×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عثمان بن مظعون / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب عثمان بن مظعون للشيخ فارس تبريزيان الحسّون
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

المقدمّة

إنّ الذي حرّضني على انتخاب هذا الموضوع والكتابة عنه جهات عديدة، أهمّها شُبهةٌ وُجّهت ـ ولا تزال توجّه ـ إلى الشيعة: بأنّهم لا يحترمون صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويقعون فيهم سبّاً وطعناً.

وهذه الشبهة لا أساس لها من الصحة، فإنّ الشيعة تضع وافر احترامها في صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وتعظّمهم،

٢
وتقتدي بهم، وتجعلهم مناراً تستنير به، أولئك الذين لم يرتدّوا ولم يبدّلوا ولم يبدعوا في الدين وبقوا على منهج النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.

فالشيعة تجري قواعد الجرح والتعديل على الجميع حتّى الصحابة، فمن كان منهم على دين محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ومات وهو على يقينٍ من أمره، ولم يشك في دينه، فتجعله في أعلى القمم، وتقتدي به، ومن أبدع وشكّ في نبيّه ودينه وبدّل وغيّر، فالشيعة وكلّ حرّ جعل العقل إمامه يرفضه وينبذه ولايقتدي به، لاَنه إذا اقتدى به اقتدى ببدعته وضلاله وشكّه.

وأمّا ما روي من أحاديث عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم، واحفظوني في أصحابي، ولا تسبّوا أصحابي. و... فهي أحاديث ضعيفة السند، غير قابلة للاعتماد عليها، ومع فرض صحّة سندها، فإنّها محمولة على الاَصحاب الذين بقوا على الدين، والتزموا بشرائط الصحبة، لا أولئك الذين بدّلوا وغيّروا وأبدعوا...، وحاشا لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يأمر أمّته باتباع مَن أبدع وغيّر، وشكّ فى دينه، لمجرّد أنه صحابي.

والقرآن والحديث شاهدان على هذا المطلب، وهو ليس كلّ

٣
صحابي وكلّ من له صحبة مع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يجب الاقتداء به واحترامه:

قال تعالى: (إنّ الذين يبايعونك إنّما يُبايعون الله يدُ الله فوق أيديهم فمَن نكث فإنّما ينكث على نفسه ومَن أوفى بما عاهد عليهُ الله فسيؤتيه أجراً عظيماً)(١)

وقال تعالى: (.. ومن أهل المدينة مَردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرّتين ثم يُردون إلى عذاب عظيم)(٢).

وقال تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهدُ إنك لرسول الله واللهُ يعلم إنك لرسولهُ والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جُنّة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون * ذلك بأنهم آمنوا ثمّ كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا

(١) الفتح ٤٨: ١٠.

(٢) التوبة ٩: ١٠١.

٤
يفقهون)(١).

إلى غير ذلك من الآيات الكريمة، الدالة على أنّ في الاَصحاب منافقينوغير مؤمنين بالله ولابرسوله.

وأما الاَحاديث فكثيرة جدّاً، منها:

قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم في خطبة حجّة الوداع: فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض(٢).

وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إليّ رجال منكم، حتّى إذا أهويتُ لاَناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربي أصحابي ! يقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك(٣).

وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّي أيّها الناس فرطكم على الحوض، فإذا جئت قام رجال، فقال هذا: يا رسول الله أنا فلان، وقال هذا: يا رسول الله أنا فلان، وقال هذا: يا رسول الله أنا فلان، فأقول: قد

(١) المنافقون ٦٣: ١ ـ ٣.

(٢) صحيح البخاري، ٩: ٩١، كتاب الفتن، وذكر أحاديث كثيرة بهذا المعنى.

(٣) صحيح البخاري، ٩: ٨٧، كتاب الفتن، وذكر أحاديث كثيرة بهذا المعنى.

٥
عرفتكم، ولكنّكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى(١).

وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر: ألسنا يا رسول الله إخوانهم، أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا ؟! فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: بلى، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي !!!(٢)

فالشيعة تقتدي بالصحابة الصلحاء المتّقين، الذين آمنوا بالله ورسوله وماتوا وهم على يقين مما هم عليه، كعثمان بن مظعون الذي عقدنا لاَجله هذه الرسالة الوجيزة، حتّى

(١) المستدرك، ٤: ٧٤ ـ ٧٥، وقال بعد ذكره للحديث: هذا حديث صحيح الاِسناد ولم يخرجاه.

(٢) الموطّأ، ٢: ٤٦٢، كتاب الجهاد، الحديث ٣٢.

٦
نتعرّف على جوانب من حياته، ونجعلها قدوة نقتدي بها.

فإنّ الشيعة مطبقة على عدالته ووثاقته، وجعله في أعلى مرتبة الصالحين والمتقين، ومن الذين أبلوا بلاءً حسناً في صدر الاِسلام، وجاهدوا بكلّ ما لديهم من قوّة لاَجل إعلاء كلمة الاِسلام، حتى قال الشيخ المامقاني: فالرجل فوق مرتبة الوثاقة والعدالة(١).

وحاولت في هذه الرسالة أن أعتمد على مصادر الفريقين، ليخرج البحث متكاملاً.

اسمه ونسبه وصفته

عثمان بن مظعون ـ بالظاء المعجمة ـ بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب، الجُمحي القرشي، ويكنّى أبا السائب(٢).

وكان شديد الاَدمة، ليس بالقصير ولا بالطويل، كبير اللحية،

(١) تنقيح المقال، ٢: ٢٤٩.

(٢) أسد الغابة، ٣: ٥٩٨ ـ الاِصابة، ٢: ٤٦٤ ـ الاستيعاب، ٣: ١٠٥٣ ـ العقد الثمين، ٦: ٤٩ ـ تهذيب الاَسماء واللغات، ١: ٣٢٦ ـ معجم الشعراء: ٢٥٤ ـ المعرفة والتاريخ، ١: ٢٧٢ ـ التاريخ الكبير، ٦: ٢١٠ ـ سير أعلام النبلاء، ١: ١٥٣ ـ المنتظم، ٣: ١٩٠.

٧
عريضها(١).

وقيل: كان عثمان بن مظعون أخا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من الرضاعة(٢)

ولادته

ولد في عصر ملؤه الجهل وانحطاط القيم الاِنسانيّة، في عصرٍ كان يسوده الظلم والجور، وعدم مراعاة حقوق الاِنسان، لكنه ـرضوان الله عليه ـ لم ينخرط في سلك أهل عصره، بل جعل عقله قائده وراشده، وسلك في حياته

(١) سير أعلام النبلاء، ١: ١٦٠ ـ الطبقات، ٣: ٤٠٠.

(٢) تنقيح المقال، ٢: ٢٤٩، نقلاً عن المولى الوحيد.

٨
مسلك العقلاء والحكماء، حتّى قيل: إنه كان من حكماء العرب في الجاهلية(١).

تحريمه الخمر في الجاهليّة

وممّا يدلّ على حكمته قبل الاِسلام، وسموّ عقله، ما اتفق عليه أصحاب السير والتاريخ من أنه حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية وقال:

لا أشرب شراباً يذهب عقلي، ويضحك بي مَن هو أدنى منّي، ويحملني على أن أنكح كريمتي، أو: ويحملني على أن أُنكح كريمتي مَن لاأريد.

وقيل: إنه لمّا حرّمت الخمر، أتي وهو بالعوالي، فقيل له: يا عثمان قد حرّمت الخمر، فقال: تبّاً لها، قد كان بصري فيها ثاقباً(٢).

وتنظّر البعض في ذيل الكلام، وهو: وقيل إنه لمّا حرّمت الخمر أتي وهو بالعوالي...، وذكروا وجه النظر بأنّ آية التحريم نزلت بعد وفاة عثمان.

(١) الاَعلام، ٤: ٢١٤.

(٢) أسد الغابة، ٣: ٥٩٩ ـ العقد الثمين، ٦: ٤٩ ـ تهذيب الاَسماء واللغات، ١: ٣٢٦ ـ سير أعلام النبلاء، ١: ١٥٥ ـ الطبقات، ٣: ٣٩٣ ـ ٣٩٤ ـ غربال الزمان: ١٣ ـ شذرات الذهب، ١: ٩ ـ الاستيعاب، ٣: ١٠٥٤ ـ المنتظم، ٣: ١٩٠.

٩
وأقول: عند أكثر أهل السنة أن الآية الثالثة في تحريم الخمر تدلّ على التحريم، والآية الاَولى والثانية لايستفاد منهما التحريم، وعند الشيعة أن الآية الاَولى تدل على التحريم، والثانية والثالثة مؤكدتان للحكم، فلعلّ القول بأنه لما حرّمت الخمر قيل لعثمان: ياعثمان قد حرّمت الخمر فقال:...، ناظر إلى الآية الاَولى، والله العالم.

ومع اتفاق كلّ المصادر على أنّ عثمان بن مظعون حرّم على نفسه الخمر في الجاهلية، فقد أخرج ابن المنذر، عن سعيد ابن جبير قال: لمّا نزلت: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس...)شربها قوم لقوله: (منافع للناس)، وتركها قوم لقوله: (إثم كبير)،

١٠
منهم: عثمان بن مظعون... وهذا افتراء صريح على هذا الصحابي الجليل، فإنه متى شربها حتّى تركها(١)؟.

وهذا ـ أيضاً ـ يدلّ على أنّ أول آية في الخمر ـ وهي: (يسألونك عن الخمر والميسر...) ـ نزلت في حياة عثمان، وهي دالّة على التحريم في نظر الشيعة.

التسمية بعثمان

ولسموّ مرتبة عثمان بن مظعون وقربه من الله ـ تعالى ـ ونبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومكانته العالية في قلوب المؤمنين، سمّى الكثير من الاَولياء والصلحاء أولادهم بـ(عثمان)؛ لشدّة تعلّقهم بعثمان بن مظعون ومحبتهم له وإحياءً لذكراه.

ذكر الثقفي في تاريخه، عن هبيرة بن مريم، قال: كنّا جلوساً عند علي عليه السّلام، فدعا ابنه عثمان، فقال له: يا عثمان، ثمّ قال: إني لم اسمّه باسم عثمان...، إنّما سمّيته باسم عثمان

(١) راجع: الغدير، ٦: ٢٥٣.

١١
بن مظعون(١).

وفي زيارة الناحية المقدسة: السلام على عثمان ابن أمير المؤمنين سميّ عثمان بن مظعون(٢).

وروي ـ أيضاً ـ عن عليّ عليه السّلام أنّه قال: إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون(٣).

اُسرته

أمّه: سُخيلة بنت العنبس بن وهبان ـ أهبان ـ بن وهب بن حذافة بن جمح.

وإخوته: عبد الله بن مظعون، توفي سنة ٣٠ هـ، وقدامة بن مظعون، مات سنة ٣٦ هـ.

وأولاده: السائب، وعبد الرحمن، أمّهما خولة بنت حكيم.

(١) تقريب المعارف: ٥٢، نقلاً عن تاريخ الثقفي.

(٢) البحار، ١٠١: ٢٧٠، نقلاً عن الاقبال ومزار المفيد والسيّد.

(٣) مقاتل الطالبيين: ٥٨ ـ وعنه في البحار، ٤٥: ٣٨.

١٢
وزوجته: خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة الاَوقص السُّلميّة، ويقال لها: خُوَيلَة.

وهي الّتي قالت لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد وفاة خديجة: يا رسول الله، ألا تتزوّج ؟ قال: مَن ؟ قالت: إن شئت بكراً، وإن شئت ثيباً، قال: فمنالبكر؟ قالت: بنت أبي بكر، قال: ومَن الثيّب ؟ قالت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول... قال: فاذهبي فاذكريهما عليّ، فذهبت إلى أبويهما وخطبتهما، فقبلا وتزوّجهما(١).

وروت خولة عدّة أحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(٢)لان. وذكر أنها إحدى خالات النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم(٣).

إسلامه

وأسلم عثمان بن مظعون بعد ثلاثة عشر رجلاً، انطلق هو وجماعة حتّى أتوا رسول الله صلّى الله عليه

(١) الطبقات، ٣: ٣٩٣ و ٤٠٠ ـ ٤٠٢ ـ الاستيعاب، ٣: ١٠٥٣ ـ اسد الغابة، ٣: ٥٩٨ ـ المنتقى في مولود المصطفى للكازروني: ٦٥ ـ وعنه في البحار، ١٩: ٢٣ ـ مسند أحمد، ٦: ٢١٠ ـ ٢١١.

(٢) مسند احمد، ٦: ٤٠٩ ـ ٤١٠.

(٣) مسند أحمد، ٦: ٤٠٩.

١٣
وآله وسلّم، فعرض عليهم الاِسلام وأنبأهم بشرائعه، فأسلموا جميعاً، وذلك قبل دخول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دار الاَرقم وقبل أن يدعو فيها(١).

ور وي أنّ عثمان بن مظعون قال: نزلت آية: (إنّ الله يأمر بالعدل والاِحسان...) على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأنا عنده، وذكر أنّه شاهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على غير حالته الطبيعية، فلمّا سأله: يا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما رأيتك فعلت الّذي

(١) أسد الغابة، ٣: ٥٩٨ ـ الاِصابة، ٢: ٤٦٤ ـ الاستيعاب، ٣: ١٠٥٣ ـ سير أعلام النبلاء، ١: ١٥٥ ـ الطبقات، ٣: ٣٩٣ ـ تهذيب الاَسماء واللغات، ١: ٣٢٦ ـ العقد الثمين، ٦: ٤٩.

١٤
فعلت اليوم، ما حالك ؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ولقد رأيتَه ؟ فأجابه عثمان: نعم، قال رسول الله: ذاك جبرئيل لم يكن لي همّة غيره، ثم تلا عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما أنزل عليه.

قال عثمان: فقمت من عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم معجباً بالّذي رأيت، فأتيت أبا طالب وقرأتُ ما أوحي إلى النبيّ، فعجب أبو طالب، وقال: يا آل غالب اتبعوه ترشدوا وتفلحوا، فو الله ما يدعو إلاّ إلى مكارم الاَخلاق...

وروي أيضاً: أن عثمان قال: كان أول إسلامي حبّاً من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثمّ تحقق ذلك اليوم لمّا شاهدت الوحي إليه، واستقرّ الاِيمان في قلبي(١).

الآيات النازلة في عثمان

(١) مسند أحمد، ١: ٣١٨ ـ سعد السعود: ١٢٢ ـ ١٣٣ ـ وعنه في البحار، ١٨: ٢٦٨ ـ ٢٧٠ ـ ونقله في البحار أيضاً، ٢٢: ١١٢ عن قصص الاَنبياء ـ المنتظم، ٣: ١٩٠.

١٥
١ ـ (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلاّ على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربّهم وأنّهم إليه راجعون)(١).

قوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون)نزلت في علي عليه السّلام وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر وأصحاب لهم رضي الله عنهم(٢).

٢ ـ (يا أيّها الذين آمنوا لاتحرّموا طيّبات ما أحل الله لكم...)(٣).

نزلت في عدّة من الصحابة،

(١) البقرة، ٢: ٤٥ ـ ٤٦.

(٢) تفسير الحبري: ٢٣٩ ـ شواهد التنزيل: ١١٥ ـ المناقب لابن شهر آشوب، ٢: ٩، وقال فيه: رواه الفلكي في إبانة ما في التنزيل عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.

(٣) المائدة، ٥: ٨٧.

١٦
منهم: عثمان بن مظعون وعمّار بن ياسر وسلمان، حرّموا على أنفسهم الشهوات وهمّوا بالاِخصاء(١).

وروي: أنّ علياً عليه السّلام وعثمان بن مظعون ونفراً من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تعاقدوا أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يأتوا النساء، ولايأكلوا اللحم، فبلغ ذلك رسول الله، فأنزل الله تعالى:...(٢) وروي عن أبي عبد الله عليه السّلام: نزلت في علي عليه السّلام وبلال وعثمان بن مظعون، فأمّا علي عليه السّلام فإنّه حلف أن لا ينام بالليل أبداً إلاّ ما شاء الله، وأمّا بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبداً، وأمّا عثمان بن مظعون فانه حلف أن لا ينكح أبداً...

ولمّا أخبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم نادى الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: ما بال أقوام

(١) شواهد التنزيل: ٢٣٩ و ٢٥٩ ـ تفسير فرات الكوفي: ١٣١ ـ ١٣٢ ـ تفسير الحبري: ٢٦٤.

(٢) شواهد التنزيل: ٢٦٠ ـ كشف الغمة، ١: ٣١٩.

١٧
يحرّمون على أنفسهم الطيبات، ألا أنّي أنام بالليل وأنكح وأفطر بالنهار، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي، فقام هؤلاء فقالوا: يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك، فأنزل الله: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الاَيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم)(١). ورويت أحاديث كثيرة بهذا المعنى(٢)، نكتفي

(١) المائدة، ٥: ٨٩ ـ وانظر المناقب لابن شهر آشوب، ٢: ١٠٠ ـ ١٠١ ـ تفسير علي بن ابراهيم القمي: ١٦٦ ـ وعنه في البحار، ٧٠: ١١٦ ـ ١١٧ ـ تفسير مجمع البيان، ٣: ٢٣٦ ـ وعنه في البحار، ٦٥: ١١٣ ـ وراجع البحار أيضاً، ٦٥: ١١٢ و ١١٣ و ١١٤.

(٢) راجع: تفسير البرهان، ١: ٤٩٤ ـ والدرّ المنثور، ٢: ٣٠١ و ٣٠٧ و ٣٠٨ و ٣٠٩ و ٣١٠ ـ وتفسير الطبري، ٧: ٧ و ٨ و ٩ ـ ومسند أحمد، ٦: ١٠٦ و ٢٢٦.

١٨
منها بهذا المقدار.

٣ ـ (ليس على الّذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طَعِموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثمّ اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحبّ المحسنين)(١).

نزلت في عدّةٍ منهم عثمان بن مظعون، وكان عثمان قد همّ بطلاق زوجته وأن يختصي ويحرم اللحم والطيب، فردّ عليه النبي واُنزل في ذلك:...(٢).

٤ ـ (وضرَب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلّ على مولاه أينما يوجّهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومَن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم)(٣).

قال الشيخ الطبرسي:... وقيل إنّ الاَبكم أبي بن خلف، ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن مظعون، عن عطاء(٤).

(١) المائدة، ٥: ٩٣.

(٢) الاستيعاب، ٣: ١٠٥٤ ـ العقد الثمين، ٦: ٤٩.

(٣) النحل، ١٦: ٧٦.

(٤) مجمع البيان، ٦: ٥٧٨، وعنه في البحار.

١٩

وصف أمير المؤمنين لعثمان

قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يُعظمه في عيني صِغرُ الدنيا في عينه، وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتاً، فإن قال بدّ القائلين ونقع غليل السائلين، وكان ضعيفاً مستضعفاً، فإن جاءَ الجِدّ فهو ليثُ غابٍ وصِلُّ وادٍ، لا يدلي بحجّة حتّى يأتي قاضياً، وكان لا يلومُ أحداً على ما يجد العذر في مثله حتّى يسمع اعتذارَه، وكان لا يشكو وجعاً إلاّ عند برئه، وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل، وكان اذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان

٢٠