×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العبّاس (عليه السلام) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وإذا وضع له الطعام والشراب لا يتناول منه شيئاً إلاّ قال: " بسم اللّه الأحد "، وإذا فرغ من الطعام حمِد اللّه وأثنى عليه، وإن رصده في نومه شاهد النور يسطع من رأسه إلى عنان السماء(١).

وكان يوماً معه بذي المجاز، فعطش أبو طالب ولم يجد الماء، فجاء النّبي إلى صخرة هناك وركلها برجله، فنبع من تحتها الماء العذب(٢). وزاد على ذلك توفر الطعام القليل في بيته حتّى إنّه يكفي الجمع الكثير إذا تناول النّبي منه شيئاً(٣).

وهذا وحدّه كاف في الإِذعان بأن أبا طالب كان على يقين من نبوة ابن أخيه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).

أضف إلى ذلك قوله في خطبته لما أراد أن يزوّجه من خديجة: " وهو واللّه بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل "(٤).

وفي وصيته لقريش: " إنّي أوصيّكم بمحمّد خيراً، فإنّه الأمين في قريش، والصدّيق في العرب، وهو الجامع لكُلّ ما أوصاكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان "(٥).

ولمّا جاء العبّاس بن عبد المطلّب يخبره بتألّب قُريش على معاداة الرسول قال له: " إنّ أبي أخبرني أنّ الرسول على حقِّ، ولا

(١) انظر مناقب آل أبي طالب ١: ٣٦ ـ ٣٧، وعنه المجلسي في بحار الأنوار ١٥: ٢٣٥.

(٢) السيرة الحلبية ١: ١٩١.

(٣) المصدر السابق ١: ١٨٩.

(٤) السيرة الحلبية ١: ٢٢٦، إمتاع الاسماع للمقريزي ٦: ٢٩، تفسير البحر المحيط ٣: ١١٠.

(٥) السيرة الحلبية ٢: ٤٩، الغدير ٧: ٣٦٦. وقد ذكر المصادر الموردة للحديث.

٤١
يضرّه ما عليه قريش من معاداة له، وإنّ أبي كان يقرأ الكتب جميعاً، وقال: إنّ من صلّبي نبيّاً لوددت أنّي أدركته فآمنت به، فمن أدركه فليؤمن به "(١).

واستشهاده بكلمة أبيه القارئ للكتب، مع أنّه كان يقرؤها مثله، يدلّنا على تفنّنه في تنسيق القياس وإقامة البرهان على صحة النبوّة، وأنّ الواجب اعتناق شريعته الحقّة.

أمّا هو نفسه فعلى يقين من أنّ رسالة ابن أخيه خاتمة الرسل، وهو أفضل من تقدّمه قبل أن يشرق نور النبوّة على وجه البسيطة، ولم تجهل لديه صفات النّبي المبعوث.

وعلى هذا الأساس أخبر بعض أهلِّ العلم من الأحبار حينّما أسرّ إليه بأنّ ابن أخيه محمّد الروح الطيّبة، والنّبي المطهّر على لسان التوراة والانجيل، فاستكتمه أبو طالب الحديث كي لا يفشوا الخبر، ثمّ قال له: " إنّ أبي أخبرني أنّه النّبي المبعوث، وأمر أنّ أستر ذلك لئلا يغرى به الأعادي ".

ولو لم يكن معتقداً صدق الدعوة لما قال لأخيه حمزة لما أظهر الإسلام.


فصَبْر أبا يَعلى على دينِ أحمدوكُن مظهراً للدين وُفّقت صابراً

(١) الفتوح لابن أعثم الكوفي ٢: ٥٥٧، الغدير ٧: ٣٤٨. وقد ذكر المصادر الموردة للحديث ثمّ قال: " قال الأميني: أترى أنّ أبا طالب يروي ذلك عن أبيه مطمئناً به، وينشط رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا التنشيط لأوّل يومه، ويأمره بإرشاد أمره والإشادة بذكر اللّه، وهو مخبت بأنّه هو ذلك النّبي الموعود بلسان أبيه والكتب السالفة، ويتكهن بخضوع العرب له ; أتراه سلام اللّه عليه يأتي بهذه كلّها ثُمّ لا يؤمن به؟! إنّ هذا إلاّ اختلاق.

٤٢

وحطْ من أتى بالدين من عندِ ربِّهبصدق وحقّ لا تكن حمز كافراً
فقد سرّني إذ قلت إنّك مُؤمنفكنْ لرسولِ اللّهِ في اللّهِ ناصراً
ونادِ قُريشاً بالذي قَدْ أتيتهجهاراً وقُلّ ما كان أحمدَ ساحراً(١)

وقال راداً على قريش:


أَلَمْ تَعْلَموا أنّا وجدنا محمّداًنبيّاً كموسى خطَّ في أوّل الكتّب(٢)

وقال:


وأَمسى ابنُ عبدِ اللّهِ فينا مُصدّقاًعلى سخط من قَومنا غيرَ معتّب(٣)

وقال:


أمينٌ محبّ في العبادِ مسوّمبخاتمِ ربِّ قاهر للخواتمِ
يرى الناسَ بُرهاناً عليه وهيّبةوما جاهل في فعلهِ مثل عالمِ
نبيّ أتاه الوحي من عندِ ربِّهفمَن قال لا يقرع بها سنّ نادم(٤)

(١) مناقب آل أبي طالب ١: ٥٦، كنز الفوائد للكراجكي: ٧٩، الغدير ٧: ٣٥٧، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٤: ٧٦.

(٢) مناقب آل أبي طالب ١: ٥٧، كنز الفوائد للكراجكي: ٧٩، البداية والنهاية لابن كثير ٣: ١٠٨، السيرة النبوية لابن هشام ١: ٢٣٥.

(٣) مناقب آل أبي طالب ١: ٥٨، سيرة ابن إسحاق: ١٤٥، الدر النظيم للعاملي: ٢١٦.

(٤) كنز الفوائد للكراجكي: ٧٩، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٤: ٧٣.

٤٣
وممّا خاطب به النجاشي:


تَعْلم خيارُ الناسِ أنّ محمّداًوزيرٌ لموسى والمسيّح بن مريّم
أتى بالهدى مثَلَ الذي أتيَا بهِفكُلّ بأمر اللّه يهدّي ويَعصِمُ
وإنّكم تتلونه في كتابكمبِصدقِ حديث لا حديثَ المُترجم
فلا تجعلوا للّهِ نداً وأسلموافإنّ طريق الحقِّ ليس بمُظلِمِ

وقال:


اذهب بُنيّ فمَا عليكَ غَضاضَةاذهب وقرّ بذاك مِنك عيوناً
واللّه لن يَصلوا إليكَ بجمعهِمحتّى أُوسدَ في التّراب دفيناً
ودعوتني وعلمتُ أنّكَ ناصحيولقد صدقتَ وكُنتَ قَبلُ أميناً
وذكرتَ ديناً لا محالة أنّهمن خير أديانِ البريّة ديناً(١)

وبعد هذه المصارحة هل يخالج أحداً الريبُ في إيمان أبي طالب؟

(١) مناقب آل أبي طالب ١: ٣٠١، بحار الأنوار ٣٥: ٨٧، الغدير ٧: ٣٣٤، فتح الباري ٧: ١٤٨، تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي ١: ٤٣٥، الكشّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل للزمخشري ٢: ١٢، تفسير الثعلبي ٤: ١٤١، تفسير البغوي ٢: ٩١، زاد المسير لابن القيم ٢: ١٧، تاريخ الإسلام للذهبي ١: ١٥٠، البداية والنهاية لابن كثير ٣: ٥٦، السيرة الحلبية ١: ٤٦٢، وغيرها من المصادر الكثيرة التي نقلت هذا الشعر بتمامه أو بعض المقاطع منه.

٤٤
وهل يجوز على من يقول: " إنّا وجدنا محمّداً كموسى نبياً " إلاّ الاعتراف بنبوته والإقرار برسالته كالأنبياء المتقدّمين؟

وهل يكون إقرار بالنبوّة أبلغ من قوله: " فأمسى ابن عبد اللّه فينا مصدقاً "؟

وهل فرق بين أن يقول المسلم: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وبين أن يقول:


وإن كانَ أحمد قَدْ جاءَهمبصدق ولم يتهم بالكذبِّ(١)

أو يعترف الرجل بأنّ محمّداً كموسى وعيسى جاء بالهدى والرشاد مثل ما أتيا به ثُمّ يحكم عليه بالكفر؟!

وهل هناك جملة يعبّر بها عن الإسلام أصرح من قول المسلم:


وذكرت ديناً لا محالة أنّهمن خيرِ أديّان البريّة ديناً؟

كلاّ! ولو لم يعرف أبو طالب من ابن أخيه الصدق فيما أخبر به لما قال له بمحضر قريش ليريهم من فضله وهو به خبير وجنانه طامن: " يابن أخي اللّه أرسلك "؟

قال: " نعم ".

قال: " إنّ للأنبياء معجزة وخرق عادة فأرنا آية "؟

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " يا عم ادع تلك الشجرة وقل لها: يقول لك محمّد بن عبد اللّه: أقبلي بإذن اللّه "! فدعاها أبو طالب فأقبلت حتّى سجدت بين يديه، ثُمّ أمرها بالانصراف فانصرفت، فقال أبو

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٤: ٦٢، سيرة ابن إسحاق: ١٤٤.

٤٥
طالب: " أشهد أنّك صادق "، ثُمّ قال لابنه علي (عليه السلام): " يا بنيّ ألزمه "(١).

وقال يوماً لعلي: " ما هذا الذي أنت عليه "؟

قال: " يا أبة آمنت باللّه ورسوله، وصدّقت بما جاء به، ودخلت معه واتبعته ". فقال أبو طالب: " أما أنّه لا يدعك إلاّ إلى خير فالزمه "(٢).

وهل يجد الباحث بعد هذا كُلّه ملتحداً عن الجزم بأنّ شيخ الأبطح كان معتنقاً للدّين الحنيف، ويكافح طواغيت قريش حتّى بالإِتمام مع النّبي في صلابة، وإن أهمله فريق من المؤرّخين رعاية لمّا هم عليه من حبّ الوقيعة في أبي طالب ورميه بالقذائف، حنقاً على ولده (الإِمام) الذي لم يتسنّ لهم أي غميزة فيه، فتحاملوا على أُمّه وأبيه، إيذاءً له، واكثاراً لنظائر من يرومون إكباره وإجلاله ممّن سبق منهم الكفر، وحيث لم يسعهم الحظّ من كرامة النّبي أو الوصيّ عمدوا إلى أبويهما الكريمين فعزوا إليهما الطامات، وربما ستروا ما يؤثر عنهما من الفضائل إيثاراً لما يروقهم اثباته!!

ويشهد لذلك ما ذكره بعض الكتّاب عند ذكرى أسرى بدر فقال: " وكان من الأسرى عمِّ النّبي، وعقيل ابن عمه (أخو علي) "(٣).

(١) بحار الأنوار ٣٥: ١١٥، الغدير ٧: ٣٩٦.

(٢) مناقب آل أبي طالب ١: ٣٠١، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٣: ٢٠٠، تفسير الثعلبي ٥: ٨٥، تاريخ الطبري ٢: ٥٨، السيرة الحلبية ١: ٤٣٦، سبل الهدى والسلام للصالحي الشامي ٢: ٣٠١.

(٣) تاريخ الاُمّة العربية: ٨٤، مطبعة الحكومة، بغداد، ١٩٣٩م.

٤٦
فإنّه لو كان غرضه تعريف المأسور لكان في تعريف عقيل بأنّه ابن عمّ النّبي كفاية، كما اكتفى في تعريف العبّاس بأنّه عَمُّ النّبي، ولم يحتج أن يكتب بين قوسين (أخو علي)، وأنت تعرف المراد من ذكر هذه الكلمة بين قوسين، وإلى أيّ شيء يرمز بها الكاتب، ولكن فاته الغرض وهيهات الذي أراد ففشل.

ثُمّ جاء فريق آخر من المؤرّخين يحسبون حصر المصادر في ذوي الأغراض المستهدفة، وأنّ ما جاءوا به حقائق راهنة، فاقتصر على مرويّاتهم ممّا دبّ ودرّج، وفيها الخرافات وما أوحته إليهم الأهواء والنوايا السيئة، ومن هنا أُهملت حقائق ورويت أباطيل.

فعزوا إلى أبي طالب قوله: " إنّي لا أحبّ أن تعلوني أستي "!(١)

(١) مسند أحمد ١: ٩٩، مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ١٠٢ وقال: " رواه أحمد وأبو يعلى باختصار، والبزار والطبراني في الأوسط وإسناده حسن "، مسند أبي داود الطيالسي: ٢٦، السيرة الحلبية ١: ٤٣٦.

والجدير بالذكر أنّ الحديث ورد عن طريق يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن حبّة العرني، عن علي وعليه فالكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في سند الحديث والثاني: في متن الحديث.

أمّا سند الحديث فلا يحتاج إلى كثير مؤونة ; لأنّ يحيى بن سلمة بن كهيل ضعيف، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٤: ٣٨١/٩٥٢٧: " يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه:

قال أبو حاتم وغيره: منكر الحديث.

وقال النسائي: متروك.

وقال عباس عن يحيى: ليس بشيء، لا يكتب حديثه.

وقال محمّد بن إبراهيم بن أبي العنس: أخبرني يحيى بن سلمة قال: كان سفيان الثوري يجيء إلى أبي وهو غلام عليه أقبية يسمع منه، فكان أبي يعيّرني به ويقول: أُنظر إلى هذا الغلام يجيء من بني ثور رغبة في الحديث، وأنت هاهنا لا ترغب فيه... ".

وارجع إلى غيره تجد ترجمته كما ذكرنا.

وأمّا الناحية الثانية المتعلقة بمتن الحديث، فنقول: إنّ صاحب السيرة الحلبية ١: ٤٣٦ قال بعد أن ذكر الحديث: " وهذا ـ كما لا يخفى ـ ينبغي أن يكون صدر منه قبل ما تقدّم من قوله لابنه جعفر: صل جناح ابن عمك، وصل على يساره، لما رأى النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي وعلي على يمينه.. ".

فاذن لا بدّ من تخطّي هذا الأمر وإثبات أنّ هذا القول صدر بعد ما أوصى جعفر بالصلاة مع النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنى له إثبات ذلك، مع ما عرفته من حال السند.

أضف إلى ذلك أنّه قال: " وذكر أنّ أبا طالب قال لعلي: أي بني ما هذا الذي أنت عليه؟

فقال: يا أبتِ آمنت باللّه ورسوله، وصدّقت ما جاء به، ودخلت معه واتبعته! فقال: إما إنّه لم يدعك إلاّ إلى خير فالزمه ".

وعليه فيكون الحديث المتقدّم باطلاً ; لأنّ المعروف خلافه.

يضاف إلى ذلك تناقض آخر ; إذ ذكروا أنّ أبا طالب مات مشركاً، لا لأجل هذه المقوله: " إنّي لا أحبّ أن تعلوني أُستي "، بل لأجل ما ذكروا من قول أبي طالب: " إنّي لا أعلم أنّ ما يقوله ابن أخي لحقّ، ولولا أنّي أخاف أن تعيّرني نساء قريش لاتبعته ".

فيكون عدم الاتباع لأجل هذا، لا ما تقدّم.

فاذن الحديث ضعيف سنداً، ومن الجهة الأخرى فيه مشاكل مقنية تأبى قبوله أو التصديق به، فيكون من مختلقات العثمانيين.

٤٧
ثُمّ رووا عنه أنّه قال لرسول اللّه: " ما هذا الدّين "؟

قال رسول اللّه: " دين اللّه، ودين ملائكته ورسله، ودين أبينا إبراهيم، بعثني اللّه به إلى العباد، وأنت أحقّ من دعوته إلى الهدى وأحقّ من أجابني ".

فقال أبو طالب: " إنّي لا استطيع أن أُفارق ديني ودين آبائي، واللّه لا يخلص إليك من قريش شيء تكرهه ما حييت "(١).

(١) تاريخ الطبري ٢: ٥٨، الكامل في التاريخ ٢: ٥٨.

٤٨
فحسبوا من هذا الكلام أنّ أبا طالب ممّن يعبد الأوثان، كيف! وهو على التوحيد أدلّ!

وجوابه: هذا من أنفس التورية وأبلغ المحاورة، فإنّ مراده من قوله لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عقيب قوله: " أنت أحق من دعوته ": " إنّي لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي " الاعتراف بإيمانه، وأنّه باق على الملّة البيضاء، وحنيفية إبراهيم الخليل الذي هو دين الحقّ والهدى، وهو دينه ودين آبائه، ثُمّ زاد أبو طالب في تطمين النّبي بالمدافعة عنه مهما كان باقياً في الدنيا.

نعم، من لا خبرة له بأساليب الكلام وخواصّ التورية يحسب أنّ أبا طالب أراد بقوله: " إنّي لا أُفارق ديني... إلى آخره " الخضوع للأصنام، فصفق طرباً، واختال مرحاً.

وجاء الآخر يعتذر عنه بأنّه كان يراعي بقوله هذا الموافقة لقريش، ليتمكّن من كلائة النّبي وتمشية دعوته.

نحن لا ننكر أنّ شيخ الأبطح كان يلاحظ شيئاً من ذلك ويروقه مداراة القوم في ما يمسّ بكرامة الرسول للحصول على غايته الثمينة، لكنّا لا نصافقهم في كلّ ما يقولون: من انسلاله عن الدّين الحنيف إنسلالاً باتاً، فإنّه خلاف الثابت من سيرته حتّى عند رواة تلكم المخزيات، ومهملي الحقائق الناصعة، حذراً عمّا لا يلائم خطتهم، فلقد كان يراغم أُولئك الطواغيت بما هو أعظم من التظاهر بالإيمان والائتمام بالصلاة مع النّبي.

وإنّ شعره الطافح بذكر النبوّة والتصديق بها سرت به الركبان، وكذلك أعماله الناجعة حول دعوة الرسالة:

٤٩

ولولاَ أبُو طَالب وابنِهِلمّا مَثُلَ الّدِين شَخصاً فَقامَا
فَذاكَ بِمَكةَ آوى وحَامَاوهذا بيثرِبَ جَسّ الحِمامَا
تَكفّل عَبدُ مُناف بِأمروأَودىَ فَكَان عليٌ تَمامَا
فللِّه ذا فَاتِحُ للهُدَىوللّه ذا للمَعالِي خِتامَا
وما ضَِرّ مَجدُ أبي طَالبعَدو لغا أو جَهول تعامى(١)

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٤: ٨٤، قال ابن أبي الحديد المعتزلي: " وصنّف بعض الطالبيين في هذا العصر كتاباً في إسلام أبي طالب وبعثه إليّ، وسألني أن أكتب عليه بخطي نظماً أو نثراً، أشهد فيه بصحة ذلك وبوثاقة الأدلّة عليه، فتحرّجت أن أحكم بذلك حكماً قاطعاً، لمّا عندي من التوقّف فيه، ولم استجز أن أقعد عن تعظيم أبي طالب، فإنّي أعلم أنّه لولاه لما قامت للإسلام دعامة، وأعلم أنّ حقّه واجب على كلّ مسلم في الدنيا إلى أن تقوم الساعة، فكتبت على ظاهر المجلد: ولولا أبو طالب وابنه... ".

على أنا نقول: إن الأدلّة على إيمانه كثيرة، بينما الأدلّة المنقولة عن عدم إيمانه فيها ما هو مرفوض ; لأنّ في أسانيدها من كان يبغض علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كحديث الضحضاح من النار ; فإنّه رواية المغيّرة بن شعبة، وهو معلوم البغض والعداوة لأهل البيت (عليهم السلام) ولعلي (عليه السلام) بالخصوص، حيث كان يسبّه على المنابر، ويقيم خطباء على سبّه، فمثل هذا الشخص لا تحلّ عنه الرواية مطلقاً فضلاً عن روايته عن حال أهل البيت (عليهم السلام).

والخلاصة: إنّ أبا طالب مؤمن باللّه وبرسوله لعدة أدلّة لا مطعن لها، ولا تحتاج إلى تأويل وهي كالتالي:

١ ـ الأشعار الكثيرة التي أطلقها أبو طالب في حقّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والذي فيها الصريح بإيمانه وتصديقه برسالة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

٢ ـ إنّ فاطمة بنت أسد زوجة أبي طالب من المسلمات الأوليات وقد بقيت على نكاح أبي طالب، إلى أن مات، ولم يفرقها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أمر بتفريقهما.

٣ ـ بعض الأحاديث المنقولة عن أبي طالب والتي تدلّ على إسلامه.

٤ ـ محبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي طالب معلومة مشهورة، فهذا يدلّ على إيمانه لأنّ اللّه تعالى أمرّ ببغض المشركين والتبري منهم، فلو كان مشركاً لابغضه.

السنن الكبرى للبيهقي ٩: ١٣١، مجمع الزوائد للهيثمي ٦: ١٥٠ و١٥١ وقال عقيبه: " رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح "، و٩: ١٢٠ و١٢٣ و١٢٤ و٣٧١، مسند أبي داود الطيالسي: ٣٢٠، المصنّف للصنعاني ١١: ٢٢٨، ح٢٠٣٩٥، المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي ٧: ٤٩٦، ح ١٥ و٥٠٠، ح ٣٣ وح ٣٥ وح ٣٧ و٥٠٤، ح ٥٦ و٨: ٥٢٠، ح ٢ وح ٧ و٥٢٢، ح ١٠ وح ٢٢، مسند ابن راهويه ١: ٢٥٣، ح ٢١٩، مسند سعد بن أبي وقاص: ٥١، ح ١٩، كتاب السنّة لابن عاصم: ٥٩٤، ح ١٣٧٩ وح ١٣٨٠، السنن الكبرى للنسائي ٥: ٤٦، ح ٨١٤٩ و٨١٥١ و١٠٨، ح ٨٣٩٩ وح ٨٤٠٠ وح ٨٤٠١ وح ٨٤٠٢ وح ٨٤٠٣ وح ٨٤٠٤ وح ٨٤٠٥ وح ٨٤٠٦ وح ٨٤٠٧ وح ٨٤٠٨ وح ٨٤٠٩ و١٢٣، ح ٨٤٣٩ و١٤٥، ح ٨٥١١، و١٧٢، ح ٨٥٨٧ و١٧٨، ح ٨٦٠١ و١٧٩، ح ٨٦٠٢ و١٨٠، ح٨٦٠٣، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: ٤٩ و٥٠ و٥١ و٥٢ و٥٣ و٥٥ و٥٦ و٥٧ و٥٨ و٥٩ و٦٠ و٦١ و٦٢ و٨٢ و١١٦، صحيح ابن حبان ١٥: ٣٧٩ و٣٨٠ و٣٨٢، المعجم الأوسط للطبراني ١: ٢٣٩، و٦: ٥٩، المعجم الصغير للطبراني ٢: ١١، المعجم الكبير للطبراني ٦: ١٢٧ و٧: ١٣ و١٧ و٣٥ و٧٧، الاستيعاب لابن عبد البر ٢: ٧٨٧ و٣: ١٠٩٩، الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر: ١٩٨ و١٩٩ و٢٠٠، رياض الصالحين للنووي: ١٠٨ و١٤٥.

٥٠
وأمّا أمير المؤمنين فيخرس البليغ عن أن يأتي على صفاته، ويقف الكاتب متردّداً وما عساه أن يقول في من قال فيه أبوه أبو طالب، لمّا فزعت قريش إليه ليلة ولادة أمير المؤمنين إذا أبصروا عجائب لم يروها ولم يسمعوا بها:

" أيّها الناس سيظهر في هذه الليلة ولّي من أولياء اللّه، يكمّل فيه خصال الخيّر، ويتمّ به الوصيّين، وهو إمام المتقين، وناصّر الدّين، وقامع المشركين، وغيّظ المنافقين، وزيّن العابدين، ووصيّ رسول ربِّ العالمين، إمام هدىً، ونجم علا، ومصباح دجىً، ومبيد الشرك والشبهات، وهو نفسّ اليقيّن ".

٥١
كتاب العبّاس (عليه السلام) للسيّد عبد الرزّاق المقرّم (ص ٥٢ - ص ٦٨)

٥٢
وتضاربت فيها الأقوال، ولا يهمنا إطالة القول فيها:

١ ـ فإنّا لا نقول: إنّ أمير المؤمنين أوّل من آمن وإن كان هو أوّل من وافق الرسول على مبدأ الإسلام لمّا صدع بالأمر، ولكنّا نقول: متى " كفر " علي حتّى يؤمن!! وإنّما كان هو وصاحب الدعوة الإلهية عارفين بالدّين وتعاليمه، معتنقين له، منذ كيانهما في عالم الأنوار قبل خلق الخلق، غير أنّ ذلك العالم مبدأ الفيض الأقدس ووجودهما الخارجي مجراه، فمحمّد نبيّ وعلي وصيّ وآدم بين الماء والطين صلّى اللّه عليهم أجمعين.

٢ ـ على أنّ نبيّ الإسلام، وهو العارف بأحكامه، والذي خطّط لنّا التكاليف قبل إسلام ابن عمِّه، وأنجز له جميع ما وعده به من الإخوّة والوصاية والخلافة، يوم أجاب دعوته وآزره على هذا الأمرّ وقد أُحجم عنه عندما نزلت آية: { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ }(١).

(١) الشعراء: ٢١٤. وحديث الإنذار ورد في مصادر متعدّدة، وبأسانيد لابأس بها، فورد بلفظ: " إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوه " في: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٣: ٢١١، شواهد التنزيل للحسكاني ١: ٤٨٦، تفسير البغوي ٣: ٤٠٠، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٤٢: ٤٩، مناقب علي بن أبي طالب وما نزل من القرآن في علي لابن مردويه الاصفهاني: ٢٩٠، تاريخ الطبري ٢: ٦٣ ـ وقد حذفه في تفسير فقال في جامع البيان ١٩: ١٤٩: " فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي وكذا وكذا "!! وكذلك فعل ابن كثير في البداية والنهاية ٣: ٥٣ ـ، الكامل في التاريخ لابن الأثير ٢: ٦٣.

وبلفظ: " فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي.. " في: مسند أحمد ١: ١٥٩، مجمع الزوائد للهيثمي ٨: ٣٠٢ وقال: " رواه أحمد ورجاله ثقات "، السنن الكبرى للنسائي ٥: ١٢٦، خصائص أمير المؤمنين للنسائي: ٨٦، تفسير ابن كثير ٣: ٣٦٣، الطبقات الكبرى لابن سعد ١: ١٨٧، تهذيب الكمال المزي ٩: ١٤٧، أمتاع الاسماع للمقريزي ٥: ١٧٨.

٥٣
وهل ترى أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يومئذ يجد في شريعته عدم الجدوى بإسلام مثل علي (عليه السلام) لصغره، إلاّ أنّه حاباه، كلاّ وحاشا...!

وإنّما قابله بكلّ ترحيب، وخوّله ما لا يخوّل أحداً صحة إسلامه عنده، بحيث كان على أساس رصين، فاتخذه ردءاً، كمن اعتنق الدين عن قلب شاعر، ولبّ راجح، وعقلية ناضجة يغتنم بذلك محاماته ومرضاة أبيه في المستقبل:

وإذا أكبرنا النّبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كلّ مداهنة ومصانعة، فلا نجد مسرحاً في المقام لأيّ مقال إلاّ أن نقول: إنّ إسلام علي (عليه السلام)كان عن بصيرة وثبات مقبول عند اللّه ورسوله وكان ممدوحاً منهما عليه.

كما تمدّح بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) غير مرّة وهو أعرف الأُمّة بتعاليم الدّين بعد النّبي الكريم فقال: " أنا الصدّيق الأكبر، لا يقولها بعدي الاّ كاذب مفتر، صلّيت مع رسول اللّه قبل الناس بسبع سنين "(١).

(١) سنن ابن ماجه ١: ٤٤، وقال محقق السنن الشيخ محمّد عبد الباقي: " في الزوائد: إسناده صحيح. رواه الحاكم في المستدرك عن المنهال، وقال: صحيح على شرط الشيخين "، المستدرك للحاكم ٣: ١١٢، المصنف لابن أبي شيبة ٧: ٤٩٨، كتاب السنة لابن أبي عاصم: ٥٨٤، السنن الكبرى للنسائي خصائص أمير المؤمنين للنسائي: ٤٦، تفسير الثعلبي ٥: ٨٥.

ومن يقول بأن علياً أسلم صغيراً؟!

نرد عليه فنقول: قد رووا كما في صحيح مسلم ١: ١٣٣، وفتح الباري ١٠: ٣٥٤ أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما نزلت عليه (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) دعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قريشاً وقال: يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار..

يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإنّي لا أملك لكم من اللّه شيئاً.. " مع أن فاطمة سلام اللّه عليها كانت صغيرة، إذ هذه الآية في بدء الدعوة العلنية، وفاطمة سلام اللّه عليها لا يتجاوز عمرها ثمان سنين، ومع ذلك دعاها النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الإسلام وهي لم تكلف بعد، وتصحيح دعوتها بإعتبار كونها مميزة تفهم فلذلك خاطبها، فكذلك علي بن أبي طالب فاسلم وهو يعرف ما يقول فلذلك يصح إسلامه ويكون أوّل المسلمين، وإلاّ أن رفض ذلك، فيلزم سقوط رواية الصحاح حول فاطمة سلام اللّه عليها، إذ كيف يقبل مخاطبتها ودعوتها إلى الإسلام وهي صغيرة، ولا يقبل إسلام علي ابن أبي طالب لكونه صغيراً، فإنّ ذلك قسمة ضيزى.

ومن هذا تندفع جميع الإشكالات الموجودة على صغر إسلام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

٥٤
وقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): " أنت أوّل المؤمنين إيماناً واسلاماً "(١).

كما مدحته الصحابة بذلك، وهم أبصر من غيرهم يوم كانوا يغترفون من مستقى العلم ومنبع الدين.

وعلى هذا الأساس تظافر الثناء عليه من العلماء والمؤلّفين والشعراء وسائر طبقات الأُمّة بأنّه أوّل من أسلم، لكن هناك ضالع في سيره حسب شيئاً فخانته هاجسته وهوى إلى مدحره الباطل فقال: إنّ علياً أسلم وهو صغير!! يريد بذلك الحطّ من مقامه وليس هناك.

٣ ـ ولو تنازلنا عن جميع ذلك فمن أين علمنا أن اشتراط البلوغ في التكليف كان مشروعاً في أوّل البعثة، فلعلّه كبقية الأحكام التدريجية نزل به الوحي فيما بعد، ولقد حكى الخفاجي

(١) الأمالي للشيخ الصدوق: ٢٥.

٥٥
في شرح الشفا ج٣ ص١٢٥ في باب دعاء النّبي على صبي عن البرهان الحلبي والسبكي: أنّ اشتراط الأحكام بالبلوغ إنّما كان بعد واقعة أحد، وعن غيرهما أنّه بعد الهجرة، وفي السيرة الحلبية ج١ ص٣٠٤ أنّ الصبيان يومئذ مكلّفون وإنّما رفع القلم عن الصبي عام خيبر. وعن البيهقي أنّ الأحكام إنّما تعلّقت بالبلوغ في عام الخندق أو الحديبية وكانت قبل ذلك منوطة بالتمييز(١)(٢).

٤ ـ على أنَّا معاشر الإمامية نعتقد في أئمة الدّين بأنّهم

(١) هامش مصباح الفقاهة للسيد الخوئي ٢: ٥١١.

(٢) السيرة الحلبية ١: ٤٣٥ وقال عقيب هذا الكلام: " وقد ذكروا أنّ الزبير بن العوام أسلم وهو ابن ثمان سنين، وقيل: ابن خمس عشرة سنة، وقيل: ابن اثنتي عشرة شنة، وقيل: ابن ستة عشرة سنة.

وممّا يدل للأوّل ما جاء عن بعضهم كان علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص ولدوا في عام واحد..

وممّا يدلّ ـ أيضاً ـ ما جاء في كلام بعض آخر: أسلم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وهما ابنا ثمان سنين، وإجماعهم على أنّ علياً لم يكن يبلغ الحلم برد القول بأنّ عمره كان إذ ذاك عشر سنين، أي بناءً على أنّ سن إمكان الاحتلام تسع سنين كما تقول به أئمتنا.

ثمّ قال: أقول: قال بعض متأخري أصحابنا: وإنّما صحت عبادة الصبي المميز ولم يصح إسلامه ; لأنّ عبادته نفل والإسلام لا يتنفل به، وعلى هذا مع ما تقدّم يشكل ما في الامتاع.

وأمّا علي بن أبي طالب فلم يكن مشركاً باللّه أبداً ; لأنّه كان مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في كفالته، كأحد أولاده، يتبعه في جميع أُموره، فلم يحتج أن يدعي الإسلام، فيقال: أسلم.

ثُمّ رأيت في الحديث ما يدلّ لما في الامتاع وهو: ثلاثة ما كفروا باللّه قط: مؤمن آل ياسين، وعلي بن أبي طالب، وآسية إمرأة فرعون.

والذي في العرائس روي عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا باللّه طرفة عين: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار صاحب ياسين، وعلي بن أبي طالب ـ رضي اللّه تعالى عنهم ـ وهو أفضلهم.. ".

٥٦
حاملون أعباء الحجّة، متحلّون بحلّي الفضائل كُلّها، منذ الولادة، كما بعث عيسى في المهد نبيّاً، وأُوتي الحكم يحيى صبيّاً، غير أنّهم بين مأمور بالكلام أو مأمور بالسكوت حتّى يأتي أوانه، فلهم أحكام خاصّة غير أحكام الرعيّة، ومن أقلّها قبول إجابة الدعوة ونحوها.

فإذن، لا مساغ لأيّ أحد البحث في المسألة.

هذه هي السلسلة الذهبية التي تحلّى بها أبو الفضل وهي (آباؤه الأكارم)، وقد اتحد مع كُلّ حلقة منها الجوهر الفرد، لاثارة الفضائل، فما منهم إلاّ من أخذ بعضادتي الشرف، وملك أزمة المجد والخطر، قد ضَمّ إلى طيب المحتد عظمة الزعامة، وإلى طهارة العنصر نزاهة الإيمان، فلاترى أيّاً منهم إلاّ منارَ هدىً، وبحرَ ندىً، ومثالَ تُقىً، وداعية إلى التوحيد وإلى بسالة وبطولة وإباء وشمم، وهم الّذين عرقوا في سيّدنا العبّاس (عليه السلام) هذه الفضائل كُلّها، وإن كان القلم يقف عند انتهاء السلسلة إلى أمير المؤمنين، فلا يدري اليراع ما يخطّ من صفات الجلاّلّ والجمالّ، وأنه كيف عرّقها في ولدِهِ المحبوب (قمر الهاشميين).

٥٧

الأعمام


هلمّ معي أيّها القارئ لنقرأ صحيفة بيضاء مختصرة من حياة أعمام أبي الفضل، الّذين هُم أغصان تلك الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، فإنّ للعمّومة عِرقاً يضرب في نفسيّات المولّود من فضائل وفواضل، وقد جاء في الحديث: " الولّد كما يشبه أخواله يشبه أعمامه "(١).

(١) ورد في كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ٣١٤، حدّثنا أبي ومحمّد بن الحسن ـ رضي اللّه عنهما ـ قالا: حدّثنا سعد بن عبد اللّه.. عن أبي جعفر الثاني محمّد بن علي (عليه السلام) قال: " أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم ومعه الحسن بن علي وسلمان الفارسي (رضي الله عنه)، وأمير المؤمنين (عليه السلام) متكىء على يد سلمان، فدخل المسجد الحرام، فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئه واللباس، فسلّم على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فرد عليه السلام فجلس ثُمّ قال:

يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل، إن أخبرتني بهن علمت أنّ القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنّهم ليسوا بمأمونين في دنياهم ولا في آخرتهم، وإن تكن الأخرى علمت أنّك وهم شرع سواء.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): سلني عمّا بدا لك؟

فقال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟

فالتفت أمير المؤمنين إلى أبي محمّد الحسن فقال: يا أبا محمّد أجبه، فقال: أمّا ما سألت عنه من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب روحه، فإنّ روحه متعلّقة بالريح والريح متعلّقة بالهواء إلى وقت ما يتحرك صاحبها لليقظة، فإن أذن اللّه عزّ وجلّ يرد تلك الروح إلى صاحبها جذبت تلك الروح الريح، وجذبت تلك الريح الهواء، فرجعت الروح، فاسكنت في بدن صاحبها...

وأمّا ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله ; فإنّ الرجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن، وعروق هادئة، وبدن غير مضطرب، فاسكنت تلك الروح النطفة في جوف الرحم خرج الولد يشبه أباه وأُمّه، وإن هو أتاها بقلب غير ساكن وعروق غير هادئة وبدن مضطرب أضطربت تلك النطفة فوقعت في حال إضطرابها على بعض العروق، فإنّ وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه الرجل أخواله ".

٥٨
وقبل الإتيان على ما حباهم به المولّى من الآلاء نستعرض اليسير من حياة عَمِّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، الّذي لم يزل يفتخر به في مواطن شتّى، ألا وهو الحمزة بن عبد المطلب.

وما أدراك ما حمزة؟ وما هو! وهل تعلم ماذا عنى نبيّ العظمة من وصفه " بأسد اللّه وأسد رسوله "(١)؟ وهل أنّه أراد الشدّة والبسالة فحسب؟!

لا ; لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أفصح من نطق بالضّاد، وكلامه فوق كلام البلغاء، فلو كان يريد خصوص الشجاعة لكان حق التعبير أن يأتي بلفظ " الأسد " مجرّداً عن الإضافة إلى اللّه سبحانّه وإلى رسولّه، كما هو المطّرد في التشبيه به نظماً ونثراً.

وحيث أضافه الرسول إلى ذات الجلاّلة والرسالة فلا بدّ أن يكون لغاية هناك أُخرى، وليست هي إلاّ إفادة أنّ ما فيه من كرّ وإقدام وبطش وتنمّر مخصوص في نصرة كلمة اللّه العليا ودعوة

(١) الكافي للكليني ١: ٢٢٤، ح٢، كامل الزيارات لابن قولويه: ٦٢، الأمالي للشيخ الصدوق: ٥٤٧، المستدرك للحاكم ٢: ١١٩ و٣: ١٩٨، مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ٢٦٨ وقال: " ورجاله إلى قائله رجال الصحيح "، فتح الباري ٧: ٢٨٦ بلفظ: " إنّ حمزة مكتوب في السماء أسد اللّه وأسد رسوله " وغيرها من المصادر الكثيرة.

٥٩
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا أربى من غيره وأرقى، فكان سلام اللّه عليه من عمد الدّين، وأعلام الهداية، ولذلك وجب عليه الاعتراف بفضله، وبما حباه المولّى سبحانه من النزاهة التي لا ينالها أحد من الشهداء، وكان ذلك من مكمّلات الإيمان، ومتمّمات العقائد الحقّة.

يشهد له ما في كتاب " الطرف " للسيد ابن طاووس: أنّ رسول اللّه قال لحمزة في الليلة التي أُصيب في يومها: " إنّك ستغيب غيبة بعيدة، فما تقول لو سألك اللّه عن شرائع الإسلام وشروط الإيمان "؟

فبكى حمزة وقال: أرشدني وفهّمني.

فقال النّبي: " تشهد للّه بالوحدانية، ولمحمّد بالرسالة، ولعليّ بالولاية، وأنّ الأئمة من ذرية الحسين، وأنّ فاطمة سيدة نساء العالمين، وأنّ جعفر الطيار مع الملائكة في الجنّة ابن أخيك، وأنّ محمّداً وآله خير البريّة ".

قال حمزة: آمنت وصدّقت.

ثُمّ قال رسول اللّه: " وتشهد بأنّك سيّد الشهداء، وأسد اللّه وأسد رسوله ".

فلمّا سمع ذلك حمزة أدهش وسقط لوجهه، ثُمّ قبّل عيني رسول اللّه وقال: أشهدَك على ذلك وأُشهِدُ اللّه وكفى باللّه شهيداً(١).

(١) بحار الأنوار ٦٥: ٣٩٥.

٦٠