×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

أفصح العرب وأكرمهم مثلا لايقتضي لغة وعرفا أن يكون كل واحد من آحاده كذلك لظهور وجود الآحاد المتصفة بأضداد ذلك من العي واللؤم فيهم بل قد أطبقوا على أن طائفة تيم قوم أبي بكر قاطبة من أرذال قريش وقد نقلوا النص على ذلك عن أبي سفيان وغيره عند البيعة على أبي بكر على أن هذا الحديث معارض بما رواه هذا الجامد في أواخر كتابه عند بيان وقوع الخلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة حيث قال ذهب أبو عمر بن عبدالبر الى إنه يوجد فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة وأحتج على ذلك بخبر عمر قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وآله قال: أتدرون أي خلق أفضل إيماناً ؟ قلنا الملائكة وحق لهم بل غيرهم قلنا الأنبياء قال وحق لهم بل غيرهم ثم قال صلى الله عليه وآله أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيماناً» وبحديث «مثل أمتي مثل المطر لا يدري آخره خير أم أوله» وبخبر «ليدركن المسبح أقواما إنهم لمثلكم أو خير ثلاثا» الحديث وقال صاحب الإستغاثة (١) في بدع الثلاثة: إن مضمون هذا الحديث مخالف لحقائق النظر، خارج عن العدل والحكمة، وذلك لأنه إن كان خيرتهم وفضلهم من جهة تقدم خلقهم في الأزمنة المتقدمة لما بعدها فقد زعموا إن أمة محمد صلى الله عليه وآله أفضل من الأمم التي مضت قبلها، وإن محمدا (ص) أفضل من الأنبياء عليهم السلام الذين

(١) وهو الشريف أبو القاسم علي بن أحمد الكوفي العلوي المتوفى في سنة ٣٥٢ المترجم حاله والمبين إعتبار كتابه هذا في كتب التراجم والأخبار.

٢١
تقدموه قبل عصره وكان الواحب على طرد هذه العلة أن يكون كل أمة أفضل من التي بعدها فلما أوجبوا آخر الأمم أفضل ممن تقدمهم وآخر الأنبياء أفضل من تقدمه كان لا معنى لهذا الخبر، في تفضيل القرن الأول على القرن الثاني من هذه الأمة، بل يجب فيه النظر والتميز وما يلزم من أحوال ما نقل الينا من سيرة من تقدم عصرنا هذا أن يكون من تأخر افضل من تقدم منهم وذلك إنا وجدنا القرن الذي كان في عصر الرسول والقرن الذي كان بعده والقرن الثالث ممن كان في عصر الفراعنة والطواغيت من ملوك بني أمية الذين كانوا يقتلون أهل بيت الرسول، ويسبون أمير المؤمنين عليه السلام ويلعنونه على المنابر، وأهل عصرهم من فقائهم وحكامهم الى غير ذلك منهم فهم على ذلك متبعون وبإفعالهم مقتدون وبإمامتهم قائلون ولهم على ذلك معينون بوجوه المعونة من حامل سلاح الى حاكم الى خطيب الى تاجر الى غير ذلك من صنوف الأمة وسباب المعونة ولسنا نجد في عصرنا هذا من كثر من ذلك شيئاً بل نجد الغالب على أهل عصرنا هذا الرغبة عن ذلك والذم عن فاعله والتنزه عن كثير منه إلا من لا يظهر بمذهبه بينهم فيجب أن يكونوا في حق النظر افضل من أهل ذلك العصر الذي كانت هذه صفتهم

قال: فإن قالوا إن أهل عصر الرسول لأجل مشاهدتهم له ومجاهدتهم معه أفضل وكذلك سبيل من شاهدهم من بعد الرسول من التابعين ونقلوا الينا العلوم وآلأخبار عنهم ومنهم قيل لهم اليس كل من تقدم خلقته في ذلك العصر فهو فعل الله فلا حمد للمتقدم في تقدم خلقه ولا صنع له في ذلك ولا فعل يحمد اليه ولا يذم منه فلا بد من نعم فيقال لهم أفتقولون إن الله تعالى يحمد العباد على افعاله ويذمهم عليها ؟ فإن قالوا ذلك جهلوا

٢٢
كتاب الصوارم المهرقة للقاضي نور الله التستري (ص ٢٣ - ص ٤٦)
٢٣
عقولهم ويزول معه إفهامهم حتى يسعى الساعي منا الدهر الطويل يقطع المسافة ويجوب البلدان الشاسعة يتذلل للرجال ويخضع لكل صاحب نوال أما أن يهلك ولم يدرك البغية وأما أن يمن الله عليه بالبصيرة بعد جهد جهيد وعناء شديد وتعب كديد مع تقية المستبصرين وخوف العارفين من إظهار ذلك للظالمين وكشفه للراغبين فأي ظلم أم أي جور أبين من ظلم تفضيل أولئك فيما إرتكبوه دونه ؟، أو كم بين من إستبصر في دينه تبصرة يزول معه كل شك ويثبت معه كل يقين من بيان النبي المرسل وبرهان الكتاب المنزل وبين من يستبصر في دينه بأخبار متضادة وأقاويل مختلفة وبيان غير شاف وبرهان غير كاف.. ! حتى يسعى ويطلب ويميز وينظر ويعتبر ويختبر بسهر ليله وظمأ نهاره وتعب بدنه وتصاغر نفسه وتذلل قدره، هل هذا إلا جور من قائله وظلم ظاهر من موجبه ؟ حقيق على الله أن يوجب لمستبصري أهل هذا العصر بما وصفنا من أحوالهم أضعاف مايوجب لمستبصري أهل ذلك العصر ولا يبعد الله إلا من ظلم وقال بما لايعلم.

وإن قالوا إن الله عز وجل قد قال في كتابه (السابقون السابقون، أولئك المقربون) قيل لهم قد قال الله عز وجل وصدق الله والأمر في ذلك بين واضح، والحكمة فيه مستقيمة وذلك إن السابق لا يجوز في الحكمة أن يقع في الإيمان إلا بين أهل العصر الحاضرين المشاهدين لندب الداعي لهم الى السباق، ومحال في الحكمة وفي العدل أن يسابق الله بين قوم خلقهم ومكنهم من أحوال الإجابة وبين قوم لم يخلقهم هذا ظاهر الفساد بعيد من الرشاد بين المحال فضيع من المقال لكنه عز وجل سابق بين الحاضرين من أهل عصر الرسول ولعمري إن من سبق منهم الىالإيمان أفضل وأجل

٢٤
وأقرب منزلة وأعلى درجة ممن لحق من تقدمه فلا ينكر هذا ذو فهم ولكن المنكر قول من زعم أن الله سابق بين من خلق وبين من لم يخلق فمن قال أن الصحابة قد سبقونا بالايمان ويريد بذلك تقدمهم في عصرهم وتأخر عصرنا من عصرهم فيما قدم الله من خلقهم واخر خلقنا فذلك كلام صحيح وقول فصيح كما أن من تقدم ايضاً من الأمم في الاعصار التي كانت قبل الصحابة كانوا متقدمين على الصحابة باعصارهم سابقا من آمن منهم على مؤمني الصحابة وتقدم خلقهم عليهم ليس في ذلك فضل لهم على من جاء بعدهم

ومن قال إن الصحابة سبقونا بالإيمان بمعنى التسابق بيننا وبينهم الى الإيمان فكان لهم بسبقهم ذلك الفضل علينا لأجل تأخرنا عنه كان ذلك قولاً محالاً شنيعاً لان تأخرنا عن عصرهم من فعل الله لا من فعلنا والله لا يذمنا على افعاله ولو كان لأهل عصر الصحابة علينا فضل في إيمانهم بتقدمهم علينا في الأعصار والخلق لوجب على هذه القضية أن يكون إيمان من تقدمهم من الأمم السالفة أفضل من إيمانهم بتقدمهم عليهم في الأعصار فلما كانوا يمنعون ذلك ويوجبون الفضل لأمة محمد صلى الله عليه وآله على من تقدمهم من الأمة كانت إيجابهم تفاضل أوائل هذه الأمة على أواخرها فاسداً وهذا ما لانطلقه نحن ايضاً في مذاهبنا لكنا نقول إن أهل كل عصر يتفاضلون بينهم ومن سبق منهم الى الإيمان فهو أفضل ممن تأخر عنه فلحق بالسابق من أهل عصره ولسنا نفضل أهل عصر الرسول على من جاء بعدهم في الأعصار المتأخرة كما لا نفضل أهل الأعصار المتأخرة على من تقدمهم لكنا نفاضل بين أهل كل عصر بعضهم على بعض بما وصفنا من السبق الى الإيمان دون أن يكونوا فاضلين على من تقدمهم ولا على من تأخر عنهم فهذا ماتعلق به أهل الغفلة

٢٥
والضلالة، وظهر بحمد الله مافيه من الوضع والجهالة.

١٠ ـ قال: وكفى فخراً لهم إن الله تبارك وتعالى شهد لهم بأنهم خير الناس حيث قال تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) فإنهم أول داخل في هذا الخطاب وكذلك شهد رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله في الحديث المتفق على صحته «خير القرون قرني» ولا مقام أعظم من مقام قوم إرتضاهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله ونصرته قال الله تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم الإية وقال تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين إتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه) فتأمل ذلك فإنك تنجو من قبيح ماإختلقته الرافضة عليهم مما هم بريئون منه كما سيأتي بسط ذلك وإيضاحه فالحذر الحذر من إعتقاد أدنى شائبة من شوائب البغض فيهم معاذ الله لم يختر الله لأكمل أنبيائه إلا أكمل من عداهم من بقية الأمم كما اعلمنا ذلك بقوله «كنتم خير أمة أخرجت للناس» ومما يرشدك الى ان مانسبوه اليهم كذب مختلق عليهم، انهم لم ينقلوا شيئاً منه باسناد عرفت رجاله ولا عدلت نقلته وانما هو من افكهم وحمقهم وجهلهم وافترائهم على الله سبحانه فإياك أن تدع الصحيح وتتبع السقيم ميلاً الى الهوى والعصبية ويتلى عليك عن علي وعن أكابر أهل بيته من تعظيم الصحابة سيما الشيخان وعثمان وبقية العشرة المبشرين بالجنة مافيه مقنع لمن ألهم رشده وكيف يسوغ لمن هو من العترة النبوية أو من المتمسكين بحبلهم أن يعدل عما تواتر عن إمامهم علي من قوله «إن خيرهذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» وزعم الرافضة إن ذلك تقية سيتكرر عليك رده وبيان بطلانه وإن ذلك أدى بعض الرافضة الى إن كفر علياً قال لأنه أعان الكفار

٢٦
على كفرهم فقاتلهم الله ما أحمقهم واجهلهم.

اقول: فيه نظر من وجوه

أما أولاً فلأنه لادلة في الآية على ماقصده من خيرية الصحابة المبحوث فيهم كما عرفته قبل ذلك عندما تكلمنا على دلالة حديث خير القرون قرني الحديث وعلى ذلك فما ذكره من كون المشايخ الثلاثة أول داخل في هذا الخطاب أول البحث كما لا يخفى

وأما قوله «وكذلك شهد رسول الله الخ» فقد عرفت أيضاً هنالك كذب دلالته على الشهادة بما قصده والله يشهد إن المنافقين لكاذبون.

وأما ثانياً فلأن قوله «ولا مقام أعظم من مقام إرتضاهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله الخ» مردود بأن الله تعالى ما إرتضاهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله بل إبتلى نبيه صلى الله عليه وآله بصحبتهم زيادة في ثوابه وتحصيلاً برفع درجاته ولغيرهما من المصالح والحكم على إن صحبة النبي صلى الله عليه وآله إنما ينفع كريم الأصل شريف الذات وأما الخسيس الدني فإنما يزيده فساد الحال والمآل كما قال شاعر الشيعة.

دون شود از قرب بزرگان خراب * جيفه دهد بوى بد از آفتاب
وقال شاعر اهل السنة:

هر كرا روى ببهبود نبود * ديدن روى نبي سود نبود
وأما الإية المذكورة فصريحة في إرادة غيرهم لمكان وصف الأشداء على الكفار
٢٧
والثلاثة كان مدارهم على الفرار وولى الأدبار كما حق في كتب الأحاديث والأخبار وأما قوله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين) فقد بينا أيضاً في ضمن الحديث المذكور سابقاً عدم دلالته على مدعاه على إنا لانسلم كون المشايخ الثلاثة من السابقين الأولين فإن السابقين الأولين من المهاجرين هم الذين هاجروا الهجرة الأولى وهي الهجرة الى رسول الله صلى الله عليه وآله في حصاره بمكة حين حاصرت قريش بني هاشم مع رسول الله صلى الله عليه وآله في شعب عبدالمطلب اربع سنين والأمة مجتمعة على إن أبا بكر وعمر لم يكونا معهم في ذلك الموطن بل لانسلم كون أولهم من المهاجرين مطلقاً كما سيأتي بيانه في الموضع اللائق به إنشاء الله تعالى

وأما ثالثا فلأن ما إختلقه من نسبة الإختلاق الى الشيعة فهم براء منه لأن الشيعة عن آخرهم أجل مكاناً وفضلاً عن أعمال المصادرة والإحتجاج على خصامهم بما رووه من طرق أهل البيت عليهم السلام كما فعل هذا الرجل في كتابه هذا من الإحتجاج على الشيعة بالأحاديث المروية من طريق أهل نحلته، المتسمين بأهل السنة بل الشيعة إلتزموا أن يحتجوا بما في كتب أهل السنة عليهم، لعلمهم بإنه إدعى الى تلقيه بالقبول، ووافق راى الجميع متى رجعوا الى الأصول وإن ذلك أتم في الورود وقيام الحجة بشهادة الخصم أوكد وإن تعددت الشهود فمن أين جاء الإفتراء والإختلاق لولا إنه ليس للناصب في الآخرة من خلاق.

وأما رابعاً فلأن ماذكره من إن الله تعالى لم يختر لأكمل أنبيائه إالأكمل من عداهم من بقية الأمم نقول في جوابه نعم لم يختر له إلا الأكمل لكن الشأن في إثبات إن الثلاثة معدودة في الأكمل والشيعة من وراء المنع بأسانيد معتبرة متفق عليها

٢٨
مروية من طرق أهل البيت عليهم السلام وطريق أهل السنة.

وأما خامساً فلأن قوله «ومما يرشدك الخ» ليس فيه رشاد ولا إرشاد ولا أدري ماأرى من تكرر نسبة إختلاقه الى الشيعة لم يذكره مبهماً بأنهم لم ينقلوا شيئاً منه بإسناد عرف رجاله وعدلة نقلته إذ كان لا بد من ذكر ذلك حتى ننظر في صحة نسبته وفسادها وإلا فالإبهام والإجمال دليل الأفك والإنحلال على إنا نقول إنه إن أراد إن الشيعة نقلوا مانقلوا في قدح المشايخ الثلاثة بإسناد لم يعرف أهل السنة حال الرجال المذكورة فيه ولم يحكموا بعدالة رجاله فهذا غير واقع بل هم لم ينقلوا شيئاً إلزاماً لأهل السنة إلا من كتبهم المعتبرة نعم إذا تنبهوا حينئذ بما في المنقول من كتبهم من الدلالة على الطعن والقدح في أسلافهم إحتالوا في رده تارة بضعف الراوي، وتارة بالتأويل البعيد الطويل الذي يرفع الأمان عن فهم الكلام وكفى بذلك إلزاماً وخزياً

وإن أراد إن الشيعة لم يبحثوا عن حال رجال إسناد ذلك المنقول وعدالتهم فذلك لايهمهم ولا يقدح في إحتجاجهم على أهل السنة بل يكفي فيه كون ذلك مسطوراً في الكتب المعتبرة لأهل السنة كصحاحهم الست ومسند إبن حنبل ونحوه من كتب المناقب التي ألفها أكابرهم ومشاهيرهم.

وأما سادساً فلأن ماذكره من بطلان زعم الرافضة إن مايتلى عن علي عليه السلام وعن أكابر أهل بيته من تعظيم الصحابة المبحوث فيهم واقع تقية مدخول بأن نسبة الشيعة الى القول بكون ذلك على إطلاقه واقعاً على سبيل التقية كاذبة بل ربما يقدحون في بعض الرجال المذكورة في سند ما نقله أهل السنه عنهم عليهم السلام في مدح من علم عدم إستحقاقه للمدح بدلائل أخرى وأما حمل البعض على التقية

٢٩
فليس بباطل سيما إذا قامت القرينة الحالية والمقالية على أعمال ذلك وأي قرائن واسباب وإمارات أظهر مما روي عنه عليه السلام يوم الإكراه على البيعة مخاطباً للرسول صلى الله عليه وآله في ضريحه «ياإبن أم إن القوم إستضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين» ويردد ذلك ويكرره ومما روى عنه في الشكاية عن غصبهم للخلافة عنه وتقمصهم إياها ما هو مصرح به في الخطبة الشقشقية المشهورة المذكورة في نهج البلاغة وفي قوله عليه السلام ايضاً «اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قد قطعوا رحمي وكفأوا إنائي، وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري وقالوا إلا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً فنظرت فإذاً ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلا أهل بيتي فظننته بهم عن المنية، فأغضيت على القذى وجرعت ريقي علىالشذى، وصبرت من كضم الغيض على أمر من العلقم وآلم للقلب من حز الشفار الى غير ذلك من الكلمات التي تواتر معناها على إن هذا الكلام إنما يحتاج اليه في دفع الشبهة متى لم نبن كلامنا على صحة النص على أمير المؤمنين عليه السلام ومتى بينا كلام في أسباب الخوف والتقية وترك النزاع والإنكار على صحة النص ظهر الأمر ظهوراً بدفع الشبة عن أصله لأنه إذا كان هو عليه السلام المنصوص عليه بالإمامة والمشار اليه بينهم بالخلافة ثم رآهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله تنازعوا الأمر بينهم تنازع من لم يسمعوا فيه نصاً ولا أعطوا فيه عهداً ثم صاروا الى إحدى الجهتين بطريق الإختيار وصمموا على إن ذلك هو الواجب الذي لايعدل عنه ولا حق سواه علم عليه السلام إن ذلك مويس من نزوعهم ورجوعهم ومخيف من ناحيتهم
٣٠
وإنهم إذا إستجازوا إطراح عهد الرسول صلى الله عليه وآله فهم بأن يطرحوا إنكار ذاعرة «كذا كان» عليهم ويعرضوا عن وعظه وتذكيره أولى وأحرى بل ذلك يورث الجرم بأن النكير عليهم ودفعهم عما إختاروه قد كان مؤدياً الى غاية المكروه ونهاية المحذور وبعبارة أخرى إنما يسوغ أن يقال ذلك إذا لم يكن هناك إمارة تقتضي الخوف وتدعو الى سوء الظن وإذا فرضنا إن القوم كانوا على أحوال السلام متظاهرين متمسكين بأوامر الرسول صلى الله عليه وآله جارين على سنته وطريقته ولا يكون لسوء الظن عليهم مجال ولا للخوف من جهتهم طريق وأما إذا فرضنا إنهم دفعوا النص الظاهر وخالفوه وعملوا بخلاف مقتضاه فالأمر منعكس منقلب وحسن الظن لاوجه له وسوء الظن هو الواجب ولا ينبغي للمخالفين لنا في هذه المسألة أن يجمعوا بين المتضادات ويفرضوا إن القوم دفعوا النص وخالفوا موجبه وهم مع ذلك على أحوال السلامة المعهودة منه التي تقتضي من الظنون بهم أحسنها وأجملها وأما أصل شرعية التقية فلا أعلم من محققي أهل السنة من ينكر ذلك وقد فصلنا الكلام في كتابنا الموسوم بمصائب النواصب والنقتصر هاهنا بما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير عند تفسير قوله تعالى (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم الآية) حيث قال: «التقية إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة وقد تجوز أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين وأما مايرجع ضرره الى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز البتة وقال: التقية جائزة لصون النفس وهل هي جائزة لصون المال يحتمل أن يحكم
٣١
فيها بالجواز لقوله عليه السلام «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ولقوله عليه السلام «من قتل دون ماله فهو شهيد» ولأن الحالة الى المال شديدة والماء إذا بيع بالعين سقط فرض الوضوء وجاز الإقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال فكيف لايجوز هاهنا والله أعلم. ثم قال: قال مجاهد: هذا الحكم كان ثابتاً قبل دولة الإسلام لأجل ضعف المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا ثم قال: وروي عن الحسن إن التقية جائزة للمؤمنين الى يوم القيامة وهذا القول احسن لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان ويزيد ذلك وضوحاً مارواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عايشة من المتفق عليه وذكره شارح الوقاية من الحنفية في كتاب الحج وهو إن النبي صلى الله عليه وآله قال لعائشة لولا إن لقومك عهداً بالجاهلية وفي رواية عهد حديث بالكفر وأخاف أن ينكر قلوبهم لأمرت بالبيت فهدم فادخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت لها بابين باباً شرقياً وباباً غربياً فبلغت به أساس إبراهيم الحديث» وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله مع علو شأنه وسطوع برهانه كما يتقي القوم الذين هم أعيان الصحابة من سوء تواطئهم في هدم الكعبة وإصلاح بنائها فما ظنك بعده بشأن علي عليه السلام ومن عاداه من أهل البيت الذين قتلوا آباء هؤلاء وأعمامهم وأقاربهم كما فصل في الأحاديث الأخر فتدبر

وأما سابعاً فلأن ماذكره من إن بعض الرافضة كفر علياً لأجل أعمال التقية مدفوع بأنا لانعلم هذا البعض ولا عبرة بكلام المجاهيل سيما إذا كان دليلهم المذكور على ذلك من أوهن الأباطيل.

الإمامة بعد رسول الله صلي الله عليه و آله

١١ ـ قال: المقدمة الثانية، إعلم أيضاً إن الصحابة أجمعوا على إن نصب

٣٢
الامام بعد انقراض زمن النبوة واجب بل جعلوه اهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله صلى الله عليه واله واختلافهم في التعيين لا يقدح الاجمـاع المذكور وتلك الاهية لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله قام ابوبكر خطيباً كما سايأتي فقال ايها الناس من كان يعبد محّمداً ص فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فأن الله حي لايموت لابد لهذا الامر ممن يقوم بــه فأنظروا وهاتوا آراء كم فقالوا ننظر فيه ثم ذلك الوجوب عندنا معشر اهل السنة والجماعة وعند اكثر المعتزلة بالسمع أي من جهة التواتر والاجماع المذكور وقال كثير بالعقل ووجه ذلك الوجوب انه صلى الله عليه وآله امر باقامة الحدود وسد الغثور وتجهيز الجيوش للجهاد وحفظ بيضة الاسلام وهي لاتتم الا بالإمام وما لايتم الواجب المطلق الا به وكان مقدوراً فهو واجب ولان في نصبه جلب منافع لاتحصى ودفع مضار لاتستقصى وكل ما كان كذلك يكون واجباً أما الصغرى على مافي شرح المقاصد فتكاد تلحق بالضروريات بل بالمشاهدات بشهادة مانراه من الفتن والفساد وانفضام امور العباد بمجرد موت الإمام وان لم يكن على ماينبغي من الصلاح والسداد واما الكبرى فبالإجماع عندنا وبالضرورة عند من قال بالوجوب عقلاً من..المعتزلة كأبي الحسين والجاحظ والخياط والكعبي انتهى.

أقول: فيه بحث من وجوه

أما أولاً فانه إن اراد انعقاد الإجماع على أن نصب الإمام واجب على الأمة فبطلانه ظاهر لظهور الخلاف من الإمامية والمعتزلة كما لايخفى وايضاً وجوب نصبه على الأمة يقتضي انهم اذا لم يتفقوا لم يحصل إنعقاد الإمامة

٣٣
بل يجب أعاده النظر مرة بعد أخرى وقد لايثمر شيء من ذلك اتفاقهم لإختلاف الآراء غالباً وهو يبطل تعليقها على رأي الأمة والألزم تعذر نصب الإمام أو جواز، عمل كل فريق برأيه فيكون منصوب كل فريق اماماً عليهم خاصة هذا خلف.

واما ثانيا فلأن من اشتغل بذلك عن دفن رسول الله صلى الله عليه وآله كان جائراً جاهلاً زنديقاً لاعالماً عادلاً ولا صديقاً فلا يستلزم ذلك مطلوبه والشيعة يستدلون بفعلهم الشنيع هذا على عصيانهم بل على عدم إيمانهم وإختيارهم الدنيا على الآخرة وذلك لأنهم يذكرون حديثاً وهو أن «من صلى على مغفور غفر له ذنوبه» فلو كانوا مصدقين بما جاء به النبي (ص) لما أعرضوا عن هذه السعادة الكبرى والمغفرة العظمى مع إن المصلحة والمشورة في أمور الدين والدنيا ماتفوت بيوم أو يومين فلو كان لهم إيمان ومروة لصبروا لدفنه والصلاة عليه والتعزية لأهل البيت عليهم السلام وإدخالهم في المشورة إذ كان النزاع معهم والحاصل إنهم إنما إشتغلوا في أمر الخلافة لأنهم إغتنموا الفرصة بغيبة علي عليه السلام وأصحابه وأشتغالهم بتجهيز النبي صلى الله عليه وآله وتدفينه وعلموا إنه لو حضر علي عليه السلام مجلس إشتغالهم بأمر الخلافة لفات الأمر منهم وإلا فلم يكن في تأخير ذلك عن تجهيز النبي مضنة فوته وعدم إستدراكه بل لو صبروا واشتغلوا مع علي عليه السلام وسائر بني هاشم بدفن النبي صلى الله عليه وآله ومصابهم به والحزن له والصلاة عليه المرغب فيها لكان أولى لإجتماع الناس حينئذ أكثر مما كان قبل دفنه وليت شعري كيف صار ذلك واجباً فورياً ؟ مع إنه حين أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يكتب في مرض موته كتاباً في هذا الباب منع منه عمر وقال: حسبنا كتاب الله كما ذكره

٣٤
هذا الجامد فيما سيجيء وأيضاً كيف أوجبوا المسارعة الى إنعقاد الإمامة حفظاً للدين عن الشين، ولم يسارعوا لأجل الدين، أيام أحد وبدر وخيبر وحنين، بل هربوا فيها راجعين بخفي حنين (١)، ذاهلين عن وضع أرجلهم في كل أين، وقد فروا من الزحف يوم الأحزاب، وعمرو بن عبد ود يناديهم ويطلبهم بالأسامي والألقاب، فصمتوا وخمدوا جميعهم عن الجواب، ولم يقم اليه أحد من شهودهم بل ضلوا ماكثين

(١) تلميح الى المثل المعروف عند العرب من قولهم «رجع بخفي حنين» قال الميداني بعد ذكره (ص٢٥٥ من مجمع الأمثال المطبوع بإيران وص ١٧١ من المطبوع بمصر»: قال أبو عبيد: أصله إن حنيناً كان إسكافاً من أهل الحيرة فسامه إعرابي بخفين فاختلفا حتى أغضبه فاراد غيض الإعرابي فلما إرتحل الإعرابي أخذ حنين أحد خفيه فطرحه في الطريق ثم القى الآخر في موضع آخر فلما مر الإعرابي بأحدهما قال ماأشبه هذا الخف بخف حنين ولو كان معه آخر لأخذته ومضى فلما إنتهى الى الآخر ندم على تركه الأول وقد كمن له حنين فلما مضى الإعرابي في طلب الأول عمد حنين الى راحلته وما عليها فذهب بها وأقبل الإعرابي وليس معه إلا الخفان فقال له قومه ماذا جئت به من سفرك؟ قال جئتكم بخفي حنين فذهبت مثلاً [ يضرب عند اليأس عند الحاجة والرجوع بالخيبة ] وقال إبن السكيت: حنين كان رجلاً شديداً إدعى الى أسد بن هاشم بن عبد مناف فأتى عبدالمطلب وعليه خفان أحمران فقال ياعم أنا إبن أسد بن هاشم فقال عبدالمطلب لا وثياب إبن هاشم ماأعرف شمائل هاشم فيك فارجع فرجع فقالوا رجع حنين بخفيه فصار مثلاً.

٣٥
الصفحة: ٣٦ فارغة
ناكثين لسابق عهودهم وكذلك ما أظهروا يوم مرحب (١) لا مرحباً لهم ما للرجال من عزيمة، بل إنهزموا أقبح هزيمة، فلما لم يظهر منهم المسابقة والمسارعة في تلك المشاهد لنصرة الدين، علم إن مسابقتهم يوم السقيفة إنما كانت لنيل الرياسة طلباً للجاه

(١) يريد بيوم مرحب يوم خيبر أسم بطل معروف من يهود خيبر ويومه معروف ومشهور عند أهل الأخبار والسير وقصه فرار أبي بكر وعمر في هذه الغزوة مذكورة في كتب الخاصة والعامة «كمسند أحمد بن حنبل وغيره» واعترف به كل مخالف وموافق، وعدو وصديق، قال الفاضل المعاصر الدكتور محمد حسنين هيكل في تاريخه المسمى بحياة محمد (ص) عند ذكره وقائع هذه الغزوة «ص ٣٧٥ س ٢٤ من الطبعة الثانية»: «وتتابعت الأيام، فبعث الرسول ابا بكر براية الى حصن ناعم كي يفتحه، فقاتل ورجع ولم يكن الحصن قد فتح. وبعث الرسول عمر بن الخطاب في الغداة، فكان حظه حظ أبي بكر. فدعى الرسول اليه في الغداة علي بن أبي طالب ثم قال له: خذ هذه الراية فمض بها حتى يفتح الله عليك. ومضى علي بالراية، فلما دنى من الحصن خرج اليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود فطاح ترسه؛ فتناول علي باباً كان عند الحصن فتترس به، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الحصن». وقد أجاد إبن أبي الحديد المعتزلي البغدادي في بائيته المعروفة «وهي إحدى العلويات السبعة».

وما أنس لا أنس للذين تقدّما * وفرّهما والفرّ قد علما حوب
وللراية العظمى وقد ذهبا بها * ملابس ذل فوقها وجلابيب
يشلهما من آل موسى شمر دل * طويل نجاد السيف أجيد يعبوب
يمج منوناً سيفه وسنانه * ويلهب ناراً غمده والأنانيب
أحضرهما أم حضر أخرج غاضب * وذانهما أم ناعم الخد مخضوب
عذرتكما إن الحمام لمبغض * وإن بقاء النفس للنفس محبوب
ليكره طعم الموت والموت طالب * فكيف يلذ الموت والموت مطلوب
دعا قصب العلياء يملكها إمرء * بغير أفاعيل الدناءة مقضوب
يرى إن طول الحرب والبؤس راحة * وإن دوام السلم والخفض تعذيب
فلله عيناً من رآه مبارزاً * وللحرب كأس بالمنية مقطوب
وقد صدر عن خاتم النبين (ص) بعد هذا الفتح المبين، حديث في حق أمير المؤمنين (ع) يشتمل على فضائل جمة ومناقب جليلة منها قوله (ص) «لولا أن تقول فيك طائفة من أمتي ماقالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولاً لا تمر بملأ إلا أخذوا من تراب رجليك» الخ وهو مشهور بين الخاصة والعامة واليه يشير شاعر الشيعة «وهو السيد علي الواعظ القايني (ره) المترجم حاله في مجالس المؤمنين للمصنف (ره)» بقوله في قصيدة مطولة فارسية مذكورة في المجالس المذكور:

بو العجب قومي گه منكر ميشوند از فضل او

زان خبر كايشان روايت روز خيبر كرده اند

٣٧
وعلى الخلافة سابقوك وما * سبقوك في أحد ولا بدر (١)
وأما ثالثاً فلأن ما نسبه من الخطبة الى أبي بكر مع ركاكته من أوضح الموضوعات أما الأول فلظهور سوء الأدب في خطابه للناس بقوله «من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات» وهل كان هناك من يعبد محمد صلى الله عليه وآله وكان يعتقد إنه صلى الله عليه وآله لا يموت؟ اللهم إلا أن يقال إنه قال ذلك رداً على ماروى من إن عمر قال في ذلك اليوم لمصلحة زورها في نفسه «والله ما مات محمد وسيعود ويقطع أيدي رجال وأرجلهم بما قالوا إنه مات» لكن المشهور عندهم إنه رد عليه أبو بكر هناك من ساعته ورجع هو الى قول أبي بكر فلم يبق حاجة الى تكرار الرد عليه في خطبته البليغة هذه

وأما الثانى فلأنه كيف يصح ما فيها من دعاء الناس الى إحالة آراءهم في ذلك وطلب الناس المهلة عنه للنظر فيه مع ما شحنوا به كتبهم

(١) يناسب ذلك ماروى من إن الصادق عليه السلام مر بدار عرس سمع منها صوت الدف ومغنية تغني وتقول:

أبا حسن سيدي أنت أنت * وصي المهيمن لو أنصفوك
وانت جعلت قريشاً عبيداً * ولولا حسامك كانوا ملوكا
وأنت المقدم في النائبات * فعند الخلافة لم أخروك
فقال عليه السلام بشروها بالجنة فلما سمعت الجارية المغنية ذلك القت الدف وتابت الى الله تعالى ولما كان مناسباً لهذا المقام ذكرناه ها هنا.

٣٨
من أن بيعتهم لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة إنما وقعت فلتة وبغتة حتى رووا عن عمر ما سيذكره هذا الشيخ فيما سيأتي من أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها عن المسلمين فمن عاد الى مثلها فاقتلوه.

وأما رابعاً فلأن مبادرة القوم الى تصديق أبي بكر في إيجابه النظر في ذلك يجوز أن يكون لإعقتقادهم إرادة التفحص عن إمام منصوب من الله تعالى لا لإختيار إمام من عند أنفسهم ثم لما ظهر عليهم خلافه واتضح آثار العدوان سكتوا فغاية الأمر إنعقاد الإجماع السكوتي عن جماعة في ذلك ووهنه ظاهر.

وأما خامساً فلأن وجوب المشار اليه بقوله «وذلك الوجوب عندنا» أعم من الوجوب على الله أو على الأمة فلا يصح إطلاق ذلك الوجوب عندنا معشر أهل السنة والجماعة وعند أكثر المعتزلة بالسمع لأن ماذهب اليه أهل السنة هو الوجوب السمعي على الأمة لا الوجوب على الله أيضاً فالصواب أن يقال إن ذلك الوجوب الأعم عندنا وعند أكثر المعتزلة على الأمة بالسمع الخ.

وأما سادساً فلأن ماذكره من أن أكثر المعتزلة على الوجوب سمعاً كذب صريح يشهد به عبارة الشرح الجديد للتجريد حيث قال «إختلفوا في نصب الإمام بعد إنقراض زمان النبوة هل يجب أم لا ؟ وعلى تقدير وجوبه على الله أم علينا ؟ عقلاً أم سمعاً؟ فذهب اهل السنة الى إنه واجب علينا سمعاً وقالت المعتزلة والزيدية بل عقلاً وذهبت الإمامية على إنه واجب الله تعالى عقلاً إنتهى.

وأما سابعاً فلأن قوله وقال كثير بالعقل إن اردا به الوجوب العقلى على الأمة يلزم إهمال ذكر القول بوجوبه على الله تعالى عقلاً وإن اراد به وجوبه على الله تعالى

٣٩
عقلاً يلزم إهمال ذكر القول بوجوبه على الأمة عقلاً فيختل كلامه في تحرير محل النزاع كما لايخفى.

وأما ثامناً فلأن القول بكون الوجوب في ذلك سمعياً غير مسموع لأن الوجوب السمعي منحصر في الكتاب والسنة والإجماع والكل مفقود هاهنا بإعتراف الخصم ومنهم صاحب المواقف حيث قال «وإذا ثبت حصول الإمامة بالإختيار والبيعة فاعلم إن ذلك الحصول لا يفتقر الى الإجماع من جميع أهل الحل والعقد إذ لم يقم عليه أي على هذا الإفتقار دليل من العقل والسمع بل الواحد والإثنان من اهل الحل والعقد كاف في ثبوت الإمامة ووجوب إتباع الإمام على اهل الإسلام وذلك لعلمنا بأن الصحابة مع صلابتهم في الدين إكتفوا في عقد الإمامة المذكور من الواحد والإثنين كعقد عمر لأبي بكر وعقد عبدالرحمن بن عوف لعثمان ولم يشترطوا في عقدها إجتماع من في المدينة من أهل الحل والعقد فضلاً عن إجماع الأمة من علماء الأنصار ومجتهدي جميع أقطارها هذا ولم ينكر عليهم أحد وعليه أي على الإكتفاء بالواحد والإثنين بعقد الإمامة إنطوت الأعصار بعدهم الى وقتنا هذا» إنتهى

وقد علم من كلامه هذا إنهم جعلوا عمل الغاصب للخلافة حجة فيها على الأمة لظهور إن النزاع إنما هو فيهم وفي عدم إستحقاقهم لذلك وإلا فما الدليل العقلي والنقلي من الكتاب والسنة على إن مجرد البيعة بل مجرد بيعة الواحد والإثنين حجة ؟ ومن أين ثبت لعمر إمامة أبي بكر حتى بايعه ؟ وكيف علم أبو بكر إنه إمام حتى إدعى ذلك ؟ ولعل هذا اول ما أباح على اهل السنة كهذا الشيخ الجاهل في كتابه هذا ارتكاب المصادرة وسوء المكابرة فما بقي لهم في المسألة إلا الإعتماد على حسن الظن

٤٠