×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ظلامة أبي طالب / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

وفي أخرى: أن المسلمين قالوا: ألا نستغفر لآبائنا؟ فنزلت(١٦٥)

وفي رواية: أنها نزلت حينما استأذن صلى الله عليه وآله الله في الاستغفار لأمه فلم يأذن له، ونزلت الآية، فسأله أن يزور قبرها، فأذن له(١٦٦)

وعلى هذا فإن الجزم بأن الآية المذكورة قد نزلت في أبي طالب، يصبح في غير محله، خصوصاً إذا أضيف إليه ما قدمناه من شواهد وأدلة على إيمان شيخ الأبطح، وأضيف إليه أيضاً أن الآية بصدد نهي طائفة من المؤمنين الاستغفار لأقاربهم من أهل الشرك، ويكون ذكر النبي صلى الله عليه وآله في جملتهم من أجل طمأنتهم، وتأنيسهم، والرفق بهم، والمداراة لهم، لا لأنه صلى الله عليه وآله كان يفعل كفعلهم، فإن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن ليقدم على أمر حتى يعرف رضا الله به، ويستأذنه سبحانه وتعالى فيه.

١٢١

ملاحظة:

قد أثبتنا في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله إيمان آبائه صلى الله عليه وآله إلى آدم وكانت أمه صلى الله عليه وآله موحدة، بل إن الروايات التي تحدثت عن أنه لا يريد أن تكون لكافر أو مشرك عنده نعمة تجزى تدل على ذلك أيضاً.

فإن التربية للنبي صلى الله عليه وآله من النعم، والأيادي عنده، والتي تستوجب منه الشكر والجزاء.

وهذا ما يجعلنا نعتقد: أن الرواية الأخيرة التي ذكرت كفر والدة النبي صلى الله عليه وآله بعيدة عن الصحة أيضاً.

سادساً: إن آية النهي عن الاستغفار للمشركين، قد جاءت عامة ولا يظهر منها: أنها تتحدث عن أمر قد حصل أصلاً، ولو سلمنا: أنها تشير إلى واقعة من نوع ما، فلا يمكن أن تكون هي استغفار النبي صلى الله عليه وآله لأمه، لأنه صلى الله عليه وآله لا يفعل إلا ما يعلم أنه مرضي لله تعالى، ولا يقدم على أي فعل من تلقاء نفسه.

على أنه لابد من الإجابة على السؤال عن السبب الذي جعل النبي صلى الله عليه وآله ينسى الاستغفار لأمه إلى آخر أيام حياته؟

سابعاً: إن قول أبي طالب: بل على دين عبد المطلب، هو من أدلة إيمانه، لا من أدلة كفره؛ إذ إن عبد المطلب لم يكن كافراً ولا مشركاً، بل كان مؤمناً على دين الحنيفية.

١٢٢
وقد صرح المسعودي في بعض كتبه أيضاً بأنه قد مات مسلماً(١٦٧)

فقول أبي طالب عليه السلام: بل على ملة عبد المطلب، قد جاء على سبيل التورية، حيث إنه بذلك يكون قد أثبت إيمانه، وأقر به من جهة. ثم يكون قد عمىّ الأمر على فراعنة قريش، لمصالح يراها، لا بد له من ملاحظتها في تلك الفترة، من جهة أخرى.

٥ ـ {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}:

ويقولون: إن الله تعالى قد أنزل في أبي طالب عليه السلام: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء}(١٦٨) حيث ادَّعى الزجاج إجماع المسلمين على نزول هذه الآية في أبي طالب عليه السلام(١٦٩)

ونقول في الجواب:

أولاً: قد تقدم: النهي عن موادة من حاد الله، وعن اتخاذ الكافرين أولياء.

ثانياً: قد تقدم: أن النبي صلى الله عليه وآله دعا الله، وتعامل مع الناس كلهم على قاعدة: أن لا يجعل لكافر ولا لمشرك نعمة عنده.

ثالثاً: إن آية: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}، يقال: إنها نزلت يوم

١٢٣
أحد، حينما كسرت رباعيته، وشج وجهه صلى الله عليه وآله، فقال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، فأنزل الله: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}.. إلخ(١٧٠)

وقيل: إنها نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل، الذي كان الرسول صلى الله عليه وآله يرغب في إسلامه، بل لقد ادعي الإجماع على ذلك(١٧١)

رابعاً: إذا كان النبي صلى الله عليه وآله يحب إيمان أبي طالب عليه السلام، فالله يحب ذلك أيضاً، لأن الرسول لا يحب إلا ما أحب الله.

وقولهم: كان صلى الله عليه وآله يكره إيمان وحشي، ثم آمن، لا يصح، لأنهما لو لم يتوافقا فإنه يدخل في دائرة التضاد بين الرسول وبين مرسله، لأن الرسول صلى الله عليه وآله يكره إيمان شخص ومرسله يحب إيمان ذلك الشخص نفسه.. وإذا توافقا، بأن كان الله ورسوله يكرهان إيمان ذلك الشخص، فإن السؤال هو: كيف يمكن أن يكره الله

١٢٤
ورسوله إيمان أحد(١٧٢)

خامساً: إن قوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} لا يمنع من إيمان أبي طالب عليه السلام، فإن الله قد شاء الهداية لأبي طالب عليه السلام أيضاً كما دلت عليه النصوص.

والآية إنما تريد تعليم النبي صلى الله عليه وآله: أن محبته لهداية شخص غير كافية. بل لا بد معها من مشيئة الله سبحانه.

وأما دعوى إجماع المسلمين على نزول هذه الآية في أبي طالب عليه السلام، فيكذبها: أن الأئمة عليهم السلام وشيعتهم، وأكثر الزيدية، وكثير من علماء السنة يثبتون إيمان أبي طالب عليه السلام، وتآليفهم في هذا الصدد كثيرة وشهيرة..

٦ ـ {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}:

زعموا: أن قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}(١٧٣) قد نزلت في أبي طالب عليه السلام..

ونقول:

إن سياق الآيات قبلها وبعدها يعطي أن الآية إنما نزلت في اليهود.. وهذا كاف في رد هذه المزعمة.

١٢٥
وقد قال النقدي في كتابه مواهب الواهب في فضائل أبي طالب: وأما ما قيل من أن قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} نزلت في أبي طالب فقد قال ابن دحلان: هو ضعيف جداً كالقول بأنها نزلت في أبوي النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فإن ذلك ضعيف أيضاً. بل قيل: إن ذلك باطل لا أصل له والآية إنما نزلت في اليهود.

قال أبو حيان في البحر: وسوابق الآيات ولواحقها تدل على ذلك.. الخ(١٧٤)

٧ ـ الذي ينجي من الوسوسة:

زعموا: أن الرسول صلى الله عليه وآله قال لأبي بكر، حول ما ينجي من الوسوسة: «ينجيكم من ذلك : أن تقولوا مثل الذي أمرت به عمي عند الموت؛ فلم يفعل.

يعني شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله»(١٧٥)

وفي رواية عن عمر: إن كلمة التقوى التي ألاص عليها نبي الله عمه أبا طالب عند الموت: شهادة إلخ(١٧٦)

١٢٦
ونقول:

إنه فضلاً عن سقوط الرواية من ناحية السند. نلاحظ:

أولاً: إن من الواضح: أن الذين يسألونه صلى الله عليه وآله عما ينجي من الوسوسة كانوا يقولون تلك الكلمة، ويشهدون الشهادتين، ولكنهم كانوا ـ مع ذلك ـ مبتلين بالوسوسة، فكيف يأمرهم صلى الله عليه وآله بقولها للنجاة من ذلك؟!.

إلا أن يقال: إن المراد هو: كثرة التلفظ بها وتكرارها.

غير أننا نقول: إن إرادة هذا المعنى بعيدة عن مساق الرواية، فإن ما طلبه من أبي طالب ـ لو صحت الرواية ـ هو مجرد التلفظ بالشهادتين..

ثانياً: إن نفس هذه الرواية مروية بسند صحيح، وتفيد: أن الخلاف كان بين سعد وعثمان، وأن الذي حكم بينهما هو عمر بن الخطاب، وذكر: دعوة ذي النون: {لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّيِ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}. ولم يذكر أبا طالب عليه السلام(١٧٧)

أبو بكر حين أسلم أبوه:

وزعموا أيضاً: أنه لما مد أبو قحافة يده ليسلم، بكى أبو بكر، فقال له صلى الله عليه وآله: ما يبكيك؟!

١٢٧
قال: لأن تكون يد عمك مكان يده، ويسلم، ويقر الله به عينك أحب إلي من أن يكون(١٧٨)

ونقول:

أولاً: قد تقدمت هذه الرواية بنحو يدل على إيمان أبي طالب عليه السلام عن عدد من المصادر، فلا نعيد.

وتلك الرواية هي التي تنسجم مع هذا الحشد الهائل من دلائل إيمانه صلوات الله وسلامه عليه.

ثانياً: قد جاء أنه لما أسلم أبو قحافة لم يعلم أبو بكر بإسلامه، حتى بشره النبي صلى الله عليه وآله بذلك(١٧٩) فكيف يكون أبو بكر قد قال ذلك حين مد أبو قحافة يده؟!.

ابو طالب عليه السلام الشيخ المهتدي:

وزعموا أيضاً: أنه لما توفي أبو طالب، جاء علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله، وقال له: إن عمك الشيخ الضال قد توفي.

بل في رواية: أن الإمام علياً عليه السلام رفض ما أمره به النبي

١٢٨
صلى الله عليه وآله من تغسيله، ودفنه، فأمر أن يتولى ذلك غيره(١٨٠)

ونقول:

أولاً: قد روى أحمد في مسنده هذه الرواية، وفيها: إن عمك الشيخ قد توفي، من دون ذكر كلمة «الضال»(١٨١)

ثانياً: إن نفس أن يخاطب علي عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الطريقة: «إن عمك الشيخ الضال.. الخ..» لهو أمر لا ينسجم مع أدب الخطاب مع الرسول، في الوقت الذي كان يمكن له يقول: إن أبي الشيخ الضال قد توفي. ولا يمكن أن يحتمل أحد أن يصدر من علي عليه السلام ما ينافي الآداب مع رسول الله صلى الله عليه وآله أو مع غيره.

ثالثاً: لو لم يكن مؤمناً فلماذا يأمره بتغسيله؟. فهل يغسل الكافر؟!

رابعاً: كيف يتناسب هذا مع كونه صلى الله عليه وآله قد حزن، وترحم عليه، ودعا له، وعارض جنازته، ومشى فيها، وغير ذلك مما تقدم، مع أنهم يروون: أنه لا يجوز المشي في جنازة المشرك؟!(١٨٢)

١٢٩
خامساً: ماذا يصنع هؤلاء بما ورد في كثير من المصادر، من أن الإمام علياً عليه السلام هو الذي تولى تغسيل أبي طالب ودفنه، واغتسل بعد تغسيله إياه غسل المس الواجب على من مس أي ميت مسلم(١٨٣)

هل صلى أبو طالب عليه السلام؟:

قالوا: إنه لم ينقل عن أحد: أن أبا طالب عليه السلام قد صلى، وبالصلاة يمتاز المؤمن عن الكافر(١٨٤)

ونقول في الجواب:

أولاً: إنه لم ينقل أيضاً عن كثير من الصحابة أنهم قد صلوا..

فهل يمكن الحكم عليهم بأنهم لم يسلموا؟! فإن عدم نقل ذلك لا يعني عدم حدوثه.

ثانياً: إنه إذا كان مثل أبي طالب عليه السلام كمثل مؤمن آل فرعون، الذي كان يكتم إيمانه، فعلينا أن لا نتوقع مجاهرة أبي طالب عليه السلام بالصلاة، أو بغيرها من الشعائر الدينية أمام الملأ، فإن ذلك لا يتلاءم مع كتمان الإيمان.

أبو طالب عليه السلام خير الأخيار:

وزعموا: أن محمد بن عبد الله بن الحسن، قد كتب إلى المنصور يقول مفتخراً: أنا ابن خير الأخيار، وأنا ابن شر الأشرار.

١٣٠
وهذه الرسالة هي التي أوجبت توقف ابن أبي الحديد المعتزلي في إيمان أبي طالب عليه السلام، كما زعم في شرحه لنهج البلاغة(١٨٥)

ونقول:

أولاً: إن أبا طالب عليه السلام لم يكن شر الأشرار، إذ إنه عليه السلام لم يكن أشر من أبي لهب ولا من أبي جهل، ولا من ابن ملجم، ولا من الشمر، ولا.. ولا..

فهذا كذب صريح، هل يمكن صدوره من مدَِّعي المهدية.. الذي يطالب الناس بالبيعة له؟!

ثانياً: ما معنى أن يفتخر إنسان بأنه ابن شر الأشرار؟! فهل في هذا مفخرة لأحد؟

ثالثاً: إنه ليس في الرواية ما يدل على أن المقصود بهذا الكلام هو أبو طالب عليه السلام، إذ لعل المقصود به طلحة بن عبيد الله، الذي هو أبو أم إسحق، جدة محمد بن عبد الله بن الحسن، أو لعله يقصد زمعة بن الأسود، أو عبد العزى؟! أو غير هؤلاء من آبائه..

رابعاً: لماذا أخذ المعتزلي بشهادة محمد بن عبد الله بن الحسن، الذي قتل في أواسط القرن الثاني للهجرة، ولم يأخذ بشهادة الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام، في حق أبيه، وهو القائل: والذي بعث محمداً بالحق نبياً، إن أبي لو شفع في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله.

١٣١
بالإضافة إلى كثير من النصوص الأخرى التي سلفت عنه عليه السلام في حقه.

هذا فضلاً عن شهادات الإمام السجاد، والباقر، والصادق عليهم السلام.

ألم يكن عهد هؤلاء الأطهار عليهم السلام بأبي طالب عليه السلام أقرب من عهد محمد بن عبد الله بن الحسن؟!..

خطابيات وأرجاز المديني:

وبعد ما تقدم، فإنه إذا كان أبو طالب عليه السلام مسلماً مصدقاً؛ فلا يصغى لأرجاز وخطابيات أمثال المديني، التي لا توافق العقل والدين مهما حاول أن يتظاهر هو بالصلاح، أو أن يسطر التملقات الباردة، مثل أن يقول:

«وددت أن أبا طالب كان أسلم، فسر به رسول الله صلى الله عليه وآله، وأني كافر»(١٨٦)

١٣٢
١٣٣


الفصل السادس
مؤمن آل فرعون




١٣٤
١٣٥

سرية إيمان أبي طالب عليه السلام:

إننا إذا تتبعنا سير الدعوة، ومواقف أبي طالب عليه السلام فإننا نجد: أنه كان بادئ ذي بدء يكتم إيمانه، تماما كمؤمن آل فرعون، والظاهر أنه قد استمر يظهر ذلك تارة، ويخفيه أخرى إلى أن حصر الهاشميون في الشعب، فصار يكثر من إظهار ذلك وإعلانه.

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:

«إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الإيمان، وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين»(١٨٧)

وعن الشعبي، يرفعه، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:

كان والله أبو طالب بن عبد المطلب بن عبد مناف مؤمناً مسلماً، يكتم إيمانه؛ مخافة على بني هاشم أن تنابذها قريش.

١٣٦
وكذا عن ابن عباس(١٨٨)

وقد تقدم: أن محمد بن الحنفية حمل في حرب الجمل على رجل من أهل البصرة، قال: فلما غشيته قال: أنا على دين أبي طالب، فلما عرفت الذي أراد كففت عنه(١٨٩)

وثمة أحاديث أخرى عديدة بهذا المعنى لا مجال لذكرها(١٩٠)

لابد من كتمان الإيمان:

ونستطيع أن نقول: إن سرية إيمان أبي طالب عليه السلام كانت ضرورة لا بد منها؛ لأن الدعوة كانت بحاجة إلى شخصية اجتماعية قوية تدعمها، وتحافظ على قائدها، شرط أن لا تكون طرفاً في النزاع.

فتتكلم من مركز القوة لتتمكن الدعوة من الحركة، مع عدم مواجهة ضغط كبير يشل حركتها، ويحد من فاعليتها.

قال ابن كثير وغيره:

«إذ لو كان أسلم أبو طالب ـ ونحن نقول لابن كثير: إنه قد أسلم، ولكنه كتم إيمانه وإسلامه مدة؛ ـ لما كان له عند مشركي قريش وجاهة،

١٣٧
ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه، ولا اجترأوا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه»(١٩١)

مفارقات محيِّرة:

وكيف يحكمون لزيد بن عمرو بن نفيل ابن عم عمر بن الخطاب، ولولده سعيد بن زيد، ولورقة بن نوفل، وقس بن ساعدة، ولأبي سفيان الذي ما فتئ كهفاً للمنافقين، والذي ذكرنا لمحة عن تصريحاته ومواقفه في أواخر غزوة أحد، في كتابنا الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله.

نعم، كيف يحكمون لهؤلاء بالإسلام؟! بل يروون عنه صلى الله عليه وآله: أنه قال عن أمية بن أبي الصلت: ‘نه كاد أن يسلم في شعره(١٩٢)

ويقول الشافعي عن صفوان بن أمية: «وكان كأنه لا يشك في إسلامه»، لأنه حين سَمع يوم حنين قائلاً يقول: غلبت هوازن، وقُتل محمد، قال له:

«بفيك الحجر، فوالله، لرب قريش أحب إلي من رب هوازن».

نعم، كيف يحكمون لكل هؤلاء بالإسلام، أو بالاقتراب منه، وهم لم يدركوا الإسلام، أو أدركوه ولم يسلموا، أو أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر.

١٣٨
ثم يحكمون بالكفر على أبي طالب عليه السلام، الذي ما فتئ يؤكد ويصرح عشرات المرات، في أقواله وفي أفعاله، ويعلن بالشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه صلى الله عليه وآله بالنبوة والرسالة؟!.

ذنب أبي طالب عليه السلام الذي لا يغفر:

ولكننا رغم كل ذلك نقول:

إنه يؤخذ على أبي طالب عليه السلام شيء واحد، هو من أكبر الذنوب، وأعظم السيِّئات والعيوب، التي يستحق من يتلبس بها ـ شاء أم أبى ـ الحساب العسير، ولابد أن يحرم لأجلها من كل امتياز، ويسلب منه كل وسام.

وهذا الذنب العظيم والجسيم هو أنه كان أباً لذلك الرجل الذي تكرهه قريش، ويبغضه الحكام، ويشنؤه أهل الباطل.. وكانوا وما زالوا يتمنون له كل سوء، وكل ما يسوء. وقد قطعوا رحمه، وجهدوا للحط من شأنه، وصغَّروا عظيم منزلته، لا لشيء، سوى أنه كان قد قتل آباءهم وإخوانهم على الشرك والكفر، وهو يدافع عن دين الله سبحانه، ويجاهد في سبيل الله، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله.

وهذا الرجل هو ـ بصراحة ـ ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وزوج ابنته، وأبو سبطيه، وهو المسمى بـ «علي» أمير البررة، وقاتل الكفرة الفجرة، الذي كان مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله، وكان الولي، والوصي صلوات الله وسلامه عليه وعلى أبيه، وعلى الأئمة الأطهار من بنيه.

١٣٩
فكان لابد ـ بنظرهم ـ من نسبة كل عظيمة إليه، وإلى أبيه أبي طالب عليه السلام، ووضع الأحاديث المكذوبة في حقهما، وتزوير تاريخهما، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.

فحفلت مجاميعهم الحديثية والتاريخية بألوان من الدجل والتزوير، وأفانين من الكذب والبهتان، والأفائك والأباطيل، حتى لقد نسبوا إلى أبي طالب عليه السلام الكفر ـ والعياذ بالله ـ ولو كان ثمة شيء أعظم من الكفر لنسبوه إليه، ووصموه به، كيداً منهم لعلي، وسعياً منهم للنيل من مقامه، وهو الذي كان ولا يزال الشوكة الجارحة في أعين الأمويين، والزبيريين، وجميع الحاقدين على الحق وأهله، فظهرت منهم أنواع من الافتراءات عليه، وعلى أخيه جعفر، وأبيه أبي طالب، وعلى كل شيعتهم ومحبيهم، والمدافعين عنهم.

وحين بدا لهم أن ذلك لا يشفي صدورهم شفعوه بنوع آخر من الكيد والتجني، حين سعوا إلى إطراء أعدائه، أعداء الله ورسوله، وأعداء الحق، فنسبوا فضائل أولياء الله إلى أعداء الله، حتى إنك لا تكاد تجد فضيلة ثبتت لعلي عليه السلام بسند صحيح عند مختلف الفرق الإسلامية، إلا ولها نظير في مخالفيه، ومناوئيه، والمعتدين عليه، ولكنها ـ في الأكثر ولله الحمد ـ قد جاءت بأسانيد ضعيفة وموهونة، حتى عند واضعيها..

هذا، ويلاحظ: أن هذه الأفائك الظالمة في حق أبي طالب عليه السلام قد ظهرت بعد عشرات السنين من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، الذي كان المدافع الأول عن أبي طالب رضوان الله تعالى عليه، كما يظهر

١٤٠