×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

لايخفى.

وأما ثانياً فلأنه على التقادير لادلالة للآية على مدح ابي بكر ولعلهم توهموا هذا من الوصف العنواني في لفظي الفضل والسعة وجهلوا إن مثل هذا الوصف قد يعرض للكافر السخي الذي له فضل حاجة وغنى وسعة بل قد يجتمع مع الذم فيقال إن القوم الفلاني مع كونهم من أولي الفضل والسعة يبخلون بما آتيهم الله تعالى ويقال أن أبا بكر المتمول عند أهل السنة وأضرابه من أصحاب النبي صلي الله عليه وآله قد بخلوا عند نزول آية النجوى عن تقديم صدقه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله حتى نسخت الآية فافهم ومن العجب إن فخر الدينن الرازي قال في تفسيره لهذه الآية أولاً إن المراد من قوله تعالى (ولا يأتل أولو الفضل) لايقصروا في أن يحسنوا فحمل الفضل على الإحسان والإعطاء ثم نسى ذلك بعد سطور وأصر في أن المراد بالفضل زيادة الثواب والعلم ولايقدرون على إنفاق الرحم وصلتهم بل على أقل من ذلك وهو ظاهر.

وأما ثالثاِ فلأنا نترقى عن ذلك ونقول بل الآية قادحة في أبي بكر لأشتمالها على نهيه تعالى عما أتي به أبو بكر من الحلف على أن لاينفق مسطحاً ومن معه كما روي في شأن النزول فدلت الآية على معصية أبي بكر وما أجاب به الرازي المتسمى بالإمام في هذا المقام «من إن النهى لايدل على وقوعه إذ قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله (ولا تطع الكافرين والمنافقين) ولا يدل ذلك على إنه صلي الله عليه وسلم أطاعهم؛ الى إخره» مدخول بأن مجرد النهى وإن لم يدل على ذلك إلا إن مارواه هذا المجيب هاهنا من شأن النزول صريح في الوقوع حيث قال: لما نزلت إية الأفك قال: ابو بكر المسطح وقرابته: قوموا فلستم مني، ولست منكم ولا يدخلن عليّ أحد منكم فقال أنشدكم مسطح الله والإسلام وأنشدكم

٣٢١
القرابة والرحم أن لايخرجنا الى أحد فما كان لنا في أول الأمر من ذنب فلم يقبل عذره، وقال: إنطلقوا أيها القوم فخرجوا لايدرون أين يتوجهون من الأرض؛ الى آخره» فإنه صريح في ترك النفقة بل مطلق المواساة معه ولو في يوم والإنكار مكابرة؛ على إن المنع عن الحلف الواقعه قطعاً كاف في ثبوت المعصية كما لايخفى وحمل النهى عن التنزه عن ترك الأولى كما إرتكبه من ضيق الخناق مردود بأن الأصل بالنهى التحريم وحمله على التنزيل من ترك الأولى في شأن الأنبياء عليهم السلام إنما إرتكبه العلماء بمعاونة قيام دليل عصمتهم وإذ لاعصمة لأبي بكر إتفاقاً يكون الحمل فيه محالاً تأمل.

وأما رابعاً فلأن ماذكره هذا الشيخ الجامد الغافل في التنبيه أفك محض على غلاة الشيعة الذين يحكم الإمامية الإثني عشريه من الشيعة بكفرهم وكونهم نجس العين كسائر الكفار عندهم فكيف على الإمامية كما يشعر به إطلاق كلامه وإن وقع منه التصريح سابقاً بالفرق بين الغلاة من الشيعة والشيعة الإمامية وإن الرافضة هم الغلاة دون الإمامية ولعله إطلق في العبارة تنفيراً للعوام عن مذهب الشيعة الإمامية الأعلام وتروجياً لمذهبه الزيف المموه بزخارف الأوهام.

١٠٩ ـ قال: الآية الثانية عشرة قوله تعالى (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني إثنين إذ هما في الغار؛ الآية) أخرج إبن عساكر، عن إبن عيينه قال: عاتب الله المسلمين كلهم في رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أبا بكر وحده فإنه خرج من المعاتبة ثم قرأ (إلا تنصره فقد نصره الله؛ الآية.)

أقول: قد مر الكلام عند ذكر إستدلاله بتمام هذه الآية على فضيلة أبي بكر

وأما ماذكره هاهنا «من إخراج إبن عساكر إنه تعالى عاتب المسلمين كلهم في رسول الله إلا أبا بكر وحده» فمدخول بأن هذا لم يعلم من الآية أصلاً فإن مرافقة النبي صلى الله عليه وآله في الفرار

٣٢٢
عما لايطاق الى الغار لايسمى نصرة له لغة ولا عرفاً وإنما كان يتحقق نصرة أبي بكر له لو حصل منه نصرته في مكة بالغلبة على الكفار وليس فليس، ومن تصدى لإثبات دالة الآية على النصرة فنحن في صدد الإستفادة؛ على إن الحصر المستفاد من قوله «إلا أبا بكر وحده» ممنوع كيف وقد روي أنه صلى الله عليه وآله قد إتخذ عند الفرار الى الغار ثم منه الى المدينة عبدالله بن أرقط خاداماً وعامر بن فهيرة مع شركه دليلاً فقد نصرهمشرك ومسلم آخر غير أبي بكر كيف يستقيم الحصر.

١١٠ ـ قال: وأما الأحاديث فهي كثيرة مشهورة وقد مر في الفصل الثالث من الباب الأول منها جملة إذ الإربعة عشر السابقة ثم، الدالة على خلافته وغيرها من رفيع شأنه وقدره غاية في كماله وغرة في فضائله وأفضاله فلذلك بنيت عليها في العد هاهنا

فقلت: الحديث الخامس عشر: أخرج الشيخان عن عمرو بن العاص إنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي الناس أحب اليك ؟ قال: عائشة، فقلت من الرجال ؟ فقال أبوها، فقلت: ثم من ؟ فقال عمر بن الخطاب فعد رجالاً. وفي رواية «لست أسألك عن أهلك إنما أسألك عن أصحابك» انتهى.

اقول: قد إقتصرت إحترازاً عن زيادة تضييع الوقت على التعرض للمشهور والمعتمد من هذه الأحاديث عندهم وتركت غيره الذي صرح هو بضعفه، أو ما وقع به التكرار لسابقه فى المعنى ن أو لم يكن له دلالة على فضيلة يعتد بها مع تساوي جميعها في الوضع عندنا؛ ثم أقول: إحتجاج هذا الشيخ الخارجي عن الشيعة بما أخرجه الناكث لعهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وإبنته الغازية المجاهدة في سبيل الجبت والطاغوت حقيق بأن تضحك منه الثكلى بواحدها، اليائسة عن بعلها ومعاهدها؛ ومما ينادي على وضع الخبر بأعلى صوت إنه لايعقل أن يسأل أحد عن النبي صلى الله عليه وآله أي الناس أحب اليك فيتبادر

٣٢٣
ذهنه صلى الله عليه وآله من الناس الى النساء منهم دون الرجال فيجيب بما نسب اليه من الجواب؛ على إنه يحتمل إن يكون مراد السائل بالناس من عدا أهل بيته صلى الله عليه وآله كما يرشد اليه الرواية الأخرى وحينئذ لايلزم من ذلك إثبات فضيلة يعتد بها لأبي بكر ولا نزاع للشيعة في أن يكون أبي بكر أحب الى النبي صلى الله عليه وآله من عمر لأنه ينزل منزلة أن يقال: يزيد أحب اليّ من فرعون، أو بالعكس، تأمل.

١١١ ـ قال: وأخرج (١) أيضاً عن ابي هريرة كنا معشر أصحاب رسول الله ونحن متوافرون نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم نسكت والترمذي عن جابر إن عمر قال لأبي بكر: ياخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر أمكا إنك إن قلت ذلك فلقد سمعته يقول: ماطلعت الشمس على خير من عمر. ومر إنه تواتر عن علي: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. و.إنه قال: لايفضلني أحد على أبي بكر وعمر لأجلدته حد المفتري. أخرجه أبن عساكر انتهى.

اقول: قد مر الكلام مستوفى في بيان كذب أبي هريرة وإتهامه بذلك رواية عن الحميدي وغيره فرواية البخاري عنه كروايه الجبت الطاغوت، أو بعض القرامطة عن ملاحدة الموت، وأما ما في رواية الترمذي «من قول عمر لأبي بكر: ياخير الناس، وشهادة أبي بكر لعمر بأن لالنبي صلى الله عليه وآله قال له مثل ذلك» فهو من قبيل إستشهاد إبن آوى بذنبه وبالعكس فإن كلام كلا منهما من ذوي الأذناب المعدودين في «إن شر الدواب».

وأما الحديث المفترى على علي عليه السلام «من إنه قال لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري» فقد مر إنه بعد تسليم عدم كونه مفترى، لنا لا علينا فتذكر.

(١) يعني به إبن عساكر لتقدم ذكره عند نقل الحديث الذي سبق ذكره في الصواعق وتركه المصنف ره فمن أراده فاليراجع ص ٤٠ من نسخة الصواعق المطبوعة سنه ١٣١٢ بمصر في مطبعة أحمد البابي.

٣٢٤
١١٢ ـ قال: أخرج الترمذي عن أبي هريرة إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه بها ماخلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يكافيه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط مانفعني مال أبي بكر إنتهى.

أقول: نظير هذه الرواية ماسيرويه بعد ذلك عن إبن عساكر عن عائشة وعروة إن أبا بكر يوم أسلم وله اربعون الف دينار. «وفي لفظ» اربعون الف درهم أنفقها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوجه عليه العجب في روايتهم الإنفاق لرجل قد عرف مذ كان بالفقر وسوء الحال ومن إطلع على النقل والآثار وأشرف على السير والأخبار لم يخف عليه فقر أبي بكر وصعلكته وحاجته ومسكنته وضيق معيشته وضعف حيلته وإنه كان في الجاهلية معلماً وفي الإسلام خياطاً كما ذكره البخاري في صحيحه وكان أبوه سيء الحال يكابد فقراً مهلكاً ومعيشة ضنكى لكسبه أكثر عمره من صيد القماري والدباسي لا يقدر على غيره فلما عمي وعجز إبنه عن القيام به إلتجأ الى عبدالله بن جدعان أحد رؤساء مكة فنصبه ينادي على مائدته كل يوم لإحضار الأضياف وجعل له على ذلك مايقوته من الطعام فمن أين كان لأبي بكر هذا المال، وهذه حاله وحال أبيه في الفقر والإختلال قال البكري المصري في سيره «قيل: إنه لما بلغ النبي صلى الله عليه وآله سنة ثلاث عشرة من عام الفيل خرج مع أبي طالب الى الشام فأقبل سبعة من الروم يقصدون قتله صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم بحيراء ونبههم على إنه رسول من الله تعالى «فبايعوه وأقاموا معه ورده أبو طالب وبعث معه ابو بكر بلالاً وفيه وهمان الأول بايعوه على أي شيء ؟ الثاني أبو بكر لم يكن حاضراً ولا كان في حال من يملك ولا ملك بلالاً إلا بعد ذلك بنحو ثلاثين عاماً» إنتهى كلامه وأيضاً قد صح عندهم إنه لما نزلت آية النجوى لم يعمل بها من الصحابة سوى علي عليه السلام فإذا بخل أبو بكر بدرهم أو درهمين يقدم بين يدي نجوى النبي صلى الله عليه وسلم

٣٢٥
والنظر الى وجهه الكريم وما يفيده خطابه القويم مقدار عشرة ليال كما نقله إبن المرتضى من أهل السنة في تفسيره والزمخشري الحنفي في الكشاف حتى ينزل آية أخرى مابقيت (١) على ذلك محال أن ينفق مثلاً ذلك المال الذي رووه لأحد ومن عجيب مناقضتهم مارووه بقولهم عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى (ووجدك عائلاً فأغنى) قال إبن عباس أغناه بأن جعل دعوته مستجابة فلو شاء أن يصير الجبال ذهباً لصارت بإذن الله تعالى» فمن يكون كذلك كيف يحتاج الى مال أبي بكر وكيف يقال نقض تفسيراتهم لهذه الآية إن أبا بكر أغناه، وأيضاً يتوجه أن من أنفق المال العظيم على رجل محال أن لايعرف موطنه وحيث أنفقه ولسنا نعرف أن لرسول الله صلى الله عليه وآله موطناً من غير مكة والمدينة فإن زعموا إن أبا بكر أنفق هذا المال بمكة قبل الهجرة قيل لهم على ما أنفق هذا المال ؟ وفيم صرفه ؟ هل كان لرسول الله صلى الله عليه وآله بمكة من الحشم والعيال ما أنفق عليهم هذا المال كله من زمان إسلام أبا أبي بكر الى وقت الهجرة ؟ فهذا من أبين المحال وإن قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله جهز الجيوش في مكة بذلك المال ظهر فضائحهم لأنه بإجماع الأمة لم يشهر سيفاً بمكة ولم يأمر به ولا أطلق لأصحابة محاربة أحد من المشركين بها وإنما كان أسلم معه إذ ذلك اربعون رجلاً فلما إشتد عليهم الأذى من قريش وشكوا ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وآله ولى عليهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأخرجهم معه الى أرض النجاشي ملك الحبشة فكانوا هناك الى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وفتح كثيراً من فتوحه فقدموا عليه بعد سنين من الهجرة ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله بشهادة الخاص والعام أغنى قريش بعد تزويجه بخديجة وكانت خديجة باقية الى سنة الهجرة لا يحتاج مع مالها الى مال غيرها حتى لقد كان من إستظهاره بذلك عن أبي طالب ع إن ضم علي بن أبي طالب عليه السلام الى نفسه تخفيفاً بذلك عن أبي طالب

(١) كذا في النسختين اللتين عندي ؟

٣٢٦
في المأونة وما وجدنا في شيء من الأخبار إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعد تزوجه بخديجة رضي الله عنها إحتاج الى أحد من الناس فإن أهل الأثر مجموعون على إن خديجة كانت أيسر قريش وأكثرهم مالاً وتجارة وأما بعد الهجرة الى المدينة فقد علم أهل الأثر إن أبا بكر ورد المدينة وهومحتاج الى مواساة الأنصار في المال والدار وفتح الله تعالى على رسوله عن قريب من غنائم الكفار وبلدانهم ماكان بذلك أغنى العرب، على إن أبا إسحاق من أكابر محدثي أهل السنة قد روي مايكذب ذلك حيث روى إن النبي صلى الله عليه وآله لم يركب ناقة حتى قام بثمنها من ماله فمن لم يستحل ركوب ناقة غيره من غير إعطاء ثمنها فكيف يستحل غيرها ويؤيده ما سيرويه هذا الشيخ الجامد عن البخاري «من إنه لم يأخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن» فتفطن.

١١٣ ـ قال: أخرج الشيخان وأحمد والترمذي عن ابي بكر إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له بالغار: ياأبا بكر، ماظنك بإثنين الله ثالثهما انتهى.

اقول:

أولاِ إن وجه التهمة فيه ظاهر لأن الراوي عن النبي صلى الله عليه وآله هو أبو بكر فلعله أراد بوضع ذلك أن يخبر لنفسه نفعاً وشرفاً.

وثانياً إنه لو سلم صحته فلا نفع فيه ولا شرف يختص بأبي بكر لأن كونهما إثنين الله ثالثهما ليس أعظم من كون الله رابعاً لكل ثلاثة في قوله «مايكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم» وهذا عام في حق كل مؤمن وكافر وكون المصاحبة موجبة لتشريفه معارض بما مر من قوله تعالى للكافرين (قال له صاحبه وهو يحاوره، اكفرت بالذي خلقك) وكما إحتمل أن يقال إنه إستصحبه في هذا السفر لأجل الشفقة إحتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو يوقفهم على أسراره لو تركه كما يقوله الشيعة وأجاب فخر الدين الرازي في تفسيره عن هذا بأن

٣٢٧
كون الله رابعاً لكل ثلاثة مشترك وكونه ثاني إثنين الله ثالثهما تشريف زائد إختص الله أبا بكر به؛ على إن المعية هنالك في العلم والتدبير وها هنا بالصحبة والموافقة فأين أحديهما من الأخرى ؟ والصحبة في قوله «له صاحبه» مقرونة بما يقتضي الإهانة والإذلال وهو قوله «أكفرت» وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم والإجلال وهو قوله «ولا تحزن إن الله معنا» والعجب إن الشيعة إذا حلفوا قالوا وحق خمسة سادسهم جبرئيل، واستنكروا أن يقال: وحق إثنين الله ثالثهما. انتهى.

اقول: فيه نظر

أما اولاً فلأن ماذكره «من أن يكون الله رابعاً لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثاني إثنين تشريف زائد إختص الله تعالى أبا بكر به مردود بأن كونه ثاني إثنين إنما يكون شرفاً وفضيلة له لو كان ثانياً مطلقاً لكنه قد قيد كونه ثانياً بكونه في الغار وهذا الشرف كان حاصلاً للحية التي لسعت أبا بكر في الغار كما قال الشيخ العارف الموحد الأوحدي قدس سره:

بشب هجرت وحمايت غار * بدم عنكبوت وصحبة مار

وإن إحتمل أن يكون مراده بصحبة مار صحبة أبي بكر فافهم.

وأما ثانياً فإنما ذكره في العلاوة كاد أن يكون كفراً بالله ورسوله لدلالته على أن معية النبي صلى الله عليه وآله بالصحبة والموافقة أعظم وأشرف من معية الله تعالى له بالعلم والتدبير؛ على إنا لانسلم إن معية أبي بكر بالنسبة الى النبي كان بصحبة الإصطلاحية والموافقة المعنوية.

٣٢٨
وأما ثالثاً فلأن ماذكره «من إن الصحبة في قوله «قال له صاحبه» مقرونة بما يقتضي الإهانة؛ الى آخره» مدمفوع بأن الكلام في دلالة لفظ الصحبة والقرينة على تقدير تسليم وجودها لا يجدي في ذلك بل اللازم من إستعمال الصحبة في مقام الإهانة أن لا يكون للفظ الصحبة دلالة على التعظيم أصلاً ولو سلم فنقول إن ما ذكره كلام على السند الأخص لأن هاهنا آية أخرى تدل على أن يوسف عليه السلام قال لكافرين كانا معه في السجن: صاحبي، من غير أن يكون بإهانة وإذلال وهي قوله تعالى حكاية عنه على نبينا وآله وعليه السلام (ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) كما مر بيانه في ذكر آية الغار.

وأما رابعاً فلأن تعجبه عن الشيعة في حلفهم بما ذكر من أعجب الأعجب لأنهم إعتقدوا إن الخمسة التي سادسهم حبرئيل يكون الله تعالى ثاني كل منهم وثالث كل إثنين منهم وهكذا فلذلك إستغنوا عن الحلف بذلك المركب الوضعي الوهمي الذي لانسبة لأحد جزئيه وهو أبو بكر الى الله تعالى بل وإلى رسوله ايضاً. وأيضاً فلا حق لأبي بكر من نظر الشيعة حتى يتجه لهم الحلف بحق إثنين أحدهما أبو بكر بل هو عندهم بمن أضاع حق الله تعالى وحق نبيه وأهل بيته عليه وعليهم السلام كما سبق فيه الكلام وكأن من يتوقع صدور هذا القسم من القسم على الشيعة لم يسمع القصة التي ذكرها غوث الحكماء الأمير غياث الدين منصور الشيرازي رحمه الله في شرح الهياكل حيث قال: إن رجلاً جباناً ضعيفاً يدعى بعثمان أخذ حية عظيمة أضعفها البرد فاسقطت قواها فكان يلعب بها حتى أشرقت عليها الشمس فانتعشت واشتدت وعضت فهرب الصاحب منها فلما فارقها صادف شيعياً كان بينهما عداوة قديمة وأخبره عن حاله وقال له خذ لي هذه الحية بحق عثمان، فقال الشيعي: إنظروا أي رجل، يزاول أي صنعة، ثم يأمر

٣٢٩
أي شخص، الى أي عمل، بأي قسم ! فليضحك قليلاً وليبك كثيراً.

١١٤ ـ قال: وأخرج الطبراني عن معاذ إن رسول الله صلى الله ليه وسلم قال: رأيت إني وضعت في كفة وأمتي في كفة فعدلتها ثم وضع أبو بكر في كفة وأمتي في كفة فعدلها ثم وضع عمر في كفة وأمتي في كفة فعدلها ثم وضع عثمان في كفة وأمتي في كفة فعدلها ثم رفع الميزان إنتهى.

أقول: من اللطائف المشهورة إن بعض أهل السنة ممن كان يعرف تشيع بهلول العاقل المشهور قصد إرغامه فذكر عنده هذا الحديث فقال بهلول بديهة لو صح ما في هذا الخبر من تعادل كل من أبي بكر وعمر وعثمان مع الأمة في الوزن فقد كان في ذلك الميزان عين أي قصور ولهذا رفع الميزان سريعاً.

١١٥ ـ قال: أخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحم الله أبا بكر زوجني إبنته، وحملني الى دار الهجرة، وأعتق بلالاً من ماله وما نفعني مال في الإسلام ما أنفعني مال أبا بكر وقوله «وحملني الى دار الهجرة» قد ينافيه حديث البخاري إنه لم يأخذ الراحلة من أبي بكر إلا بالثمن إلا أن يجمع بأن أخذها أولاً بالثمن ثم أبرأ أبو بكر ذمته انتهى.

اقول: يدل على وضعه

أولاً مع قطع النظر عن خصوصة الترمذي الراوي ومقرره الغاوي ماذكره من منافاته لحديث البخاري ويوم التأويل ليل اليل، وإن كان طبع الناصب الغاوي الى صحة الأول أميل.

وثانياً قوله «زوجني إبنته» فإنه لايظهر المنة في مثل هذا إلا الرجل المهان الخسيس الذي تكرم به الرجل المطاع الشريف بتزويج إبنته منه ومن البين إنعكاس الأمر فيما

٣٣٠
نحن فيه فإن رذالة قوم أبي بكر ومهانة نفسه بشهادة أبي سفيان عليه بذلك كما مر، وكونه خياطاً في الإسلام ومعلماً للصبيان في الجاهلية مما لايخفى ولنعم ماقيل:

كفى المرء نقصاً أن يقال بأنه * معلم صبيان وإن كان فاضلاً

وأما نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فهو هو الذي خطب له أبو طالب رضي الله عنه عند نكاحه بخديجة رضي الله عنها ومن شاهده من قريش حضور بقوله «الحمد الله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً يجبى اليه ثمرات كل شيء وجعلنا الحكام على الناس في بلدنا الذي نحن فيه ثم إبن أخي محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب لا يوزن برجل من قريش إلا رجح، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه؛ الى آخره».

وثالثاً إن اعتاق أبي بكر لبلال من ماله لايصلح لأن يصير على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكم من عبد لله أعتقه غير أبي بكر من المهاجرين والأنصار في زمانه صلى الله عليه وآله مع إحتمال أن يكون أعتاقه لبلال في كفارة قسم أو صوم أو إظهار ونحو ذلك فلا منه له في ذلك على الله تعالى ولا على رسوله صلى الله عليه وآله.

ورابعاً إن نفعه بمال أبي بكر مما قد أبطلناه سابقاً وسيأتي عليه لاحقاً بما حاصله إنه لم يكن ذا مال لا في الجاهلية ولا في الإسلام وكأن الترمذي الراوي، وهذا الشيخ الجامد الغاوي الذين تفردلا بوضع هذه الرواية وتقريرها قد أقرضا أبا بكر قرضاً قد نما رباءه نمو تضعيف ببيوت الشطرنج ولم يتمكن أبو بكر من إيداءه فأرادا إظهاره بتصرف النبي صلى الله عليه وآله في المال الذي أقرضه أبو بكر منهما بوضع هذه الرواية ليطالبوا ورثته من بني فاطمة عليها السلام بل عصبته من سائر بني هاشم بذلك وغفلوا عما قال أبو بكر من «إن معاشر الأنبياء لا يورثون» وعن التعصيب عند أهل البيت عليهم السلام باطل فليضحك قليلاً

٣٣١
وليبك كثيراً.

١١٦ ـ قال: وأخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الأسلمي قال: جرى بيني وبين أبي بكر كلام فقال لي كلمة كرهتها وندم، فقال لي ياربيعة رد عليّ مثلها حتى يكون قصاصاً فقلت لا أفعل فقال أبو بكر لقولن أولأ ستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت ما أنا بفاعل فانطلق أبو بكر الى النبي صلى الله عليه وآله فانطلقت أتلوه وجاء أناس من أسلم فقالوا لي رحمالله أبا بكر في أي شيء يستعدي عليك وهو الذي قال لك ماقال ؟ ـ فقلت أتدرون من هذا ؟ هذا ابو بكر ثاني إثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين؛ إياكم لا يلتفت، فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله صلى الله عليه وآله فيغضب لغضبه فيغضب الله تعالى لغضبهما فيهلك ربيعة قالوا فما تأمرنا ؟ ـ قلت إرجعوا وانطلق ابو بكر وتبعته وحدي حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فحدثه الحديث كما كان فرفع اليّ رأسه فقال ياربيعة مالك والصديق ؟ ـ فقلت يارسول الله كان كذا وكذا فقال لي كلمة كرهتها فقال لي قل كما قلت حتى يكون قصاصاً فأبيت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أجل لا ترد عليه ولكن قل: غفر الله لك ياأبا بكر فقلت: غفر الله لك ياأبا بكر.

اقول: هذا يدل على جهل أبي بكر في أحكام الشريعة وتناوله لربيعة لمكروه قبيح ثم تكليفه بذكر مثل ذلك القبيح قصاصاً فلا فضيلة فيه أصلاً بل هو نقيصة كاملة كما لايخفى ونظير ذلك ما وقع عن بعضهم حيث سئل عن حكم من أدخل إصبعاً أو خشباً في دبر إنسان فأجاب بأن جزاءه أن يفعل به مثل ذلك الفعل مستدلاً بقوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) والفقيه النبيه، خبير بما فيه، فتأمل.

١١٧ ـ قال: وأخرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عرج بي الى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها إسمي محمد رسول الله وأبو بكر الصديق خلفي وورد هذا الحديث أيضاً من رواية إبن عباس، وإبن عمر، وأنس، وأبي سعيد، وأبي الدرداء

٣٣٢
وأسانيدها كلها ضعيفة لكنها ترتقي بمجموعها الى درجة الحسن إنتهى.

أقول: هذا الحديث مع كونه أول رواية أبي هريرة عبارته ركيكة ومفهومة غير محصل فلا يصدر عن الفصيح وكيف ينقش في السماوات التي هي الأجرام الشريفة أسم أبي بكر في أزل الآزال، مع سبق كفره على زمان الحال، ولقد انطقه الله بالحق حيث قال: إن أسانيدها كلها ضعيفة.

وأما ماذكره بقوله «لكن ترتقي بمجموعها الى درجة الحسن» فإنما يسلم لو لم يكن الضعف بالغاً الى درجة الوضع مع إن إمارات الوضع عليه ظاهرة لفظاً ومعنى وإسناداً كما عرفت. ثم الظاهر إنهم وضعوا هذا في مقابلة الحديث المتفق عليه الذي ذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء من قوله صلى الله عليه وآله: إنه مكتوب على العرش «محمد رسول الله، أيدته بعلي» إنتهى وأين هذا من ذاك ! ونعم ماقال بعض أهل الإدراك:

إسم على العرش مكتوب كما نقلوا من يستطيع له محواً وترقيناً (!)

١١٨ قال: وأخرج البغوي وإبن عساكر عن إبن عمر قال كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل عليه جبرئيل فقال: يامحمد مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال ؟ ـ فقال ياجبرئيل إنفق ماله على قبل الفتح قال فإن الله يقرء عليه السلام ويقول قل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط ؟ فقال: ابو بكر أسخط على ربي ؟ أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض، أنا عن ربي راض.

اقول: هذا من غرائب موضوعاتهم وذلك من وجوه

أما أولاً فلأنه أول روايه إبن عمر الذي سمعت منا القدح فيه سابقاً وإن أبا حنيفة لم يعمل بحديثه أبداً.

(١) هو من قصيدة للقاضي نظام الدين محمد بن قاضي القضاة الأصفهاني على ماذكره في مجالس المؤمنين.

٣٣٣
وأما ثانياً فلأن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله الى المدينة وقبل فتح مكة قد فتح الله تعالى عليه وعلى أصحابه من غنائم الكفار وبلدانهم ما أزال فقرهم فكان لبس أبي بكر للعباء المبتذل المذكور للرزق والتلبس لا للفقر فلا وجه لسؤال الحكيم الخبير وجه فقره الى لبس تلك العباءة عنه.

وأما ثالثاً فلأن مانسبه الى النبي صلى الله عليه وآله من قوله «أنفق ماله على قبل لفتح» مردود بما ذكرنا سابقاً من إتفاق أهل الأثر على إن أبا بكر ورد المدينة وهو محتاج الى مواساة الأنصار، في المال والدار، فمن أين حصل له المال الذي أنفقه على سيد الأبرار ؟ ومما نقلناه عن البكحري المصري من إن أبا بكر لم يكن في زمان سافر النبي صلى الله عليه وآله مع أبي طالب رضي الله عنه الى الشام بحال من يملك، ولا ملك بلال إلا بعد ثلاثين سنة فافهم.

وأما رابعاً فلأنه لا يعقل ما تضمنه الحديث من سؤال الله تعالى عن رضا عبده عنه ولو فرضنا إن العبد قال لربه: إني لست براض عنك هل كان جوابه غير أن يقول له: فاخرج عن أرضي وسمائي بالسرعة وبالدار ؟ وهل كان علاجه غير أن يدق رأسه على الجدار ؟ أو يعض كإبن حجر بالأحجار.

١١٩ ـ قال: وأخرج إبن عساكر إنه قيل لأبي بكر في مجمع من الصحابة: هل شربت الخمر في الجاهلية ؟ ـ فقال أعوذ بالله فقيل له لم ؟ ـ قال وكنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال صدق أبو بكر، صدق أبو بكر، وهو مرسل غريب سنداً ومتناً إنتهى.

أقول: ومع قطع النظر عن الغرابة والإرسال يكذبه مارواه هذا الشيخ الكذوب الذي لاحافظة له عن إبن عساكر ايضاً متصلاً في الذكر لهذه الرواية من قول عائشة ولقد ترك أبو بكر وعثمان شرب الخمر في الجاهليه فظهر إن الحديث موضوع للعصبية الجاهلية

٣٣٤
٠٢١ قال: وأخرج إبن عساكر بسند صحيح عن عائشة قالت والله ماقال أبو بكر شعراً قط في الجاهلية والإسلام ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية إنتهى.

أقول: إن عدم قوله للشعر إنما كان لعدم شعوره وفقد موزونيته وجمود طبعه وخمود سليقته لا لترفعه عن النسبة الى الشعر كما هو شأن النبي صلى الله عليه وآله وإلا فليس مطلق الشعر مما يستحب لغير النبي صلى الله عليه وآله الترفع عنه ولو كان كذلك لما إجتمع لأمير المؤمنين عليه السلام ديوان من الشعر وكيف يتأتى أن يقال مطلق الشعر قبيح ؟ اورد من كلمه صلى الله عليه وآله «إن من الشعر لحكمة».

١٢١ ـ قال: أخرج أبو نعيم وإبن عساكر عن إبن عباس إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ماكلمت أحداً في الإسلام إلا ابى عليّ وراجعني الكلام إلا إبن أبي قحافة فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله وإستقام عليه وفي رواية لإبن إسحاق «مادعوت أحداً الى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر إلا ابا بكر ماعتم أي تلبث عنه حين ذكرته وما تردد فيه» قال البيهقي وهذا لأنه كان يرى دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله ويسمع آثاره قبل دعوته فحين دعاه كان سبق له فيه تفكر ونظر فأسلم في الحال إنتهى.

أقول: إنما أسلم أو إستسلم أبو بكر طمعاً في جاه النبي صلى الله عليه وآله ودولته الذي وجد الأخبار عنه عن بعض الرهابين وأحبار أهل الكتاب فلسبق هذا الوجدان والطمع إستسلم ولم يتردد بين يدي النبي صلى الله عليه وآله ويؤيد ماذكرناه مانقله آخراً عن البيهقي فافهم.

١٢٢ ـ قال: وأخرج الترمذي وإبن حيان في صحيحه عن أبي بكر إنه قال ألست أحق الناس بها أي بالخلافة ؟ الست أول من أسلم ؟ الحديث والطبراني في الكبير وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن الشعبي قال سألت إبن عباس أي الناس كان أول إسلاماً ؟ ـ قال ابو بكر الم تسمع قول حسان.

٣٣٥
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها * إلا النبي وأوفاها بما حملا
والثاني التالي المحود مشهده * وأول الناس منهم صدق الرسلا

ومن ثم ذهب خلائق من الصحابة والتابعين وغيرهم الى إنه أول الناس إسلاماً بل إدعى بعضهم عليه الإجماع وجمع بين هذا وغيره من الأحاديث المنافية له بأنه أول الرجال إسلاماً وخديجة أول في النساء وعليّ أو الصبيان وزيد أول الموالي وبلال أول الأرقاء وخالف بذلك إبن كثير فقال: إن الظاهر إن أهل بيته آمنوا قبل كل أحد، زوجته خديجة ومولاه زيد وزوجته أم أيمن وعلي وورقة ويؤيده ماصح عن سعد بن أبي وقاص إنه أسلم قبله أكثر من خمسة قال: ولكن كان خيرنا إسلاماً. إنتهى.

اقول إن قول أبي بكر «الست أحق الناس بها ؟ أي الخلافة» مجرد دعوى ولهذا لم يجب عنه أحد من السامعين لها هناك بالنفي ولا الإثبات.

وأما مانقله عن الطبراني فجميع رجال إسناده عندنا مطعون سيما عامر الشعبي الذي تخلف عن الحسين عليه السلام وخرج مع عبدالرحمن بن محمد الأشعث وقال له الحجاج: أنت المعين علينا ؟ ـ فقال نعم، ماكنا بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء وهو الذي دخل بيت المال فسرق في خفه مائة درهم

وأما ماذكره من قول حسان ففيه إن قوله وبوله عندنا سواء لأنه قد إنحرف كغيره بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله عن أهل البيت عليهم السلام وظهر عداوته لعلي عليه السلام في مواضع شتى منها إنه لما عزل علي عليه السلام قيساً عن حكومة مصر وخرج قيس من مصر ووصل الى المدينة متوجهاً الى خدمة علي عليه السلام واللحوق به في حرب صفين دخل عليه حسان وبالغ في دلالته الى الإنحراف عن علي عليه السلام واللحوق مع معاوية

٣٣٦
حتى أنكر عليه قيس رضي الله عنه ذلك فشتمه وأخرجه من مجلسه وقد روى شيخنا المفيد قدس سره في كتاب الإرشاد إنه لما أنشد حسان في غدير خم قصيدته المشهورة المتضمنة لما وقع في ذلك اليوم من نصب علي عليه السلام بالخلافة والولاية بعد النبي صلى الله عليه وآله قال له الرسول صلى الله عليه وآله: «لاتزال ياحسان مؤيداً بروح القدس مانصرتنا بلسانك» وإنما إشترط رسول الله صلى الله عليه وآله في الدعاء له لعلمه على الإطلاق ومثل ذلك ما إشترط الله في مدح أزواج النبي صلى الله عليه وآله ولم يمدحهن من غير إشتراط لعلمه تعالى بن منهن من تتغير بعد الحال عن الصلاح الذي تستحق عليه المدح ولاإكرام فقال (يانساء النبي لستن كأحد من النساء إن إتقيتن؛ الآية) ولم يجعلهن في ذلك حسب ماجعل أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله في محل الإكرام والمدحة حيث يقول في إيثارهم المسكين واليتيم والأسير على أنفسهم مع الخصاصة التي كانت بهم (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله؛ الى قوله تعالى: وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً) فقطع لهم بالجزاء ولم يشترط لهم كما إشترط لغيرهم بإختلاف الإحوال على مابيناه.

وأما ماإدعاه من تقدم إسلام أبي بكر مستنداً الىالأخبار الموضوعة تارة، والى نقل بعضهم للإجماع في ذلك أخرى، ثم تكلف الجمع بما لا يمكن جمعهما بقنطار من الغرا، فأعماله الحيلة وإختراع الوسيلة ووضع الكذب لنصرة مذهب القبيلة عليها ظاهر والحق تأخر إسلامه كما نقله عن إبن كثير فصححه عن سعد بن ابي وقاص ويؤيده ماذكره إبن الأثير في كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة عن ضمرة بن ربيعة إنه قال: كان إسلام ابي بكر مسبباً عن إسلام خالد بن سعيد الأموي وذكر في هذا قصة طويلة. وأما غيرهم فقد قالوا إنه كان ثامن الأصحاب في الإيمان.

٣٣٧
٢٢١ ـ قال:

الفصل الثالث في ذكر فضائل أبي بكر الواردة فيه مع ضميمة غيره كعمر وعثمان وعلي وغيرهم اليـه

أخرج الحاكم في الكنى، وإبن عدي في الكامل، والخطيب في تاريخه، عن إبي هريرة إن رسول الله (صلعم) قال: أبو بكر وعمر خير الأولين والآخرين وخير أهل السماوات وخير أهل الأرض إلا النبيين والمرسلين «إنتهى».

أقول: هذا الحديث موضوع في مقابلة ماروى عن قوله (ص) «محمد وعلي خير البشر، من أبى فقد كفر، وقد كفى مؤنة القدح فيه ودفع مايعرض فيه العامي من الحيرة، كون أول رواية أبا هريرة.

٣٢١ ـ قال: أخرج الطبراني، عن أبي الدرداء «إقتدوا بالذين من بعدي، أبي بكر وعمر فإنهما حبل الله الممدود، من تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى لا إنفصام لها» وله طرق مرت في أحاديث الخلافة إنتهى.

أقول: قد سبق منا الكلام على مقدمة هذا الحديث فيما ذكره هذا الشيخ الجامد من أحاديث الخلافة وأما الزيادة المذكورة ها هنا فقد وضعوها في مقابلة ما روى أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسو الله صلى الله عليه وآله: «إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي؛ الثقيلن، وأحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل مدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لم يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» وما رواه الزمخشري بإسناده قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «فاطمة مهجة قلبي، وإبناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري، والأئمة من ولدها أمناء ربي، وحبل ممدود بينه وبين خلقه من إعتصم بهم نجى ومن تخلف عنهم هوى».

٤٢١ ـ قال: وأخرج الترمذي عن أبي سعيد إن النبي (صلعم) قال:

٣٣٨
مامن نبي إلا وله وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبرئيل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر (انتهى).

أقول: سنذكر بعد ذلك أخباراً أخر في هذا المعنى أيضاً ويتوجه على الكل ان الوزارة في اللغة تستعمل بمعنى المعونة، ومعونة رسول الله صلى الله عليه وآله لا تكون إلا من جهتين لا ثالث لهما،

منهما المعونة في التأدية والإبلاغ من الناس من دين الله عز وجل الذي جاء به من عنده كما قال تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً) فكان هارون مبلغاً مع موسى مؤدياً معه رسالات الله تعالى معيناً له على دين الله تعالى،

الوجه الثاني هو المعونة بمجاهدة الكفار ومحاربتهم ولم يكن ابو بكر معيناً للنبي صلى الله عليه وآله بشيء من هذين الوجهين وهو ظاهر ولا نعرف في معونة الرسول وجهاً ثالثاِ وذلك إن في الوزارة لسائر الناس ما يكون معه الرأي والمشاورة والتدبير وقد قدمنا الإشارة الى إن هذا مما لايجوز أن يظن لأحد مع رسول الله (صلعم) لأن الرسل لايستعملون آراءهم وتدبيرهم دون تدبير الله وأمره وإنما هو يصيرونه عن أمر الله ونهيه وتدبيره في وجوب متصرفاتهم من حرب الى سلم، الى تقديم، الى تأخير، الى غير ذلك، ومن كا الله مدبره ومختاراً له في متصرفاته كان مستغنياً عن مشاورة رعيته وتدبيرهم معه وهذا ما لا يجوز ان نظنه دونهم في نبي ولا رسول ولا حجة لله يحتج بها على عباده،

وأيضاً يكذب ماذكره من إن لكل نبي وزيرين من أهل الأرض إن موسى عله السلام مع كونه نبياً من أولي العزم لم يسمع أحد له غير هارون عليه السلام وزيراً، فظهر إن في الخبر وضعاً وتزويراً.

١٢٦ـ قال: وأخرج أحمد والترمذي عن علي وإبن ماجه عنه ايضاً وعن أبي جحيفة وأبو يعلي في مسنده وأيضاً في المختار عن أنس، والطبراني في الأوسط

٣٣٩
عن جاب ر، وعن أبي سعيد إن رسول الله (صلعم) قال: هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النيين والمرسلين يعنى أبا بكر وعمر «انتهى».

أقول: للعل هذا الشيخ الجاهل إنما يبالغ في ذكرة الكثرة من رجال هذا الحديث وتعدد طرقهم فيه إظهاراً لفضله وكثرة تتبعه على المحدثين من أصحابه وإلا فلا يخفى على أحد إن ذلك لاينجع في الإحتجاج على الشيعة فإن ذلك عندهم يوجب زيادة التهمة لا الظن بالصحة وهو ظاهر، على إنهم كما قال صاحب كتاب الإستغاثة في بدع الثلاثة رووا حديثاً آخر أبطلوا به هذا الحديث، وذلك لانهم رووا بإجماع منهم ومن غيرهم إن الرسول (صلعم) قال: «اهل الجنة يدخلون الجنة جرداً ومرداً مكحلين» فإذا كانوا كذلك فلا كهول هناك ليكونا سيديهم ولو كان هناك أيضاً كهول كما زعموا هل كانت إمامة أبي بكر وعمر ورياستهما على الكهول دون الشباب والمشايخ أو كانت على الجميع ؟ فإن قالوا: إنها كانت على الكهول دون غيرهم بانت فضيحتهم، وإن قالوا: بل كانت على جميعهم، قيل لهم: فالسيد في كلام العرب هو الرئيس وليس في الرياسة أجل من الإمامة فإذا كانا إمامين على الكهول وغيرهم فهما رئيسان على جميعهم وإذا كانا رئيسين على الجميع فهما سيدا الجميع وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة في قول الرسول (صلعم) «هما سيدا كهول أهل الجنة» ولعمري لو كان ذلك منه صحيحاً لبخسهما حقهما إذ قال: وما سيدا كهول أهل الجنة. وهما سيدا الكهول والمشيايخ والشباب بزعمكم فهذا مايشتغل به ذوقهم «إنتهى».

وقد يقال: معنى قوله «هما سيدا كهول أهل الجنة» إنهما سيدا الكهول الذين يدخلون الجنة، ولا يلزم منه كون بعض أهل الجنة كهولاً حين كونه في الجنة

وأقول يتوجه عليه مع ما مر في كلام صاحب الإستغاثة من لزوم نقص إمامتهم وقصرها على الكهول وقوع التعارض بينه وبين ما روي الجمهور في صحاح أحاديثهم أيضاً إن النبي (صلعم) قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» وذلك

٣٤٠