×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ظلامة أبي طالب / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

من كثير من المواقف له صلى الله عليه وآله، حدثنا عنها التاريخ، وحفظتها لنا كتب الحديث والرواية. رغم ما بذله الحاقدون من جهود لطمسها، وطمس سواها من الحقائق الناصعة، والشواهد والبراهين الساطعة.

ولو أن أبا طالب رحمه الله، كان أباً لمعاوية مثلاً، أو لمروان، أو لأي من الذين تصدوا للحكم من المناوئين والمنحرفين عن أهل البيت عليهم السلام، وعن خطهم ومنهجهم، لرأيت ثم رأيت من آيات الثناء عليه، ما يتلى آناء الليل، وأطراف النهار، ولوجدت الأوسمة تلاحقه، وتنهال عليه من كل حدب وصوب، وبلا كتاب ولا حساب. ولألفيت الذين ينبزونه بتلكم الأكاذيب والأباطيل، ويرمونه بالبهتان، هم أنفسهم حملة رايات التعظيم والتبجيل، والتكبير والتهليل له رحمه الله.

ولوجدت من الأحاديث في فضائله ومناقبه وما له من كرامات، وشفاعات إن دنيا، وإن آخرة، ما يفوق حد الحصر، وما يزيد ويتضاعف باطراد في كل عصر ومصر..

ولربما تجد من يدَّعي: أن أبا طالب عليه السلام قد آمن بالنبي حتى قبل أن يبعث صلى الله عليه وآله ـ كما ادَّعوه لبعض من يوالونهم ويحبونهم!!

ولعل بعضهم يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقول فيه، كما قالوه في بعض أسلافهم: لو لم أبعث فيكم لبعث فلان!! أو ما شاكل ذلك.

هذا إن لم يدَّعوا له مقام النبوة، أو ما هو أعظم من ذلك كما ادَّعوا ذلك ليزيد لعنه الله، قاتل الإمام الحسين عليه السلام، وهادم الكعبة..

١٤١
ولكننا نقول: إن أبا طالب عليه السلام قد كان محظوظاً جداً، حيث لم يكن قريباً لهؤلاء، ولا لمن يتولاه هؤلاء، فنجا من أن تنسب إليه فضائل مكذوبة، ومن أن يعطى أوسمة لا حقيقة لها، إذ يكفي هذا الرجل من الفضائل والأوسمة ما كان قد ناله عن جدارة واستحقاق، بجهاده، وبإخلاصه، وبعمله الصالح الذي نال به رضا الله سبحانه. وذلك هو الفضل العظيم، والحظ الأسعد، والمقام الأمجد.

مفارقات.. ذات دلالة:

والغريب في الأمر: أن من هؤلاء القوم، من يرى أن قاتل عمار بن ياسر من أهل الجنة، وأن ابن ملجم مجتهد في قتله الإمام علياً عليه السلام، ثم هم يدافعون عن يزيد بن معاوية لعنه الله، ويعتبرونه من أهل الجنة، بل ادَّعى له بعضهم النبوة قبحهم الله وإياه. كما أن البعض كابن عربي يرى: أن فرعون مؤمن، وأن عبدة العجل موحدون مؤمنون، إلى غير ذلك من ترهات وأباطيل، وأضاليل.

هذا عدا عن أنهم قالوا: إن حاتم الطائي يدخل النار لكنه لا يعذب بها لجوده، وأن كسرى لا يعذب لعدله، وأن أبا سفيان، أبا معاوية الذي يقول لعثمان حينما صارت إليه الخلافة:

قد صارت إليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، ولا أدري ما جنة ولا نار(١٩٣) إن أبا سفيان هذا،

١٤٢
مؤمن تقي عادل، معصوم، وأبو طالب عليه السلام ـ أو فقل: أبو الإمام علي عليه السلام ـ كافر مشرك، وفي ضحضاح من نار، يبلغ كعبه، ويغلي منه دماغه!!

نعم.. ما عشت أراك الدهر عجباً!!.

حال أبي طالب عليه السلام حال رسول الله صلى الله عليه وآله:

وبعد.. فإن حال أبي طالب عليه السلام مع الأمويين وأشياعهم، ومن افترى عليه بغضاً منه بولده علي.. يشبه إلى حد كبير حال النبي صلى الله عليه وآله مع المشركين، الذين حكى القرآن حالهم بقوله:

{وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً}(١٩٤)

إن مبغضي أبي طالب يقولون: لن نقر بإيمان هذا الرجل، ولو تضافرت على ذلك كل الأدلة والشواهد، وحتى لو نص الله ورسوله عليه.

فبئس الخلف من الأمويين وأشياعهم، ومن الزبيريين وأتباعهم، ومن كل شانئ لعلي، ومصغر لشأنه، لِبئس السلف من طواغيت الجاهلية وعتاتها، ومن قتلة الأنبياء وفراعنة الأرض، وجبابرتها.

١٤٣

أبو لهب ونصرة النبي صلى الله عليه وآله:

ثم إننا نشير أيضاً هنا، إلى أنهم يذكرون: أنه بعد أن توفي أبو طالب عليه السلام أعلن أبو لهب استعداده لنصرة النبي صلى الله عليه وآله.

فاحتالت قريش، فأخبرته أنه يقول: إن أباك عبد المطلب في النار، فسأله عن ذلك، فأخبره بما طابق ما أخبروه به؛ فتخلى عن نصرته، وانقلب ليكون عدواً له ما عاش(١٩٥)

ونقول:

إننا لا نشك في كذب هذه القضية.

فأولاً: كيف لم يعلم أبو لهب طيلة عشر سنين من عدائه للنبي، ومحاربته له: أن هذا هو رأيه صلى الله عليه وآله ورأي الإسلام في كل من يموت مشركاً بالله تعالى؟! وعلى أي شيء كان يحاربه طيلة هذه المدة إذن؟!.

بل إن أبا لهب كان من أهم الشخصيات القوية التي كانت تدير حركة الصراع ضد الإسلام العظيم، ونبيه الكريم، فكيف يمكن أن يجهل حملة لواء الشرك هذا الأمر، ويعرفه غيرهم؟!

وثانياً: لماذا عاداه في حياة أبي طالب عليه السلام، ثم عاد إلى حمايته ونصرته بعد وفاته؟!.

١٤٤
كتاب ظلامة أبي طالب للسيد جعفر مرتضى العاملي (ص ١٤٥ - ص ١٦٨)
١٤٥


الفصل السابع
مع شيخ الأبطح في شعره




١٤٦
١٤٧

شعر أبي طالب عليه السلام:

ونختم حديثنا عن أبي طالب عليه السلام بمقاطع مما كنا قد كتبناه للتعريف، بديوان هذا الرجل المظلوم، المسمى بـ «الدرة الغراء في شعر سيد البطحاء» رأينا أنها ربما تكون مفيدة فيما نحن بصدد بيانه، حيث إننا بعد أن أشرنا إلى أن ثمة حساسية كبيرة لدى البعض تجاه الحديث حول هذا الرجل العظيم، ثم الحكم له أو عليه.

قلنا في تفسير هذه الحساسية ما يلي:

ترجع هذه الحساسية إلى مخلفات تاريخية، فرضتها عصبيات وأحقاد، وأهواء وميول، وتوجهات سياسية معينة، جعلت الكثيرين ينظرون إلى هذا الرجل الفذ، والمجاهد الصابر نظرة بغيضة، ومسمومة، وظالمة، من خلال الاستسلام لاتهامات زائفة، وجهت إليه رحمه الله، دون أن تملك المبررات الكافية والمعقولة في تاريخه عليه السلام، لا على أرض الواقع، من خلال السلوك والممارسة، ولا على مستوى الكلمة والشعار، في نطاق تسجيل الموقف.

فلا غرو ـ والحالة هذه ـ إذا قلنا: إننا حين نريد أن ننصف أبا طالب عليه السلام، وأي إنسان آخر، فإن علينا أن ندرسه من خلال حركته

١٤٨
وممارسته، واستناداً إلى مواقفه وشعاراته.

ومن هنا، فإنه يصبح من الضروري لنا: أن نستنطق تصريحاته، وأقواله، بما في ذلك أوامره ونواهيه، وتوجيهاته، وخطبه، وكذلك أشعاره التي أنشأها، مع الأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الأجواء والمناخات التي انطلق فيها، وسجل موقفاً تجاهها، سواء في القبول والتأييد، أم في الرد والتفنيد.

ولكن من الواضح: أن ذلك يحتاج إلى توفر تام، وجهد مستقل، نتركه لأهل الاختصاص، مكتفين بإلقاء نظرة عابرة تمكننا من التقاط بعض الملامح والمميزات، وتقديمها إلى القارئ الكريم، على أمل أن يسهم ذلك في بعث الرغبة، وإثارة الحنين لدى من يمتلك المؤهلات للقيام بدراسة مستوعبة لحياة هذا الرجل العظيم، والفذ، والمظلوم.

الشعر بدايةً ومنطلقاً:

ثم إننا لا نجازف إذا قلنا: إن الشعر العربي ـ وربما شعر كل الأمم ـ لم يكن في بداياته، وفي انطلاقته الأولى عبر الزمن، شيئاً غريباً، أو دخيلاً على حياة البشر. ولا كان شيئاً غامضاً، أو معقداً، تعبت العقول في نحته وصناعته، أو في صياغة قوانينه وضوابطه.

كما أنه لم يكن مرحلة حضارية فرضت مستوى الإبداع فيها وسائل توفرت، وقدرات تكاملت وتعاضدت، وفقاً لمعادلات علمية، أو فنية، احتاجت الأمم إلى أن تقطع شوطاً كبيراً في مجالات التقدم العلمي، أو الفني، لتتمكن من تحريرها، وتقريرها.

١٤٩
وإنما الشعر ـ خصوصاً حين يكون في بدايات انطلاقته لدى أي كان ـ هو التعبير الفطري الصافي، والساذج، والبريء عن مشاعر وأحاسيس تراود هذا الإنسان في الحالات المختلفة. وهو الاستجابة العفوية والطبيعية لها.

ولأجل ذلك نجده يبتعد عن أي تكلف، أو تعسف، أو انحراف، أو نفاق، أو عدوانية.

وهذا ما يفسر لنا ظاهرة: أن الإنسان إذا تكاملت إدراكاته، ونمى إحساسه، وتفاعلت مشاعره بصورة طبيعية وسليمة، فإنه ينطق بالشعر بصورة تلقائية وعفوية. وإن كان ربما يحتاج إلى بعض التهذيب والتدريب، تماماً كما يحتاج الطفل إلى ذلك حينما يريد أن يمارس المشي أو الكلام.

ويصبح بعد هذا، من الوضوح بمكان سرُّ ما نراه من التأثير السريع والقوي للشعر على العقول والنفوس، ولن نفاجأ بما نراه عبر التاريخ من آثار عميقة له على الفكر والمشاعر، حتى لقد أصبح بسبب ذلك ـ بالنسبة إلى الإنسان العربي ـ هو الوسيلة الإعلامية الفضلى، خصوصاً مع ما له من وقع موسيقي آسر، ونغم أخاذ.

ومن يستطيع أن ينكر تأثير الشعر على مجمل حالات هذا الإنسان، وعلى حركته، وسلوكه، وعلى قراراته ومواقفه؟ وهو يرى كيف أنه عبر التاريخ قد استطاع أن يجعل من الجبان الخانع شجاعاً مقداماً، ومن المحزون المهموم مسروراً مستبشراً، ومن المتردد المتشائم متفائلاً وحازماً!!

١٥٠
وكيف يستغرب من الإنسان العربي: أن يهتم بالشعر، وأن يحفظه ويتناقله، وأن يدونه ويحتفظ به. هذا فضلاً عن أن يقيم له الندوات، والتجمعات، والمواسم، والمراسم في طول البلاد وعرضها؟!

ويصبح من الطبيعي ـ والحالة هذه ـ أن يتبوأ الشاعر مكانة مرموقة في مجتمعه ومحيطه، حتى ليصبح وجه القبيلة، ولسانها، وهاديها، ورائدها، مادام أن بيتاً من الشعر قد يكون سبباً في عز قبيلة بأسرها، أو في ذلها على مر الأيام.

كما أنه قد يتسبب في إثارة حرب، أو في إخمادها، وفي إفساد وزعزعة ملكٍ، أو تقوية وترسيخ دعائمه. وقد يوصل إنساناً ما إلى أوج العزة والكرامة، أو يلقي به مذؤوماً مدحوراً في بؤر الذل والمهانة. ثم إنه قد يمنحه النعيم المقيم والرخاء، أو يسلمه إلى براثن البلاء والشقاء.

هذا من ناحية.

ومن الناحية الأخرى، فقد يتمكن الشعر من قلب الحقائق وتشويهها، ومن الإخلال بالموازين الإنسانية والأخلاقية وتمويهها، ليصبح قادراً والحالة هذه على تبرير حالات الانهزام والتراجع، والسقوط والخنوع في كثير من الأحيان.

وهذا النموذج الأخير هو الشعر المأجور والزائف، الذي يتخذه الحكام وسيلة لمآربهم، والفاشلون الأغبياء ذريعة لتغطية فشلهم.

ولسنا بصدد الحديث عن هؤلاء الآن.

١٥١

ديوان أبي طالب عليه السلام:

وإذ قد ذكرنا هذه اللمحة الخاطفة عن الشعر، ولاسيما العربي منه، فقد حان الوقت لنلقي نظرة على ديوان أبي طالب رحمه الله، الذي تجمعت فيه طائفة من شعر هذا الرجل المجاهد والصابر، لنجد: أن شعره رحمه الله، كما أنه قد جاء أقوى وأقطع من السيف، فإنه أيضاً قد جاء أصفى وأرق من النسيم، وأروع وأعذب من الحياة في جنات النعيم.

وكما هو شعر العقل والحكمة، والوجدان والضمير، فإنه أيضاً شعر العاطفة، والمشاعر الصادقة، ثم هو شعر النضال والجهاد، وشعر الكرامة والشهامة، سواء في ذلك جاهليّه وإسلاميّه.

وإنك لتلمس فيه بعمق كل خلوص وصفاء، وكل نبل وطهر، بكل ما لهذه الكلمات من عمق في المدلول، ومن أفق رحب في المدى الأرحب.

وعدا ذلك كله، فإنه كان شعر الموقف في إطار المناسبة، كما كان شعر المناسبة في نطاق ترسيخ الموقف، حيث كان الصخرة الصلبة، التي تحطمت عليها أطماع وأهواء الطواغيت والجبارين، كبروا، أو صغروا، مادام أن كثيراً من هؤلاء الصغار يحملون في داخلهم روح العنجهية والطغيان، وجنون العظمة والجبروت.

وقد أعز الله بشعر أبي طالب عليه السلام دينه، وحمى به وليه، وأذل به الكفر والنفاق، وكبت به الكافرين والمنافقين.

لأنه في نفس الوقت الذي كان فيه شعر التحمل والصبر في مواجهة كافة الضغوط الخانقة، فقد كان شعر الصمود والتصدي لكل التحديات،

١٥٢
مهما كبرت، وللأعاصير الهوجاء مهما زمجرت وعصفت.

ثم كان شعر الفكر والوعي، والتوجيه والهداية، والدعوة الخالصة والمخلصة إلى الله سبحانه، وإلى دينه القويم، وصراطه المستقيم.

إلى جانب ذلك كله، نجد أنه الشعر السهل الممتنع، والبليغ والقوي، ليس فيه صلف، ولا سرف، ولا نكارة، ولا وحشية.

كما أنك لا تجد فيه أي نوع من أنواع المجون والتبذل، أو الاستجداء أو الاستخذاء، أو الانهزام والتنصل.

ولا تستطيع أن تلمح فيه أيضاً أي لون من ألوان التكلف، أو الركاكة، أو التعسف، فهو متماسك متناسق، فيه جزالة وصفاء، وصدق ووفاء، وبذل وعطاء، لا تشك في أنه نابع من وجدان منصف، وضمير حي، ترفده مشاعر الطهر والصدق والإخلاص، ويفيض من معين البطولة والرجولة، والشهامة والتحدي.

نعم.. إنك تلمس كل ذلك بسهولة ويسر، في شعر أبي طالب عليه السلام، مؤمن قريش، والرجل المظلوم، والمظلوم حقاً، الذي تصدى وتحدى الطواغيت والجبارين بإيمانه، وجاهد في سبيل الله بنفسه، وولده، وبماله، وبيده ولسانه، فرغمت بجهاده هذا أنوف، وذلّت معاطس، ضج بها حسد بغيض، وحقد كامن، وجرح لا يداوى.

الرجل الفذ:

وخلاصة الأمر: أننا حينما نقرأ شعر أبي طالب عليه السلام، فإنما نقرأ فيه أبا طالب نفسه عليه السلام، ونتعرف على خصائصه وسجاياه،

١٥٣
وعلى همومه وقضاياه، وننطلق في آفاقه الرحبة، لنتلمس فيها عمق إيمانه، وحرارة وصدق مشاعره، وصفاء روحه، ونعيش آلامه وآماله، ونشاركه أفراحه وأتراحه، ونقف على طبيعة مشاكله التي واجهها، وقضاياه التي عاشها، وعاش لأجلها، وكافح وناضل وجاهد في سبيلها.

وبقراءتنا لشعر أبي طالب عليه السلام، فإننا نقف على شاطئ زاخر بالعاطفة الصادقة، ونستشرف به بحراً، تحرك أمواجه الهادرة روح طهور، ووجدان واع، وضمير حي، هذا إلى شجاعة نادرة، وإباء حازم، وتصميم لا يلين، ولا يساوم، بل يتحدى ويقاوم.

ونقرأ في شعره رحمه الله تعالى، معاناة القضية، ونبل الغاية، وهدى الرسالة.

ونقرأ فيه الإنسان وهو يعيش إنسانيته ويرعاها، والرسالي الذي يؤمن برسالته، ويحفظ لها قداستها.

لم يستأكل بشعره، ولا اعتدى به على أحد، ولا طلب به مالاً، ولا جاهاً، ولا ابتغى به شيئاً من حطام الدنيا. بل قدم نفسه، وشعره وجاهه، وماله، وولده، وكل غال ونفيس، والدنيا بأسرها قرابين في خط الجهاد في سبيل الله سبحانه، ومن أجل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن المستضعفين من عباده.

ونقرأ في شعر أبي طالب عليه السلام تاريخاً حياً، يحدثنا عن كثير من اهتماماته قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله، ثم نقرأ فيه الكثير مما يتعلق بحقبة زمنية بالغة الحساسية، وهي حقبة ما بعد البعثة، فنجده

١٥٤
يرسم لنا الكثير من معالمها بكل أمانة ودقة، وبكل وعي، وصدق وصراحة.

فهو يحدثنا في كل ذلك عن الأفراح والأتراح، وعن المآثر والمفاخر، وعن الآلام والهموم والأحزان، وعن الخصائص والمزايا، وعن الهموم والمتاعب، وعن الأهداف والطموحات، وعن المواقف النبيلة، وعن الفكر والوعي، وعن العواطف والمشاعر.

إلى غير ذلك من شؤون وقضايا، حفلت بها تلك الحقبة الزمنية الحساسة جداً من عمر الإسلام والإيمان، مما لا غنى لمن يريد أن يدرس تاريخ الإسلام في أول انطلاقة دعوته عن الإلمام به، ومعرفته بعمق ووعي، وبصدق وأمانة.

نعم.. هذا هو شعر أبي طالب عليه السلام، أو فقل: هذا هو أبو طالب عليه السلام في شعره.

وختاماً نقول:

رحم الله أبا طالب عليه السلام، وحشره مع من كان يتولاه، محمد وآله، صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين.

تم إعداد هذا الكتاب في أواخر شهر رمضان المبارك سنة ١٤٢٤ هـ. ق.


عيتا الجبل (عيتا الزط سابقاً) ـ جبل عامل ـ لبنان
جعفر مرتضى العاملي
١٥٥
١٥٦
١٥٧

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

ـ أ ـ

١ ـ أبو طالب حامي الرسول، لنجم الدين العسكري مطبعة الآداب النجف الأشرف.

٢ ـ أبو طالب مؤمن قريش، لعبد الله الخنيزي، ط سنة ١٣٩٨هـ

٣ ـ الإتقان، للسيوطي، ط سنة ١٩٧٣م، المكتبة الثقافية، بيروت، لبنان.

٤ ـ إثبات الوصية، للمسعودي، ط النجف الأشرف، العراق، ثم منشورات مكتبة بصيرتي، قم، إيران.

٥ ـ الإحتجاج للطبرسي، ط سنة ١٤١٣ هـ ق. قم المقدسة إيران. وط سنة ١٣٩٠ هـ . ق. المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، العراق.

٦ ـ إختيار معرفة الرجال، المعروف برجال الكشي، ط جامعة مشهد، سنة ١٣٤٨ هـ ش، إيران.

٧ ـ الأذكياء، لابن الجوزي، ط سنة ١٣٨٩هـ ، النجف الأشرف، العراق.

٨ ـ إرشاد الساري، للقسطلاني، ط سنة ١٣٠٤هـ ، نشر دار صادر، بيروت، لبنان.

٩ ـ أسد الغابة، لابن الأثير الجزري، ط سنة ١٣٨٠ هـ . وط مؤسسة إسماعيليان وطبعة أخرى.

١٠ ـ أسنى المطالب، للجزري، مطابع نقش جهان، إيران.

١٥٨
١١ ـ الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، ط مصر سنة ١٣٢٨ هـ .

١٢ ـ الإعتقادات، للصدوق، المطبعة العلمية قم سنة ١٤١٢ هـ.

١٣ ـ إعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، العراق، ط سنة ١٣٩٠ هـ.

١٤ ـ الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ط ساسي، وط دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

١٥ ـ الأمالي للشيخ المفيد، منشورات جماعة المدرسين، قم، إيران.

١٦ ـ الأمالي للشيخ الطوسي، ط مؤسسة البعثة، وط النجف الأشرف، العراق.

١٧ ـ الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري، ط مصر سنة ١٣٨٨ هـ. ق.

١٨ ـ أنساب الأشراف، للبلاذري، بتحقيق المحمودي، ط سنة ١٣٩٤هـ ، بيروت، لبنان.

١٩ ـ الأوائل، لأبي هلال العسكري، ط سنة ١٩٧٥م.، دمشق، سوريا.

٢٠ ـ أوائل المقالات، للشيخ المفيد، منشورات مكتبة الداوري، قم، إيران.

٢١ ـ إيمان أبي طالب، للمفيد تحقيق مؤسسة البعثة.

ـ ب ـ

٢٢ ـ بحار الأنوار، للعلامة المجلسي، ط بيروت مؤسسة الوفاء، لبنان.

٢٣ ـ البدء والتاريخ للمقدسي ط سنة ١٩٨٨م.

٢٤ ـ البداية والنهاية، لابن كثير، ط سنة ١٩٦٦م مكتبة المعارف، بيروت، لبنان وط دار إحياء التراث، بيروت، لبنان.

٢٥ ـ البرهان في تفسير القرآن للبحراني ط آفتاب، طهران، إيران، والمطبعة

١٥٩
العلمية سنة ١٣٩٣، إيران.

٢٦ ـ بشارة المصطفى، لمحمد بن قاسم الطبري، ط مؤسسة النشر الإسلامي، قم، إيران.

٢٧ ـ بنات النبي أم ربائبه، لجعفر مرتضى العاملي، ط المركز الإسلامي للدراسات سنة ١٤٢٣ هـ .

٢٨ ـ بهجة المحافل، للعامري، نشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، الحجاز.

ـ ت ـ

٢٩ ـ تاريخ ابن خلدون، أو العبر وديوان المبتدأ والخبر، ط مؤسسة الأعلمي سنة ١٣٩١هـ ، بيروت، لبنان.

٣٠ ـ تاريخ أبي الفداء، أو المختصر في أخبار البشر، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

٣١ ـ تاريخ الإسلام للذهبي، مطبعة المديني القاهرة، وقسم المغازي، ط دار الكتاب العربي بالقاهرة، ودار الكتاب اللبناني، بيروت، سنة ١٤٠٥هـ

٣٢ ـ تاريخ الأمم والملوك، لابن جرير الطبري، ط دار المعارف، مصر، وط الإستقامة، وطبعات أخرى.

٣٣ ـ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.

٣٤ ـ تاريخ الخميس، للديار بكري، ط مصر سنة ١٣٨٣هـ . ق.

٣٥ ـ تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر، ط دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.

٣٦ ـ تاريخ اليعقوبي، لابن واضح اليعقوبي، ط دار صادر، بيروت، لبنان، وط النجف الأشرف، العراق.

٣٧ ـ تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ط سنة ١٣٨٣هـ النجف الأشرف، العراق.

١٦٠