×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ظلامة أبي طالب / الصفحات: ٢١ - ٤٠

فقال صلى الله عليه وآله:

«اللهم العنهما، واركسهما في الفتنة ركساً، ودعهما إلى النار دعاً»..(١٣)

وروى الهيثمي في تطهير الجنان: أن عمرو بن العاص صعد المنبر، فوقع في علي عليه السلام، ثم فعل مثله المغيرة بن شعبة ـ أي عند معاوية ـ والحسن عليه السلام حاضر.

فقيل للحسن عليه السلام: اصعد المنبر لترد عليهما. فامتنع، إلا أن يعطوه عهداً أن يصدقوه إذا قال حقاً، ويكذبوه إن قال باطلاً، فأعطوه ذلك.

فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أنشدك الله يا عمرو ويا مغيرة، أتعلمان أن النبي صلى الله عليه وآله لعن السائق والقائد، أحدهما فلان؟ ـ يعني معاوية ـ .

قالا: بلى.

ثم قال: يا معاوية، ويا مغيرة، ألم تعلما أن النبي صلى الله عليه وآله لعن عمرواً بكل قافية قالها لعنة؟

٢١
قالا: اللهم بلى الخ..(١٤)

الإمام الحسن عليه السلام يصف عمرواً:

وقد اجتمع عمرو بن العاص مع المغيرة بن شعبة، والوليد بن عقبة، في مجلس معاوية، وطلبوا منه أن يحضر الحسن عليه السلام لسبه وسب أبيه، فأرسل إليه فحضر، وجرى بينهم وبينه كلام، فكان مما قاله الإمام الحسن لعمرو في هذا المجلس:

«.. وضعتك أمك مجهولاً من عهر وسفاح، فتحاكم فيك أربعة من قريش، فغلب عليك جزارها، ألأمهم حسباً، وأخبثهم منصباً..

إلى أن قال:

وقاتلت رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع المشاهد، وهجوته.

وآذيته بمكة..

وكدته كيدك كله..

وكنت من أشد الناس له تكذيباً..

وعداوة..

ثم خرجت تريد النجاشي، مع أصحاب السفينة، لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة..

٢٢
فلما أخطأك ما رجوت، ورجعك الله خائباً، وأكذبك واشياً، جعلت حدك على صاحبك عمارة بن الوليد، فوشيت به إلى النجاشي، حسداً لما ارتكب من حليلتك، ففضحك الله، وفضح صاحبك..

فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية وفي الإسلام..

ثم إنك تعلم، وكل هؤلاء الرهط يعلمون: أنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتاً من الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

«اللهم إني لا أقول الشعر، ولا ينبغي لي، اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة»..

فعليك إذن من الله ما لا يحصى من اللعن.

وأما ما ذكرت من أمر عثمان، فأنت سعَّرت عليه الدنيا ناراً، ثم لحقت بفلسطين، فلما أتاك قتله، قلت: أنا أبو عبد الله، إذا نكأت قرحة أدميتها.

ثم حبست نفسك إلى معاوية، وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ود. وبالله ما نصرت عثمان حياً، ولا غضبت له مقتولاً..

ويحك يابن العاص، ألست القائل في بني هاشم، لما خرجت من مكة إلى النجاشي:


تقول ابنتي أين هذا الرحيلوما السير مني بمستنكر
فقلت: ذريني، فإني امرؤأريد النجاشي في جعفر

٢٣

لأكويه عنده كيةأقيم بها نخوة الأصعر
وشانئ أحمد من بينهموأقولهم فيه بالمنكر
وأجري إلى عتبة جاهداًولو كان كالذهب الأحمر
ولا أنثني عن بني هاشموما اسطعت في الغيب والمحضر
فإن قبل العتب مني لهوإلا لويت له مشفري..(١٥)

ابن العاص أم ابن أبي سفيان:

ولا ندري لماذا لا يذكرون في تلك المسلسلات قصة نسب عمرو إلى العاص بن وائل، مع أن المرجحات تشير إلى أنه ابن أبي سفيان، فإنه قد اختصم فيه أبو سفيان، والعاص بن وائل، فحكَّموا أمه في ذلك، فقالت: إنه من العاص بن وائل.

فقال أبو سفيان: أما إني لا أشك أني وضعته في رحم أمه، فأبت إلا العاص..

فقيل لها: أبو سفيان أشرف نسباً!!.

فقالت: إن العاص بن وائل كثير النفقة علي، وأبو سفيان شحيح.

ففي ذلك يقول حسان بن ثابت:


أبوك أبو سفيان لا شك قد بدتلنا فيك منه بينات الدلائل

٢٤

ففاخر به إما فخرت ولا تكنتفاخر بالعاص الهجين بن وائل
وإن التي في ذاك يا عمرو حكمتفقالت رجاء عند ذاك لنائل
من العاص عمرو تخبر الناس كلماتجمعت الأقوام عند المحافل..(١٦)

ماذا عن أم عمرو بن العاص!:

فأما النابغة فقد ذكر الزمخشري في كتاب: «ربيع الأبرار».. قال:

كانت النابغة أم عمرو بن العاص أَمَةً لرجل من عنَزَة، فسُبيت، فاشتراها عبد الله بن جدعان التيمي بمكة، فكانت بَغِيّاً، ثم أعتقها، فوقع عليها أبو لهب بن عبد المطلب، وأمية بن خلف الجمحي، وهشام بن المغيرة المخزومي، وأبو سفيان بن حرب، والعاص بن وائل السهمي، في طهر واحد، فولدت عمراً، فادعاه كلهم، فحُكِّمت أمه فيه، فقالت: هو من العاص بن وائل، وذاك لأن العاص بن وائل كان ينفق عليها كثيراً.

قالوا: وكان أشبه بأبي سفيان.

وفي ذلك يقول أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب في عمرو بن العاص:


أبوك أبو سفيان لا شك قد بدتلنا فيك منه بينات الشمائل..(١٧)

٢٥

من مخزيات عمرو:

وقال المعتزلي:

«وكان عمرو أحد من يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة..

ويشتمه..

ويضع في طريقه الحجارة، لأنه كان صلى الله عليه وآله يخرج من منزله ليلاً فيطوف بالكعبة، وكان عمرو يجعل له الحجارة في مسلكه ليعثر بها.

وهو أحد القوم الذين خرجوا إلى زينب ابنة(١٨) رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة، فروَّعوها، وقرعوا هودجها بكعوب الرماح، حتى أجهضت جنيناً ميتاً من أبي العاص بن الربيع بعلها.

فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، نال منه، وشق عليه مشقة شديدة، ولعنهم. روى ذلك الواقدي.

وروى الواقدي أيضاً وغيره، من أهل الحديث:

أن عمرو بن العاص هجا رسول الله صلى الله عليه وآله هجاء كثيراً، كان يعلمه صبيان مكة، فينشدونه، ويصيحون برسول الله إذا مر بهم،

٢٦
رافعين أصواتهم بذلك الهجاء.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي بالحجر:

«اللهم إن عمرو بن العاص هجاني، ولست بشاعر: فالعنه بعدد ما هجاني»..

وروى أهل الحديث أن النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، عمدوا إلى سلى جمل، فرفعوه بينهم، ووضعوه على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو ساجد بفناء الكعبة، فسال عليه.

فصبر، ولم يرفع رأسه، وبكى في سجوده، ودعا عليهم.

فجاءت ابنته فاطمة عليها السلام، وهي باكية، فاحتضنت ذلك السلا، فرفعته عنه فألقته. وقامت على رأسه تبكي، فرفع رأسه صلى الله عليه وآله، وقال: «اللهم عليك بقريش».. قالها ثلاثاً..

ثم قال رافعاً صوته: «إني مظلوم فانتصِر».. قالها ثلاثاً.

ثم قام فدخل منزله؛ وذلك بعد وفاة عمه أبي طالب بشهرين.

ولشدة عداوة عمرو بن العاص لرسول الله صلى الله عليه وآله، أرسله أهل مكة إلى النجاشي ليزهِّده في الدين، وليطرد عن بلاده مهاجرة الحبشة، وليقتل جعفر بن أبي طالب عنده، إن أمكنه قتله، فكان منه في أمر جعفر ما هو مذكور مشهور في السير، وسنذكر بعضه..(١٩)

٢٧
كتاب ظلامة أبي طالب للسيد جعفر مرتضى العاملي (ص ٢٨ - ص ٥٠)
٢٨
شركهما، وكلاهما كان شاعراً، عارماً، فاتكاً.

وكان عمارة بن الوليد جميلاً وسيماً، تهواه النساء، صاحب محادثة لهن. فركبا البحر، ومع عمرو بن العاص امرأته، حتى إذا صاروا في البحر ليالي، أصابا من خمر معهما، فلما انتشى عمارة قال لامرأة عمرو بن العاص: قبليني.

فقال لها عمرو: قبلي ابن عمك، فقبلته.

فهويها عمارة، وجعل يراودها عن نفسها، فامتنعت منه.

ثم إن عمرواً جلس على منجاف(٢١) السفينة يبول، فدفعه عمارة في البحر، فلما وقع عمرو سبح، حتى أخذ بمنجاف السفينة، فقال له عمارة: أما والله لو علمت أنك سابح ما طرحتك، ولكنني كنت أظن أنك لا تحسن السباحة، فضغن عمرو عليه في نفسه، وعلم أنه كان أراد قتله، ومضيا حتى قدما أرض الحبشة.

فلما نزلاها كتب عمرو إلى أبيه العاص بن وائل:

أن اخلعني، وتبرَّأ من جريرتي إلى بنى المغيرة، وسائر بني مخزوم، وخشي على أبيه أن يُتبع بجريرته.

فلما قدم الكتاب على العاص، مشى إلى رجال بني المغيرة وبني مخزوم، فقال:

إن هذين الرجلين قد خرجا حيث علمتم، وكلاهما فاتك صاحب

٢٩
شر، غير مأمونين على أنفسهما، ولا أدري ما يكون منهما، وإني أبرأ إليكم من عمرو وجريرته، فقد خلعته.

فقال عند ذلك بنو المغيرة وبنو مخزوم: وأنت تخاف عمرواً على عمارة! ونحن فقد خلعنا عمارة، وتبرأنا إليك من جريرته، فخلِّ بين الرجلين.

قال: فلما اطمأنا بأرض الحبشة، لم يلبث عمارة أن دب لامرأة النجاشي، وكان جميلاً صبيحاً وسيماً، فأدخلته، فاختلف إليها، وجعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرواً بما كان من أمره، فيقول عمرو:

لا أصدقك أنك قدرت على هذا، إن شأن هذه المرأة أرفع من ذلك، فلما أكثر عليه عمارة بما كان يخبره ـ وكان عمرو قد علم صدقه، ورأى من حاله وهيئته وما تصنع المرأة به، إذا كان معها، وبيتوتته عندها، حتى يأتي إليه مع السحر ما عرف به ذلك، وكانا في منزل واحد، ولكنه كان يريد أن يأتيه بشيء لا يستطاع دفعه، إن هو رفع شأنه إلى النجاشي ـ .

فقال له في بعض ما يتذاكران من أمرها: إن كنت صادقاً، فقل لها:

فلتدهنك بدهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره، فإني أعرفه، وائتني بشيء منه حتى أصدقك..

قال: أفعل.

فسألها ذلك، فدهنته منه، وأعطته شيئاً في قارورة، فلما شمه عمرو عرفه، فقال:

٣٠
أشهد أنك قد صدقت! لقد أصبت شيئاً ما أصاب أحد من العرب مثله قط.

ثم سكت عنه حتى اطمأن، ودخل على النجاشي، فقال:

أيها الملك، إن معي سفيهاً من سفهاء قريش، وقد خشيت أن يعرَّني(٢٢) عندك أمره، وأردت أن أعلمك بشأنه، وألا أرفع ذلك إليك حتى أستثبت أنه قد دخل على بعض نسائك فأكثر. وهذا دهنك قد أعطته وادهن به.

ثم تذكر الرواية معاقبة النجاشي لعمارة، وأن عمرو بن العاص، قد قال: يذكر ما كان صنع به، وما أراد من امرأته:


تعلم عمار أن من شر سنةعلى المرء أن يدعى ابن عم له ابنما
أإن كنتَ ذا بردين أحوى مرجلاًفلست براع لابن عمك محرماً
إذا المرء لم يترك طعاماً يحبهولم ينه قلباً غاوياً حيث يمما
قضى وطراً منه يسيراً وأصبحتإذا ذكرت أمثالها تملأ الفما..(٢٣)

جعفر بن أبي طالب ينجو من سم عمرو:

وروي عن عبد الله بن جعفر بن محمد عليه السلام، أنه قال:

لقد كاد عمرو بن العاص عمنا جعفراً بأرض الحبشة عند النجاشي،

٣١
وعند كثير من رعيته، بأنواع الكيد، وردها الله تعالى عنه بلطفه.

رماه بالقتل.

والسرق.

والزنى.

فلم يلصق به شيء من تلك العيوب، لما شاهده القوم من طهارته، وعبادته، ونسكه، وسيماء النبوة عليه.

فلما نبا معوله عن صفاته هيأ له سماً قذفه إليه في طعام، فأرسل الله هراً، كفأ تلك الصحفة، وقد مد يده نحوها، ثم مات لوقته، وقد أكل منها..

فتبين لجعفر كيده، وغائلته، فلم يأكل بعدها عنده..

وما زال ابن الجزار عدواً لنا أهل البيت..(٢٤)

وقال المعتزلي ما ملخصه:

أما خبر عمرو بن العاص في شخوصه إلى الحبشة، ليكيد جعفر بن أبي طالب والمهاجرين من المؤمنين عند النجاشي، فقد رواه كل من صنف في السيرة.

قال محمد بن إسحق في كتاب المغازي:

حدثني محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أم سلمة، زوجة رسول الله صلى الله عليه

٣٢
وآله، قالت:

لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أَمِنَّا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى كما كنا نؤذى بمكة، ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي في أمرنا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منه الأدم. فجمعوا أدماً كثيراً، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا إليه هدية.

ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما:

ادفعا إلى كل بطريق هديته، قبل أن تكلما النجاشي فيهم.

ثم قدما إلى النجاشي، ونحن عنده في خير دار، عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته، قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا للبطارقة:

إنه قد فر إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك أشراف قومهم لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم.

فقالوا لهما: نعم.

ثم إنهما قربا هدايا الملك إليه فقبلها منهم، ثم كلماه، فقالا له:

٣٣
أيها الملك قد فر إلى بلادك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، جاؤوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا فيهم إليك أشراف قومنا، من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردهم عليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاينوه منهم.

قالت أم سلمة: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، من أن يسمع النجاشي كلامهم.

فقالت بطارقة الملك وخواصه: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فليسلمهم الملك إليهما، ليرداهم إلى بلادهم وقومهم.

فغضب الملك وقال: لا ها الله إذاً لا أسلمهم إليهما، ولا أخفر قوماً جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على سواي، حتى أدعوهم وأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.

قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟

قالوا: نقول والله ما علمناه، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وآله كائناً ما هو كائن.

فلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله،

٣٤
سألهم فقال لهم:

ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟!..

قالت أم سلمة: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له:

أيها الملك، إنا كنا قوماً في جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف.

فكنا على ذلك حتى بعث الله عز وجل علينا رسولاً منا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا عليه نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن التجاور، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن سائر الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئاً، وبالصلاة وبالزكاة والصيام.

قالت: فعدد عليه أمور الإسلام كلها، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأصنام والأوثان عن عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث.

فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا

٣٥
إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك.

فقال النجاشي: فهل معك مما جاء به صاحبكم عن الله شيء؟

فقال جعفر: نعم.

فقال: اقرأه علي.

فقرأ عليه صدراً من {كهيعص}..

فبكى حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا لحاهم.

ثم قال النجاشي: والله، إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، والله لا أسلمكم إليهم.

قالت أم سلمة: فلما خرج القوم من عنده، قال عمرو بن العاص:

والله، لأعيبهم غداً عنده بما يستأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة ـ وكان أتقى الرجلين:

لا تفعل، فإن لهم أرحاماً، وإن كانوا قد خالفوا.

قال: والله لأخبرنه غداً أنهم يقولون في عيسى بن مريم: إنه عبد.

ثم غدا عليه من الغد، فقال: أيها الملك، إن هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه، فأرسل إليهم.

قالت أم سلمة: فما نزل بنا مثلها.

واجتمع المسلمون، وقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟

٣٦
فقال جعفر بن أبي طالب:

نقول فيه والله ما قال عز وجل، وما جاء به نبينا عليه السلام، كائناً في ذلك ما هو كائن.

فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟

فقال جعفر: نقول إنه عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

قالت: فضرب النجاشي يديه على الأرض، وأخذ منها عوداً، وقال:

ما عدا عيسى بن مريم ما قال هذا العود.

قالت: فقد كانت بطارقته تناخرت حوله، حين قال جعفر ما قال، فقال لهم النجاشي: وإن تناخرتم!

ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم (سيوم) بأرضي، أي آمنون، من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبراً ذهباً وأني آذيت رجلاً منكم ـ والدبر بلسان الحبشة: الجبل ـ ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي فيها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة، حتى ردني إلى ملكي. فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيَّ أفأطيعهم فيه؟

قالت: فخرج الرجلان من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده في خير دار، مع خير جار..(٢٥)

٣٧
وقد روي عن الإمام الحسين عليه السلام:

«أن ابن العاص قد ذهب إلى الحبشة مرتين، ليكيد المسلمين، فرد الله كيده إلى نحره، وباء بغضبٍ من الله تعالى»(٢٦)

٣٨
٣٩


الفصل الثاني
لمحات عن أبي طالب عليه السلام




٤٠