×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

مايقال في عقيب كل حديث ذكره في هذا الباب، بل هو أحسن ماذكره في هذا الكتاب، كما لايخفى على أولي الألباب.

٩٤ ـ قال: وأخرج الدارقطني أن أبا جحيفة كان يرى إن علياً أفضل الإمة فسمع اقواماً يخالفونه فحزن حزناً شديداً فقال له علي بعد أن أخذ بيده وأدخله بيته ما أحزنك يا ابا حجيفة ؟ فذكر له الخبر. فقال ألا أخبرك بخير الأمة خيرها أبو بكر ثم عمر قال أبو حجيفة فأعطيت الله عهداً أن لا أكتم هذا الحديث بعد أن شافهني به علي مابقيت وقول الشيعة والرافضة ونحوهما إنما ذكر على ذلك تقية كذب وإفتراء على الله إذ كيف يتوهم ذلك من له أدنى عقل أو فهم مع ذكره له في الخلاء في مدة خلافته لأنه قاله على منبر الكوفه وهو لم يدخلها إلا بعد فراغه من حرب أهل البصرة وذلك أقوى ما كان أمراً وأنفذ حكماً وذلك بعد مدة مديدة من موت أبي بكر وعمر قال بعض ائمة أهل البيت النبوي بعد أن ذكر ذلك فكيف يتعقل وقوع مثل هذه التقية المشومة التي أفسدوا بها عقائد أكثر أهل البيت النبوي لإظهارهم كمال المحبة والتعظيم فمالوا الى تقليدهم حتى قال بعضهم أغر الأشياء في الدنيا شريف سني فلقد عظمت مصيبة أهل البيت بهؤلاء وعظم عليهم أولاً وآخراً إنتهى وما أحسن ماأبطل به الباقر هذه التقية المشومة لما سئل عن الشيخين فقال إني اتولاهما فقيل له إنهم يزعمون إن ذلك تقية فقال إنما يخاف الأحياء ولا يخاف الأموات فعل الله بهشام بن عبدالملك كذا وكذا أخرجه الدارقطني وغيره فانظر ما أبين هذا الإحتجاج وأوضحة من مثل هذا الإمام العظيم المجمع على جلالته وفضله بل أولئك الأشقياء يدعون فيه العصمة فيكون ماقاله واجب الصدق ومع ذلك فقد صرح لهم ببطلان تلك التقية المشومة عليهم واستدل لهم على ذلك بأن إتقاء الشيخين بعد موتهما لا وجه له إذ لا سطوة

٢٨١
لهما حينئذ ثم بين لهم بدعائه على هشام الذي هو والي زمنه وشوكته قائمة إنه إذا لم يتقه مع إنه يخاف ويخشى لسطوته وملكه وقوته وقهره فكيف مع ذلك يتقي الأموات الذين لا شوكة لهم ولا سطوة

وأما إذا كان هذا حال الباقر فما ظنك بعلي الذي لا نسبه بينه وبين الباقر في إقدامه وقوته وشجاعته وشدة بأسه وكثرة عدته وعدده وإنه لا يخاف بالله لومة لائم ومع ذلك فقد صح عنه بل تواتر مدح الشيخين والثناء عليهما وإنهما خير الأمة ومر أيضاً الأثر الصحيح عن مالك عن جعفر الصادق عن أبيه الباقر إن علياً وقف على عمر وهو مسجى بثوبه وقال ماسبق فما أحوج علياً أن يقول ذلك تقية وما أحوج الباقر أن يرويه لإنه الصادق تقية وما أحوج الصادق أن يروه لمالك تقية فتأمل كيف يسع العاقل أن يترك مثل هذا الإسناد الصحيح ويحمله على التقية لشيء لم يصح وهو من جهالتهم وغباوتهم وكذبهم وحمقهم وما أحسن ما سلكه بعض الشيعة المنصفين كعبد الرزاق فإنه قال «أفضل الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسه وإلا لما فضلتهما كفى بي وزراً أن أحبه ثم أخالفه» ومما يكذبهم في دعوى تلك التقية المشومة عليهم ما أخرجه الدارقطني «إن أبا سفيان بن حرب رضي الله عنه قال لعلي باعلى صوته لما بايع الناس أبا بكر ياعلي غلبكم على هذا الأمر أذل بيت في قريش أما والله لأملأنها عليه خيلاً ورجلاً إن شئت فقال علي رضي الله عنه ياعدو الإسلام وأهله فما أضر ذلك للإسلام وأهله» فعلم بطلان مازعموه وافتروه من إن علياً إنما بايع تقية وقهراً ولو كان لما زعموه أدنى صحة لنقل واشتهر عن علي إذ لا داعي لكتمه بل أخرج الدارقطني وروي معناه من طرق كثيرة عن علي إنه قال «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد الي رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً لجاهدت عليه ولو لم أجد إلا ردائي ولم أترك إبن أبي قحافة يصعد درجة واحدة من منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه صلى الله عليه وسلم رأي موضعي وموضعه

٢٨٢
فقال له قم وصل بالناس وتركني ورضينا به لدنيانا كما رضى به رسول الله صلى الله عليه وآله لديننا» ومر لذلك مزيد بيان في خامس الأجوبة عن خبر «من كنت مولاه فعلي مولاه» وفي الباب الثاني وفي غيرهما فراجع ذلك كله فإنه مهم.

ومما يلزم من المفاسد والمساوىء والقبائح العظيمة على مازعموه من نسبة علي الى التقية إنه كان جباناً ذليلاً مقهوراً أعاذه الله من ذلك وحروبه للبغاة لما صارت الخلافة له ومباشرته ذلك بنفسه ومبارزته للألوف من الإمور المستفيضة التي تقطع بكذب مانسبه اليه أولئك الحمقى والغلاة إذ كانت الشوكة من البغاة قوية جداً ولا شك إن بني أمية كانوا أعظم قبائل قريش شوكة وكثرة جاهلية وإسلاماً وقد كان أبو سفيان بن حرب هو قائد المشركين يوم أحد ويوم الأحزاب وغيرهما وقد قال لعلي لما بويع أبو بكر ما مر آنفاً فرد عليه ذلك الرد الفاحش وأيضاً فبنو تيم ثم بنو عدي قوما الشيخين من أضعف قبائل قريش فكسوة علي لهما مع إنه كما ذكر وقيامه بالسيف على المخالفين لما إنعقدت البيعة له مع قوة شكيمتهم أوضح دليل على إنه كان دائراً مع الحق حيث دار وإنه من الشجاعة بالمحل الأسنى وإنه لو كان معه وصية من رسول الله صلى الله عليه وآله في أمر القيام على الناس لأنفذ وصية رسول الله صلى الله عليه وآله ولو كان السيف على رأسه مصلتاً، لايرتاب في ذلك إلا من إعتقد فيه رضي الله عنه ماهو منه بريء.

ومما يلزمهم أيضاً على التقية المشومة عليهم إنه رضي الله عنه لايعتمد على قوله قط لأنه حيث لم يزل في إضطراب من أمره فكل ماقاله يحتمل إنه خالف فيه الحق خوفاً وتقية ذكره حجة الإسلام ابو حامد الغزالي وقال غيره بل يلزمهم ما هو أشنع من ذلك وأقبح كقولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين الإمامة إلا لعلي فمنع من ذلك فقال مروا أبا بكر تقية فيتطرق إحتمال ذلك الى كل ماجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يفيد حينئذ إثبات العصمة شيئاً

وأيضاً فقد إستفاض عن علي رضي الله عنه إنه كان

٢٨٣
لايبالي بأحد حتى إنه قيل للشافعي رضي الله عنه مانفر الناس عن علي إلا إنه كان لا يبالي بأحد فقال الشافعي إنه كان زاهداً والزاهد لايبالي بالدنيا وأهلها، وكان عالماً والعالم لايبالي بأحد، وكان شجاعاً والشجاع لا يبالي بأحد وكمان شريفاً والشريف لا يبالي بأحد. أخرجه البيهقي وعلى تقدير إنه قال ذلك تقية فقد إنتفى مقتضيها بولايته وقد مر عنه من مدح الشيخين فيها وفي الخلوة وعلى منبر الخلافة مع غاية القوة والمنعة ما تلى عليك قريباً فلا تغفل عنه انتهى.

أقول: يتوجه على مارتبه تجحيراً على مذهبه من سقاطات المدر والحصى مدافع لا يحصى منها إن أبا جحيفة الذي إعتمد على روايته لم يكن من رجال الشيعة قطعاً كما مرت الإشارة اليه سابقاً وتوهم تشيعه من قوله «كان يرى إن علياً أفضل الإمة وإنه حزن من أستماع خلافه حزناً شديداً» لايجدي نفعاً لأن إظهار ذلك أولاً يجوز أن يكون إحتيالاً منه تحصيلاً لإلتفات بعض عوام الشيعة الى تصديق مايذكره بعد ذلك من أفضلية أبي بكر رواية عن عليه عليه السلام وحيث لم يكن أبو حجيفة من زمرة شيعة علي عليه السلام فالتقية منه متجه سواء كان في الخلاء أو في الملاء وحينئذ كيف يستبعد من له أدنى عقل وفهم إنه لامجال لتوهم التقية في هذا المقام، لولا عروض الخلافة والجمود التام، ثم الظاهر إن قوله «وفي خلافته» عطف على قوله «في الخلاء» وحينئذ لايرتبط به قوله لأنه «قال في منبر الكوفة الى آخره» لركاكة الإستدلال به على ماذكر ولمنافاته ماذكره أولاً من إنه عليه السلام أدخله بيته وقال له ذلك الخبر إلا أن يكون قبل قوله «لأنه» واو عطف قد سقط من قلم الناسخ وحينئذ لا يوجد في الكلام مايصلح لعطفه عليه إلا على تأويل بعيد ومع ذلك يصير حينئذ مآل هذا الدليل العليل متحداً مع ذكره قبله من إن علياً عليه السلام قال ذلك لأبي حجيفة في خلافته وعلى أي تقدير فإظهار علي عليه السلام ذلك في أيام

٢٨٤
خلافته على منبر الكوفة لو صح لاينافي التقية لما مر من إن أكثر العساكر الذين كانوا معه عليه السلام كانوا معتقدون لحسن سيرة الشيخين وحقية خلافتهم، محافظين على شأنهما، ذابين عن حريم …. كما يدل عليه ماسيذكره هذا الجامد المعاند من رواية أبي ذر الهروي والدارقطني المشتملة على إعتراض من سمع سب الشيخين عن جماعة علي عليه السلام بأنهم لولا يرون إنك تضمر ما أعلنوه ما إجترأوا؛ الى آخره» ولئن كان عليه السلام في أيام إظهاره لذلك فارغاً من بقية السيف كعبد الله بن الزبير ومروان وغيرهم من القاصدين لثوران الفتنة وتحريض معاوية على الخروج عليه عليه السلام حتى خرج في قريب من تلك الأيام ومنها إنما نقله من بعض أئمة أهل البيت من إنكار أعمالهم للتقية يتوجه عليه إنه على تقدير وجود ذلك البعض الذي لم يسمه وتسليم صحة النقل عنه يمكن أن يكون ذلك منه تقية في تقية ووصفه للتقية بالمشمومة لو صح أيضاً فلعله أراد به كونه شوماً على الأعداء كما قيل في الفارسيه.

بردوست مباركست وبر دشمن شوم

وكيف لايكون كذالك مع إنه وسيلة لخلاص الأحباء عن تهلكة الأعداء وضحكهم على لحية هؤلاء.

وأما مانقله عنه ثانياً من قوله «حتى قال بعضهم غر الأشياء في الدنيا شريف سني» فوهنه ظاهر لظهور إن الشيعة كما يشعر به لقبهم هذا تابعون لأهل البيت عليهم السلام مقتبسون من مشكاة ولايتهم لا صنع لهم في تقرير عقائد سادتهم كما يرشد اليه حال سادات المدينة المشرفة وشرفاء مكة المعظمة وأخذ العقائد عن

٢٨٥
أب عن جد الى الأئمة المعصومين عليه السلام من غير إلتفات الى غيرهم كما علم بتتبع أحوالهم فما نقله عن لسان بعض الأئمة موضوع عليه قطعاً.

ومنه إن قوله «وما أحسن ما أبطل به الباقر هذه التقية المشمومة؛ الى آخره» يتوجه عليه بعد تسليم صحة النقل إنه لا حسن فيه للناقل لظهور إنه كلام مجمل مبهم يليق صدوره بشأن الواقع في مقام التقية وقد أشرنا أيضاً الى أن سطوة أولياء الشيخين، والمعتقدين لبراءة سيرتهم عن الشين، كانت تقوم مقام سطوتهما وأكثر.

وأما مانقل عن دعاءه عليه السلام على هشام، فلا يجزي فيما له من المرام، لأن كثيراً من ملوك بني أمية لم يكونوا قادرين على مؤاخذة الأشراف بمجرد صدور إنكار منهم بالنسبة اليهم وإنما كانوا يجعلون القدح في الشيخين أو تهمة القدح فيهما وسيلة الى المؤاخذه بالقتل والحبس ونحوهما ويؤيد هذا ماجري في بعض أيام الحج من تنحي المسلمين عن طريق مولانا زين العابدين هييبة منه ليسهل له إستلام الحجر مع عدم تيسر ذلك لهشام، وإنتظاره التام لدفع الإزدحام وجرأة فرزدق الشاعر في إنشاده حينئذ على هشام ماتضمن مدح زين العابدين عليه السلام وذم هشام وهذه القصة مع القصيدة مشهورة مذكورة على السنة الأنام على وجه سيذكرها هذا الشيخ في فضائل أهل البيت عليهم السلام.

ومنها إن ما ذكره بقوله «فما أحوج علياً أن يقول ذلك تقية؛ الى آخره» مردود بما سبق مراراً من وجوه متعددة ذكرنا فيها ما أحوجه عليه السلام الى ذلك وحاصله ماروى أصحابنا إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أوصى علياً عليه السلام لما إحتاج اليه في وقت وفاته عرفه جميع مايجري عليه من بعد من أمر واحد بعد واحد من المستولين فقال له علي عليه السلام على ما تأمروني أن أصنع فقال تصبر وتحتسب الى أن يعود الناس اليك طوعاً فحينئذ تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ولا تنابذن أحداً من الثلاثة فتلقي بيدك الى التهلكة ويرتد الناس من النفاق الى الشقاق فكان عليه عليه السلام

٢٨٦
حافظاً لوصية رسول الله صلى الله عليه وآله إتقاء في ذلك على المسلمين المستضعفين لئلا يرجع الناس الى الجاهلية الأولى وتثور القبائل مرتدين بالفتنة في طلب ثارات الجاهلية الى غير ذلك من المصالح الخفية والجلية.

ومنا إن قوله «وما أحسن ماسلكه بعض الشيعة المنصفين كعبد الرزاق فإنه قال أفضل الشيخين؛ الى أخره» مدخول بمنع كون عبدالرزاق من علماء الشيعة بل يظهر من كلام ياقوت الحموي في معجمه إنه من محدثي أهل السنة والجماعة وشيخ مشايخ حديثهم وغاية الأمر إنه كان يقدح في عثمان لكن كان يعتقد صحة خلافة الشيخين وبفضلهما لزعمه الباطل إن علياً عليه السلام فضلهم على نفسه وإنه في ذلك قد أطاع علياً عليه السلام وحينئذ فقوله وبوله سواء.

ومنها قوله «ومما يكذبهم في دعوى تلك التقية المشومة ما أخرجه الدار قطني من أن أبا سفيان؛ الى آخره» مدفوع بأن ما أخرجه الدارقطني مما يصدق دعوانها؛ كيف وهو متضمن ماذكرنا سابقاً من إن علياً عليه السلام إنما كان يحترز في عدم النزاع مع الثلاثة عن مخالفة وصية سيد الأنام صلوات الله عليه وآله وإثارة فتنة تؤدي الى إفناء دين الإسلام ولهذا أغلظ على أبي سفيان في الكلام ونسبه الى العداوة مع الإشارة الى أن خلافة أبي بكر لاتضر بالإسلام وإن إثارة ماقصده من الفتنة تضر فيه وتؤدي الى إفناء الإسلام وأهله بالتمام (١) فظهر حقية ماقاله من إن علياً عليه السلام إنما بايع أبا بكر قهراً وتقية والله

(١) والمروي من طريق الشيعة وبعض طرق أهل السنة إن أبا سفيان جاء الى باب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال:

بني هاشم لا يطمع الناس فيكم * ولاسيما تيم بن مرة أو عدي
وما الأمر إلا فيكم أو عليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي
أبا حسن فاشدد بها كف حازم * فإنك بالأمر الذي ترتجى علي

ثم نادى بأعلى صوته: يابني هاشم، يابني عبد مناف، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل أما والله لو شئتم لأملأن عليهم خيلاً ورجلاً فناداه أمير المؤمنين عليه السلام: أرجع أبا سفيان فولله ما تريد الله بما تقول، وما زلت تكيد الإسلام وأهله ونحن مشاغيل برسول الله وعلى كل إمرء ما إكتسب، وهو ولي ما أحتقب. ذكره إبن طاووس رضي الله عنه في ربيع الشيعة منه نور الله مرقده «كذا في حاشية هذا الموضع من إحدى النسختين اللتين عندي».

٢٨٧
كتاب الصوارم المهرقة للقاضي نور الله التستري (ص ٢٨٨ - ص ٣١٢)
٢٨٨
قلت: إنما جاء الترتيب في اخباره عما يقع من حكم إلهي لا في إثباته صلى الله عليه وآله إياه حكماً شرعياً فربما كان الحكم ثابتاً لك يتأخر وقوعه الى أجل أو لا يقع البتة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن ترتيب وقوعها حكماً إلهياً عن ثبوت ترتيبها حكماً شرعياً إنتهى

وأما تتمة الخبر من قصة أبي بكر بالصلاة مع الناس من انكر الموضوعات عند الشيعة كما مر بيانه وتأييده بآحدى الروايتين في ذلك للبخاري ويدل على كونه كذباً موضوعاً لإشتماله على ما لايتكلم به عاقل فضلاً عن إمام معصوم مؤيد مطالع للوح المحفوظ كعلي عليه السلام وهو القياس الفاسد الذي نبهنا على فساده فيما مر وقد تقدم لذلك في رد خامس أجوبة هذا الجامد عن خبر «من كنت مولاه فعلي مولاه» ما لا مزيد عليه فتنه وتذكر.

ومنها إن ماذكره من نسبه إستلزام نسبة علي عليه لسلام الى التقية دليلاً على الجبن يستلزم أن يكون سيد الأنبياء جباناً ذليلاً مقهوراً ايضاً بل يستلزم أن يكون أجبن وأذل وأشد مقهورية أعاذه الله من ذلك وذلك للإجماع على إن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن أقل شجاعة وقوة من علي عليه السلام (١) وهو مع كون

(١) بل هوصلى الله عليه وآله كان أشجع وأقوى منه عليه السلام فإنه صلى الله عليه وآله صالح معهم في رد من جاء منهم الينا دون من ذهب منا اليهم ولما كتب علي عليه السلام كتاب العهد وصدره بقوله بسم الله الرحمن الرحيم قال سهل بن عمر عليه ماعليه أما بسم الله وما ندري بسم الله الرحمن الرحيم ولكن إكتب مانعرف بإسمك اللهم فوافقهم النبي صلى الله عليه وآله في ترك كتابة البسملة وكتب بسمك اللهم ولما كتب قوله «هذا ماكاتب محمد رسول الله» قالوا نحن لا نعتقد رسالتك فاكتب محمد بن عبدالله فوافقهم فيه وترك كتابة رسول الله قال النووي في شرح صحيح مسلم «وإنما وافقهم في هذه الأمور للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح» وقال قبل ذلك بورقات، عند أوائل باب صلح الحديبية: للإمام أن يعقد الصلح على مارآه مصلحة اللمسلمين وإن كان ذلك لا يظهر لبعض الناس في بادي الرأي الى آخر ماقال منه رحمه الله «كذا في حاشية هذا الموضع من إحدى النسختين اللتين عندي»

٢٨٩
أمير المؤمنين عليه السلام، وأبي بكر الأشجع منه، وعمر المقدام، بزعم هذا الجامد وغيره من بني هاشم في ملازمته لم يقاتل مع كفار قريش واختار المهاجرة من مكة الى المدينة الطيبة وبعد إمتداد المدة وتهيأ القوة والشوكة لما توجه الى مكة للحج وصدق عليه كفار قريش في الحديبية صالح معهم صلحاً سماه عمر إعطاء الدنية ورجع من الحديبية الى المدينة كما مر ولا ريب إن كل مايوجه به كف النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام وسائر الصحابة والمهاجرين والأنصار عن قتال هؤلاء الكفار فهو يصلح وجهاً لكف أمير المؤمنين عليه السلام عن منازعة الغاصبين للخلافة بطريق أولى ضرورة إن حقية كفار قريش غير متصورة أصلاً بخلاف الغاصبين المتظاهرين بالإسلام فتدبر.

وأما حربه عليه السلام للبغاة فقد بينا الفرق الظاهر بينهم وبين الثلاثة الغاصبين للخلافة مرارا ًفتذكر.

ومنها إن قوله «وأيضاً فبنو تيم ثم بنو عدي قوما الشيخين من أضعف قبائل قريش فسكوت علي لهما؛ الى آخره» مدفوع بأنا لو سلمنا إن قومهما كان اضعف قبائل قريش فكفى في تقويتهم وجود مثل عمر الذي روى الجمهور إن النبي صلى الله عليه وآله كان يدعوه في بدء الإسلام ويقول اللهم قوني بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب ولو سلم ضعفهما في نفسهما أيضاً لكن أكثر ماعداهما من قبائل قريش كبني أمية وبني مخزوم وبني المغيرة كانوا يبغضون علياً عليه السلام لأجل هلاك آباءهم، وأخوانهم، واولادهم، بيده عليه السلام في غزوات النبي صلى الله عليه وآله حتى روي إنه لم يكن بيت من قريش إلا ولهم عليه دعوة دم أراقه في سبيل الله كما ذكره الأصفهاني الشافعي في جرحه على كتاب كشف الحق وقد ذكر الشيخ الجامد في مواضع من كتابه هذا مايدل على بغض القوم وحسدهم له فيما آتاه الله من فضله خصوصاً بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم والذين كانوا من أعاظم قبائل قريش فقد روى هذا الشيخ الجامد فيما ذكره

٢٩٠
فى أول الخاتمة التي عقدها البيان ما أخبر به النبي (ص) ما حصل على آله من البلاء والقتل من قوله «إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلاً وتشريداً وإن أشد أقوام لنا بغضاً بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم» إنتهى

ولهذا إبتدأوا بعقد الرايات لعكرمة بن أبي جهل وعمومته الحارث بن هشام وغيرهم من بني مخزوم على بلاد اليمن وسموا خالد بن الوليد المخزومي الفاسق الذي قال في النبي صلى الله عليه وآله «اللهم إني أبرأ اليك مما فعل خالد» سيف الله وسلطوه على مشتهياته من فروج المسلمين ودمائهم وأموالهم وسموا عبيدة بن الجراح المجروح أمين الأمة وجعلوه مشيراً لهم وأرضوا أبا سفيان بتفويض إمارة الشام ولده يزيد ووجهوا إسامة مع من كان في جيشه من الذين خافوا فتنتهم مظهرين له إبطائه على إمارته ليسكت عن مخالفتهم حتى إذا إنتهى الى نواحي الشام عزلوه واستعلموا مكانه يزيد بن أبي سفيان فما كان بين خروج أسامة ورجوعه الى المدينة إلا نحو من أربعين يوماً لما قدم المدينة قام على باب المسجد ثم صاح يامعشر المسلمين عجباً لرجل إستعملني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فتأمر عليّ وعزلني هذا والسر في إن بني مخزوم وبنو أمية وغيرهم من صناديد قريش لم يتصدوا لغصب الخلافة بأنفسهم وإنما حملوا أبا بكر على ذلك لعدم سابقتهم في الإسلام وسرعة توجه التهمة اليهم بمعاداة علي عليه السلام وأهل بيته بل معاداة الأنصار ايضاً فحملوا على أبا بكر على أكتاف الناس رغماً لعلي عليه السلام ولهم فافهم وبالجملة إن غصب الخلافة لم يكن بمجرد إتفاق بني تيم وبني عدي كما زعمه بل بإتفاق جميع طوائف قريش على ذلك كما مر مراراً وبه تحقق الفرق بين خلافة الثلاثة وزمان الناكثين والقاسطين والمارقين كما أوضحنا تارة بعد أخرى.

وأما ماذكره من «إن سكوت علي لتيم وعدي أولاً وقيامه بالسيف على آخرين آخراً دليل على إنه كان مع الحق حيث دار» فالجواب عنه إن ذاك كذلك لكن لا لأجل ماتوهمه من إعتقاد علي عليه السلام

٢٩١
على حقية خلافة الأولين بل لأجل مامر من أن السكوت في الأول لم يكن إختيارياً له والقيام بالسيف ثانياً كان بإختيار منه.

وأما قوله «وإنه لو كان معه وصية من رسول الله صلى الله عليه وآله في أمر القيام على الناس لأنفذ؛ الى آخره» فمدخول بما قد مر أيضاً من إنه كان عنده عليه السلام عهدان من رسول الله صلى الله عليه وآله أحدهما إن ولاية عهد الخلافة حق له بعده والثاني أن لاينازع فيها أحداً من الثلاثة المستولين بعده صلى الله عليه وآله للمصالح التي فصلنا فيها الكلام آنفاً فتأمل.

ومنه إن قوله «ومما يلزمهم أيضاً على هذه التقية المشومة إنه رضي الله عنه لايعتمد على قوله قط؛ الى آخره» إن أراد به لزوم عدم إعتماد المخالفين الذين كان يتقي هو عليه السلام منهم فهو غير مجد له وغير مضر لنا وإن أراد عدم إعتماد أولاده الطاهرين وشيعته واصحابه المخلصين الذين عرفوا اصوله المرضية وضبطوا القرائن القائمة في مواضع أعماله للتقية فهو ممنوع إذ عندهم قواعد وعلامات وقرائن وإمارات قد اشرنا الى بعضها سابقاً بها يميزون بين مواضع أعماله عليه السلام للتقية وبين غيرها على وجه لايبقى شائبة الريب لهم وبهذا التقرير أيضاً يندفع ما إدعى لزومه بعيد ذلك كما لايخفى.

ومنها إن قوله وعلى تقدير إنه قال ذلك تقية فقد إنتفى مقتضيها بولايته؛ الى آخره» ممنوع بما مر مراراً من إنه لما كان إعتقاد جمهور من في زمان ولايته حسن سيرة الشيخين وإنهما كانا على الحق فلم يتمكن عليه السلام من الإقدام على مايدل على فساد إمامتهما وإنهما كانا غير مستحقين لمقامها وكيف يتمكن من ذلك وإظهار خلافهم على الجماعة التي يظنون إنهم كانوا خلفاء رسول الله حقاً وإن خلافته عليه السلام مبنية على خلافتهم فإن فسدت فسدت خلافته وكيف يأمن في خلافته الخلاف عليهم وكل من بايعه وجمهورهم عبدة هؤلاء وكانوا يرون إنهم مضوا على أعدل الأمور وافضلها وإن غاية أمر من بعدهم

٢٩٢
كعلي عليه السلام أن يتبع آثارهم ويقتفي طرائقهم فتأمل وانصف.

٩٥ ـ قال: واخرج أبو ذر الهروي والدارقطني من طرق إن بعضهم مر بنفر يسبون الشيخين فاخبر علياً وقال لولا إنهم يرون إنك تضمر ماأعلنوا ما إجترأوا على ذلك فقال علي أعوذ بالله رحمهم (١) الله ثم نهض واخذ بيد ذلك المخبر وادخله المسجد فصعد المنبر ثم قبض على لحيته وهي بيضاء فجعلت دموعه تتحادر على لحيته وجعل ينظر البقاع حتى إجتمع الناس ثم خطب خطبة بليغة من جملتها «مابال أقوام يذكرون أخوي رسول الله صلى الله عليه وآله ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي المسلمين وانا بريء مما يذكرون، وعليه معاقب، صاحبا رسول الله صلى الله عليه وآله بالجد والوفاء والجد في أمر الله تعالى يأمران وينهيان ويقضيان ويعاقبان لايرى رسول الله صلى الله عليه وآله كرأيهما رأياً ولا يحب كحبهما حباً لما يرى من عزمهما في أمر الله فقبض وهو عنهما راض والمسلمون راضون فما تجاوزوا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله صلى الله عليه وآله وأمره في حياته وبعد موته فقبضا على ذلك رحمهم الله تعالى فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقي مارق، وحبهما قربة وبغضهما مروق ثم ذكر أمر النبي صلى الله عليه وآله لأبي بكر للصلاة وهو يرى مكان علي ثم ذكر إنه بايع أبو بكر ثم ذكر إستخلاف أبي بكر لعمر ثم قال إلا ولا يبلغني عن أحد إنه يبغضهما إلا جلدته حد المفتري، وفي رواية ما إجترأوا على ذلك أي سب الشيخين إلا وهم يرون إنك موافق لهم منهم عبدالله بن سبأ وكان أول من أظهر ذلك لهما فقال علي معاذ الله أن أضمر لهما ذلك لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل وسترى ذلك إنشاء الله ثم ارسل الى إبن سبأ فسيره الى المدائن وقال لا تساكني في بلدة أبداً قال الأئمة وكان ابن سبأ هذا يهودياً فأظهر الإسلام وكان

(١) هذه الكلمة في النسخة المطبوعة من الصواعق بصيغة التثنية بخلاف نسخة المصنف كما يعلم من هنا ومن الجواب أيضاً كما سيجيء

٢٩٣
كبير طائفة من الروافض وهم الذين أخرجهم علي رضي الله عنه لما إدعو فيه الإلهية.

أقول: يعلم من هذا الخبر وكثير من أمثاله المذكورة في هذا الكتاب بعد تسليم صحتها إنه عليه السلام كان في زمانه متهماً بأعمال التقية في شأن الشيخين ويظهر منه إن تجويز التقية والحكم بشرعيتها ليس من مخترعات الشيعة كما قد يتوهم وأي تقية أظهر من إنه عليه السلام قال في ضمن جوابه لسؤال ذلك البعض قوله «رحمهم الله» بضمير الجمع الظاهر في كونه راجعاً الى تلك النفر السابين المذكورين في الخبر غاية الأمر إنه عليه السلام سيستعيذ من سب الشيخين فيذهل بعد ذلك عن ظهور إرجاع الضمير الآتي في قوله «رحمهم الله» الى تلك النفر السابين ويزعم بقرنية الإستعاذة المطلقة المبهة إن ضمير الجمع راجع الى الشيخين من أجل توهمه إن تلك الإستعاذة المطلقة منصرفة الى الإستعاذة من سبهما وإن الإتيان بضمير الجمع دون التثنية للتعظيم وأما باقي الأوصاف المذكور لهما من الوزارة والسيادة وأبوة المسلمين مع إن الأخير منها غصب لما خص به رسول الله صلى الله عليه وآله من كونه أباً للمسلمين كأزواجه بكونهن إمهاتهم مسوقة تهكماً على طبق مايصفهما به أوليائهما كقوله تعالى (ذق إنك أنت العزيز الكريم) وقول إبن منير الطرابلسي الشيعي الإمامي رحمه الله مهدداً لشريف زمانه الذي أوقف مملوكه المسمى بتتر عنده في جملة أبيات مضحكه منها قوله:

ليس الشريف الموسوي أبا الرضا إبن أبي مضر أبدى الحجود ولم يرد

على مملوكي تتر واليت آل أمية الطهر الميامين الغرر واقول أم المؤمنين

عقوقها إحدى الكبر الى آخره فليضحك قليلا وليبكي كثيراً.

وأما الرواية الأخرى التي ذكرها آخراً فبعد تسليم صحتها يتوجه عليه إن غاية مايدل عليه هو إستعاذة علي

٢٩٤
عليه السلام عن سب الشيخين والسب مما يستعيذ منه الشيعة أيضاً ولا يجوزونه بالنسبة الى الكافر فضلاً عن المسلم والمنافق وإنما الذي جوزه هو اللعن على من يستحقه كما مر وفرق مابينهما بين.

وأما قوله عليه السلام «لعن الله من أظهر لهما إلا الحسن الجميل» فلا دليل فيه على عدم إستحقاق الشيخين عنده للعن المتنازع فيه لأن مراده بالحسن الجميل ما هو اللائق بهما عند الله وإن كان طعناً أو لعناً ضرورة إن الحسن الجميل بحال الجبت والطاغوت وفرعون ونمرود ليس إلا مثل ذلك؛ ثم لايخفى إن قوله «ثم أرسل الى إبن سبأ فسيره الى المدائن؛ الى إخره» يدل على إنه إنما سيره لأجل سبه أبا بكر وعمر وقوله بعيد ذلك «إنه أخرجه مع طائفة لما إدعوا فيه الإلهية» يدل على إن التسيير والإخراج لأجل إدعائهم الإلهية فيه عليه السلام فهما متناقضان وهذا من أجل آيات الوضع في الخبر فتدبر.

الشيعة وعلم الرواية والدراية

٩٦ ـ قال: وأخرج الدارقطني من طرق إن علياً بلغه إن رجلاً يعيب أبا بكر وعمر فاحضره وعرض له بعيبهما لعله يعترف ففطن فقال له أما والذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله بالحق إن لو سمعت منك الذي بلغني أو الذي نبئت عنك أو الذي ثبت عليك ببينة لأفعلن بك كذا وكذا إذا تقرر ذلك فاللائق بأهل البيت النبوي إتباع سلفهم في ذلك والإعراض عما يوشيه اليه الرافضة وغلاة الشيعة من قبيح الجهل والغباوة والعناد فالحذر الحذر عما يلقونه اليهم من إن كل من إعتقد تفضيل أبي بكر على علي كان كافراً لأن مرادهم بذلك أن قرروا عندهم تكفير الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الدين وعلماء الشريعة وعوامهم وانه لا مؤمن غيرهم وهذا مؤد الى هدم قواعد الشريعة من أصلها وإلغاء العمل بكتب السنة وما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته واهل بيته إذ الراوي لجميع آثارهم وأخبارهم

٢٩٥
وللأحاديث بأسرها بل والناقل للقرآن في كل عصر من عصر النبي صلى الله عليه وسلم وإلى هلم الصحابة والتابعون وعلماء الدين إذ ليس لنحو الرافضة رواية ولا دراية يدرون بها فروع الشيعة وإنما غاية أمرهم أن يقع في خلال بعض الأسانيد من هو رافضي أو نحوه والكلام في قبوله معروف عند أئمة الأثر ونقاد السنة فإذا قدحوا فيهم قدحوا في القرآن والسنة وأبطلوا الشريعة رأساً وصار الأمر كما في زمن الجاهلية الجهلاء وكيف يسع العاقل أن يعتقد كفر السواد الأعظم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع إقرارهم بالشهادتين وقبولهم لشيعة نبيهم صلى الله عليه وسلم من غير موجب للتكفير وهب إن علياً أفضل من أبي بكر في نفس الأمر اليس القائلون بأفضلية أبي بكر معذورين لأنهم إنما قالوا ذلك لأدلة صرحت به لهم وهم مجتهدون والمجتهد إذا أخطأ له أجر فكيف يقال حينئذ بالتكفير وهو لا يكون إلا بإنكار مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة عناداً كالصلاة والصوم.

وأماما يفتقر الى نظر وإستدلال فلا كفر بإنكاره وإن أجمع عليه على مافيه من الخلاف وانظر الى انصافنا معشر أهل السنة والجماعة الذين طهرهم الله من الرذائل والجهالات والعناد والعصب والحمق والغباوة فإننا لم نكفر القائلين بأفضلية علي على أبي بكر وإن كان ذلك عندنا خلاف ما أجمعنا عليه في كل عصر منا الى النبي صلى الله عليه وسلم على ما مر في أول هذا الباب بل اقمنا لهم العذر المانع من التكفير ومن كفر الرافضة من الأئمة فلأمور أخرى من قبائحهم إنضمت الى ذلك فالحذر الحذر من إعتقاد كفر من قلبه مملو بالإيمان بغير مقتض تقليداً للجهال الضلال الغلاة وتأمل ماصح وثبت عن علي وأهل بيته من تصريحهم بتفضيل الشيخين على علي فإن هؤلاء الحمقى وإن حملوه على التقية المشومة عليهم فلا أقل من أن يكون عذراً لأهل السنة في إتباعهم لعلي وأهل بيته فيجتنب أعتقاد الكفر فيهم فإنهم لم يشقوا

٢٩٦
عن قلب علي حتى يعلموا إن ذلك تقية بل قرائن أحواله وما كان عليه من عظم الشجاعة والإقدام وإنه لايهاب أحداً ولا يخشى بالله لومة لائم قاطعة بعدم التقية فلا أقل أن يجعلوا ذلك منهم شبهة لأهل السنة مانعة عن أعتقادهم كفرهم سبحانك هذا بهتان عظيم انتهى.

اقول فيه نظر من وجوه

أما أولاً فلأنه على تقدير تسليم صحة الخبر إنما عرض علي عليه السلام عيب الشيخين على ذلك الرجل لإستحبابه تكراره وليتنبه ذلك الرجل من عرض ذلك عليه على وجه غير معتاد وفي مقام محفوف بالمخالفين بأن المقام مقام التقية والتوقف عن الإعتراف بما يورث توجه البلية فقد إتقى علي نفسه وعلى مولاه في ذلك وما قوله «إذا تقرر ذلك؛ الى آخره» ففي إنه لم يتقرر له شيء هاهنا إلا الرواية ولا دلالة لها على مافهمه منها من كف سلف أهل البيت عليهم السلام عن الطعن في الشيخين كما عرفت فحق أن يقال له «ثبت العرش ثم إنقش».

وأما ثانياً فلأن تكفير من إعتقد تفضيل أبي بكر على علي عليه السلام مما لم يذهب اليه جمهور الشيعة وإنما الذي ذهبوا اليه الحكم بفسقهم بل لم يذهبوا الى تكفير الخلفاء الثلاثة وغيرهم من الأصحاب الذين خالفوا علياً ولم يحاربوا وإنما كفروا منهم من حاربه كالناكثين والقاسطين.

وأما ماذكره من تقرير الشيعة إنه لامؤمن غيرهم فلا يقتضي تكفير غيرهم من المسلمين لأن ذلك مبني على ماحققوه من الفرق بين المؤمن والمسلم وإن غيرهم كأهل السنة مسلمون وإنما المؤمنون من إعتقد خلافة علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل وهذا الشيخ الجامد

٢٩٧
الجاهل لما جهل ما حققه الشيعة الإمامية ونظر الى ما قرره أهل السنة من إتحاد المؤمنين والمسلمين توهم إن حسب الشيعة الإيمان في أنفسهم يستلزم نفي الإسلام عن غيرهم وليس فليس.

وأما ثالثاِ فلأن ما ذكره من تأدية تكفير اهل السنة الى هدم قواعد الشيعة من أهلها غير لازم اصلاً وإنما يلزم ذلك إن لو لم يوجد في الأمة من قام مقامهم وإذ قد ذكر إن الشيعة قد حصروا المؤمنين من الأمة المحمدية في أنفسهم فقد إنهم إعتقدوا كونهم الحافظين لأصول الإيمان وقواعد الشريعة وإنه لايضر الحاق أهل السنة بمن عداهم من الكفار وأيضاً قد إتفق المحققون من الإمامية على إن الخبر الذي يرويه السني الذي تحقق عدالته، وإنها لايبيح وضع الحديث لنصرة المذهب وغيرها من المصالح الفاسدة يعتبر روايته فلا يلزم إلغاء العمل بجميع الأحاديث الموجودة في أهل السنة.

وأما رابعاً فلأن الصحابة كما صرحوا كانوا متجاوزين عن مائة الف وكان أكثرهم ممن لم يرو حديثاً عن النبي صلي الله عليه وآله وأما الأقلون فمنهم من روي حديثاً كثيراً كعلي عليه السلام من الصادقين وأبي هريرة من الكاذبين ومنهم من توسط في كثرة الرواية وقلتها ومنهم من قل روايته كأبي بكر وعمر على ماذكره أهل السنة ايضاً والشيعة الإمامية إنما يقدحون في بعض رواة الصحابة في الجميع ولا في الأكثر كيف وهم قد ذكروا في كتب الرجال من الصحابة الموثقين الذين ثبتوا على ولاية علي عليه السلام أولاً وآخراً والذين رجعوا اليه آخراً مايزيد على ثلاثمائة صحابي معروف وعلى هذا فاللازم طرح رواية قليل من الصحابة ولا يلزم من طرح رواية أقل قليل خصوصاً قليلي الرواية هدم الشريعة وإلغاء السنة نعم يطرحون روايتهم إذا كان في سلسلة الرواية عنهم من لا يوثق به من أهل السنة كما

٢٩٨
أشرنا اليه سابقاً وليس هذا طرحاً لرواية الصحابي من حيث إنه صحابي بل حيث إنه وضع عليه تلك الرواية.

وأما خامساً فلأنه أراد بلزوم الغاء كتب أهل السنة لزوم الغاء الكتب التي الفها أهل السنة في الحديث فبطلان اللازم غير مسلم لقيام ماهو أضعفه من كتب الشيعة الإمامية مقامه وإن اراد الغاء جميع الكتب المؤلفة في ذلك الباب لزعمه إنحصار الكتب المؤلفة في مؤلفاتهم فبطلانه ظاهر جداً ومثله في هذا الزعم الباطل مثل ماوقع في عصرنا من إن بعض المبتدئين من فقراء الطلبة واعيانهم كان يقرأ رسالة مؤلفة في واجبات الطهارة والصلاة ولم يكن يرى كتاباً آخر في الدنيا ولا سمع به فاتفق له في بعض الأيام بعد فراغه عن درسه في خدمة شيخه المرور على حلقة درس شيخ آخر يباحث كتاب المطول في المعني والبيان والمزاعم إن الكتاب منحصر في أفراد نسخ تلك الرسالة وإن كل أحد في كل حلقة درس كل يوم يقرأ ماقرأ هو في ذلك اليوم عند شيخه فجلس في تلك الحلقة وفتح كتابه قصداً لتكرار سماع درسه من تلك الرسالة وإذا سمع مراراً ماقرأه قاريء المطول وما أفاده المدرس من المعاني ولم يجد ذلك مطابقاً لما في درسه من تلك الرسالة ذلك اليوم قام عن المجلس مغتاضاً معترضاً على أولئك الجماعة بأن كل كتبهم غلط فليضحك قليلاً وليبك كثيراً على إن أصح ما إعتمدوا عليه في الرواية كتاب البخاري ثم كتاب مسلم وقد بينا فيما يتعلق بالباب الأول الذي عقده لبيان كيفية خلافة أبي بكر القدح في البخاري ومسلم وكتابيهما وأوضحنا إن روايتهما فيهما عن الوضاعين المعتمدين واحتجاجهما بحديث الناصبي والغالي والمتهم في الدين، فمن كان إعتماده في الرواية والإحتجاج على مثل هذين الأصلين الضعيفين في المزاج، المتكسرين بإشارة كالزجاح، كيف يرجو الرواج بقدحه عن اصل عترتهم السالمون عن

٢٩٩
الإعوجاج وهو الواضح غرة صحته كبياض الصبح وضوء السراج.

وأما سادساً فلأن قوله «إذ ليس لنحو الرافضة؛ الى آخره» مردود بأنه إن أراد بنحو الرافضة مايشمل الإمامية فهو مكابرة على المتواترات المشتهرة بأن نقل أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وأخبار أهل البيت عليهم السلام وآدابهم وعباداتهم وسننهم وعاداتهم ومذهبهم في أصول الفقه وفروعه ومعتقداتهم بين الشيعة الإمامية أظهر من أن يخفى وقد نقلوا عن ذلك مايزيد على ما في الصحاح الست بأسانيد معتبرة ونقحوا رجال الأسانيد بالجرج والتعديل غاية التنقيح ولم يقبلوا إلا رواية من ثبت ثقته أو إتفق عليه الفريقان كأكثر الأحاديث الواردة في طعن الثلاثة وأئمتهم، ومجتهدوهم من لدن علي بن أبي طالب عليه السلام لايقصرون عن علماء فرقة من الفرق بل هم في كل زمان أعلم وأتقى والذي يشهد عليه بعناده في نفي الرواية والدراية عن الشيعة خصوصاً الإمامية ما قاله إبن الأثير الجزري في جامع الأصول من إن مجدد مذهب الإمامية في المائة الثانية علي بن موسى الرضا عليهما السلام وما قاله محمد الشهرستاني في كتاب الملل والنحل عن ذكر الباقرية والجعفرية من الشيعة إن أبا عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام وهو ذو علم غزير في الدين ودأب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات وقد اقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين اليه ويفيض الموالين له اسرار العلوم انتهى

وأما مازعمه من قلة عدد الشيعة فلا يوجب نقصاً في شأنهم كما مر مراراً بل هي دليل حقيتهم إذ كلما كان في الدنيا أقل فهو أعز كالأنبياء في نوع الإنسان والعلماء والأتقياء ونحو ذلك كالجواهر والمسك والمعادن.

وأما سابعاً فلأن قوله وإنما غاية أمرهم إن يقع في خلال بعض الأسانيد من هو رافضي؛ الى آخره» مدفوع بأن عدم ذكر أهل السنة لرجال الشيعة لا يدل على قلة

٣٠٠