرة بل الفرق ظاهر لأن إمامة الصلاة أمر واحد جزئي لايعتبر فيها العلم الكثير، ولا الشجاعة والتدبير ونحوهم إتفاقاً ولا العدالة عن أهل السنة لجواز الصلاة خلف كل بر وفاجر عندهم وأما أمر الخلافة فهو سلطنة وحكومة في جميع أمور الدين والدنيا وتحتاج الى علوم وشرائط كثيرة لم يوجد واحد منها في أبي بكر فكيف يقاس هذا بذلك وقول جمهورهم إن إمامة الصلاة من أمور الدين والخلافة من أمور الدنيا كما مر مردود بأن الفاضل القوشجي في شرحه للتجريد وغيره من محققي أهل السنة في غيره قد عرفوا الإمامة بأنها رياسة عامة في أمر الدين والدنيا نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك كذلك على إن الأصل هاهنا ليس بثابت لأن الشيعة ينكرون إذن النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر في إمامة الصلاة ويقولون إن النبي صلى الله عليه وآله قال قولوا للناس صلوا وقالت عائشة بنت
٢٦٣
أبي بكر لبلال قل لهم إن النبي صلى الله عليه وآله أمر أن يكون أبو بكر إماماً في الصلاة فشرعوا في الصلاة خلفه ولما إطلع النبي صلى الله عليه وآله على ذلك بادر الى القيام فوضع إحدى يديه على منكب العباس وأخرى على منكب علي عليه السلام أو فضل وخرج الى الجماعة ونحى أبو بكر عن المحراب وصلى بنفسه المقدسة مع الناس حتى لايصير ذلك مؤدياً الى الفتنة التي وقعت آخرآ بدونه ايضاً وقد مر بعض الأحاديث الصحيحة عند أهل السنة الدالة على تولي النبي صلى اله عليه وآله لإمامة الصلاة حينئذ بنفسه فتذكر، وايضاً لو سلمنا وجود القياس الصحيح فلا ريب في إن الإمامة إنما هي من الإصول ولهذا يذكر في الكتب المصنفة فيه فكيف يمكن إثباتها بالقياس الفقهي الذي لايكون إلا في الفروع ؟

وأما ماذكره صاحب المواقف من إن مسألة الإمامة ليست من الإصول ومجمع فيه العلامة الدواني بأنه بالفروع أشبه فمعارض بما ذكره القاضي البيضاوي في مبحث الأخبار من كتاب المنهاج وجمع من شارحي كلامه إن الإمامة من أعظم مسائل أصول الدين التي مخالفتها توجب الكفر والبدعة وبما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين وغيره في غيره من إن النبي صلى الله عليه وآله قال «من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية» فإنه صريح في إن الإمامةْ في الإصول ضرورة إن الجاهل بشيء من الفروع وإن كان واجباً لايكون ميتته ميتة جاهلية ولا يقدح ذلك في إسلامه وأيضاً قد صرحوا بأن الإمامة صنو مرتبة النبوة وإن حقوق النبوة من حماية بيضة الإسلام وحفظ الشرع ونصب الألوية والأعلام في جهاد الكفار والبغاة والإنتصاف للمظلوم وإنفاذ المعروف وإزالة المنكر الى غير ذلك من توابع منصب النبوة ثابتة للإمامة لأنها خلافة ونيابة عنها وبالجملة لو لم تكن مسألة الإمامة مثل مسألة النبوة في كونها من أصول الذين، وكان يكفي فيها كما في سائر الفروع ظن المجتهدين أو تقليدهم

٢٦٤
كتاب الصوارم المهرقة للقاضي نور الله التستري (ص ٢٦٥ - ص ٢٨٧)
٢٦٥
لم يوجد في حق أحد والإجماع لم ينعقد إلا على إمامة أبي بكر فيكون هو الإمام بالإجماع ويظهر من كلامه هذا إن الإمامة تثبت بالبيعة، وإن إمامة أبي بكر قد ثبتت ببيعة عمر فقط لا بالإجماع، وإنه لا دليل على وجوب الإجماع في ثبوت الإمامة، وهذا كله خبط وتناقض وإضطراب.

وأما ثانياً فلأنه لادليل من العقل والنقل على كفاية بيعة واحد وإثنين في ثبوت الإمامة وكيف يكون كذلك وقد تقرر في كتب الإصول إن قول المجتهد العادل وكذا فعله ليس بحجة بل صرحوا بأن قول الخلفاء الأربعة بل قول أهل المدينة بأسرهم ليس بحجة في المسائل الفرعية التي يكفي فيها الظن فكيف يكون فعل مثل عمر وحده أو مع إثنين غيره حجة فيها هو محل النزاع العظيم، وبمرتبه نبوة النبي الكريم.

وأما ثالثاً فلأنه من أين ثبت إمامة أبي بكر لعمر ؟ حتى بايعه ومن أين علم أبو بكر إنه إمام ؟ حتى إدعى الإمامة لنفسه.

وأما رابعاً فلأنه بعدما عرفت إن الإمامة لاتثبت بالبيعة كيف يمكن أن يقال إنها قد ثبتت عند الصحابة بالبيعة، وعندنا بإجماعهم، ومع الإغماض عن هذا كيف يمكن إثبات إنعقاد الإجماع عليه بعدما سمعت من الإختلافات الواقعة في الإجماع والإيرادات الواردة عليه مع إن النزاع الكلي ليس إلا في ذلك لما مر من إن الشيعة ينكرونه مطلقاً ويقولون إن أهل البيت عليهم السلام وسائر الهاشميين لم يرضوا بذلك وجماعة من أكابر الصحابة كانوا متفقين معهم كسلمان وابي ذر ومقداد وعمار رضي الله عنهم فيجب على العاقل الذي يتقي من الله أن يتأمل كلام الطرفين في هذه المسألة الضرورية، ويطرح قلادة التقليد عن رقبة العصبية الجاهلية، ويجتهد في طلب الحق بمزيد الجد والإخلاص

٢٦٦
والإرتياب، حتى يفيض العلم به عليه من جانب الوهاب الفياض.

وأما ثانياً فلأنا لا نسلم أن يكون من عظماء الملة وعلماء الأمة من خرج عن إجماعهم عظماء أهل البيت عليهم السلام وعلماء الأصحاب رضي الله عنهم كسلمان ومقداد وأبي ذر وغيرهم كما سيرويه هذا الشيخ المبهوت عن إبن عبد البر، واف لإجماع خرج عنه أهل البيت، ومن إشتعل سراج تحقيقهم من ذلك الزيت.

وأما ثالثاِ فلأن ماذكره من الإختلافات الكثيرة الواقعة بين أهل السنة في تفضيل بعض الخلفاء على بعض وترجيح بعضهم على بعض فلا يؤدي الى طائل ولا يرجع الى حاصل، وهم يضحكون على هذه الترجيحات المستندة الى الروايات والأقوال المذكورة فيما بين أهل السنة بل هم ربما يرتفعون عن التلفظ بتفضيل علي على أبي بكر ويرون ذلك ازراء لجلالة قدره عليه عليه السلام وغزارة فضله إذ لانسبة لأبي بكر اليه في الفضل أصلاً فتفضيله عليه السلام عليه يكون كقولنا «السيف امضى من العصى، والتبرا على من الحصا» كما قال الفاضل الشاعر.

يقولون لي فضل علياً عليهم * ولست أقول التبرا علي من الحصا
إذا أنا فضلت الإمام عليهم * أكن بالذي فضلته متنقصــــاً
الم ترى إن السيف تزرى بحده * مقالة هذا السيف أمضى من العصا

وعلى هذا يحمل لو صح ما سيجيء روايتهم عنه عليه السلام من إنه قال: من فضلني على أبي بكر جلدته جلد المفتري» كما سنوضحه عن قريب إنشاء الله تعالى فعلى ماذكرناه يكون زيادتهم تعمد تفضيل عثمان المهان المرتاب، في إسماع شيعة مولانا أبي تراب، كصرير الباب، وطنين الذباب.

٢٦٧
وأما رابعاً فإنما حكاه القاضي عياض عن الأشعري من «لأنه رجع عن التوقف الى تفضيل عثمان) فهو من الالزاميات التي لا خلاص للشيعة عنها لكن يخدشه لأنه لم ينقل عن الأشعري ذلك غيره ولعله أظهر التوقف في مرض موته ولم يحضره سوى القاضي أو بعض مشايخه فلهذا لم يشتهر ولا بعد في هذا الاحتمال لأنهم كثيراً ماينقضون بمثله لذا لأحتج عليهم الشيعة ببعض أقوال الصحابة أو علماء أهل السنة فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً.‌ وأما خامساً فلان ما نقله أبن معين من «إن من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعرف لعلي سابقته وفضله فهو صاحب سنة» مخالف لما ذكره شيخ أهل السنة القاضي ابن خلكان في تاريخه من قوله: والحق ان محبة علي بن أبي طالب لا تجتمع مع التسنن) انتهى ويؤيد هذا ان الجاهل نفسه نسب ماسيذكره من قول ابن عبد البر ان حديث الاقتصار علي الثلاثة مخالف لقول اهل السنة ان علياً افضل الناس بعد الثلاثة الى الزعم فقال «زعم ابن عبد البر؛ الى أخره» فافهم.‌‌

وأما سادساً فلأنه لا طائل فيما ذكره من الإختلاف في قطيعة هذا الإجماع لما عرفت إن أصله غير ثابت قطعاً فكيف يثبت وصفه بالقطع، اللهم إلا على مشاكلة بعض المثبتين للمحال المجوزين لركوب زيد المعدوم، على الفرس المعدوم، وعلى رأسه قلنسوة معدومة، الى غير ذلك من الخرافات.

وأما سابعاً فلأن ماذكره «من إنه ليس ملحظ عدم تعنيف عبدالرزاق بما ذكره الى إن التفضيل المذكور ظني» فيه تهكم وتعنيف ظاهر إذ الظاره من عبارته إنه إعتقد فضل علي عليه السلام عليهم ويدل عليه ماروى ياقوت الحموي الشافعي عند ذكر بلدة صنعاء من كتابه الموسوم في معجم البلدان وغيره من المحدثين في غيره من نسبة

٢٦٨
عبدالرزاق لعمر في بعض أحاديثه الى الحماقة وإساءة الأدب بالنسبة الى رسول الله صلى الله عليه وآله فافهم.

أما ثامناً فلأن نسبة ماذكره الشيخ الخطابي من قوله «أبو بكر خير وعلي أفضل» الى التهافت إنما نشأت من الخرافة وإلتباهت لظهور إن التهافت إنما يلزم التفضيل بمعنى الزائد في الخيرية وأما إذا حمل على ظاهره من كونه مخفف خير بالتشديد صيغة مبالغة أي كثير النفع والفائدة كما يقال «الوجود خير محض، وإن الخير من الله والشر من العبد» فلا يلزم التهافت أصلاً وغاية مايلزم من ذلك إن لايكون ذلك الشيخ سنياً ولا شيعياً أو كان شيعياً وارتكب أعمال التقية بإيراد اللفظ المحتمل، فتأمل.

وأما تاسعاً فلأن ما ذكره من أن ماحكاه إبن عبد البر من اختلاف السلف في تفضيله شيء غريب مردود بأنه لا غرابة فيه عند من سلم طبعه عن مرارة العصبية لكن هذا الشيخ المتعصب الجامد الناصبي لا يطيق سماع فضيلة علي عليه السلام فضلاً عن أفضليته لما جبل عليه من العصبية الجاهلية أو لسبق عروض الشبهة التي القت في نفسه الغبية كما سبق له وأصحابه الشبهة المانعة لهم عن قبول النصوص الجلية المتواترة في شأن الحضرة العلية المرتضوية وإلا فبعد البر أبر وأعظم عنده من أن لا يعولوا على نقله لولا إن صدر منه ذنب نقل الحكاية المذكورة وبهذا تنزل عن نفس التعويل عليه آخراً، فافهم

وأما عاشراً فلأن ما أجاب به ثانياً عن ذلك بأن «الأئمة إنما أعرضوا عن هذه المقالة لشذوذها» فمردود بأن الحكم بشذوذ هؤلاء المذكورين في حكاية إبن عبد البر من أكابر الصحابة شاذ لم يجترأ عليه أحد غيره من أهل العصبية نعم هؤلاء قليلون بالنسبة الى سائر المتفقين من قريش وغيرها على غصب الخلافة من علي عليه السلام والقلة محمودة

٢٦٩
لا مذمومة كما زعمه الجمهور الشاكرون لكثرتهم، المتحفزون بوفرتهم فإن زعمهم هذا مخالف لصريح القرآن كقوله تعالى (وقليل من عبادي الشكور، وقليل ماهم، وما آمن معه إلا قليل، وكم من فئة قليلة، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين، وإن كثيراً من الناس لفاسقون ولا خير في كثير) وأمثال ذلك كثير وقال بعض الحكاء «جل جناب الحق أن يكون شريعة لكل وارد، وأن يطلع عليه إلا واحد بعد واحد» وقال العارف الشاعر

خليلي خطار الفيافي الى الحمى * كثير وأما الواصلون قليل ؟

فقول الشيخ الجامد الناصبي إن هؤلاء من أكابر الصحابة شاذ قليلون كقول فرعون اللعين «إن هؤلاء لشرذمة قليلون» وكذلك إتباع اكثر الإنبياء والمحققين من إمته كانوا قليلين كما لا يخفى على من نظر في قصص الأنبياء وكتب التواريخ والأنباء.

واما الحادي عشر فلأن ماذكره في العلاوة من «إن المفهوم من كلام إبن عبدالبر إن الإجماع إستقر على تفضيل الشيخين إن اراد به انفهامه من كلامه المنقول ها هنا فهو وهم لا فهم كما لايخفى، وأن اراد به غيره فهو حوالة على المحال وأعمال للإحتيال.

وأما الثاني عشر فلأن ماذكره من «إن المراد مما وقع في الطبقات من تفضيل الحسنين ينافي بظاهره لتفضيل الشيخين لأن التفضيل حقيقة في طبيعة الفضل لا في بعض وجوعه كما حقق في موضعه فالعدول عنه مجاز لا يصار اليه من غير ضرورة ولا ضرورة داعية اليه سوى ماوقع لهذا الشيخ المبهوت، الذي تكلف إثبات تفضيل الشيخين بنسج العنكبوت.

وأما الثالث عشر فلأن ماذكره في العلاوة من «إن هذا التفضيل لايرجع الى كثرة الثواب بل لمزيد الشرف» غير مسلم كيف وإذا كان مجرد التزويج مورثاً لا كساب

٢٧٠
الثواب، كما جاء به الشرع المستطاب، فكيف لا يكون التزويج ببضعة الرسول صلى الله عليه وآله موجباً له وأي ثواب قد حصل لأبي بكر يفوق ثواب عوام المسلمين حتى يلزمنا إعتباره وموازنته في هذا الباب ؟ لولا الدعوى المستندة الى مجرد حسن الظن والمجازفة البالغة حد النصاب.

وأما الرابع عشر فلأن قوله «الإجماع حجة على كل أحد وإن لم نعرف مستنده» غير مسلم عند من إشترط العلم بالمستند كما مر.

وأما الخامس عشر فلأن إستدلاله على ذلك بقوله «إن الله عصم هذه الأمة من أن تجتمع على ضلالة» إستدلال في الحقيقة على ماروى عنه صلى الله عليه وآله من قوله «لا تجتمع أمتي على الضلال» وهو لو صح إنما يدل على حجية الإجماع بعد تحققه لا على عدم إشتراط العلم بمستنده كما قصده على أن النظام رد عليه بأنه خبر واحد والمسألة علمية ولم يجب الرازي عنه عن ذكره إياه في المعالم وقال بعض الفضلاء إن صدر الخبر مجزوم بالنهي بمعنى لا تجتمع إمتي على حذف حرف النداء وهذا أولى وإلا لزم كذب الخبر عند أهل السنة فإن نصب الإمام واجب شرعاً عندهم على الناس واجتمعوا على تركه الآن

فإن قلت: قوله صلي الله عليه وآله «لاتجتمع أمتي على ضلالة» معناه إختياراً لا قهراً

قلت: يحتمل أن يكون إجتماعهم على إمامة أبي بكر كذلك على تقدير فلا فرح للجامد الناصب في ذلك.

وأما السادس عشر فلأنه يرد على إستدلاله بالآية أيضاً إنه لاينفي الإشتراط مع أن النظام أورد على أصل دلالته على حجية الإجماع

أولاً بان هذا الدليل إنما يتم لثبوت إن متابعة الغير عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير وذلك باطل وإلا لزم أن يقال إن المسلمين أتباع اليهود في قولهم «لا إله إلا الله» بل المتابعة عبارة عن

٢٧١
الاتيان بمثل فعل الغير لأجل انه فعل ذلك الغير فأما لو أتى بمثل فعل الغير لا لأجل إنه فعل ذلك الغير بل لأن الدليل ساقه اليه فلم يكن متبعاً للغير إذا ثبت هذا القول حصل بين متابعة سبيل المؤمنين وبين متابعة غير سبيل المؤمنين واسطة وهي أن لا يتبع أحداً بل يتوقف الى وقت ظهور دليل وإذا حصلت هذه الواسطة لم يجزم من تحريم إتباع غير سبيل المؤمنين وجوب إتباع سبيل المؤمنين فسقط الإستدلال

وثانياً بأن لفظ السبيل لفظ مفرد غير معلى بالألف واللام فلا يفيد العموم بل يكفي في العمل به تنزيله على صورة واحدة فنحن نحمله على السبيل الذي به صاروا مؤمنين وهو الإيمان فلما قلتم إن متابعتهم في سائر الإمور واجبة إنتهى وقد نقلها الرازي في المعالم ولم يتحصل الجواب فإن كان عند الشيخ إبن حجر شيء فليأت وإلا فليعض على حجر هذا وفي الثاني من ايرادي النظام تأمل لأن السبيل وإن كان مفرداً إلا إنه مضاف الى الجميع المحلى باللام فالأولى في الرد على الإستدلال أن يقال إن النهي يحتمل أن يكون عن المجموع المركب من مشاققة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، فتأمل.

وأما السابع عشر فلأن ماذكره من تقديم الحجة القطعية على الأدلة كلها حتى على النص القرآني محل تأمل.

وأما الثامن عشر فلأن ماذكره من «أن الحق التفصيل» باطل وقوله «فما إتفق عليه المعتبرون حجة قطعية» أن أراد به المعتبرون من أهل السنة عند طئفة أخرى منهم فهو مصادرة لا إعتبار بها وان أراد المعتبرون من الأمة عند من عداهم من جميع معتبري الأمة فمسلم ولكن أجماع الناصب خال عن هذا الإعتبار فإعتبروا يا أولي الأبصار.

٢٧٢
وأما التاسع عشر فلأن قوله «ومن مستندها إن هؤلاء الأربعة إختارهم الله تعالى لخلافة نبيه وإقامة دينه؛ الى آخره» إستناد على ماينقض من الجدار ووقوف على شفا جرف هاو، لأن إختيار الله تعالى لخلافة الثلاثة منهم إنما يسلم على سبيل الحكم الكوني دون التكليفي الشرعي والإختيار بهذا المعنى مشترك بين خلافتهم وسلطنة فرعون ونمرود وشداد وإستيلائهم على العباد فلا يفيد فيما هو بصدده من كون منزلتهم عند الله بحسب ترتيبهم في الخلافة ولو صح ذلك لزم ان يكون منزلة يزيد، الخمير الفاسق العنيد و عمر بن عبدالعزيز الممدوح الرشيد بحسب ترتيبهم ايضاً فى إمارة المؤمنين وأن يكون كل منهما ممن إختاره الله تعالى لتولية أمور المؤمنين وإقامة الدين واللازمان باطلان ضرورة واتفاقاً.

وأما العشرون فلأن قوله «وليس الإختصاص بكثرة أسباب الثواب موجباً للزيادة المستلزمة للإفضلية قطعاً بل ظناً؛ الى آخره» جواب سؤال مقدر ذكره الفاضل القوشجي في شرحه للتجريد فإنه بعد ذكر ما قرره المصنف طيب الله مشهده من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام قال «لاكلام في عموم مناقبه ووفور فضائله وإتصافه بالكمالات وإختصاصه بالكرامات إلا إنه لا يدل على الإفضلية بمعنى زيادة الثواب والكرامة عند الله» إنتهى ولا يخفى على من له أدنى عقل وتمييز إن الكرامة والثواب الذي هو عوض عن العبادة على وجه التعظيم ليس غير الفضائل والكمالات التي إعترف بأنها أكثر تحققاً في علي عليه السلام وبعضها كان مخصوصاً به فلا معنى لأن يكون لغيره عزة وكرامة وثواب أكثر وعلى تقدير التسليم نقول كيف يتصور من العاقل أن يذهب الى عدم أولوية من يكون متصفاً بهذه الصفات الكاملة بمجرد إحتمال أن يكون غيره أفضل في الواقع إذ من الظاهر إن العاقل يقول الآن في نظرنا هذ الشخص أفضل وأحق وأليق بالإمامة الى أن يثبت

٢٧٣
في غيره ضرورة إنه لا معنى لأن يقال إن أخذ العلم مثلاً ممن لايكون علمه معلوماً أولى وأحسن ممن يكون ذلك معلوماً منه ولهذا لا يتفوهون في إختيار أبي بكر بأنه جاز أن يكون أكثر ثواباً من علي عليه السلام بل يقولون جزافاً إنه كان أعرف بحفظ الحوزة وقانون الرياسة من علي عليه السلام وهذا ظاهر جداً عند العقل وقد ورد في النقل من القرآن والحديث أيضاً كقوله تعالى (أفمن يهدي الى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) يعني هل الذي يكون صاحب هداية وعلم بالحق أحق وأولى بأن يهتدى به الخلق ويقتبس الحق من أنوار هدايته وعلمه أو الذي لا هداية له ولا علم له إلا أن يتعلم العلم والهداية عن غيره فكيف تحكمون أنتم في هذا أيها العقلاء ؟ يعني من المعلوم إن العقل يحكم بأن الأول أحق وأولى بمتابعة الخلق له وإهتدائهم وإقتدائهم به وخلافه مكابرة وعناد لا يخفى على أولي النهى والعاقل من يزكي نفسه عن شوائب التقليد ولا يقول إن العلماء والمشايح السلف وآبائنا ذهبوا الى كذا وظننا بهم أنهم لم يخطئوا لأن الخطأ والغلط جائز على ماعدا الأنبياء المرسلين والأئمة الطاهرين مع إحتمال أعمال التقية، والإفتتان بالشيطان والدنيا الدنية، ألا ترى إن سلاطين زماننا متصفون بكمال الظلم والجور والناس بل العلماء منهم يترددون اليهم ويختارون ملازمتهم وإطاعتهم ولو منعهم رجل صالح عن متابعة ذلك الظالم وتعظيمه ودعاءه يعرضون عنه ويذمونه ولو إن ذلك الظالم أمرهم في إهانة ذلك الصالح أو قتله لأهانوه أو قتلوه بلا توقف وهذا واضح جدا وله قرائن كثيرة لا يسعها المقام وبالجملة يجب على من حاول معرفة العقائد اليقينية، والعلم بالمقاصد الدينية، أن يكون حين يقصد الإستدلال على العقائد التي إنما خلق لإكتتابها باليقين، وبدون ذلك يستحيل أن ينخرط في سلك أصحاب اليقين، وأخبار المؤمنين، كالعقل الهيولاني لا يركن أصلاً الى ذهاب أبيه وأمه أو معلمه أو سلطانه أو معشوقه مذهباً
٢٧٤
ويجعل كل مداره على مقتضى الدليل الذي يصححه العقل السليم، والطبع المستقيم، ولا يجعل لغيره مدخلاً فيه ولا يحسبن ذلك هيناً فإن النفس لأمارة غاوية تريد أن تلقيه في الهاوية فتدلس عليه إن الإعتقاد الحاصل معظمه من الأمور المذكورة إنما هو في الدليل المحض والبرهان البحت وقل من سلم من ذلك التدليس، السانح من النفس الخسيس، فاجعل ايها السامع سريرتك مثل ميزان عدل أي صير نسبتها الى الإعتقاد التي تدعوك نفسك اليه تدليساً وإلى نقيضه واحدة، لتسلم من مكائدها التي من جملتها إنه يخوفك مما لا أصل له كخوفك من الميت، اللهم إكفنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ووفقنا للعلم والعمل بما تحبه وترضاه إنك قيب مجيب.

وأما الحادي والعشرون ـ فلأنه قولة «وثبوت الإمامة وإن كان قطعياً لايفيد القطع بالأفضلية» مردود بأن وجوب أفضلية الإمام عن رعيته في العلم والشجاعة والعدل ونحوها قد سبق منا إثباته سابقاً بما يفيد القطع فنفيه بمجرد قوله «لا يفيد» لايفيد.

وأما قوله «كيف ولا قاطع على بطلان إمامة المفضول مع وجود الفاضل» فمدخول بأن القاطع الأدله القطعية المفيدة للقطع بثبوت الحسن والقبح العقليين كما سبق الإشارة اليه إجمالاً وفضلنا الكلام فيه في شرحنا على كتاب كشف الحق وبعض رسائلنا المعمولة في خصوص هذه المسألة.

وأما الثاني والعشرون ـ فلأن السلف الذي وجد منهم التفضيل على الترتيب الوجودي الصوري نقطع بإنسلاخهم عن الفطرة الإنسانية وإنهم ممن لا يرحمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، بإلتزام التقليد الذميم، الذي رد الله عليه في كتابه الكريم، معاتباً للكفار في قولهم (إنا وجدنا آباءنا على إمة وإنا على آثارهم مقتدون) ولنعم ماقال الشاعر الفاضل المولى فضولي البغدادي رحمه الله

٢٧٥
از رتبه صورى خلافت مقصود * جز عرض كمال اسد الله نبود
كركشت رقم سه صفر بيش ازالفى * بيداست كه رتبه كدامين افزود

وأما ما ذكره من «إن حسن ظننا بهم قاض بأنهم لو لم يطلعوا على دليل في ذلك لما اطبقوا عليه» مدفوع بما قدمناه من إن هذا من قبيل «إن بعض الظن، وإنه لم ينشأ إلا من ضيق العطن، فتفطن.

وأما الثالث والعشرون ـ فلأن ما نقله عن الأمدي مستدلاً على إن أعلمية بعض الصحابة عن بعض غير مقطوع به بقوله «إذا ما من فضيلة بين إختصاصها بواحد منهم إلا ويمكن بيان مشاركة غيره له فيها» فيه نظر ظاهر إذ بعدما فرض إختصاص فضيلة بواحد منهم كيف يمكن مشاركة غيره فيها ولو سلم فنقول إدعاء هذا الإختصاص مع كونه ظاهر الفساد وناشئاً عن العناد مردود بما سبق منه قبيل ذلك في ضمن جواب سؤال مقدر حيث قال «وليس الإختصاص بكثرة أسباب الثواب موجباً للزيادة المستلزمة للأفضلية قطعاً بل ظناً؛ الى آخره»اللهم إلا أن يراد الإشتراك في أصل أنواع تلك الفضائل لكن على نحو أن يدعي إشتراك الصبي القاري لصرف الزنجاني ونحوه مع معلمه المتبحر في العلوم العقلية والنقلية أو من علم الأبيض من القار، وفتل نحو الهرة والفار، وقلع باب قفص الأطيار،مع من علم مادون العرش المجيد، وقتل إبن عبد ود البطل المريد، وقلع باب خيبر بيد التأييد، وفي هذا من الشناعة ماليس عليها مزيد.

وأما قوله «ولا سبيل الى الترجيح بكثرة الفضائل» فغير مسلم وإنما يكون كذلك لو لم يكن الكثير من أمهات الفضائل والقليل من فروعها المنحطة بأن يكون المتصف بالكثرة مثلاً عالماً بما دون العرش من البرية، وهاباً لألوف من الدراهم الكسروية،

٢٧٦
مقاتل صنوف من أبطال الجاهلية، وصاحب تقوى محفوف بالعصمة الأزلية، والموصوف بالقلة عالماً بخياطة ركيكة، معطياً بفلس من الصفر، قاتلاً لطير غير ذي ظفر، حاملاً لتقوى مسبوق بالفسق أو الكفر، وما نحن فيه من فضائل علي عليه السلام وأبي بكر الخياط المعلم للصبيان كذلك كما لا يخفى

وأيضاً قد روي أخطب خوارزم «من أراد أن ينظر الى آدم في علمه، والى نوح في فهمه، والى يحيى بن زكريا في زهده، والى موسى بن عمران في بطشه، فلينظر الى على بن أبي طالب» وفي رواية البيهقي «من أراد أن ينظر الى آدم في علمه، والى نوح في حلمه، والى إبراهيم في خلته، والى موسى في هيبته، والي عيسى في عبادته، فلينظر الى علي بن أبي طالب» والجامع لمثل هذه الصفات الفاضلة المتفرقة في جماعة من الأنبياء لا يمكن أن يكون في غيره صفة فاضلة راجحة على تلك الفضائل بل مساواته عليه السلام لكل واحد من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام في صفة هي أخص صفات كماله يوجب أن يكون بمجموع تلك الصفات أفضل من كل واحد منهم فضلاً عن أبي بكر …، … العباري عن الملكات الفاضلة مطلقاً.

وأما الرابع والعشرون ـ فلأن ماذكره «من إنه إلتبس هذا المقام على بعض من لا فطنة له فظن؛الى آخره» القضية فيه منعكسة إذ لايلتبس على من له أدنى مسكة إن من لايجوز إمامة المفضول مع وجود الفاضل ويبني صحة الخلافة على ظهور مزيد الفضل لامحيص له عن القول بإستلزام الظن في الأفضلية الظن في الخلافة ومجرد تصريح بعضهم بأن خلافة أبي بكر قطعية لا يقدح في الإستلزام كما لايخفى على من له شائبة من الشعور فقد ظهر إن الإلتباس إنما وقع لإبن حجر وإن رميه لغيره بعدم الفطنة إنما نشأ من سهم فطانته الأبتر، وقوس طبيعته الفاقد للوتر.

وأما الخامس والعشرون ـ فلأن قوله «ولك أن تقول إن أفضلية أبي بكر ثبتت

٢٧٧
بالقطع حتى عند الأشعري ايضاً بناء على معتقد الشيعة والرافضة وذلك لأنه ورد من علي عليه السلام؛ الى آخره» مردود بأن مازعم وروده عن علي عليه السلام إنما نقله رواة أهل السنة فلا يعتقد الشيعة شيئاً من ذلك وحينئذ لو بنى الأشعري على ذلك لكان بناء على الهواء، ورقماً على الماء، وأيضاً الخبر الواحد سواء إعتقد الشيعة أم لا إنما الظن ومن أين علم أن دعوى تواتر ذلك عن على عليه السلام كما إدعاه الذهبى ذهب الله بنوره مما يصير حجة على الأشعري ؟ مع تصريح الجمهور في كتب الحديث بأن الخبر المتواتر قليل جداً.

واما السادس والعشرون ـ فلأن مارواه عن البخاري من حديث الخير فلا خير فيه اذ مع ما سمعت من إعتقاد الشيعة في رواية أهل السنة سيما البخاري يجوز أن يكون لفظ الخير فيها محمولا على مخفف خير بالتشديد كما مر وغاية الأمر فيه اعمال اللفظ المشترك رعاية للتقية فتدبر.

وأما السابع والعشرون ـ فلأن قوله «وفي بعضها إلا وأنه بلغني أن رجالا يفضلوني عليهما فمن وجدته فضلني عليهما فهو مفتر، عليه ما على المفتري» قريب مما رواه متصلا بهذا عن الدار قطني عن علي عليه السلام ايضا من انه «لا اجد احداً فضلني على ابي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري» وما رواه في الفصل الثاني الآتي عن علي عليه السلام ايضا حيث قال«انه لا يفضلني احد على ابي بكر الا جلدته حد المفتري» وقد اشرنا سابقا الى الجواب عنها والحاصل إنا نقول بمضمونها وانها لنا لا علينا لأن تفضيل علي عليه السلام على ابي بكر وعمر متضمن لثبوت اصل الفضل لهما وهو افتراء بلا امتراء بل القول بأن علياً عليه السلام افضل من ابي بكر وعمر يجري مجرى أن يقول أن فلانا افقه من الحمار، واعلم من الجدار، وقد نسب الى المأمون العباسي انه اجاب عن ذلك ايضاً

٢٧٨
بأنكم رويتم عن إمامكم أبي بكر إنه قال «وليتكم ولست بخيركم» فأي الرجلين أصدق ؟ أبو بكر على نفسة، أو علي على أبي بكر.. ! وأيضاً لا بد أن يكون في قوله هذا صادقاً أو كاذباً فإن كان صادقاً كان الواجب عليه خلع نفسه عن الإمامة لأن كلامه سيما مع تتمته المروية متفقاً بقوله «وعلي فيكم» يدل دلالة ظاهرة على عدم تفضيل المفضول كما أشرنا اليه آنفاً وإن كان غير صادق فلا يليق أن يلي أمور المسلمين ويقوم بأحكامهم ويقيم حدودهم كذا كما لايخفى.

٩٢ ـ قال: في رواية صحيحة إنه قال لعمر وهو مسجى «صلى الله عليك ودعا له» انتهى.

أقول: بعد منع صحة الرواية لعل تلك الصلاة وقعت عنه عليه السلام عندما سجى عمر بثوب الكفن ووضع في بيت النبي صلى الله عليه وآله مترصدين لدفنه في جواره صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام إنما صلى على النبي صلى الله عليه وآله لمشاهدته لمرقده حينئذ فاشتبه الأمر على الناس، وعلى تقدير تسليم وقوع تلك الصلاة قبل كفن عمر وإخراجه الى بيت النبي صلى الله عليه وآله فيجوز أن يكون عليه السلام قد إستحضر النبي صلى الله عليه وآله في ذهنه ذلك الوقت فصلى عليه بصيغة الخطاب كما في قوله تعالى «إياك نعبد وإياك نستعين) فوقع الإشتباه.

وأما الدعاء فلعله كان عليه سراً لا جهراً ولكن بأعماله عليه السلام الألفاظ الإيهامية كما سبق من قول الصادق عند ذكر أبي بكر وعمر «إنهما كانا إمامين عادلين قاسطين كانا على الحق وماتا على الحق فرحمة الله عليهما يوم القيامة» فتذكر.

٩٣ ـ قال: وأخرج الحافظ أبو ذر الهروي من طرق متنوعة الدارقطني وغيرهما عن أبي جحيفة أيضاً «دخلت على علي في بيته فقلت: ياخير الناس بعد رسول

٢٧٩
الله صلى الله عليه وسلم فقال مهلاً يا أبا حجيفة ألا أخبرك بخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر ويحك يا أبا حجيفة لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن» وأخباره بكونهما خيرالأمة ثبتت عنه من رواية إبنه محمد بن الحنفية وجاء عنه من طرق كثيرة بحيث يجزم من تتبعها بصدور هذا القول من علي والرافضة ونحوهم لما لم يمكنهم إنكار صدور هذا القول منه لظهوره عنه بحيث لاينكره إلا جاهل بالآثار أو مباهت قالوا إنما قال علي ذلك تقية ومر أن ذلك كذب وإفتراء وسيأتي أيضاً وأحسن مايقال في هذا المحل «ألا لعنة الله على الكاذبين».

أقول: لا يلزم من كون أبي حجيفة صحابياً صاحباً لعلي عليه السلام كما ذكره علماء الرجال من الطرفين أن يكون كل مانقل عنه صحيحاً لجواز أن يكون الخلل فيمن نقل عنه من أهل السنة الذين جرت عادتهم على وضع الخبر على سادات أهل البيت عليهم السلام وعلماء شيعتهم نصرة لضعف مذاهبهم وآراءهم الجاهلية ولو سلم يجوز أن يكون المراد من لفظ الخير في الخبر الخير المخفف من المشدد ومع ذلك يكون واقعاً تقية

وأمام مانسب اليه عليه السلام من قوله «لايجتمع بغضي وحب أبو بكر وعمر في قلب مؤمن» فصريح في أعمال التقية لأن نفي هذا الإجتماع يمكن أن يكون بحب المجموع وببغض المجموع وبعدم شيء من بغض علي وحب أبي بكر وعمر ويتحقق هذا بحب علي عليه السلام وبغضهما كما هو وظيفة المؤمن.

وأما ماذكره «من إنه لم يمكن للشيعة إنكار صدور هذا القول عن علي عليه السلام» فمكابرة على الواقع لأنهم كما أشرنا اليه منعوا أولاً صحة الخبر ثم تنزلوا الى إحتمال صدوره على وجه ولقد تكلمنا فيما مر على مامر وسيأتي إنشاء الله على ماسيأتي فتذكر وانتظر ولقد صدق في أحسنية أن يقال في هذا المحل «ألا لعنة الله على الكاذبين» بل هو أحسن

٢٨٠