×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العبّاس (عليه السلام) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وإنّ التأمّل في الحديث يفيدنا منزلة كبرى لحمزة من الّدين والإيمان لا تحدّ، وإلاّ فما الفائدة في هذه البيعة والاعتراف بعد ما صدر منه بمكة من الشهادة للّه بالوحدانية ولرسوله بالنبوّة؟! ولكنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد لهذه الذات الطاهرة، التي حلّقت بصاحبها إلى ذروة اليقين التحلّي بأفضل صفات الكمال، وهو التسليّم لأمير المؤمنين بالولاية العامّة، ولأبنائه المعصومين بالخلافة عن جدّهم الأمين.

وهناك مرتبة أُخرى لا يبلغ مداها أحد، وهي اعتراف حمزة وشهادته بأنّه سيّد الشهداء، وأنّه أسد اللّه وأسد رسوله، وأنّ ابن أخيه الطيار مع الملائكة في الجنّة. وهذه خاصّة لم يكلّف بها العباد فوق ما عرفوه من منازل أهل البيت المعصومين، وإنمّا هي من مراتب السلوك والكشف واليقين.

وإذا نظرنا الى إكبار الأئمة لمقامه ـ وهم أعرف بنفسيات الرجال، حتّى إنّهم احتجوا على خصومهم بعمومته وشهادته دون الدين، كما احتجّوا بنسبتهم إلى الرسول الأقدس، مع أنّ هناك رجالاً بذلوا أنفسهم دون مرضاة اللّه تعالّى. استفدنا درجة عالّية تقرب من درجاتهم (عليهم السلام) فهذا أمير المؤمنين يقول: " إنّ قوماً استشهدوا في سبيل اللّه من المهاجرين، ولكلّ فضل، حتّى إذا استشهد شهيدنا قيل: سيّد الشهداء، وخصّه رسول اللّه بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه "(١).

(١) الاحتجاج ٣: ٢٥٩، بحار الأنوار ٢٢: ٢٧٢ و٢٣: ٥٨ و٧٨: ٣٤٨، نهج السعادة للمحمودي ٤: ١٩٢، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٥: ١٨١، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب: ٣٧٢، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ٣: ٤٤٦.

٦١
وفي يوم الشورى احتجّ عليهم به فقال: " أنشدكم اللّه هل فيكم أحد له مثل عمّي حمزة أسد اللّه وأسد رسوله "(١)؟!

وقال الإمام المجتبى في بعض خطبه: " وكان ممّن استجاب لرسول اللّه عمّه حمزة وابن عمّه جعفر، فقتلا شهيدين في قتلى كثيرة معهما من أصحاب رسول اللّه، فجعل حمزة سيّد الشهداء "(٢).

وقال سيّد الشهداء أبو عبد اللّه يوم الطفّ: " أوليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي "(٣)؟!

إلى غير ذلك ممّا جاء عنهم في الإشادة بذكره حتّى إنّ رسول اللّه لم يزل يكرّر الهتاف بفضله، ويعرّف المهاجرين والأنصار بما امتاز به أسدُ اللّه وأسد رسوله من بينهم، كي لا يقول قائل ولا يتردّد مسلم عن الإذعان بما حبا اللّه تعالّى سيّد الشهداء من الكرامة، فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم):

" يا معشر الأنصار، يا معشر بني هاشم، يا معشر بني عبد

(١) الخصال للشيخ الصدوق: ٥٥٥، الأمالي للشيخ الطوسي: ٥٥٤، بحار الأنوار ٢٢: ٢٨٠، المناقب للخوارزمي: ٣١٤، الدر النظيم: ٣٣، كتاب الولاية لابن عقدة: ١٦٣، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاووس: ٤١٢، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٤٢: ٤٣٤، ميزان الاعتدال للذهبي ١: ٤٤٢، لسان الميزان لابن حجر ٢: ١٥٧، وغيرها من المصادر.

(٢) الأمالي للشيخ الطوسي: ٥٦٣، حلية الأبرار للبحراني ٢: ٧٤، بحار الأنوار ١٠: ١٤١ و٢٢: ٢٨٣، كتاب الولاية لابن عقدة: ١٨٥.

(٣) الإرشاد للشيخ المفيد ٢: ٩٧، مثير الأحزان للحلي: ٣٧، تاريخ الطبري ٤: ٣٢٢، الكامل في التاريخ لابن الأثير ٤: ٦٢، الدر النظيم: ٥٥٢.

٦٢
المطلب، أنا محمّد رسول اللّه، ألا أنّي خلقت من طيّنة مرحومة في أربعة من أهل بيتي: أنا، وعلي، وحمزة، وجعفر "(١).

والغرض من هذا ليس إلاّ التعريف بخصوص فضلّ عمّه وابن عمّه، فلذلك لم يتعرّض لخلق الأئمة، بل ولا شيعتهم المخلوقين من فاضل طينتهم ـ كما في صحيح الآثار ـ وإنّما ذكر نفسه ووصيّه لكونهما من أُصولّ الإسلام والإيمان.

كما أنّ أمير المؤمنين يوم فتح البصرة لمّا صرّح بفضل سبعة من ولد عبد المطلب قال: " لا ينكر فضلهم إلاّ كافر، ولا يجحده إلاّ جاحد، وهم: النّبي محمّد، ووصيّه، والسبطان، والمهدي، وسيّد الشهداء حمزة، والطيّار في الجنان جعفر "(٢)، لم يقصد

(١) الأمالي للشيخ الصدوق: ٢٧٥، التوحيد للشيخ الصدوق: ٢٠٤، الأمالي للشيخ الطوسي: ٤١٠، بحار الأنوار ١١: ٣٨٠ و٢٢: ٣٧٤، غاية المرام للبحراني ٥: ١١٧.

(٢) الكافي ١: ٤٥٠، ح٣٤، عنه بحار الأنوار ٢٢: ٢٨٢، ح٤١.

والمؤلّف نقل مضمون الرواية ونصّ الرواية كالتالي: " عن أصبغ بن نباته الحنظلي، قال: رأيت أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم افتتح البصرة، وركب بغلة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثُمّ قال: " أيّها الناس ألا أخبركم بخير الخلق يوم يجمعهم اللّه "؟

فقام إليه أبو أيوب الأنصاري فقال: بلى يا أمير المؤمنين حدّثنا، فإنّك كنت تشهد ونغيب.

فقال: " إنّ خير الخلق يوم يجمعهم اللّه تعالّى سبعة من ولد عبد المطلب، لا ينكر فضلهم إلاّ كافر، ولا يجحد به إلاّ جاحد ".

فقام عمّار بن ياسر (رحمه الله) فقال: يا أمير المؤمنين، سمّهم لنا لنعرفهم!

فقال: " خير الخلق يوم يجمعهم اللّه الرُسّل، وإنّ أفضل الرسل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّ أفضل كُلّ أُمة بعد نبيّها وصيّ نبيّها حتّى يدركه نبي، ألا وإنّ أفضل الأولياء وصيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ألاّ وإنّ أفضل الخلق بعد الرسل الشهداء، ألاّ وإنّ أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب وجعفر ابن أبي طالب، له جناحان يطير بهما في الجنّة، لم ينحل أحد من هذه الأُمّة جناحان غيره. شيء أكرم اللّه به محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم)وشرّفه، والسبطان الحسن والحسين والمهدي (عليهم السلام)، يجعله اللّه من شاء منّا أهل البيت ". ثُمّ تلا هذه الآية: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيماً) النساء: ٦٩.

٦٣
بذلك إلاّ التنويه بفضل عمّه وأخيه، فقرن شهادتهما بمن نهض في سبيل الدّعوة الإلهية وهم أركان الإسلام والإيمان.

ولو لم تكن لسيّد الشهداء حمزة وابن أخيه الطيار كلّ فضيّلة سوى شهادتهما للأنبيّاء بالتبلّيغ وأداء الرسالة، لكفى أن لا يتطلب الإنسان غيرهم.

قال أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام): " إذا كان يوم القيامة وجمع اللّه ـ تبارك وتعالّى ـ الخلائق كان نوح (صلّى اللّه عليه) أوّل من يدعى به فيقال له: هل بلّغت؟

فيقول: نعم.

فيقال له: من يشهد لك؟!

فيقول: محمّد بن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال: فيخرج نوح (صلّى اللّه عليه) ويتخطّى الناس حتّى يأتي إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو على كثيّب المسّك، ومعه علي (عليه السلام)، وهو قول اللّه عزّ وجلّ: { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا }(١)، فيقول نوح لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم): يا محمّد إنّ اللّه ـ تبارك وتعالّى ـ سألني هل بلغت؟ فقلت: نعم، فقال: من يشهد لك؟ قلت: محمّد! فيقول: يا جعفر، يا حمزة اذهبا واشهدا أنّه قد بلّغ.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) فحمزة وجعفر هما الشاهدان للأنبياء (عليهم السلام) بما بلّغوا ".

(١) الملك: ٢٧.

٦٤
فقال الراوي: جعلت فداك فعلي (عليه السلام) أين هو؟

فقال: هو " أعظم منزلة من ذلك "(١).

وهذه الشهادة لا بدّ أن تكون حقيقية، بمعنى أنّها تكون عن وقوف بمعالّم دين نوح (عليه السلام) وأديان الأنبياء الّذين هما الشاهدان لهم بنصّ الحديث، وإحاطة شهودية بها، وبمعارفها، وبمواقعها، وبوضعها في الموضع المقرّر له، وإلاّ لما صحّت الشهادة. وهذا المعنى هو المتبادر إلى الذهن من الشهادة عند إطلاقها، فهي ليست شهادة علميّة، بمعنى حصول العلم لهما من عصمة الأنبياء بأنّهم وضعوا ودائع نبواتهم في مواضعها، ولو كان ذلك كافياً لما طُولبوا بمن يشهد لهم، فإنّ جاعل العصمة فيهم ـ جلّ شأنه ـ أعرف بأمانتهم، لكنّه لضرب من الحكمة أراد سبحانه وتعالّى أن يجري الأمر على أُصول الحكم يوم فصل القضاء.

ثُمّ إنّ هذه الشهادة ليست فرعيّة، بمعنى إنّهما يشهدان عن شهادة رسول اللّه، فإنّ المطلوب في المحاكم هي الشهادة الوجدانية فحسب.

فإذا تقرّر ذلك فحسب حمزة وجعفر من العلم المتدفق خبرتهما بنواميس الأديان كُلّها، والنواميس الإلّهية جمعاء، أو وقوفهما بحقِّ اليقين، أو بالمعايّنة في عالم الأنوار، أو المشاهدة في عالم الأظلة والذكر لها في عالم الشهود والوجود، ومن المستحيل بعد تلك الإحاطة أن يكونا جاهلين بشيء من نواميس الإسلام.

(١) الكافي للكليني ٨:٢٦٧، ح ٣٩٢، وعنه بحار الأنوار للمجلسي ٧:٢٨٣، ح٤.

٦٥

طالب


إنّ الثابت عند المحقّقين إسلام طالب بن أبي طالب من أوّل الدعوة، فإنّ المتأمّل إذا نظر بعين البصيرة إلى أبي طالب، وقد ضَمّ أولاده أجمع والنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معهم، لا يفارقونه في جميع الأحوال، مع ما يشاهدونه منه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الآيات الباهرات ; لا يرتاب في صدق الدعوى، وقد أفصح عنه شعره(١):


إذا قِيلَ مَنْ خَيرُ هذا الوَرىقَبيِلاً وأكرَمَهم أُسرَة
أناف بعَبِدِ مُناف أبٌوفَضلّه هَاشِمٌ الغَرة
لَقَد حَلّ مَجدُ بَنِي هَاشِممَكانَ النَعائِمِ والنَثرةِ
وخَيرُ بَنِي هَاشِم أحمدرَسولُ الإلهِ عَلى فَترة

وإنّ في حديث جابر الأنصاري ما يفيد منزلة أرقى من مجرّد الإسلام يقول قلت لرسول اللّه: أكثر الناس يقولون: إنّ أبا طالب مات كافراً؟

(١) إيمان أبي طالب للشيخ المفيد: ٣٥، بحار الأنوار ٣٥: ١٦٥، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٤: ٧٨.

٦٦
قال: " يا جابر، ربّك أعلم بالغيّب، إنّه لمّا كانت اللّيلة التي أُسرِيَ بِي فيها إلى السماء انتهيت إلى العرش، فرأيت أربعة أنوار، فقلت: إلهي ما هذه الأنوار؟

فقال: يا محمّد، هذا عبد المطلب، وهذا أبو طالب، وهذا أبوك عبد اللّه، وهذا أخوك طالب.

فقلت: إلهي وسيدي، فِيم نالوا هذه الدرجة؟

قال: بكتمانهم الإيمان والصبر على ذلك حتّى ماتوا "(١).

وروى الكليني في روضة الكافي عن الصادق (عليه السلام): " كان طالب مسلماً قبل بدر، وإنّما أخرجته قريش كرهاً، فنزل رجَّازوهم يرتجزوُن، ونزل طالب يرتجز:


يا ربِّ إمّا يغزونَ بطالبفي مقنب منَ هذهِ المقانبِ
في مَقنَب المُحاربِّ المُغالبِيَجعلهُ المَسلُوبَ غَيرَ السالبِ(٢)

وروى محمّد بن المثنى الحضرمي أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لقي

(١) روضة الواعظين: ٨١، وعنه في بحار الأنوار ٣٥: ١٦، ح١٢، الدر النظيم للعاملي: ٢٣٤.

(٢) روضة الكافي للكليني ٨: ٣٧٥، عمدة الطالّب لابن عنية: ٣٠، وعن الكافي في بحار الأنوار ١٩: ٢٩٤، ح٣٨، المجدّ في أنساب الطالبيين للعلوي: ٣١٨، تاريخ الطبري ٢: ١٤٤، الكافي في التاريخ ٢: ١٢١، الوافي بالوفيات ١٦: ٢٢٢، البداية والنهاية ٣: ٣٢٥، السيرة النبّوية لابن هشام الحميري ٢: ٤٥١، السيرة النبوية لابن كثير ٢: ٤٠٠.

٦٧
أبا رافع مولى العبّاس ابن عبد المطلب يوم بدر، فسأله عن قومه؟ فأخبره أنّ قريشاً أخرجوهم مكرهين(١).

ويشهد له ما رواه ابن جرير أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يوم بدر: " إنّي لأعرف رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحداً منهم فلا يقتله، ومن لَقِيَ العبّاس بن عبد المطلب فلا يقتله، إنّما خرج مستكرهاً "(٢).

وقد اختلف في موت طالب فقيل: إنّه لمّا خرج إلى بدر فُقد ولم يعرف خبره، وقيل: أقحمه فرسه في البحر فغرق. وليس من البعيد أنّ قريشاً قتلته حينما عرفت منه الإسلام، وعرفت مصارحته بالتفاؤل بمغلوبيتهم، وكان حاله كحال سعد بن عبادة لمّا رماه الجن

(١) الأُصول الستة عشر من الأُصول الأولية: ٢٥٩، وفي مجمع الزوائد للهيثمي ٧: ١٠: " عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ قال: كان ناس من أهل مكة قد أسلموا، وكانوا مستخّفين بالإسلام، فلمّا خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم مكرهين..

قلت: أخرج البخاري بعضه، رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير محمّد بن شريك، وهو ثقة " أقول: وفي إخفاء الأسماء عادة قديمة عند القوم، ولهم تضلّع كبير فيها يعرفها من سير كلماتهم، ولاحظ أقوالهم. وللّه مع ما يسمّون بـ (أهل السنّة والحديث) شؤون لا تخفى.

(٢) بحار الأنوار ١٩: ٣٠٤، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٤: ١٨٣، تفسير القرطبي ٨: ٤٩، تفسير ابن كثير ٢: ٣٤٠، الطبقات الكبرى لابن سعد ٤: ١٠، تاريخ الطبري ٢: ١٥١، الكامل في التاريخ ٢: ١٢٨، تاريخ الإسلام ٢: ٥٨ و١٢٠، البداية والنهاية ٣: ٣٤٨، السيرة النّبوية لابن هشام الحميري ٢: ٤٥٨، السيرة النّبوية لابن كثير ٢: ٤٣٦، سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي ٤: ٤٩، السيرة الحلبية للحلبي ٢: ٤١٣.

٦٨
كتاب العبّاس (عليه السلام) للسيّد عبد الرزّاق المقرّم (ص ٦٩ - ص ٨٧)

٦٩

عقيل


كان عقيل بن أبي طالب أحد أغصان الشجرة الطيّبة، وممّن رضي عنهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ النظرة الصحيحة في التاريخ تفيدنا اعتناقه الإسلام أوّل الدعوة، وكان هذا مجلبة للحبّ النبوي حيث اجتمعت فيه شرائط الولاء من: رسوخ الإيمان في جوانحه، وعمل الخيرات بجوارحه، ولزوم الطاعة في أعماله، واقتفاء الصدق في أقواله، فقول النّبي له: " إنّي أُحبّك حبين: حبّاً لك، وحبّاً لحبِّ أبي طالب لك "(١) إنّما هو لأجل هاتيك المآثر، وليس من المعقول كون حُبّه لغاية شهوية أو لشيء من عرض الدنيا.

(١) ورد هذا الحديث بألفاظه المختلفة في المصادر التالية: بحار الأنوار ٣٥: ١٥٧ و٤٢: ١١٥، المستدرك للحاكم ٣: ٥٧٦، مجمع الزوائد ٩: ٢٧٣، المعجم الكبير للطبراني ١٧: ١٩١، الاستيعاب ٣: ١٠٧٨، الطبقات الكبرى ٤: ٤٤، معرفة الثقات للعجلي ١: ٣٨٣، تاريخ مدينة دمشق ٢٠: ٥٥ و٤١: ١٨، أُسد الغابة ٣: ٤٢٢، سير أعلام النبلاء ١: ٢١٩، تاريخ الإسلام للذهبي ٤: ٨٤، الوافي بالوفيات ٢٠: ٦٣، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١١: ٢٥ و١٤: ٧٠، السيرة الحلبية ١: ٤٣٢.

قال المؤلّف: ولكنّه في المجالس ـ مجلس ٢٧ ـ روى عن ابن عباس: أن علياً قال لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): " أتحب عقيلاً"؟

قال: " أي واللّه إني لأحبّه حبين: حبّاً لرسول اللّه، وحبّاً لحبّ أبي طالب له، وإنّ ولده لمقتول في محبّة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائكة المقرّبون، ثُمّ بكى رسول اللّه حتّى جرت دموعه على صدره، وقال: إلى اللّه أشكو ما تلقى عترتي بعدي".

وهو في الأمالي للشيخ الصدوق: ١٩١ ح٢٠١/٣، وعنه بحار الأنوار ٢٢: ٢٨٨، ح٥٨.

٧٠
إذن، فحسب عقيل من العظمة هذه المكانة الشامخة. وقد حدته قوة الإيمان إلى أن يسلق أعداء أخيه أمير المؤمنين بلسان حديد، خلّده عاراً عليهم مدى الحقب والأعوام(١).

على أن حُبَّ أبي طالب له لم يكن لمحض النبوّة، فإنّه لم يكن ولده البكر، ولا كان أشجع ولده، ولا أوفاهم ذمّة، ولا ولده الوحيد، وقد كان في ولده مثل أمير المؤمنين وأبي المساكين جعفر الطيار، وهو أكبرهم سنّاً، وإنّما كان " شيخ الأبطح " يظهر مرتبة من الحُبِّ له مع وجود ولده (الإمام) وأخيه الطيار لجمعه الفضائل والفواضل، موروثة ومكتسبة.

وبعد أن فرضنا أنّ أبا طالب حجّة وقته، وأنّه وصيّ من الأوصياء لم يكن يحابي أحداً بالمحبّة، وإن كان أعزّ ولده، إلاّ أن يجده ذلك الإنسان الكامل الّذي يجبَ في شريعة الحقِّ ولاءه.

ولا شكّ أنّ عقيلاً لم يكن على غير الطريقة التي عليها أهل بيته أجمع من الإيمان والوحدانية للّه تعالّى، وكيف يشذّ عن خاصته وأهله وهو وإيّاهم في بيت واحد، وأبو طالب هو المتكفل

(١) قال العلاّمة الأميني في الغدير ١٠: ٢٦١: قال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إنّ علياً قد قطعك، وأنا وصلتك، ولا يرضيني منك إلاّ أن تلعنه على المنبر.

قال: أفعل، فصعد المنبر ثُمّ قال ـ بعد أن أحمد اللّه، وأثنى عليه، وصلّى على نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم): أيّها الناس إنّ معاوية بن أبي سفيان قد أمرني أن العنّ علي بن أبي طالب فالعنوه، فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين.

ثُمّ نزل فقال له معاوية: إنّك لم تبيّن من لعنت منهما، بيّنه.

فقال: واللّه لا زدت حرفاً ولا نقصت حرفاً، والكلام إلى نيّة المتكلّم.

العقد الفريد ٢: ١٤٤، المستطرف ١: ٥٤.

والكلام فيه تورية لطيفة ولعن لمعاوية من قبل عقيل.

٧١
تربيته وإعاشته، فلا هو بطارده عن حوزته، ولا بمبعده عن حومته، ولا بمتضجّر منّه على الأقل؟

وكيف يتظاهر بحُبِّه ويدنيه منه ـ كما يعلمنا النصّ النبوّي السابق ـ لو لم يتوثق من إيمانه، ويتيقّن من إسلامه، غير أنّه كان مبطناً له، كما كان أبوه من قبل وأخوه طالب؟، وان كُنّا لا نشكّ في تفاوت الإيمان فيه وفي أخويه الطيّار وأمير المؤمنين.

وحينئذ لم يكن عقيل بدعاً من هذا البيت الطاهر الّذي بني الإسلام على علاليه، فهو مؤمن بما صدع به الرسول منذ هتف داعية الهدى.

كما لبّت هذا الهتاف أُختهم أُم هاني، فكانت من السابقات إلى الإيمان، كما عليه صحيح الأثر، وفي بيتها نزل النّبي عن معراجه، وهو في السنّة الثالثة من البعثة، وحدّثها بأمره قبل أن يخرج إلى الناس، وكانت مصدّقة له غيّر أنّها خشيت تكذيب قريش إياه، وعليه فلا يعبأ بما زعم من تأخّر إسلامها إلى عام الفتح سنة ثمان من الهجرة(١).

(١) " في مناقب ابن شهرآشوب ١: ١١٠ أنّها ماتت في أيام النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن ابن حجر في تقريب التهذيب ٢: ٦٧٣/٨٨٢١ نصّ على وفاتها في خلافة معاوية، وعليه فليست هي المعنيّة بما في كامل الزيارة: ١٩٥ واقبلت إليه بعض عمّاته تقول: أشهد يا حسين لقد سمعت قائلاً يقول:


وإن قَتيلَ الطّفِ مِن آلِ هَاشمأذّلَ رِقَاباً مِنَ قُريش فَذّلتِ

انتهى كلام المؤلف.

أقول: مضافاً إلى ذلك، فإنّ المحدّثين ذكروا أنّ قائل هذه الأبيات سليمان بن قتة الخزاعي، وارجع إلى: مناقب آل أبي طالب ٣: ٢٦٣، ومثير الاحزان لابن نما الحلّي: ٨٩، الإستيعاب عبد البرّ ١: ٣٩٤، نظم درر السمطين: ٢٢٦، تاريخ مدينة دمشق ١٤: ٢٥٩، أُسد الغابة ٢: ٢٢، تهذيب الكمال ٦: ٤٤٧، سير أعلام النبلاء ٣: ٣١٨، تاريخ الإسلام ٥: ١٠٨، البداية والنهاية ٨: ٢٣٠.

٧٢
وما عسى أن يقول القائل في أُمهم، زوج شيخ الأبطح، بعد شهادة الرسول الأمين بأنّها من الطاهرات الطيّبات المؤمنات في جميع أدوار حياتها.

والعجب! ممّن اغتر بتمويه المبطلين فدوّن تلك الفرية، زعماً منه أنّها من فضائل سيّد الأوصياء وهي: إنّ فاطمة بنت أسد دخلت البيت الحرام وهي حاملة بعلي (عليه السلام) فأرادت أن تسجد لهبل فمنعها علي وهو في بطنها(١).

وقد فات المسكين أنّ في هذه الكرامة طعناً بتلك الذات المبرّأة من رجّس الجاهلية ودنس الشرك.

وكيف يكون أشرف المخلوقات بعد خاتم الأنبيّاء المتكوّن من النور الإلهي مودعاً في وعاء الكفر والجحود؟!

كما أنّهم أبعدوها كثيراً عن مستوى التعاليم الإلهية، ودروس خاتم الأنبياء الملقاة عليها كُلّ صباح ومساء، وفيها ما فرضه المهيمن ـ جلّ شأنه ـ على الأُمّة جمعاء من الإيمان بما حبى ولدها والوصي بالولاية على المؤمنين حتّى أختصّ بها دون الأئمة من أبنائه، وإن كانوا نوراً واحداً وطينة واحدة، ولقد غضب الإمام الصادق (عليه السلام) على من سمّاه أمير المؤمنين وقال: " مه لا يصلح هذا الاسم إلاّ لجدّي أمير المؤمنين ".

(١) السيرة الحلبية للحلبي ١: ٤٢٢، شرح احقاق الحق للمرعشي ٨: ٧٠.

٧٣
فرووا أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقف على قبرها وصاح: " ابنك علي لا جعفر ولا عقيل " ولما سُئل عنه أجاب: " أنّ الملك سألها عمّن تدين بولايته بعد الرسول، فخجلت أن تقول ولدي "(١).

أمن المعقول أن تكون تلك الذات الطاهرة الحاملة لأشرف الخلق بعد النبوّة بعيدة عن تلك التعاليم المقدّسة؟ وهل في الدين حياء؟

نعم أرادوا أن يزحزحوها عن الصراط السوي ولكن فاتهم الغرض وأخطأوا الرمية، فإن الصحيح من الآثار ينصّ على أنّ النّبي لمّا أنزلها في لحدها ناداها بصوت رفيع: " يا فاطمة أنا محمّد سيّد ولد آدم ولا فخر، فإذا أتاك منكر ونكير فسألاك من ربّك فقولي: اللّه ربّي، ومحمّد نبيّي، والإسلام ديني، والقرآن كتابي، وابني إمامي ووليّي "، ثمّ خرج من القبر وأهال عليها التراب "(٢).

ولعلّ هذا خاصّ بها ومن جرى مجراها من الزاكين الطيّبين، وإلاّ فلم يعهد في زمن الرسالة تلقين الأموات بمعرفة الولّي بعده، فإنّه كتخصيصها بالتكبير أربعين، مع أنّ التكبير على الأموات خمس.

وبالرغم من هاتيك السفاسف التي أرادوا بها الحطّ من مقام والدة الإمام، أظهر الرسول أمام الأُمّة ما أعرب عن مكانتها من الّدين، وأنّها بعين فاطر السماء حين كفّنها بقميصه الذي لا يبلى، لتكن مستورة يوم يعرى الخلق، وكان الاضطجاع في قبرها إجابة

(١) الفضائل لابن شاذان: ١٠٣، مستدرك الوسائل ٢: ٣٤٢.

(٢) روضة الواعظين للنيسابوري: ١٤٢، بحار الأنوار ٧٨: ٣٥١، ح ٢٢ عن مجالس الصدوق، بشارة المصطفى للطبري: ٣٧٢.

٧٤
لرغبتها فيه عند ما حدثها عن أهوال القبر وما يكون فيه من ضغطة ابن آدم.

فتحصّل: إنّ هذا البيت الطاهر (بيت أبي طالب) بيت توحيد وإيمان وهدى ورشاد، وإنّ من حواه البيت رجالاً ونساء كُلّهم على دين واحد منذ هتف داعية الهُدى وصَدعَ بأمر الرسالة، غير أنّهم بين من جاهر باتّباع الدعوة، وبين من كتم الإيمان لضرب من المصلحة.

٧٥

السفر إلى الشام


لقد كانت الروايات في سفر عقيل إلى الشام، في أنّه على عهد أخيه الإمام أو بعده متضاربة، واستظهر ابن أبي الحديد في شرح النهج ج٣ ص٨٢ أنّه بعد شهادة أمير المؤمنين، وجزم به العلاّمة الجليل السيّد علي خان في الدرجات الرفيعة، وهو الذي يقوي في النظر بعد ملاحظة مجموع ما يؤثر في هذا الباب، وعليه تكون وفادته كوفود غيره من الرجال المرضيين عند أهل البيت إلى معاوية في تلك الظروف القاسية بعد أن اضطرتهم إليه الحاجة، وساقهم وجه الحيلة في الإبقاء على النفس والكف من بوادر الرجل، فلا هم بملومين بشيء من ذلك، ولا يحطّ من كرامتهم عند الملأ الديني، فإنّ للتقية أحكاماً لا تنقض ولا يلام المضطرّ على أمر اضطرّ إليه.

على أنّ عقيلاً لم يؤثر عنه يوم وفادته على معاوية إقرار له بإمامة ولا خضوع له عند كرامة، وإنّما المأثور عنه الوقيعة فيه، والطعن في حسبه ونسبه، والحطّ من كرامته، والإصحار بمطاعنة، مشفوعة بالإشارة إلى فضل أخيه أمير المؤمنين.

من ذلك أنّ معاوية قال له: يا أبا يزيد أخبرني عن عسكري وعسكر أخيك؟

فقال عقيل: أخبرك، مررت واللّه بعسكر أخي فإذا ليل كليل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ونهار كنهار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أن رسول

٧٦
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس في القوم، ما رأيت إلاّ مصلياً، ولا سمعت إلاّ قارئاً. ومررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممّن نفر برسول اللّه ليلة العقبة(١).

وقال له معاوية: إنّ علياً قطع قرابتك وما وصلك؟

فقال له عقيل: واللّه لقد أجزل العطية وأعظمها، ووصل القرابة وحفظها، وحسن ظنّه باللّه إذ ساء به مثلك، وحفظ أمانته، وأصلح رعيته إذ خنتم وأفسدتم وجرتم ; فاكفف لا أباً لك ; فإنّه عمّا تقول بمعزل(٢).

ثُمّ صاح: يا أهل الشام، عنّي فاسمعوا لا عن معاوية، إني أتيت أخي علياً فوجدته رجلاً قد جعل دنياه دون دينه، وخشي اللّه على نفسه، ولم تأخذه في اللّه لومة لائم... وإنّي أتيت معاوية فوجدته قد جعل دينه دون دنياه، وركب الضلالة، واتبع هواه، فأعطاني ما لم يعرق فيه جبينه، ولم تكدح فيه يمينه، رزقاً أجراه اللّه على يديه، وهو المحاسب عليه دوني، لا محمود ولا مشكور.

ثُمّ التفت إلى معاوية فقال: أما واللّه يابن هند ما تزال منك سوالف يمرها منك قول وفعل، فكأنّي بك وقد أحاط بك ما الذي منه تحاذر.

فأطرق معاوية ساعة ثُمّ قال: من يعذرني من بني هاشم، ثُمّ أنشد يقول:


أُزيدهم الإكرام كي يشعبوا العصافيأبوا لدى الإكرام أن لا يكرموا

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ١٢٥.

(٢) الدرجات الرفيعة: ١٦١.

٧٧

وإذا عطفتني رقتان عليهمنأوا حسداً عنّي فكانوا هم هم
وأعطيهم صفو الإخا فكأنّنيمعاً وعطاياي المباحة علقم
وأغضي عن الذنب الذي لا يقيلهمن القوم إلاّ الهزبري المقمم
حبّاً واصطباراً وانعطافاً ورقةًوأكظم غيظ القلب إذ ليس يكظم

أمّا واللّه يابن أبي طالب لولا أن يقال: عجّل معاوية لخرق ونكل عن جوابك، لتركت هامتك أخف على أيدي الرجال من حواي الحنظل.

فأجابه عقيل:


عذيركَ منهم من يلوم عليهمومن هو منهم في المقالة أظلم
لعمرك ما أعطيتهم منك رأفةولكن لأسباب وحولك علقم
أبى لهم أن ينزل الذلّ دارهمبنو حرّة مزهر وعقل مسلم
وإنّهم لم يقبلوا الذلّ عنوةإذا ما طغا الجبّار كانوا هم هم
فدونك ما أسديت فأشدد يداً بهوخيركم المبسوط والشرّ فالزموا

ثُمّ رمى المائة ألف درهم ونفض ثوبه وقام ومضى، فلم يلتفت إليه. فكتب إليه معاوية:

أمّا بعد ; يابني عبد المطلب أنتم واللّه فروع قصي، ولباب عبد مناف، وصفوة هاشم، فأين أحلامكم الراسية، وعقولكم الكاسية، وحفظكم الأواصر، وحبكم العشائر، ولكم الصفح

٧٨
الجميل، والعفو الجزيل، مقرونان بشرف النبوّة وعزّ الرسالة، وقد واللّه ساءني ما كان جرى ولن أعود لمثله إلى أن أغيب في الثرى.

فكتب إليه عقيل:


صدقتَ وقلتَ حقّاً غير أنّيأرى ألا أراك ولا تراني
ولستُ أقول سوءاً في صديقيولكنّي أصدّ إذا جفاني

فكتب إليه معاوية وناشده في الصفح وأجازه مئة ألف درهم حتّى رجع(١).

فقال له معاوية: لِمَ جفوتنا يا أبا يزيد؟

فأنشأ عقيل:


وإنّي امرؤ منّي التكرّم شيمةًإذا صاحبي يوماً على الهون أضمرا

ثُمّ قال: أيم اللّه يا معاوية، لئن كانت الدنيا أفرشتك مهادها، وأظلّتك بسرادقها، ومدّت عليك أطناب سلطانها، ما ذاك بالذي يزيدك منّي رغبة ولا تخشعاً لرهبة.

فقال معاوية: لقد نعتها أبو يزيد نعتاً هشّ له قلبي، وأيم اللّه يا أبا يزيد لقد أصبحت كريماً وإلينا حبيباً وما أصبحت أضمر لك إساءة(٢).

هذا حال عقيل مع معاوية، وحينئذ فأيّ نقص يلمّ به والحالة هذه؟!

(١) الدرجات الرفيعة: ١٦٣ ـ ١٦٤.

(٢) الدرجات الرفيعة: ١٦٤.

٧٩
وعلى الوصف الذي أتينا به تعرف أنّه لا صحة لما رواه المتساهلون في النقل من كونه مع معاوية بصفين، فإنّه ممّا لم يتأكد إسناده، ولا عرف متنه، ويضاده جميع ما ذكرناه، كما يبعده كتابه من مكة إلى أمير المؤمنين حين أغار الضحّاك على الحيرة وما والاها، وذلك بعد حادثة صفين، وهذه صورة الكتاب:

لعبد اللّه أمير المؤمنين، من عقيل بن أبي طالب:

سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو، أما بعد ; فإنّ اللّه حارسك من كُلّ سوء، وعاصمك من كُلّ مكروه، وعلى كُلّ حال فإنّي خرجت إلى مكة معتمراً فلقيت عبد اللّه بن أبي سرح مقبلاً من " قديد "، في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء، فعرفت المنكر في وجوههم، فقلت: إلى أين يا أبناء الشانئين، أبمعاوية لاحقون عداوة للّه منكم غير مستنكرة تريدون إطفاء نور اللّه وتبديل أمره؟

فأسمعني القوم وأسمعتهم، فلمّا قدمت مكة سمعت أهلها يتحدّثون أنّ الضحّاك بن قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أموالها ما شاء، ثُمّ انكفأ راجعاً سالماً، وإنّ الحياة في دهر جرّأ عليك الضحّاك لذميمة، وما الضحّاك إلاّ فقع بقرقر، وقد توهّمت حيث بلغني ذلك أن شيعتك وأنصارك خذلوك، فاكتب إليّ يابن أبي برأيك، فإن كنت الموت تريد تحملت إليك ببني أخيك وولد أبيك، فعشنا معك ما عشت، ومتنا معك إذا متّ، فواللّه ما أحبّ أن أبقى في الدنيا بعدك فواق ناقة، وأُقسم بالأعزّ الأجلّ أن عيشاً نعيشه بعدك لا هنأ ولا مرأ ولا نجيع والسلام.

٨٠