×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عقيدة أبي طالب / الصفحات: ٢١ - ٤٠

فهل بعد هذا من معاذ لعائذ *وهل من معيذ يتقي الله عاذل (١)

ولقد كان آخر سهم في جعبة قريش ضد أبي طالب، ومن معه في حماية النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو فرض الحصار والمقاطعة لبني هاشم، لا يتناكحون معهم، ولا يبايعونهم، فقبل بنو هاشم ذلك التحدي وانحازوا الي شيخهم وكبيرهم أبي طالب في شعبه، ولم يشذ منهم ـ في ذلك ـ الا شقيهم أبو لهب واستمر الحال على ذلك ثلاث سنوات صمدوا خلالها وثبتوا رغم الجوع والأملاق الذي أصابهم حتى هيأ الله من أنهى هذا الحصار.

وفاته

استمرت مناصرة أبي طالب للنبي منذ بعثه الله تعالى ـ لا وهن فيها ولا تخليا بحال من الأحوال

(١) سيرة ابن هشام: ١/٢٧٢.
٢١
حتى لفظ أنفاسه الأخيرة من الدنيا وذلك في السنة الثالثة قبل الهجرة (١) وكان ذلك بعد الحصار المشار اليه بسنة ونصف تقريبا، بل أنه لم ينس ـ وهو في آخر رمق من حياته ـ أن يمارس نصرته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد التفت الى المحيطين به قبيل وفاته، فأوصاهم بالنبي قائلا ((أُوصيكم بمحمد خيرا، فانه الأمين في قريش، والصادق في العرب، والجامع لكل ما أُوصيكم به… والله لا يملك أحد سبيله الا رشد، ولا يهتدي بهديه إلا سعد، ولو كان في العمر بقية لكففت عنه الهزاهز، ورفعت عنه الدواهي. أن محمد هو الصادق فأجيبوا دعوته، واجتمعوا على نصرته، فانه الشريف الباقي لكم على الدهر)) (٢).

(١) ابن القيم ـ زاد المعاد: ٢/٤٦.

(٢) وبهذا نزل القرآن الكريم من قول الله تعالى وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون)) الزخرف: ٤٤.

٢٢

عقيدته

وهذه الوصية وحدها كفيلة بأن تنبىء عن حقيقة عقيدته في محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته، ولكن خلافا نشب حول هذه العقيدة فيما بعد البعثة النبوية، وان اتفق الجميع على أنه كان قبلها من المتألهين الحنفاء، وانه لم يعرف عنه أنه هام بصنم أبدا، أو سجد لصنم قط (١).

فالشيعة وبعض المعتزلة وبعض السنة، يرون أنه آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبدينه (٢) وان كان لم يعلن ذلك لأسباب كثيرة، ترجع كلها لمصلحة الدعوة الوليدة، وامكان الاستمرار في حمايتها، باعتبار أن المرحلة الأولى لها كانت تقتضي هذا التكتيك

(١) الشيخ الصدوق ـ اكمال الدين: ١٠٤.

(٢) كتاب في رحاب علي: ص١٤، ١٥ وكتاب: ما الفوارق بين السنة والشيعة: ص٥٣ نقلا عن كتاب (أبوطالب) لعبدالعزيز سيّد الأهل.

٢٣
(الخطة) (١) و يستشهدون لذلك ـ ضمن ما يستشهدون به:

١ ـ بمواقفه في مؤازرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مما أسلفنا الاشارة الى بعض منه.

٢ ـ وبما روى عنه من أشعار كثيرة تنبىء عن ذلك، ومنها (٢).

قوله:

ولقد علمت بأن دين محمد *من خير أديان البرية دينا

وقوله:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا *نبيا كموسى خط في أول الكتب

(١) كما أمر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم نعيم بن مسعود الأشجعي في غزوة الخندق أن يظل كاتما ايمانه ليتمكن من التخذيل عن المؤمنين ـ راجع سيرة ابن هشام: ٢/٢٢٩.

(٢) أنظر في ذلك ابن أبي الحديد ـ شرح نهج البلاغة: ١٤/٥٥ ـ وما بعدها.

٢٤

وقوله (١):

فأيده رب العباد بنصره *وأظهر دينا حقه غير باطل

وقوله (٢):

لقد علموا أن أبننا لا مكذب *لدينا ولا يعني بقوله الأباطل
فمن مثله في الناسر الا مؤمل *اذا قاسه الحكام عند التفاضل

وقوله (٣):

والله لن يصلوا اليك بجمعهم *حتى أوسد في التراب دفينا
فأصدع بأمرك ما عليك غضاضة *وابشر وقر بذاك منك عيونا

فهو في هذه الأبيات كلها ـ يصدق محمدا

(١) سيرة ابن هشام: ١/٢٨٠.

(٢) نفس المصدر: ١/٢٨٠.

(٣) شرح النهج: ١٤/٥٥.

٢٥
صلى الله عليه وآله وسلم، ويؤمن بنبوته وبدينه، ومن ثم تصدى لنصرته بكل مرتخص وغال.

٣ ـ وبما روي في الأخبار الثابتة من أنه:

(أ) لم ينكر على ابنه علي عليه السلام ايمانه بدين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يزجره على ذلك، أو ينهه عنه، بل أقره عليه، مع ما يعلمه بما يعرضه ذلك للمتاعب والأهوال (١).

(ب) لما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليا عليه السلام يصلي خلفه عن يمينه ـ وكان معه ولده جعفر ـ قال لجعفر: صل جناح ابن عمك، فصل عن يساره (٢)، مما يدل دلالة واضحة على اسلامه فعلا، والا لما أقر ابنه عليا على اسلامه وصلاته، ولما أمر ابنه الثاني جعفرا بأن ينضم الى أخيه في الصلاة، وهي عمود الاسلام، فالولد

(١) شرح النهج: ١٤/٧٥.

(٢) ابن الأثير أسد الغابة: ١/٣٤١.

٢٦
هو أعز ما يحرص الانسان على تنشئته وفق آرائه ومعتقداته، بل وعاداته، وبخاصة في ذلك العصر من الزمان، وكذلك البيئة القبلية من المكان، بل كان هذا هو ديدن ناس ذلك الأوان، كما سجله، كذلك، القرآن ـ حكاية عنهم ـ يقول الله تعالى ((انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون (١).

ويزيد هذا تأكيدا أن أبا طالب أنشد، حينئذ، شعرا سجل فيه سعادته بذلك، يقول فيه:

ان عليا وجعفرا ثقتي *عند ملم الزمان والنوب
لا تخذلا، وأنصرا ابن عمكما *أخي لأمي، من بينهم، وابي
والله لا أخذل النبي، ولا *يخذله من بني ذو حسب (٢)

(١) الزخرف: ٢٣.

(٢) شرح النهج لابن أبي الحديد: ١٤/٧٦.

٢٧

فهو لا يكتفي بأمرهما بالصلاة خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحسب، وانما هو يمدحهما ويثني عليهما في ذلك، يأمرهما بنصرته وعدم خذلانه، ويقسم على ألا يصدر منه، ولا من أحد بنيه، خذلان له أبدا.

(ج) أن زوجته فاطمة بنت أسد، (أم علي ـ وجعفر)، كانت ثاني امرأة تدخل في الاسلام، بعد خديجة الكبرى، زوجة رسول الله، مع ما هو معلوم من تأثير كل أم على بنيها ـ ذكورا واناثا ـ ومع ما هو معلوم، أيضا، من أن تقاليد ذلك الزمن كانت تقضي بألايقر الزوج زوجته اذا خرجت عن عقيدته الى عقيدة أخرى. ومن ثم فكيف يتصور ـ أن يقرها أبو طالب ـ وهو من هو في قومه ـ على اسلامها بينما يكون هو باقيا ومصرا على أن يكون على غير الاسلام؟

(د) لما علم أن قريش علمت على الدس لدى نجاشي الحبشة ضد مهاجري المسلمين اليها كتب اليه كتابين من الشعر، نبهه في أحدهما الى هذا

٢٨
الدس، وأغراه بأن يكون على الأمل في شهامته وبسط جواره على كل من يلجأ الى حماه، وذلك اذ يقول فيه:

تعلم أبيت اللعن أنك ماجد *كريم، فلا يشقى لديك المجانب
تعلم بأن الله زادك بسطة *وأسباب خير كلها بك لازب
وانك فيض ذو سجال غزيرة *ينال الأعادى نفعها والأقارب (١)

ويدعوه في ثانيهما الى الاسلام، كما جاء فيه، من قوله:

تعلم مليك الحبش أن محمدا *نبي كموسى، والمسيح ابن مريم
أتى بالهدى مثل الذي أتيا به *فكل، بأمر الله، يهدي لمعصم

(١) سيرة ابن هشام: ١/٣٣٣ ـ ٣٣٤.
٢٩
وانكم تتلونه في كتابكم *بصدق حديث، لا حديث المرجم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا *فان طريق الحق ليس بمظلم (١)

فهل من يدعو الى الاسلام يكون غير مسلم؟

(هـ) لما علم بتظاهر قريش على الرسول قال (٢):

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا *نبيا كموسى خط في أول الكتب
فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا *لعزاء من عض الزمان ولا كرب

(و) لما بلغه أن أحد المشركين، وضع أقذاره على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ساجد في الصلاة، وأنه يسخر من حركاته فيها، ويظاهره في هذه السخرية بعض الحاضرين،

(١) المستدرك على الصحيحين للحاكم: ٢/٦٢٣ ـ ٦٢٤. باختلاف بسيط.

(٢) سيرة ابن هشام: ١/٣٥٢.

٣٠
جاء مسرعا مغضبا الى حيث يوجد النبي حينئذ، وسأل من فعل به هذا، فلما علم أنه الشاعر ابن الزبعري لطمه لطمة أدمته، وألقى عليه نفس القاذورات، ولوث بها لحييه، ثم توجه الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ في عطف وحنان ـ فقال له: أرضيت؟ ولم يلبث أن جادت قريحته بشعر يتحدي فيه كل من يقف في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودعوته الى دينه، يقول فيه:
أنت النبي محمد *قدما أعز مسود
أني تضام ولم أمت *وأنا الشجاع العربد
وبطاح مكة لا يرى *فيها نجيع أسود
وبنو أبيك كأنهم *أسد العرين توقدوا
نعم الأرومة أصلها *عمرو الحطيم الأوحد
ولقد عهدتك صادقا *بالقول لا تتزيد
ما زلت تنطق بالصوا *ب وأنت طفل أمرد (١)

٤ ـ وبما روي عن العباس أنه سأل النبي

(١) ابن أبي الحديد ـ شرح النهج: ١٤/٧٧.
٣١
صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة، فقال: يارسول الله، ما ترجو لأبي طالب؟ فأجابه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ((أرجو له كل الخير من الله عز وجل (١).

فهل يرجو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخير ـ بل كل الخير لأحد، وجهت اليه دعوة الاسلام، ولم يستجب اليها؟

ويرى بعض المعتزلة وأكثر الجمهور من السنة أن أبا طالب مات على غير الاسلام (٢) وأن نصرته وحمايته للنبي كانت بسبب القرابة العائلية، ومن قبيل النخوة والقبلية، ويستشهدون لذلك ـ ضمن ما يستشهدون به له:

١ ـ بأبيات كثيرة من شعره تؤيدهم فيما ذهبوا اليه، ومنها:

(١) شرح النهج: ١٤/٦٨.

(٢) ابن أبي الحديد ـ شرح النهج: ١٤/٦٦.

٣٢

قوله:

فوالله، لولا أن أجيىء بسبة *تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا أتبعناه على كل حالة *من الدهر جدا غير قول التنازل (١)

وقوله:

لولا الملامة أو حذارى سبة *لو جدتني سحا بذاك مبينا (٢)

ويلاحظ على هذين القولين أنه، يجد الحرج في الاعلان عن، اسلامه، ولكنه يؤكد بهما حقيقة ايمانه. ومن ثم كيف يقال: أنه مات على ما كان عليه قبل الإسلام؟

٢ ـ وبما رواه ابن اسحاق من أنه صلى الله عليه وآله وسلم طمع في اسلام أبي طالب لما رأى منه قبل وفاته،

(١) سيرة ابن هشام: ١/١٨٠.

(٢) ابن أبي الحديد ـ شرح النهج: ١٤/٥٥.

٣٣
فجعل يقول له: ((أي عم، قلها ـ أي كلمة التوحيد ـ استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة، فأجابه أبو طالب: يا ابن أخي، والله ـ لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أنني انما قلتها فزعا من الموت، لقلتها، ولا أقولها الا لأسرك بها (١)، فلما تقارب الموت من أبي طالب، نظر العباس اليه فوجده يحرك شفتيه، فأصغى اليه بأذنيه ثم قال: يا ابن أخي لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم أسمع)) (٢). فهو هنا مؤمن، ولكنه يخاف ـ من اعلان اسلامه ـ السبة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى بني أبيه.

ولعمري كيف يمكن أن يكون اسلام أبي طالب سبة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو نبي الاسلام، الداعي اليه، متحملا من الايذاء في سبيله ما لا قبل لغيره به، اذا سلمنا، جدلا، أنه يكون سبة على بني أبيه؟ بل هل يدعو النبي

(١) سيرة ابن هشام: ١/٤١٨.

(٢) المصدر نفسه: ١/٤١٨.

٣٤
الى ما فيه سبة عليه؟ وكيف يتصور أن يكون اسلام أبي طالب على بني أبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حينئذ سبة، وقد كان علي وجعفر وعمهما حمزة، كلهم في ذلك الوقت مسلمين فعلا بصورة علنية؟

على أنه كيف يتصور أن يهتم العباس بأن يتابع شفتي أبي طالب، حينئذ، ويتسمع اليه بأذنيه ـ ليتأكد مما يقول في شأن هذا الذي أمره به النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهو لما يعرف عنه الإسلام بعد، والتاريخ يذكر أنه ظل على موقفه من الإسلام بعد، والتاريخ يذكر أنه ظل على موقفه من الإسلام حتى شهد بدرا في صفوف المشتركين، وكان من أسراها؟

وحينئذ كيف يتصور اذا كان اسلام أبي طالب سبة على بني أبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. أن يحقق العباس هذه السبة، فيقول للنبي: ((يا ابن أخي، لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها))؟ وكيف يتصور ـ اذا كان ذلك قد حدث فعلا ـ أن يقول النبي صلى الله عليه وآله

٣٥
وسلم: ((لم أسمع))، مع أنه هو الذي أمره أن يقولها، وأخبره عمه بنطقه بها؟

٣ ـ وبما روي عن ابن عباس في تفسيره لقول الله تعالى: ((وهم ينهون عنه، وينأون عنه (١) أنه قال: أنزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين عن أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتباعد عما جاء به)) (٢).

فكيف يتفق هذا مع ما سبقت روايته عن ابن عباس نفسه من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرجو لأبي طالب كل الخير من ربه؟ لابد أن احدى الروايتين مكذوبة (٣) على ابن عباس.

٤ ـ وبما روي أن عليا عليه السلام جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين مات أبو طالب ـ فقال: ان عمك الضال قد مات، فقال

(١) الأنعام: ٢٦.

(٢) أسباب النزول ص١٤٤ للواحدي.

(٣) مما يشير الى أن المقام دخله الكذب والوضع وناهيك بما في هذا من اثارة للشك والريبة من الرواية.

٣٦
اذهب فغسله، وكفنه، وواره (١) فكيف يتفق هذا مع ما سبقت روايته عن الامام علي نفسه من أنا أبا طالب ما مات حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نفسه الرضا؟ واذن فلابد أن احدى الروايتين مكذوبة أيضا على علي عليه السلام.

ولو سلمنا جدلا، أن أبا طالب لم يعلن اسلامه قبل مماته، فهل ينكر أحد أنه لم يدع وسيلة لنصرة النبي وحماية دعوته إلا وأتبعها؟

وهل من كان هذا شأنه يستحق من ابنه المسلم، أن يقول عنه ـ حين مماته ـ لرسول الله أن عمك الضال قد مات؟

أفلا كان يكفيه، وهو ربيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمنشأ على أخلاق الإسلام وعفة اللسان ـ أن يقول، حينئذ: ان عمك قد مات، دون أن يصفه بالضلال؟

(١) شرح السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني: ١/١٥٣.
٣٧
كتاب عقيدة أبي طالب للسيد طالب الحسيني الرفاعي (ص ٣٨ - ص ٧٧)
٣٨
الإسلامي كله، طولا وعرضا… كل ذلك ينبغي أن يكون في الاعتبار عند النظرة الى هذا الشعر أو ذاك، والى هذه الرواية أو تلك، عن اسلام أو عدم اسلام أبي طالب، الذي شاء له القدر ـ بلا نزاع من أي من الفريقين ـ أن يكون كافل النبي صلى الله عليه وآله وسلم طفلا، وراعيه يافعا، وحاميه عند مبعثه، حيث لم يكن له بين الناس حام سواه.

واذا كان مما لا خلاف فيه، أيضا، أن ما جرى لأهل البيت خلال القرون المتوالية على الأمة الإسلامية من جحود وقطيعة ـ عقب وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان كفيلا بأن يحول بين صفحات التاريخ وبين أن تخط فيها كلمة انصاف يكتبها قلم، أو تنطقها شفتان، تثنى عليهم أو تعترف بفضلهم… (١),

فلقد كانت الحرب ـ ولا تزال بصورة أو بأخرى معلنة عليهم في كل زمان ومكان. ولقد تعقبوا في النفس والولد والمال والسمعة، ولاحقتهم الاحقاد باللعن والسب والإساءة… وحل بهم

(١) هذه الفقرة مقتبسة من ص٦٦ ـ ٦٧.
٣٩
التنكيل والتقتيل في كل مكان. ولم يكن عجبا ـ والحالة هذه ـ أن يتناولهم كثير من الكتاب، ورواة الأنباء والأخبار بما يستجيب ويتمشى مع النزعات السياسية والمذهبية المخالفة، بما يثلبهم ويقدح فيهم، ويحرف الحقيقة في شأنهم، وأن يكون موقف ذوي الضمير من هؤلاء، وهؤلاء متمثلا في اهمال أمرهم، وعدم التعرض لذكرهم بسلب أو بايجاب، خشية من أن ينالهم ما ينالهم من الأذى والنكال والعقاب، مما كان يحل بكل من اتخذ الموقف الحق منهم، وفي أحداث تاريخنا المعاصر ما يمدنا بالأمثلة الصارخة، والمتعددة، مما يحدث للمعارضين للحكام.

ومن ثم فاذا تسرب الينا ـ من خلال هذا الحصار والإعسار ـ شيء من سيرتهم المضيئة، أو قبس من أقوالهم ومواقفهم المعبرة عن حقيقة الإسلام، أو شعلة من معالم سلوكهم الرشيد، فلا شك أنه حدث في غفلة من الطغاة وأعوانهم، وعلامة صحية على أن العقيدة ـ حين تملك على الإنسان وجدانه وسلوكه ـ تدعوه لأن يتحدى

٤٠