×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عقائد الإماميّة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وأحزاباً وفرقاً، يتكالبون على الدنيا، ويتطاحنون على الخيال، ويكُفِّر بعضهم بعضاً، بالآراء غير المفهومة، أو الاُمور التي لا تعنيهم، فانشغلوا عن جوهر الدين، وعن ماصالحهم ومصالح مجتمعهم بأمثال النزاع في خلق القرآن، والقول بالوعيد والرجعة وأنّ الجنة والنار مخلوقتان أو سيُخلقان، ونحو هذه النزاعات التي أخذت منهم بالخناق، وكفَّر بها بعضهم بعضاً، وهي إن دلَّت على شيء فإنّما تدلّ على انحرافهم عن سنن الجادّة المعبّدة لهم، إلى حيث الهلاك والفناء.

وزاد الانحراف فيهم بتطاول الزمان، حتى شملهم الجهل والضلال، وانشغلوا بالتوافه والقشور، وبالاتعاب والخرافات والاَوهام، وبالحروب والمجادلات والمباهاة، فوقعوا بالاَخير في هاوية لا قعر لها، يوم تمكَّن الغرب المتيقظ ـ العدو اللَّدود للاِسلام ـ من أن يستعمر هذه البقاع المنتسبة إلى الاِسلام، وهي في غفلتها وغفوتها، فيرمي بها في هذه الهوّة السحيقة، ولا يعلم إلاّ الله تعالى مداها ومنتهاها ﴿وَمَا كانَ رَبُّكَ لِيُهلِكَ القُرى بِظُلمٍ وَأهْلُهَا

٦١

مُصلِحُونَ﴾ (١) .

ولا سبيل للمسلمين اليوم وبعد اليوم إلاّ أن يرجعوا إلى أنفسهم فيحاسبوها على تفريطهم، وينهضوا إلى تهذيب أنفسهم والاَجيال الآتية بتعاليم دينهم القويمة، ليمحو الظلم والجور من بينهم، وبذلك يتمكّنون من أن ينجو بأنفسهم من هذه الطامة العظمى، ولا بدَّ بعد ذلك أن يملأوا الاَرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، كما وعدهم الله تعالى ورسوله، وكما هو المترقَّب من دينهم الذي هو خاتمة الاَديان، ولا رجاء في صلاح الدنيا وإصلاحها بدونه.

ولا بدَّ من إمام ينفي عن الاسلام ما علق فيه من أوهام، وأُلصق فيه من بدع وضلالات، وينقذ البشر وينجّيهم ممّا بلغوا إليه من فساد شامل، وظلم دائم، وعدوان مستمر، واستهانة بالقيم الاَخلاقية والاَرواح البشرية، عجَّل الله فرجه وسهَّل مخرجه.

٢٠ ـ عقيدتنا في مشرِّع الاِسلام

نعتقد: أنّ صاحب الرسالة الاسلامية هو محمد بن عبدالله، وهو

١- هود ١١٧.

٦٢

خاتم النبيين، وسيِّد المرسَلين، وأفضلهم على الاطلاق، كما أنّه سيِّد البشر جميعاً؛ لا يوازيه فاضل في فضل، ولا يدانيه أحد في مكرمة، ولا يقاربه عاقل في عقل، ولا يشبهه شخص في خلق، وأنّه لعلى خلق عظيم. ذلك من أول نشأة البشر إلى يوم القيامة .

٢١ ـ عقيدتنا في القرآن الكريم

نعتقد: أنّ القرآن هو الوحي الاِلهي المنزَّل من الله تعالى على لسان نبيه الاَكرم فيه تبيان كل شيء، وهو معجزته الخالدة التي أعجزت البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة، وفيما احتوى من حقائق ومعارف عالية، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف.

وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزَّل على النبي، ومن ادّعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه، وكلّهم على غير هدى؛ فانه كلام الله الذي ﴿لا يَأتيِه البطلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (١) .

ومن دلائل إعجازه: أنّه كلّما تقدَّم الزمن، وتقدَّمت العلوم

١- فصلت : ٤٢.

٦٣

والفنون، فهو باق على طراوته وحلاوته، وعلى سموِّ مقاصده وأفكاره، ولا يظهر فيه خطأ في نظرية علمية ثابتة، ولا يتحمل نقض حقيقة فلسفية يقينية، على العكس من كتب العلماء وأعاظم الفلاسفة، مهما بلغوا في منزلتهم العلمية ومراتبهم الفكرية؛ فانّه يبدو بعض منها ـ على الاَقل ـ تافهاً أو نابياً أو مغلوطاً كلّما تقدَّمت الاَبحاث العلمية، وتقدمت العلوم بالنظريات المستحدثة، حتى من مثل أعاظم فلاسفة اليونان كسقراط وأفلاطون وأرسطو الذين اعترف لهم جميع مَن جاء بعدهم بالاَبّوة العلمية، والتفوّق الفكري.

ونعتقد أيضاً: بوجوب احترام القرآن الكريم، وتعظيمه بالقول والعمل، فلا يجوز تنجيس كلماته حتى الكلمة الواحدة المعتبرة جزءً منه على وجه يقصد أنّها جزء منه.

كما لا يجوز لمن كان على غير طاهرة أن يمسّ كلماته أو حروفه ﴿لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ﴾ (١) سواء كان محدثاً بالحدث الاَكبر كالجنابة والحيض والنفاس وشبهها، أو محدِثاً بالحدث الاَصغر حتى النوم، إلاّ إذا اغتسل أو توضأ على التفاصيل التي تذكر في

١- الواقعة : ٧٩.

٦٤

الكتب الفقهية.

كما أنّه لا يجوز إحراقه، ولا يجوز توهينه بأيّ ضرب من ضروب التوهين الذي يُعد في عرف الناس توهيناً، مثل رميه، أو تقذيره، أو سحقه بالرجل، أو وضعه في مكان مُستحقَر، فلو تعمَّد شخص توهينه وتحقيره ـ بفعل واحد من هذه الاَمور وشبهها ـ فهو معدود من المنكرين للاِسلام وقدسيته، المحكوم عليهم بالمروق عن الدين والكفر بربِّ العالمين.

٢٢ ـ طريقة إثبات الإسلام والشرائع السابقة

لو خاصمنا أحد في صحّة الدين الاسلامي، نستطيع أن نخصمه بإثبات المعجزة الخالدة له، وهي القرآن الكريم على ما تقدّم من وجه إعجازه. وكذلك هو طريقنا لإقناع نفوسنا عند ابتداء الشك والتساؤل اللَّذين لا بدَّ أن يمرا على الانسان الحر في تفكيره عند تكوين عقيدته أو تثبيتها.

أمّا الشرائع السابقة، كاليهودية والنصرانية، فنحن قبل التصديق بالقرآن الكريم، أو عند تجريد أنفسنا عن العقيدة الاسلامية،

لا حجّة لنا لاِقناع نفوسنا بصحتها، ولا لإقناع المشكّك المتسائل؛

٦٥

إذ لا معجزة باقية لها كالكتاب العزيز، وما ينقله أتباعها من الخوارق والمعاجز للاَنبياء السابقين فهم متّهمون في نقلهم لها أو حكمهم عليها، وليس في الكتب الموجودة بين أيدينا المنسوبة إلى الاَنبياء كالتوراة والانجيل ما يصلح أن يكون معجزة خالدة تصح أن تكون حجّة قاطعة، ودليلاً مقنعاً في نفسها قبل تصديق الاسلام لها.

وإنّما صحَّ لنا ـ نحن المسلمين ـ أن نقرَّ ونصدّق بنبوة أهل الشرائع السابقة، فلاَنّا بعد تصديقنا بالدين الاسلامي كان علينا أن نصدّق بكل ما جاء به وصدّقه، ومن جملة ما جاء به وصدّقه نبوّة جملة من الاَنبياء السابقين على نحو ما مرّ ذكره .

وعلى هذا فالمسلم في غنى عن البحث والفحص عن صحّة الشريعة النصرانية وما قبلها من الشرائع السابقة بعد اعتناقه

الاسلام لاَنّ التصديق به تصديق بها، والايمان به إيمان بالرسل السابقين والاَنبياء المتقدّمين، فلا يجب على المسلم أن يبحث عنها ويفحص عن صدق معجزات أنبيائها؛ لاَنّ المفروض أنّه مسلم قد آمن بها بإيمانه بالاسلام، وكفى.

نعم، لو بحث الشخص عن صحّة الدين الاسلامي فلم تثبت له صحّته، وجب عليه عقلاً ـ بمقتضىوجوب المعرفة والنظر ـ أن

٦٦

يبحث عن صحّة دين النصرانية؛ لاَنّه هو آخر الاَديان السابقة على الاسلام، فإن فحص ولم يحصل له اليقين به أيضاً وجب عليه أن ينتقل فيفحص عن آخر الاَديان السابقة عليه، وهو دين اليهودية حسب الفرض... وهكذا ينتقل في الفحص حتى يتم له اليقين بصحّة دين من الاَديان، أو يرفضها جميعاً.

وعلى العكس فيمن نشأ على اليهودية أو النصرانية؛ فإنّ اليهودي لا يغنيه اعتقاده بدينه عن البحث عن صحّة النصرانية والدين الاسلامي، بل يجب عليه النظر والمعرفة ـ بمقتضى حكم العقل ـ وكذلك النصراني، ليس له أن يكتفي بإيمانه بالمسيح عليه السلام، بل يجب أن يبحث ويفحص عن الاسلام وصحّته، ولا يعذر في القناعة بدينه من دون بحث وفحص؛ لاَنّ اليهودية وكذا النصرانية لا تنفي وجود شريعة لاحقة لها ناسخة لاَحكامها، ولم يقل موسى ولا المسيح عليهما السلام أنه لا نبي بعدي .

فكيف يجوز لهؤلاء النصارى واليهود أن يطمئنّوا إلى عقيدتهم، ويركنوا إلى دينهم قبل أن يفحصوا عن صحّة الشريعة اللاحقة لشريعتهم كالشريعة النصرانية بالنسبة إلى اليهود، والشريعة الاسلامية بالنسبة إلى اليهود والنصارى، بل يجب ـ بحسب فطرة

٦٧

العقول ـ أن يفحصوا عن صحة هذه الدعوى اللاحقة، فإن ثبتت لهم صحتها انتقلوا في دينهم إليها، وإلاّ صحّ لهم ـ في شريعة العقل ـ حينئذٍ البقاء على دينهم القديم والركون إليه.

أمّا المسلم ـ كما قلنا ـ فإنّه إذا اعتقد بالاسلام لا يجب عليه الفحص؛ لا عن الاَديان السابقة على دينه، ولا عن اللاحقة التي تُدَّعى؛

أمّا السابقة فلاَنّ المفروض أنّه مصدِّق بها، فلماذا يطلب الدليل عليها؟ وإنّما فقط قد حكم له بأنّها منسوخة بشريعته الاسلامية، فلا يجب عليه العمل بأحكامها ولا بكتبها.

وأمّا اللاحقة، فلاَنّ نبي الاسلام محمداً صلي الله عليه و اله قال: «لا نبيّ بعدي» (١) وهو الصادق الاَمين كما هو المفروض ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى إنْ هُوَ إلاَّ وَحيٌ يُوحى﴾ (٢) فلماذا يطلب الدليل على صحّة دعوى النبوة المتأخرة إن ادعاها مدع؟

نعم، على المسلم ـ بعد تباعد الزمان عن صاحب الرسالة،

١- الاَمالي المفيد: ٣٣. صحيح مسلم: ٣/١٤٧١ ، مسند أحمد: ٣/٢٣، المعجم الكبير: ٨/١٦١ ، سنن البيهقي: ٨/١٤٤،

٢- النجم ٣ ـ ٤.

٦٨

واختلاف المذاهب والآراء، وتشعُّب الفرق والنحل ـ أن يسلك الطريق الذي يثق فيه أنّه يوصله إلى معرفة الاَحكام المنزَّلة على محمد صاحب الرسالة؛ لاَنّ المسلم مكلَّف بالعمل بجميع الاَحكام المنزَّلة في الشريعة كما اُنزلت.

ولكن كيف يعرف أنّها الاَحكام المنزَّلة كما اُنزلت، والمسلمون مختلفون، والطوائف متفرِّقة، فلا الصلاة واحدة، ولا العبادات متّفقة، ولا الاَعمال في جميع المعاملات على وتيرة واحدة!... فماذا يصنع؟ بأيّة طريقة من الصلاة ـ إذن ـ يصلّي؟ وبأيّة شاكلة من الآراء يعمل في عباداته ومعاملاته كالنكاح، والطلاق، والميراث، والبيع، والشراء، وإقامة الحدود والديات، وما إلى ذلك؟

ولا يجوز له أن يقلِّد الآباء، ويستكين إلى ما عليه أهله وأصحابه، بل لا بدَّ ان يتيقّن بينه وبين نفسه، وبينه وبين الله تعالى؛ فإنه لا مجاملة هنا ولا مداهنة، ولا تحيّز ولا تعصُّب.

نعم، لا بدَّ أن يتيقّن بأنّه قد اخذ بأمثل الطرق التي يعتقد فيها بفراغ ذمته بينه وبين الله من التكاليف المفروضة عليه منه تعالى، ويعتقد أنّه لا عقاب عليه ولا عتاب منه تعالى بأتّباعها وأخذ الاَحكام منها. ولا يجوز أن تأخذه في الله لومة لائم ﴿أَيَحسَبُ

٦٩

الاِنسنُ أَن يُترَكَ سُدىً﴾ (١) ﴿بل الاِنسنُ على نَفسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (٢)

﴿إنَّ هَذِهِ تَذكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبيلاً﴾ (٣) .

وأوّل ما يقع التساؤل فيما بينه وبين نفسه أنّه هل يأخذ بطريقة آل البيت أو يأخذ بطريقة غيرهم؟ وإذا اخذ بطريقة آل البيت، فهل الطريقة الصحيحة طريقة الامامية الاثني عشرية أو طريقة من سواهم من الفِرق الاُخرى؟ ثمّ إذا أخذ بطريقة أهل السنَّة فمن يقلِّد؛ من المذاهب الاَربعة أو من غيرهم من المذاهب المندرسة؟ هكذا يقع التساؤل لمن اُعطي الحريّة في التفكير والاختيار؛ حتى يلتجىء من الحق إلى ركن وثيق.

ولاجل هذا وجب علينا ـ بعد هذا ـ أن نبحث عن الاِمامة، وأن نبحث عمّا يتبعها في عقيدة الامامية الاثني عشرية.

١- القيامة : ٣٦.

٢- القيامة : ١٤.

٣- المزمل : ١٩.

٧٠
٧١

الفصل الثالث : الامامة

عقيدتنا في:

الامامة

عصمة الامام

صفات الامام وعلمه

طاعة الائمة

حبّ آل البيت

الائمة

إن الامامة بالنص

عدد الائمة

المهدي

الرجعة

التقيّة

٧٢
٧٣

٢٣ ـ عقيدتنا في الاِِمامة

نعتقد: أنّ الامامة أصل من اُصول الدين لا يتم الاِيمان إلاّ بالاعتقاد بها، ولا يجوز فيها تقليد الآباء والاَهل والمربّين مهما عظموا وكبروا، بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوّة.

وعلى الاَقل أنّ الاعتقاد بفراغ ذمّة المكلَّف من التكاليف الشرعية المفروضة عليه يتوقّف على الاعتقاد بها ايجاباً أو سلباً، فإذا لم تكن أصلاً من الاُصول لا يجوز فيها التقليد؛ لكونها أصلاً، فإنّه يجب الاعتقاد بها من هذه الجهة، أي من جهة أنّ فراغ ذمة المكلَّف من التكاليف المفروضة عليه قطعاً من الله تعالى واجب عقلاً، وليست كلّها معلومة من طريقة قطعية، فلا بدَّ من الرجوع فيها إلى من نقطع بفراغ الذمة باتّباعه، أمّا الامام على طريقة الامامية، أو غيره على طريقة غيرهم.

كما نعتقد: أنّها كالنبوَّة لطف من الله تعالى؛ فلا بدَّ أن يكون في كل عصر إمام هادٍ يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر

٧٤

وارشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامّة على الناس، لتدبير شؤونهم ومصالحهم، وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم.

وعلى هذا، فالامامة استمرار للنبوّة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الاَنبياء هو نفسه يوجب أيضاً نصب الاِمام بعد الرسول.

فلذلك نقول: إنّ الامامة لا تكون إلاّ بالنص من الله تعالى على لسان النبي أو لسان الاِمام الذي قبله، وليست هي بالاختيار، والانتخاب من الناس، فليس لهم إذا شاؤوا ينصبوا أحدا نصّبوه، واذا شاء وا أن يعيّنوا إمام لهم عيّنوه، ومتى شاؤوا أن يتركوا تعيينه تركوه، ليصح لهم البقاء بلا إمام، بل «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة» (١) على ما ثبت ذلك عن الرسول الاَعظم بالحديث المستفيض.

وعليه لا يجوز أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض

١- الكافي: ١/٣٧٧ ، المحاسن: ١/١٧٦ ، عيون أخبار الرضا ٢/٥٨ ، كمال الدين: ٤١٣ ، الغيبة للنعماني: ١٣٠ ، رجال الكشي: ٢/٧٢٤ ، مسند الطيالسي: ٢٥٩، المعجم الكبير ١٠/٣٥٠ ، مستدرك الحاكم١/٧٧.

٧٥

الطاعة، منصوب من الله تعالى؛ سواء أبى البشر أم لم يأبوا، وسواء ناصروه أم لم يناصروه، أطاعوه أم لم يطيعوه، وسواء كان حاضراً أم غائباً عن أعين الناس؛ إذ كما يصح أن يغيب النبي ـ كغيبته في الغار والشعب ـ صحَّ أن يغيب الامام، ولا فرق في حكم العقل بين طول الغيبة وقصرها.

قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِ قومٍ هَادٍ﴾. (١)

وقال: ﴿وإِن مِـن أُمّـةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيها نَذِيرٌ﴾. (٢)

٢٤ ـ عقيدتنا في عصمة الإمام

ونعتقد: أنّ الاِمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سنِّ الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً.

كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان؛ لاَنّ الاَئمّة حفظة الشرع، والقوَّامون عليه، حالهم في ذلك حال النبي، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الاَنبياء هو نفسه يقتضينا أن

١- الرعد : ٧.

٢- فاطر : ٢٤.

٧٦

نعتقد بعصمة الاَئمة، بلا فرق .

ليس على الله بمُستنكَرِ أنْ يَجمعَ العالَمَ في واحدِ (١)

٢٥ ـ عقيدتنا في صفات الاِمام وعلمه

ونعتقد: أنّ الاِمام كالنبي يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال، من شجاعة، وكرم، وعفّة، وصدق، وعدل، ومن تدبير، وعقل وحكمة وخلق.

والدليل في النبي هو نفسه الدليل في الامام...

أمّا علمه؛ فهو يتلقّى المعارف والاَحكام الاِلهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الاِمام من قبله.

وإذا استجدّ شيء لا بدَّ أن يعلمه من طريق الاِلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإنْ توجّه إلى شيء وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقي، لا يخطىَ فيه ولا يشتبه، ولا يحتاج في كلّ ذلك إلى البراهين العقلية، ولا إلى تلقينات المعلِّمين، وإن كان علمه قابلاً للزيادة والاشتداد، ولذا قال صلّى الله عليه وآله في دعائه:

١- البيت لابي نواس ، راجع : دلائل الاعجاز : ١٩٦،٤٢٤،٤٢٨

٧٧

«رَبِّ زدني علماً» .

أقول: لقد ثبت في الاَبحاث النفسيّة أنّ كل انسان له ساعة أو ساعات في حياته قد يعلم فيها ببعض الاَشياء من طريق الحدس الذي هو فرع من الاِلهام؛ بسبب ما أودع الله تعالى فيه من قوّة على ذلك، وهذه القوّة تختلف شدّة وضعفاً، وزيادة ونقيصة في البشر باختلاف أفرادهم، فيطفر ذهن الانسان في تلك الساعة إلى المعرفة من دون أن يحتاج إلى التفكير وترتيب المقدّمات والبراهين أو تلقين المعلّمين، ويجد كل إنسان من نفسه ذلك في فرص كثيرة في حياته.

وإذا كان الاَمر كذلك، فيجوز أن يبلغ الانسان من قوّته الالهامية أعلى الدرجات وأكملها، وهذا أمر قرَّره الفلاسفة المتقدّمون والمتأخرون.

فلذلك نقول ـ وهو ممكن في حدِّ ذاته ـ: إنّ قوّة الالهام عند الامام ـ التي تسمّى بالقوة القدسية ـ تبلغ الكمال في أعلى درجاته، فيكون في صفاء نفسه القدسية على استعداد لتلقّي المعلومات في كلّ وقت وفي كل حالة، فمتى توجَّه إلى شيء من الاَشياء وأراد معرفته استطاع علمه بتلك القوّة القدسية الالهامية بلا توقّف

٧٨

ولا ترتيب مقدمات ولا تلقين معلِّم، وتنجلي في نفسه المعلومات كما تنجلي المرئيات في المرآة الصافية، لاغطش فيها ولا إبهام.

ويبدو واضحاً هذا الاَمر في تاريخ الاَئمّة عليهم السلام كالنبي

محمد صلي الله عليه و اله ؛ فإنّهم لم يتربَّوا على أحد، ولم يتعلَّموا على يد معلِّم، من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد، حتى القراءة والكتابة، ولم يثبت عن أحدهم انه دخل الكتاتيب، أو تلمذ على يد استاذ في شيء من الاشياء، مع ما لهم من منزلة علمية لا تجارى . وما سُئلوا عن شيء إلا أجابوا عليه في وقته، ولم تمر على ألسنتهم كلمة (لا أدري) ، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة أو التأمّل أو نحو ذلك .

في حين أنّك لا تجد شخصاً مترجماً له من فقهاء الاِسلام ورواته وعلمائه إلاّ ذكرت في ترجمته تربيته وتلمذته على غيره، وأخذه الرواية أو العلم على المعروفين، وتوقّفه في بعض المسائل، أو شكِّه في كثير من المعلومات، كعادة البشر في كلِّ عصر ومصر.

٢٦ ـ عقيدتنا في طاعة الاَئمّة

ونعتقد: أنّ الاَئمة هم أولو الاَمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم ، وأنّهم الشهداء على الناس، وأنّهم أبواب الله، والسبل إليه، والاَدلاّء

٧٩

عليه ، وأنّهم عيبة علمه، وتراجمة وحيه، وأركان توحيده، وخُزّان معرفته ، ولذا كانوا أماناً لاَهل الاَرض كما أنّ النجوم أمان لاَهل السماء ـ على حد تعبيره صلي الله عليه و اله (١) ـ.

وكذلك ـ على حدِّ قوله أيضاً ـ «إنّ مثلهم في هذه الاُمّة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى» (٢)

وأنّهم ـ حسبما جاء في الكتاب المجيد ـ ﴿بَلْ عِبادٌ مُكرَمُون * لا يَسبِقُونَهُ بالقَولِ وَهُم بأَمرِه يَعمَلُونَ﴾ (٣) .

وأنّهم الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً (٤) .

بل نعتقد: أنّ أمرهم أمر الله تعالى، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليّهم وليّه، وعدوَّهم عدوّه .

ولا يجوز الرد عليهم والراد عليهم كالراد على الرسول، والراد

١- صحيفة الامام الرضا عليه السلام: ٤٧ ، عيون أخبار الرضا ٢/٢٧ ، فضائل أحمد: ١٨٩، المعجم الكبير ٧/٢٥ ، كنز العمال: ١٢/١٠١.

٢- كمال الدين: ٢٣٩ ، عيون الاَخبار لابن قتيبة: ١ ، مستدرك الحاكم: ٢/٣٤٣ ، المعجم الكبير ١٢/٣٤ .

٣- الاَنبياء: ٢٦ ـ ٢٧.

٤- مسند أحمد ١/٣٣٠ ، الصواعق المحرقة: ٨٥، تفسير الطبري: ٢٢/٥، مجمع الزوائد ٩/١٢١ .

٨٠