×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

الصفحة: ٣٠١ فارغة
السالكين كما مر مراراً ويؤيد ماذكرنا مارواه الطيبي في شرح المشكاة عن سفيان الثوري في تفسير الجماعة حيث قال لو إن فقيهاً على رأس جبل لكان هو الجماعة والحق إن مراده صلي الله عليه وآله بالسواد الأعظم مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام كما يشعر به كلام الزمخشري وفخر الدين الرازي في تفسيريهما لما نزل في شأن علي عليه السلام من قوله تعالى (وتعيها أذن واعية) فإنهما قالا «فإن قيل لما قال إذن واعية على التوحيد والتنكير قلنا للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ولتوبيخ الناس بقلة من يعي فيهم وللدلالة على إن الأذن الواحدة إذا وعت فهو السواد الأعظم وإنما سواها لا يلتفت اليه وإن إمتلأ العالم منه» إنتهى فظهر إن الحديث النبوي صلى الله عليه وآله لنا لا علينا.

وأما تاسعاً فلأن قوله «وهل أن علياً أفضل من أبي بكر في نفس الأمر؛ الى آخره» مدخول بأن هذا الكلام لو تم لدل على كون الشيعة معذورين في حكمهم ببطلان خلافة الثلاثة وإستحقاقهم اللعن لأنهم أيضاً إنما حكموا بذلك لأدلة صرحت لهم وهم مجتهدون؛ الى آخر ماذكره على إنا قد بينا عدم صراحة تلك الأدلة بل عدم دلالتها على ماقصدوه اصلاً وإنهم إنما تشبثوا بذلك عناداً وفساداً على العوام كدعوى معاوية وغيره من البغاة الغاوية إجتهادهم في الخروج على الإمام الحق علي عليه السلام من غير جهد أو إجتهاد في تحقق ذلك المرام مع ظهور الأمر على سائر الصحابة الكرام وعلماء تلك الأيام.

وأما عاشراً فلأن ما ذكره من «إن الشيعة لم يشقوا عن قلب علي حتى يعلموا إن ذلك تقية بل قرائن أحواله وما كان عليه من عظم الشجاعة والإقدام؛ الى آخره» مدفوع بأن إستعلاام الأمور لا يحتاج الى شق القلوب وصدع الصدور فإنه (ع) كان يعلن لشيعته المخلصين المخصوصين به ما كان يضمره عن غيره من المخالفين وقد نصب لشيعته

٣٠٢
في مواضع أعماله للتقية، القرائن والإمارات الجلية كما مر سابقاً بما لا مزيد عليه فتذكر.

٩٧ ـ قال: الفصل الثاني في

الفضائل المزعومة لأبي بكر من القرآن والسنّة

ذكر فضائل أبي بكر الواردة في وحده وفيها آيات وأحاديث

أما الآيات فالأولى قوله تعالى (سيجنبها الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا إبتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى) قال إبن الجوزي أجمعوا على إنها نرلت في أبي بكر ففيها التصريح بأنه إتقى من سائر الأمة والأتقى هو الأكرم عند الله لقوله تعالى «إن أكرمكم عند الله اتقاكم» والأكرم عند الله هو الأفضل فنتج إنه أفضل من بقية الأمة ولا يمكن حملها على علي خلافاً لما إفتراه بعض الجهلة لأن قوله تعالى وما لاحد عنده من نعمة تجزى يصرفه عن حمله على علي لأن النبي رباه فله عليه نعمة أي نعمة تجزى فإذا خرج على تعيين أبي بكر للإجماع على إن ذلك الأتقى هو أحدهما وأخرج إبن حاتم والطبراني إن أبا بكر أعتق سبعة كلهم يعذب في الله فأنزل الله قوله وسيجنبها الأتقى الذي، الى آخر السورة إنتهى.

اقول: فيه نظر من وجوه

أما أولاً فلأنا لانسلم صحة الرواية في شأن أبي بكر فضلاً عن الأجماع عليه والسند ماذكره بعضهم إنها نزلت في حق أبي الدحداح وقد روى هذا ابو الحسن علي بن أحمد الواحدي في تفسيره الموسوم بأسباب النزول بإسناده المرفوع الى عكرمة وإبن عباس إن رجلاً في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير وصاحب النخلة يصعد ليأخذ منها التمر فربما سقطت تمرة فيأخذها صبيان الفقير فينزل الرجل من نخلته حتى يأخذ التمر من أيديهم فإن وجدها في أحدهم أدخل إصبعه في فيه فشكى الفقير الى النبي صلى الله عليه وآله مما يلقى من صاحب النخلة فقال النبي صلى

٣٠٣
الله عليه وآله إذهب ولقى النبي ص صاحب النخلة وقال له إعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وآله إن لي نخلاً كثيراً وما فيها نخلة أعجب اليّ تمرة منها فكيف أعطيك ثم ذهب الرجل في شغله فقال رجل كان يسمع كلام النبي صلى الله عليه وآله أتعطيني ما أعطيت الرجل أعني التخلة التي في الجنة إن أنا أخذتها فقال: النبي صلى الله عليه وآله نعم فذهب الرجل ولقى صاحب النخلة فساومها منه فقال تعرف إن محمداً اعطاني نخلة في الجنة فقلت له يعجبني تمرها وأن لي نخلاِ كثيراً وما فيه كله نخلة أعجب اليّ تمراً منها ؟ فقال الرجل لصاحب النخلة أتريد بيعها ؟ قال لا إلا أن أعطي مالا أظنه أعطي قال فما مناك ؟ قال اربعون نخلة فقال الرجل لصاحب النخلة لقد جئت بعظيم، تطلب بنخلتك المائلة اربعين نخله ؟ ثم قال الرجل أنا اعطيك اربعين نخلة فقال صاحب النخلة إشهد لي إن كنت صادقاً فمر الرجل على أناس ودعاهم واشهد لصاحب النخلة ثم ذهب الى النبي صلى الله عليه وآله وقال: يارسول الله صلى الله عليه وآله إن النخلة صارت في ملكي فهي لك فذهب رسول الله صلى الله عليه وآله الى الفقير وقال له: النخلة لك ولعيالك فانزل الله تعالى (والليل إذا يغشى) السورة وعن عطاء إنه قال اسم الرجل أبو الدحداح فأما من اعطي وأتقى هو أبو الدحداح وأما من بخل واستغنى صاحب النخلة وهو سمرة حبيب وقوله (لا يصليها إلا الأشقى، الذي كذب وتولى) المراد به صاحب النخلة وقوله (يجنبها الأتقى) هو أبو الدحداح ولا يخفى إن مع وجود هذه الرواية إدعاء نزوله في أبي بكر ثم حصر نزولها فيه يكون باطلاً مع ما لايخفي من شدة إرتباط هذه الرواية لمتن الآية بخلاف ما روى إنه نزلت في شأن أبي بكر حين إشترى جماعة يؤذيهم المشركون فأعتقهم في الله تعالى إذ لايقال لمن يؤذي عبده إنه بخيل ولا إنه كذب وتولى فتدبر.

٣٠٤
وأما ثانياً فلأنه يرد على إستدلالهم بهذه الآية ما أورده كثير منهم كصاحب المواقف وغيره على إستدلالنا بحديث الطير حيث قالوا إنه لايدل على إن علياً عليه السلام أحب الخلق مطلقاً ب يمكن أن يكون أحب الخلق بالنظر الى شيء إذ يصح الإستفسار بأن يقال أحب خلقك في كل شيء أو في بعض الأشياء على غيره الزيادة لا في كل شيء بل جاز أن يكون غيره أزيد ثواباً منه في شيء آخر وذلك إن للمعارض أن يقول إن هذه الآية لاتدل على أن أبا بكر إتقى الخلق مطلقاً لجواز الترديد والإستفسار بانه أتقى الكل أو البعض ومن كل وجه أو من بعض الوجوه كما ذكرتم في حديث الطير حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة.

وأما ثالثاً فلأنا لانسلم إن معنى قوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ما فهمه بل المراد به كما صرحه به بعض المفسرين «إن اكرمكم عند الله أعملكم بالتقية» وأما رابعاً فلأنه إن اريد بالأتقى من كان أتقى من جميع المؤمنين عند نزول الآية فينحصر في النبي صلى الله عليه وآله وإن إرتكب التخصيص وإن أريد به كان أتقى من بعض المؤمنين فلا يلزم منه أفضلية أبي بكر وأكرميته مطلقاً فضلاً عن علي عليه السلام لوجهين الأول إنا لانسلم حينئذ إن علياً عليه السلام داخل في ذلك البعض حتى يكون ابو بكر أفضل منه الثاني إن الأكرم عند الله هو الذي يكون أتقى من جميع المؤمنين كما قال الله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) لا الأتقى من بعض المؤمنين وبالجملة إذا تطرق التخصيص في الأتقى سقط الإستدلال بظاهر المقال.

وأما خامساً فلأنا لانسلم رواية الشيعة ذلك في شأن علي عليه السلام بل إنما ذكروا ذلك على سبيل الإحتمال في مقام البحث والجدال ولهذا لايوجد في تفاسيرهم المتداولة

٣٠٥
عن هذه الرواية عين ولا أثر وإنما إحتملوا ذلك لمناسبة قوله تعالى (ويأتون الزكاة وهم راكعون) في حق علي عليه السلام إتفاقاً لقوله تعالى ها هنا (الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكى) ومناسبة ماورد في حقه عليه السلام أيضاً من قوله ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاء ولا شكورا) لقوله (وما لا حد عنده من نعمة تجزى، إلا إبتغاء وجه ربه الأعلى)

وأما سادساً فلأنه إن كان المراد بقوله تعالى (وما لا حد عنده من نعمة تجزى) أن لايكون عنده نعمة يكافيء عليها أعم من أن يكون ذلك الأحد من الذين آتاهم شيئاً أم لا فلا نسلم إن أبا بكر كان بهذه المثابة إذ الظاهر إنه لا يوجد شخص لا يكون لأحد في حقه حق نعمة من طعام أو شراب ونحوهما مع إن النبي صلى الله عليه وآله لم يسلم من ذلك لكونه في حجر تربية عمه أبي طالب رضي الله عنه ومع أن النبي صلى الله عليه وآله كان يحرض أصحابه على التحبب والإتحاد وأكل بعضهم من بيوت بعض والقول بأن مثل ذلك ليس نعمة تجزى مكابرة ظاهرة وغاية الأمر أن يكون جزاءه أقل ويرشد الى ماذكرنا قول الشاعر على طبق كلام أهل العرف في محاوراتهم

حق نان ونمك تبه كردن * بشكند مرد را سرو كردن
هر آنكس باتودارد حق آبي * فراموشش مكن در هيج بابي

وإن كان المراد به أن لايكون عنده لأحد من الذين آتاهم النعمة نعمة تجزى كما هو الظاهر ويدل عليه سياق الآية أي لم يفعل الأتقى مايفعل من إيتاء المال وإنفاقه في سبيل الله الا إبتغاء وجه ربه الأعلى فلا نسلم إنه لايجوز أن يكون المراد به علياً عليه السلام خصوصاً مع قيام القرائن والمناسبات التي مر ذكرها.

٣٠٦
وأما سابعاً فلأن إستدلاله على صرف حمله عن علي عليه السلام بقوله «إن النبي صلى الله عليه وآله رباه؛ الى آخره» مدخول بأنه مر منا إنه ليس المقصود في الآية نفي مجرد نعمة النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك الأتقى بل نفى نعمة كل واحد من آحاد الناس وكما إن علياً عليه السلام كان في حجر تربية النبي صلى الله عليه وآله كان ابو بكر في حجر ابيه وامه والفرق بين التربيتين تحكم صرف لا يقوم به بليد، أو مكابر عنيد.

وأما ثامناً فلأن أقل الأمر إن عند أبي بكر نعمة هداية النبي صلى الله عليه وآله فكيف ينفي عنه نعمة الكل حتى النبي صلى الله عليه وآله وما توهمه رئيس المشككين فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير من أن نعمة الهداية لا تجزي مستدلاً عليه بقوله تعالى (قل لا أسئلكم عليه أجراً) معارض بل مخصص بقوله تعلى أيضاً (قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) ويدل على إن المراد من الأجر المنفي في مثل هذه الآية هو المال لا مطلق الأجر قوله تعالى في سورة هو حكاية عن نوح عليه السلام (ويا قوم لا أسئلكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله؛ الآية) والضمير في عليه راجع الى ماسبق من قوله (إني لكم نذير مبين.)

وأما تاسعاً فلأن قوله آخراً «للإجماع على إن ذلك الأتقى هو أحدهما لا غير» يناقض ظاهر قوله أولاً «إجمعوا على إنها نزلت في أبي بكر» لأن الإجماع على الواحد المعين غير الإجماع على المردد بين الإثنين كما لا يخفى ولنعم ماقيل «الكذوب لاحافضة له) فاحفظ هذا.

٩٨ ـ قال: الآية الثانية قوله تعالى (والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى) وأخرج إبن أبي حاتم عن إبن مسعود إن أبا بكر إشترى بلالاً من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشرة أوراق فاعتقه لله فانزل الله هذه الآية أي إن سعي أبي بكر وأمية وأبي لمفترق فرقاً عظيماً فشتان ما بينهما انتهى.

٣٠٧
اقول: بعد تسليم صحة رواية النزول في كون معنى الآية ماذكره هذا الشيخ النازل لا دلالة فيها إلا على الفرق بين سعي أبي بكر وسعي كافرين وليس في هذا فضيلة كما لا فضيلْة بين فرعون ونحوه من كل جبار عنيد في أن يقال: إنه أصلح من الشيطان المريد.

٩٩ ـ قال: الآية الثالثة قوله تعالى (ثاني إثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فانزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) أجمع المسلمون على إن المراد بالصاحب ها هنا أبو بكر ومن ثم من انكر صحبته كفر إجماعاً. واخرج إبن أبي حاتم عن إبن عباس إن الضمير في (فانزل الله سكينته عليه) لأبي بكر ولا ينافيه (وأيده بجنود) إرجاعاً للضمير في كل الى مايليق به وجلالة إبن عباس قاضية بأنه لولا علمه في ذلك نصاً لما حمل الآية عليه مع مخالفة ظاهرها له انتهى.

اقول: الإستدلال بهذه الإيه على فضيلة أبي بكر أما من حيث مجرد كونه مع النبي صلى الله عليه وآله في الغار، وأما من حيث وصفه بكونه ثاني إثنين للنبي صلى الله عليه وآله فيه كما ذكر فخر الدين اتلرازي في تفسيره، أو من حيث تسميته صاحباً للنبي صلى اله عليه وآله ولا دلالة لشيء منها على ذلك؛

أما الأول فلأنه شاهد عليه بالنقص والعار، وإستحقاقه لسخط الملك الجبار، لا الفضيلة والإعتبار لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يأخذه معه للأنس به كما توهموه لأن الله تعالى قد آنسه بالملائكة ووحيه وتصحيح إعتقاده إنه تعالى ينجز له جميع ماوعده وإنما أخذه لأنه لقيه في طريقه فخاف أن يظهر أمره من جهته فأخذه معه إحتياطاً في تمام سره ولم دخل معه صلى الله عليه وآله في الغار في حرز حريز ومكان مصون بحيث يأمن الله تعالى على نبيه

٣٠٨
صلى الله عليه وآله مع ما ظهر له من تعشيش الطائر ونسج العنكبوت على بابه لم يثق مع هذه الأمور بالسلامة ولا صدق بالآيه وأظهر الحزن والمخافة حتى غلبه بكاءه وتزايد قلقه واضطرابه وابتلى النبي صلى الله عليه وآله في تلك الحال بمماشاته واضطر الى مداراته ونهاه عن الحزن وزجزه النبي ونهي النبي صلى الله عليه وآله وزجره لا يتوجه بالحقيقة إلا الى القبيح ولا سبيل الى صرفه الى المجاز بغير دليل وقد ظهر من جزعه وبكائه ما يكون في مثله فساد الحال في الإختفاء فهو إنما نهى عن إستلزامه ما وقع منه ولو سكن نفسه الى ما وعد الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وآله وصدقه فيما أخبره به من نجاته لم يحزن حيث يجب أن يكون آمنه ولا إنزعج قلبه في الموضع الذي يقتضي سكوته فتدبر.

وأما الثاني فلأن قوله تعالى (ثاني إثنين) بيان حال للرسول صلى الله عليه وآله باعتبار دخوله الغار ثانياً ودخول أبي بكر أولاً كما نقل السير لا عكس ذلك كما توهموه وعلى التقديرين لا فضيلة فيه لأبي بكر لأنه إخبار عن عدد ونحن نعلم ضرورة إن مؤمناً وكافراً إثنان كما نعلم إن مؤمنا ومؤمن إثنان فليس في الإستدلال بذكر هذا العدد طائل يعتمد عليه وكذا الإستدلال بما يلزمه ما إجتماع أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وآله في ذلك المكان لأن المكان يجتمع فيه المؤمنون والكفار وأيضاً فإن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله أشرف من الغار وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفار وفي ذلك قوله تعالى (فما للذين كفروا قبلك مهطعين، عن اليمين وعن الشمال عزين) وايضاً فإن سفينة نوح قد جمعت النبي والشيطان والبهيمة فاستدلالهم بالآية على إن أبا بكر كان ثاني رسول الله صلي الله عليه وآله في الغار ثم التخطي عنه الى كونه ثانياً في الشرف والفضل كما فعله فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير كما ترى، وبالجملة لفظ «ثاني إثنين» في الآية لايستلزم كون أبي بكر ثاني إثنين للنبي في الشرف لما عرفت من إنه كان متقدماً في دخول الغار والحصول فيه والنبي

٣٠٩
صلى الله عليه وآله تأخر عنه في الدخول. وأما التفاوت بحسب الشرف والرتبة فلم يستعمل الآية فيها ولا هو لازم منها والألزم أن يكون المعنى على ما أوضحناه إن النبي صلى الله عليه وآله مؤخر عن أبي بكر في الشرف والفضل وهذا كفر صريح كما لا يخفى فاتضح إن استعماله لتلك العبارة في شأن أبي بكر وتداولها في مدحه على رؤوس منابر إنما هو حيلة منه في أيهامهم للعوام إن صريح عبارة الآية نازلة في شأن ابي بكر وإنه ثاني إثنين النبي صلى الله عليه وآله في جميع الأمور وقد بينا بحمد الله تعالى ضعف حيلتهم ووهن وسيلتهم.

وأما الثالث فلأن الصاحب المذكور في متن مانقله من الإجماع على تقدير صحة النقل أعم من الصاحب اللغوي والإصطلاحي كالمذكور في أصل الآية وحينئذ لا فضيلة فيه لأبي بكر إذ لامانع من أن يكون صاحب النبي صلى الله عليه وآله بالمعنى كافراً أو فاسقاً كيف وقد سمى الله تعالى في محكم كتابه ايضاً الكافر صاحباً لهم كما في قوله تعالى عن لسان يوسف عليه السلام (ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ؟) وقد صرح القاضي البيضاوي في تفسيره وغيره بأن المراد ياصاحبي في السجن وحينئذ تسمية أبي بكر بالصاحب لا تدل على إسلامه وسلامته فضلاً عن أن تدل على فضله وكرامته فأي فضيلة في آية الغار يفتخر فيها لأبي بكر ؟ لولا المكابرة والعناد والبعد عن فهم المراد ولقد ظهر بما قررناه إنه إنما يلزم من الإجماع المذكور بعد صحته تكفير من أنكر صحبة أبي بكر مطلقاً لا صحبته بالمعنى الإصطلاحي المتنازع فيه.

وأما ما أخرجه إبن أبي حاتم عن إبن عباس فالمنافاة فيه ظاهرة ولو وافق فيه لإبن عباس جميع من في الدنيا وإنما يندفع لو لم يكن نزول السكينة على النبي صلى الله عليه وآله لا يعاقبه مع إنه وقع حكاية نزولها عليه في مواضع من القرآن كما سيأتي ولا ريب في أن إرتكاب إنفكاك الضمير بلا قرينة ظاهرة لا يليق بفصيح الكلام فضلاً عن أفصح الكلام.

وأما ماذكره من «إن جلالة إبن عباس قاضية بأنه لولا علم؛ الى آخره»

٣١٠
فمدفوع بأنه لاكلام في جلالة إبن عباس رضي الله عنه لكن الكلام في رداءة الراوي عنه المتهم بإباحته للوضع على أفضل من إبن عباس من نصرة مذهبه كإبن أبي حاتم أو غيره من الوسائط المذكورة في الإسناد هذا وقد أفاد بعض أجلة مشايخنا قدس سره إن الله سبحانه لم ينزل السكينة على نبيه صلى الله عليه وآله في موطن كان معه فيه أحد من أهل الإيمان إلا عمه بنزول السكينة وشملهم بذلك كما في قوله تعالى (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) ولم لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله في الغار إلا أبو بكر أفرد الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله بالسكينة وأيده بجنود لم تروها فلو كان الرجل مؤمناً يجري مجرى المؤمنين في عموم السكينة لهم ولولا إنه أحدث بحزنه في الغار منكراً لأجله توجه النهى اليه عن إستدامته لما حرمه الله تعالى من السكينة ما تفضل به على غيره من المؤمنين الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله في المواطن على ماجاء في القرآن، ونطق به محكم الذكر بالبيان وهذا ما أبين لمن تأمله إنشاء الله وقد ألفنا قبل ذلك في تحقيق هذه الآية الكريمة رسالة شريفة قد تعرضنا فيها لتشكيكات فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير لم نغادر فيها صغيراً ولا كبيراً ينفعك اليها المصير والله سبحانه نعم المولى ونعم النصير.

١٠٠ ـ قال: الآية الرابعة قوله تعالى (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) أخرج البزار وإبن عساكر إن علياً قال في تفسيرها: الذي جاء بالحق هو محمد صلى الله عليه وآله، والذي صدق به أبو بكر. قال إبن عساكر: هكذا الرواية بالحق ولعلها قراءة لعلي إنتهى.

أقول: قد نقل صاحب كشف الغمة عن الحافض أبي بكر موسى بن مردويه

٣١١
بإسناده إن الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وآله والذي صدق به علي بن أبي طالب عليه السلام وأما نزول ذلك في شأن أبي بكر فهو شيء قد تفرد به فخر الدين الرازي الصديقي بمجرد ملاحظة مناسبة التصديق المذكور في الآية لما وضع أولياء أبي بكر من لقب الصديق عليه وهذا دأب الرجل في تفسير كثير من الآيات كما لايخفى على المتتبع البصير ولا ينبئك مثل خبير؛ ولو حاولوا إثبات وجود رواية نزول الآية في شأن أبي بكر في شيء من كتب المتقدمين على الرازي ومن تبعه كإبن عساكر بلا إستعمال كذب وميل، فرجعوا بخفي حنين. ومن وقاحات الرازي إنه لم يكتف في ذلك بالكذب على الله تعالى حتى وضع ذلك على لسان علي عليه السلام قاصداً به سد باب تجويز القاصرين من الناضر من كون ذلك وارداً في علي عليه السلام ثم لدفع التهمة التي غلبت على الكاذب الخائن الخائف نسب ذلك الى المفسرين على الإجمال، ولكن الذكي الفطن لا يخفى عليه حقيقة الحال، ويدل على عدم ورود الرواية في شأن أبي بكر وعلي وصول الرواية الدالة على إن المراد بالآية هو علي الى الرازي ماذكره بعد ذلك حيث قال: إنه هذا يتناول أسبق الناس الى التصديق وأجمعوا على أن الأسبق الأفضل أما أبو بكر وأما علي لكن هذا اللفظ على أبي بكر اولى لأن علياً رضي الله عنه كان في وقت البعث صغيراً فكان كالولد الصغير الذي يكون في البيت ومعلوم إن إقدامه على التصديق لايفيد لمزيد قوة وشوكة في الإسلام فكان حمل هذا اللفظ على ابي بكر أولي إنتهى

ووجه دلالته على الأمرين بل على ماذكرنا من إنه بني على مجرد المناسبة إنه لو كان هناك رواية في شأن أبي بكر لذكرها ولما إحتاج الى تكلف الإستدلال المذكور ولا الى ذكر علي عليه السلام فيه ولو على سبيل الإحتمال؛ على إن الإستدلال المذكور كسائر تشكيكاته ظاهر البطلان لأن درجة النبوة اعلى مرتبة الإسلام «خ ل: الإيمان» وإذا جاز نبوة الصبي كان صحة إيمانه أجوز وقد قال تعالى

٣١٢
كتاب الصوارم المهرقة للقاضي نور الله التستري (ص ٣١٣ - ص ٣٤٠)
٣١٣
النبي صلى الله عليه وآله وإنه رسول الله وذلك من التكاليف العقلية ومعلوم إن التكليف بالعقليات إنما يتوقف على كمال العقل وإن كان الرجل إبن خمس سنين أو خمسين سنة وعلي عليه السلام قد كان كاملاً عقله حين أسلم والبلوغ إنما هو شرط في التكاليف الشرعيه الفرعية على إنه لا يمتنع أن يكون من خصائصه صحة إسلامه حال الصبا والصغر كما كان إبنه الحسن عليه السلام يطالع اللوح المحفوظ في حال رضاعه كما شهد به الشيخ إبن حجر العسقلاني شارح البخاري في شرح حديث وضع الحسن في رضاعه تمرة من تمرات الصدقة في فيه سهواً وإشارة النبي صلى الله عليه وآله اليه برميها عن فيه قائلاً «كخ كخ» وإعتراضه عليه بقوله: أما علمت إن الصدقة حرام علينا ؟ وبالجملة يجوز إختصاصه عليه السلام بمزيد فضيلة في الخلقة أوجب حصول البلوغ الشرعي قبل العدد وما ذاك بعجب منه فإنه مظهر العجائب ومنبع الغرائب.

وأما ماذكره الرازي «من إنه لما كان لتصديق أبي بكر مزيد قوة للإسلام كان حمل هذا اللفظ عليه أولى» فمع قطع النظر عما ذكرناه وعن إن مثل هذا المزيد والزيادة قد حصل أيضاً بتصديق غير أبي بكر كحمزة رضي الله عنه ورؤساء الأنصار ومن شاكلهم معارض بما روى جلال الدين السيوطي الشافعي في كتاب الوجيز عن عباد بن عبدالله قال سمعت علياً يقول: أنا عبدالله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب. وهذا الحديث مما أخرجه النسائي وصححه الحاكم على شرط البخاري ومسلم كذا في تذكرة الموضوعات وبما قاله الرازي المذكور نفسه في تفسير قوله تعالى (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه؛ الآية) إنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال: الصديقون ثلاثة؛ حبيب النجار مؤمن آل يس؛ ومؤمن آل فرعون الذي قال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، والثالث علي بن أبي طالب وهو أفضلهم. انتهى

ووجه المعارضة ظاهر إذ في كل الحديثين وقع التعبير

٣١٤
عنه عليه السلام بالصديق الأكبر أما الحديث الأول فظاهر جداً وأما الثاني فللتصريح فيه بأنه أفضل الصديقين الثلاثة فيكون أكبر وأكمل وحمل اللفظ على الفرد الأكمل المتبادر الى الفهم عرفاً أولى وأجدر، على إنما وقع في الحديث الثاني من حصر الصديقين في الثلاثة بنفي كون أبي بكر من الصديقين أصلاً ورأساً فضلاً عن أن يكون مراداً من لفظ الآية والله ولي الصدق والتصديق، وبيده أعنة التحقيق وأزمة التوفيق.

١٠١ ـ قال: الآية الخامسة قوله تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) أخرج إبن أبي حاتم عن إبن شودب إنها نزلت في أبي بكر إنتهى.

أقول: لانسلم صحة ماذكره في شأن النزول لأنه خبر واحد مجهول عند الخصم وأقل خبر واحد يليق تلقيه بالقبول كونه مروياً عن إثنين من الفريقين كما أشرنا اليه سابقاً هذا مع إقتضاء لفظ من الموصولة العموم والشمول.

١٠٢ ـ قال: الآية السادسة قوله تعالى (وشاورهم في الأمر) أخرج الحاكم عن إبن عباس إنها نزلت في أبي بكر وعمر. ويؤيده الخبر الآتي: إن الله أمرني أن أستشير أبا بكر وعمر إنتهى.

أقول: بعد تسليم صحة الخبر لا دلالة في الآية على فضل أبي بكر وصاحبه عمر لجواز أن يكون ذلك الأمر لتأليف قلوبهم وتطييب خواطرهم لا للحاجة الى رأيهم فغاية مايلزم منها أن يكونا من مؤلفة القلوب وقال بعض مشايخنا قدس الله سره: إن الله تعالى أعلم النبي صلى الله عليه وآله إن في إمته بل في صحابته الملازمين له كما مر من رواية البيهقي في دلائل النبوة وغيره من يتبغى له الغوائل، ويتربص به الدوائر، ويسر خلافه، ويبطن مقته، ويسعى في هدم أمره، وينافقه في دينه، ولم يعرفه أعيانهم، ولا دله عليهم

٣١٥
بأسمائهم، فقال تعالى: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم، نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم) وقال جل إسمه) وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم الى بعض هل يريكم من أحد ثم إنصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) وقال تعالى (يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لايرضى عن القوم الفاسقين، ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون) وقال جلت عظمته (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وأن قولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) وقال عز قائلاً (ولا ينفقون إلا وهم كارهون) وقال جل ذكره (وإذا أقاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً) ثم قال تبارك وتعالى بعد أن نبأ عنهم في الجملة (ولو نشاء لأريناكم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) ثم أمره بمشورتهم ليصل بما يظهر منهم الى باطنهم فإن الناصح يبدو نصيحته في مشورته والغاش المنافق يظهر ذلك في مقالته فاستشارهم صلى الله عليه وآله لذلك ولأن الله تعالى جعل مشورتهم الطريق له الى معرفتهم، ألا ترى إنهم لما أشاروا ببدر عليه في الأسرى فصدرت مشورتهم عن نيات مشوبة في نصيحتهم كشف الله تعالى ذلك وذمهم عليه وأبان عن إدغالهم فيه فقال جل قائلاً (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض يريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) فوجه التوبيخ اليهم والتعنيف على رأيهم وأبان لرسول الله صلى الله عليه وآله عن حالهم فعلم إن المشورة بهم لم تكن للفقر الى آرائهم وإنما كانت لما ذكرناه.

١٠٣ ـ قال: الآية السابعة قوله تعالى (فإن الله هو موليه وجبريل وصالح مؤمنين) اخرج الطبراني عن عمر، وإبن عباس إنها نزلت فيهما انتهى.

٣١٦
اقول: إخراج الطبراني الخارجي وحده من دون مشاركة واحد من فريق الخصم معه خارج عن الإعتبار كما سبقالتصريح به ولإشعار، مع إنه نقل صاحب كشف الغمة رواية نزولها في شأن علي عليه السلام عن عز الدين عبدالرزاق المحدث الحنبلي وعن الحافظ أبي بكر بن مردويه بإسناده الى أسماء بنت عميس وهي مذكورة في تفسير أبي يوسف بن سفيان النسوي بإسناده الى إبن عباس ورواها السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن إب عباس ورواها الثعلبي في تفسيره بإسنادين الى غير ذلك وايضأص حمل لفظ صالح مفرداً على رجلين إثنين مخالف للوضع والإستعمال لأنه موضوع للمفرد وقد استعمل في الجمع للتعظيم وأما إستعماله في إثنين فقط فلم نجده في كلام الفصحاء.

وأما ماذكره الرازي هاهنا «من إنه يجوز أن يراد بلفظ صالح مفرداً الواحد والإثنان والجمع مستنداً الى، ماقاله أبو علي الفارسي من إنه قد جاء فعيل مقرداً يراد به الكثرة كقوله تعالى (ولايسأل حميم حميماً) فضعفه ظاهر لأن قياس فاعل على فعيل بلا سند يقيد به غير مسموع ولو سلم فحميم إنما أريد به الكثرة الشاملة للإثنين فما فوقهما بقرينة تنكيره الذي قد يكون للتكثير وربما يتعين فيه لمعاونة الحال والمقام ولا تكير فيما نحن فيه فيكون قياس صالح في ذلك على حميم قياساً مع الفارق كما لايخفى؛ هذا والذي شجع الطبراني على وضع هذا الخبر مناسبة نزول ما في الآية من العتاب في شأن عائشة وحفصة وإن أبا بكر وعمر أبواهما فحمل صالح المؤمنين كحمل الجاهلين على أبي بكر وعمر وذهب كما قال غيره من أتباعه الى إن مراد الإية إنهما كانا ينصحان بتقيتهما بترك الأفعال التي تكون للضرات وليس الأمر كما زعموه بل الوجه في التعبير هاهنا بصالح المؤمنين عن علي عليه السلام ماروي إن النبي صلى الله عليه وآله فوض ولاية طلاق نسائه الى علي عليه السلام ولهذا روى إنه بقية عائشة على عنادها بعد إنقضاء حرب الجمل

٣١٧
أيضاً وامتنعت عن أمر علي عليه السلام في مضيها الى المدينة المشرفة وكونها في بيتها الذي أسكنها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله فيه ارسل عليه السلام إبن عباس رضي الله عنه اليها مهدداً لها بأنك لو لم تنتهي عن العناد والخلاف لطلقتك بما أنت تفرق من ولايتي عن رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فلا يبقى لك رجاء شفاعة أصلاً فسكتت وإرتحلت في الحال.

١٠٤ ـ قال: الآية الثامنة قوله تعالى (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور) أخرج عبد بن حميد عنه مجاهد لما نزل: (إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.) قال أبو بكر: يارسول الله ماأنزل الله عليه خيراً إلا اشركنا فيه فنزل: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور) انتهى

اقول: ظاهر الآية عموم صلواته تعالى ورحمته لسائر عباده وإن غاية ذلك في الكل إخراجهم من الظلمة الى النور لكن الكلام في إن هذه الغاية والمصلحة والغرض هل حصلت في شأن أبي بكر من الفاتحة الى الخاتمة أولاً ؟ مع إن الخصم من وراء المنع على أصل الإخراج تدبر.

١٠٥ ـ قال: الآية التاسعة قوله تعالى (ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً، وحمله وفصاله ثلاثون شهراً حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربي أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وان أعمل صالحاً ترضاه واصلح لي في ذريتي إني تبت وإني من المسلمين، اولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ماعملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) أخرج إبن عساكر عن إبن عباس إن ذلك جميعه نزل في أبي بكر ومن

٣١٨
تأمل ذلك وجد فيه من العظيم المنقبة له والمنة عليه ما لم يوجد نظيره لأحد من أصحابة انتهى.

اقول: الكلام في صحة رواية هذا الخبر ايضا كسوابقه ولا دلالة لشيء من الاوصاف والالقاب التي اثبتها اولياء ابي بكر له ولعلهم زعموا مناسبة قوله تعالى وبلغ اربعين سنة لما صححه جماعة منهم لبعض المصالح من أن عمر ابي بكر كان عند اسلامه اربعين سنة مع أن الخلاف في ذلك بالزيادة عليه مشهور بينهم ايضا وايضا لم يكن ما تضمنته الآية من قوله تعالى (رب اوزعني؛ الآية) نازلة عند اسلام ابي بكر فكيف تلاه ابو بكر وقال عند بلوغه اربعين سنة: رب اوزعني الآية وهذا أوضح آية من آيات وضع الخبر كما لايخفى.

١٠٦ ـ قال: الآية العاشرة قوله تعالى «ونزعنا ما في صدورهم من غل أخواناً على سرر متقابلين» نزلت في أبي بكر وعمر كما مر ذلك عن علي بن الحسين رضي الله عنهما انتهى.

أقول: قد مر بنا أيضاً منع صحة الرواية عن علي بن الحسين عليهما السلام في ذلك وعارضناه بما في مسند أحمد بن حنبل من إنها نزلت في علي عليه السلام وقد تكلمنا على دلالة متن الآية على ماقصدوه بوجه ينزع غل الملال ويزيل صدأ ذهن الناظر في المقال.

١٠٧ ـ قال الآية الحادية عشر قوله تعالى (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولو القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا واليصفحوا، إلا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) نزلت كما في البخاري وغيره عن عائشة في أبي بكر لما حلف أن لاينفق على مسطح لكونه كان في جملة من رمى عائشة بالأفك الذي تولى الله

٣١٩
سبحانه ببرائتها منها بالآيات التي أنزلها في شأنها ولما نزلت قال أبو بكر بلا والله ياربنا إنا لنحب أن تغفر لنا وعاد له بما كان يصنع أي ينفق عليه وفي رواية البخاري عنها أيضاً في حديث الأفك الطويل وأنزل الله تعالى (إن الذين جاؤا بالأفك عصبة منكم)؛ العشر الآيات كلها. فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة وقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال في عائشة ماقال فانزل الله: وليأتل أولو الفضل منكم والسعة وذكرت الآية السابقة ثم قالت: قال أبو بكر بلا والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.

١٠٨ ـ قال:تنبيه، علم من حديث الأفك المشار اليه إن من نسب عائشة الى الزنا كان كافراً وقد صرح بذلك أئمتنا وغيرهم لأن في ذلك تكذيب النصوص القرآنية ومكذبها كافر بإجماع المسلمين وبه يعلم القطع بكفر كثيرين من غلاة الرافضة لأنهم ينسبونها الى ذلك قاتلهم الله أنى يؤفكون. إنتهى.

اقول: فيه نظر من وجوه

أما أولاً فلأن مارواه عن البخاري في شأن النزول معارض لما قال غيره من أهل السنة من إنها نزلت في جمع من الصحابة حلفوا أن لا يصدقوا على من تكلم لشيء من الأفك ولا يواسوهم ويؤيدهم لفظ أولوا بصيغة الجمع وعلى تقدير إنه ورد في قصة مسطح ومنع أبي بكر الصدقة عنه لما لا يجوز أن يكون نزولها في شأن مسطح إصالة وفي أبي بكر بالعرض وما الذي جعل القضية منعكسة ؟ مع ظهور إن المقصود الأصلي من الآية المواساة مع مسطح وسد خلته والرد على من خالف ذلك كما

٣٢٠