×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ظلامة أبي طالب / الصفحات: ٤١ - ٦٠

٤١

اسمه:

قيل إن اسم أبي طالب عليه السلام: عمران، وقيل: عبد مناف، وقيل اسمه: لقبه.

ويؤيد الثاني ما روي من أن عبد المطلب قال:


أوصيك يا عبد مناف بعديبموحد بعد أبيه فرد

وقال:


وصّيت من كنيته بطالبعبد مناف، وهو ذو تجارب..(٢٧)

وقد سمي عبد مناف، لأنه أناف على الناس وعلا(٢٨)

ويؤيد الأول ما قالوه، من أنه قد ورد في زيارة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، والمروية في بعض كتب أصحابنا:

٤٢
«السلام على عمك عمران أبي طالب»(٢٩)

ويؤيد أن اسمه كنيته، ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه كتب في بعض الرسائل: علي بن أبو طالب(٣٠)

إلا أن يقال: إن كتابة الياء في الخط الكوفي تشبه كتابة الواو..

و«قال الحاكم: أكثر المتقدمين على أن اسمه (يعني أبا طالب) كنيته(٣١)

وهناك كلام مطول حول هذا الموضوع، ذكرنا طرفاً منه في موضع آخر.. فراجع.(٣٢)

صفة أبي طالب عليه السلام ومكانته:

كان أبو طالب عليه السلام شيخاً جسيماً، وسيماً، عليه بهاء الملوك، ووقار الحكماء..

وقيل لأكثم بن صيفي: ممن تعلمت الحكمة، والرياسة، والحلم، والسيادة؟

٤٣
فقال: من حليف العلم، والأدب، سيد العجم والعرب، أبي طالب بن عبد المطلب(٣٣)

وكان أبو طالب عليه السلام ممن يهابه الرجال، ويكره غضبه(٣٤)

وقال النويري: «كان أبو طالب حاكم قريش، وسيدها، ومرجعها في الملمات»(٣٥)

وهو ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية(٣٦)

وقال ابن أبي الحديد المعتزلي في فضل أمير المؤمنين عليه السلام:

«ما أقول في رجل أبوه أبو طالب، سيد البطحاء، وشيخ قريش، ورئيس مكة؟

وقالوا: قلَّ أن يسود فقير، وساد أبو طالب، وهو فقير لا مال له..

وكانت قريش تسميه (الشيخ).

إلى أن قال: «.. وهو الذي كفل رسول الله صلى الله عليه وآله صغيراً، وحماه وحاطه كبيراً، ومنعه من مشركي قريش، ولقي لأجله عناء

٤٤
عظيماً، وقاسى بلاء شديداً، وصبر على نصره، والقيام بأمره. وجاء في الخبر: أنه لما توفي أبو طالب: أوحي إليه، وقيل له: اخرج منها، فقد مات ناصرك»(٣٧)

أبو طالب في كلمات النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام:

ثم إنه قد روي عن علي عليه السلام: أن نور أبي يوم القيامة يطفئ أنوار الخلائق إلا خمسة أنوار. نور محمد صلى الله عليه وآله ونوري، ونور الحسن والحسين، ونور تسعة من ولد الحسين(٣٨)

وروي أيضاً: أن مثله كان مثل أصحاب الكهف.

وأنه كان مستودعاً للوصايا، فدفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله(٣٩)

وقال الصدوق: روي أن عبد المطلب كان حجة، وأن أبا طالب كان وصيه(٤٠)

وقال المجلسي: بل كان من أوصياء إبراهيم(٤١)

٤٥
وفي روضة الواعظين: أن جابراً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: يقولون إن أبا طالب مات كافراً؟!

قال صلى الله عليه وآله: يا جابر، الله أعلم بالغيب! إنه لما كانت الليلة التي أسري بي إلى السماء انتهيت إلى العرش، فرأيت أربعة أنوار، فقلت: إلهي، ما هذه الأنوار؟!

فقال: يا محمد، هذا عبد المطلب، وهذا أبو طالب، وهذا أبوك عبدالله، وهذا أخوك طالب.

فقلت: إلهي وسيدي، فيم نالوا هذه الدرجة؟!

قال: بكتمانهم الإيمان، وإظهارهم الكفر، وصبرهم على ذلك حتى ماتوا(٤٢)

أبو طالب عليه السلام كفيل النبي صلى الله عليه وآله:

وقد روي: أنه لما ولد النبي صلى الله عليه وآله مكث أياماً ليس له لبن، فألقاه أبو طالب عليه السلام على ثدي نفسه، فأنزل الله فيه لبناً فرضع أياماً، حتى جاءت حليمة السعدية فدفعه إليها(٤٣)

وقالوا: إنه في كفالته لرسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يفارقه ساعة من ليل ولا نهار، وينيمه في فراشه، وكان إذا أراد أن يعشي أولاده

٤٦
ويغذيهم يقول: كما أنتم حتى يحضر ابني، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وآله فيأكل معهم فيبقى الطعام(٤٤)

ولما حضرت عبد المطلب الوفاة، دفع النبي صلى الله عليه وآله إلى أبي طالب عليه السلام، وطلب منه أن يحفظه فيه، فقال له أبو طالب:

يا أبه، لا توصني بمحمد، فإنه ابني، وابن أخي..

فلما توفي عبد المطلب كان أبو طالب يؤثره بالنفقة، والكسوة على نفسه، وعلى جميع أهله(٤٥)

إني مقتول:

وكان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إذا أخذ مضجعه، ونامت العيون، جاءه أبو طالب عليه السلام، فأنهضه صلى الله عليه وآله عن مضجعه، وأضجع الإمام علياً عليه السلام مكانه، ووكل عليه ولده، وولد أخيه.

فقال الإمام علي عليه السلام: يا أبتاه، إني مقتول ذات ليلة.

فقال أبو طالب عليه السلام:


إصبرن يا بني، فالصبر أحجىكل حي مصيره لشعوب
قد بلوناك والبلاء شديدلفداء النجيب، وابن النجيب
إن تصبك المنون بالنبل تترىفمصيب منها وغير مصيب

٤٧

كل حي وإن تطاول عمراًآخذ من سهامها بنصيب

فقال الإمام علي عليه السلام:


أتأمرني بالصبر في نصر أحمدووالله ما قلت الذي قلت جازعاً
ولكنني أحببت أن تر نصرتيوتعلم أني لم أزل لك طائعاً
وسعيي لوجه الله في نصر أحمدنبي الهدى المحمود طفلاً ويافعاً(٤٦)

وقال الإمام علي عليه السلام أيضاً بعد ذلك:


وقيت بنفسي خير من وطأ الحصىومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
رسول إله الخلق إذ مكروا بهفنجاه ذو الطول الكريم من المكر
وبت أراعيهم وهم يثبتوننيوقد صبرت نفسي على القتل والأسر
وبات رسول الله في الشعب آمناًوذلك في حفظ الإله وفي ستر
أردت به نصر الإله تبتلاًوأضمرته حتى أوسد في قبري(٤٧)

وحين أَخبَرَ الإمام علي عليه السلام أباه بأنه قد أسلم على يد

٤٨
الرسول صلى الله عليه وآله، قال أبو طالب عليه السلام:

أما إنه لا يدعو إلا إلى خير، فالزمه(٤٨)

وقال لولده الإمام علي عليه السلام حينما أخبره أنه يريد أن يتبع الرسول صلى الله عليه وآله:

يا ولدي، تعلم أن محمداً والله أمين منذ كان، امض واتبعه ترشد وتفلح، وتشهد(٤٩)

ويقول عليه السلام: إنه لما رآه أبو طالب عليه السلام هو والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله ساجدين.

قال: افعلتماها؟

ثم أخذ بيدي، فقال: انظر كيف تنصره، وجعل يرغبني في ذلك، ويحضني عليه(٥٠)

ثم إنه هو الذي أمر جعفراً وحمزة بالإسلام، وأمر زوجته فاطمة بنت أسد بأن تسلم أيضاً(٥١)

٤٩

وصية أبي طالب عليه السلام لقريش:

قال في بلوغ الإرب:

عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة، جمع إليه وجوه قريش، فأوصاهم، فقال:

«يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم السيد المطاع، وفيكم المقدام الشجاع، والواسع الباع..

واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إلا أحرزتموه، ولا شرفاً إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب، وعلى حربكم إلب..

وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية ـ يعني الكعبة ـ فإن فيها مرضاة للرب، قوةً للمعاش، وثباتاً للوطأة، صلوا أرحامكم، فإن في صلة الرحم منسأة في الأجل، وزيادة في العدد..

اتركوا البغي والعقوق، ففيهما هلكت القرون قبلكم.

أجيبوا الداعي، واعطوا السائل، فإن فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإن فيهما محبة في الخاص، ومكرمة في العام..

وإني أوصيكم بمحمد خيراً، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل الأطراف، والمستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته وصدقوا

٥٠
كتاب ظلامة أبي طالب للسيد جعفر مرتضى العاملي (ص ٥١ - ص ٨٢)
٥١


الفصل الثالث
من تاريخ أبي طالب عليه السلام




٥٢
٥٣

بداية:

إننا قبل أن ندخل في الحديث عن دلائل إيمان شيخ الأبطح، نقدم إضمامة فواحة بعبير الإيمان من مواقف أبي طالب الهادفة إلى إعزاز دين الله، ونصرة وحفظ خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله، معتمدين في ذلك ـ بصورة عامة ـ على ما ذكرناه في كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، مع بعض التقليم والتطعيم، فنقول:

المفاوضات الفاشلة:

قال ابن إسحاق وغيره: لما بادى رسول الله صلى الله عليه وآله قومه بالإسلام، وصدع به، كما أمره الله، لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه ـ فيما بلغني ـ حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا على خلافه وعداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون. وحدب على رسول الله صلى الله عليه وآله عمه أبو طالب عليه السلام، ومنعه، وقام دونه. ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله على أمر الله مظهراً لا يرده شيء.

فلما رأت قريش: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه، من فراقهم، وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب

٥٤
عليه السلام قد حدب عليه، وقام دونه، فلم يسلمه لهم، حاولوا مفاوضة أبي طالب عليه السلام في شأنه.

وقد مرت هذه المفاوضات على الظاهر، بثلاث مراحل، انتهت كلها بالفشل الذريع.

الأولى: أنه مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عليه السلام.

فقالوا له: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه..

فقال لهم أبو طالب عليه السلام قولاً رفيقاً، وردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه.

الثانية: أنهم حين رأوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله مازال يظهر دينه، ويدعو إليه، حتى شرى الأمر بينه وبينهم، وحتى تباعد الرجال، وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله بينها، ذهبوا إلى أبي طالب عليه السلام، فتهددوه:

إن لم يكف ابن أخيه عن شتم آبائهم، وتسفيه أحلامهم، وشتم آلهتهم، فسوف ينازلونه وإياه، حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا.

فأرسل أبو طالب عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، وطلب إليه أن يبقي على نفسه وعليه، ولا يحمله ما لا يطيق.

فظن أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه قد ضعف عن نصرته، والقيام دونه، فقال له صلى الله عليه وآله:

٥٥
يا عم، والله، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته.

فوعده أبو طالب عليه السلام النصر.

الثالثة: عرضوا على أبي طالب عليه السلام: أن يتخذ عمارة بن الوليد ولداً له، ويسلمهم النبي محمداً صلى الله عليه وآله، الذي فارق دين أبي طالب ودين آبائه، وفرق جماعتهم وسفه أحلامهم، ليقتلوه. فإنما هو رجل برجل.

فقال أبو طالب عليه السلام: والله، لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟! هذا والله ما لا يكون أبداً!!.

فقال المطعم بن عدي: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه؛ فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً.

فقال أبو طالب عليه السلام: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت على خذلاني، ومظاهرة القوم علي؛ فاصنع ما بدا لك، أو كما قال.

فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضاً(٥٣)

وهذا التدرج والتتابع الذي رسمناه، لسير الأحداث، إنما هو وفق الحدس والظن لما ربما يختلف، ويتداخل.

ولكن الأمر في ذلك سهل، غير أننا قبل أن نواصل حديثنا نسجل النقاط التالية:

٥٦

قريش لم تصل إلى نتيجة:

لقد رأينا: أن مشركي مكة ما كانوا يرغبون بادئ ذي بدء: في توريط أنفسهم في مواجهة حادّةٍ مع أبي طالب عليه السلام والهاشميين..

فحاولوا: أن يحملوا أبا طالب عليه السلام نفسه على حسم الموقف، والقضاء على ما يعتبرونه مادة متاعبهم، ومصدر مخاوفهم، وحاولوا أن يثيروه ضد ابن أخيه، على اعتبار أن ابن أخيه قد جاء بما يضر بمصالح عمه نفسه، ويجرح كرامته، وعاطفته عمه نفسه، فضلاً عن غيره، فمن الطبيعي أن يبادر أبو طالب نفسه عليه السلام لوضع حد لتصرفات ابن أخيه، ويكفيهم مؤونة ذلك.

ولكنهم حينما وجدوا: أن أبا طالب عليه السلام لم يستجب لأي من أباطيلهم، لجأوا إلى التهديد والوعيد، ثم إلى أسلوب المكر والخداع حين عرضوا عمارة على أبي طالب عليه السلام ليتخذه ولداً، ويسلمهم النبي محمداً صلى الله عليه وآله ليقتلوه.

الأمر الذي كشف عن حقيقة ما يكنونه في صدورهم، واتضح لأبي طالب عليه السلام ولغيره أن هدفهم ليس إلا القضاء على الدين الحق، وإطفاء نور الله بالقضاء على الداعي إليه، فزاد ذلك من تصلب أبي طالب عليه السلام وفي تصميمه في الدفاع عن الحق والدين، وعن نبي الإسلام الأعظم صلى الله عليه وآله.

ماذا بعد فشل المفاوضات؟

وبعد فشل المفاوضات، ظهر لأبي طالب: أن السيل قد بلغ الزبى،

٥٧
وأنه على وشك الدخول في صراع مكشوف مع المشركين.

فلا بد من الحذر والاحتياط للأمر؛ فجمع بني هاشم، وبني المطلب، ودعاهم إلى منع الرسول، والقيام دونه، فأجابوه، وقاموا معه، باستثناء أبي لهب لعنه الله تعالى.

ومنع الله عزوجل رسوله، فلم يكن لهم إلى أن يضروه في شعره وبشره سبيل، غير أنهم يرمونه بالجنون، والسحر، والكهانة، والشعر، والقرآن ينزل عليه صلى الله عليه وآله بتكذيبهم.

ورسول الله صلى الله عليه وآله قائم بالحق، ما يثنيه ذلك عن الدعاء إلى الله عزوجل سراً وجهراً.

وقد أدرك المشركون: أن الاعتداء على شخصه صلى الله عليه وآله سوف يتسبب في صراع مسلح لم يعدوا له عدته، وليسوا على يقين من أن تكون نتائجه لصالحهم، خصوصاً مع ما كان لبني هاشم من علاقات، ومن أحلاف مع القبائل، كحلف المطيبين، وحلف عبد المطلب مع خزاعة التي كانت تقطن خارج مكة.

بل قد توجب هذه الحرب ـ لو نشبت ـ التمكين لمحمد صلى الله عليه وآله من نشر دعوته(٥٤)

٥٨
فآثر المشركون أن يبتعدوا عن الحرب، وانتهاج أساليب أخرى لتضعيف أمر محمد صلى الله عليه وآله، والوقوف في وجه دعوته؛ فصاروا:

ألف: ينهون الناس عن الالتقاء به صلى الله عليه وآله، وعن أن يسمعوا ما جاء به من قرآن، قال تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}(٥٥)

وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}(٥٦)

ب: يتبعون أسلوب السخرية والاستهزاء، وإلصاق التهم الباطلة به، بهدف:

١ ـ التأثير على شخص النبي الأعظم صلى الله عليه وآله علّه ينهزم نفسياً، وجعله يعيش عقدة الحقارة والضعة، فلربما يتخلى عن هذا الأمر، ويكذب نفسه.

٢ ـ الحط من كرامة النبي صلى الله عليه وآله، وابتذال شخصيته، بهدف تنفير أصحاب النفوس الضعيفة من متابعته، وصرفهم عن الدخول فيما جاء به.

فصاروا يغرون سفهاءهم بإيذائه وتكذيبه، وأحياناً كان يتولى ذلك منه سادتهم وكبراؤهم.

٥٩
وقد أمروا غلاماً منهم بأن يلقي عليه سلى جزور وفرثه، وهو قائم يصلي، فألقاه بين كتفيه، فغضب أبو طالب، وأتى إليهم بذلك السلى نفسه، فأمرَّه على سبالهم جميعاً.

وقد ألقى الله الرعب في قلوبهم(٥٧) وأوجب ذلهم وخزيهم، من حيث إنه قد جاء من موقع التحدي، القوي والصريح.

وكانوا أيضاً يلقون عليه التراب(٥٨) ورحم الشاة(٥٩) وغير ذلك.

وقد أثر ذلك إلى حد ما في صرف الناس، وإبعادهم عن الدخول في الإسلام، حتى ليقول عروة بن الزبير وغيره:

«.. وكرهوا ما قال لهم، وأغروا به من أطاعهم؛ فانصفق عنه عامة الناس»(٦٠)

٦٠