×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عقيدة أبي طالب / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الأوضاع، ليتغلب عليها بقدر الإمكان. وهذا هو الذي ظهر، فيما بعد، أنه كان حتى أصبح مادة لما نقوله الآن.

لقد وصل الينا ـ رغما عن كل الموانع والعوائق ـ شعر يحدثنا عن اسلام أبي طالب، منسوبا اليه، وروايات تاريخية تؤكد ذلك منه، أفلا يكون هذا مرجحا لما روي من هذا أو ذاك، على ما روي في الجانب الآخر النافي لإسلامه؟

ان الأمر ـ حينئذ، والحالة هذه ـ ان لم يرق الى رتبة الدليل، فانه، بلا شك، لا ينزل عن مرتبة القرينة القوية التي تصل بانضمام غيرها من القرائن الى مرتبة الدليل القوي، والبرهان الجلي، دون أن يعني هذا تهوينا من نسبة هذا الشعر الى أبي طالب، أو صحة تلك الروايات، بما فيها من دلالة صريحة على اسلامه، فقد ورد ذكرهما في كثير من الكتب والمراجع التارخية المعترف بوثاقتها، وصحة نقلها مثل: تاريخ ابن كثير، وسيرة ابن هشام، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ومستدرك الحاكم.

٤١
ومن ثم فاننا نضم الى تلك القرينة القوية غيرها من القرائن الآتية، وسنجد أنها كلها يأخذ بعضها برقاب بعض، مؤكدة اسلام أبي طالب، حتى لا يبقى في ذلك مجال للشك، وذلك أنه من المعلوم:

١ ـ أن رابطة الدين هي أقوى الروابط الاجتماعية، وأمامها تذوب، بل تزول وتتلاشى، سائر الروابط النسبية والسببية، أيا كان نوعها، وأيا كانت درجة كل نوع منها، حتى لقد يبلغ من قوة تأثيرها أن تدفع الأخ لأن يحارب ـ في سبيلها ـ أخاه، بل وابنه وأباه، وأنها تمنع التوارث بمجرد اختلافها، وأن الولاء والتناصر يتحققان بين المتفقين فيها، مهما تباعدوا نسبيا، أو تفاوتوا اجتماعيا.

ومن ثم لا يمكن أن يقال: ان رابطة القرابة كانت سبب نصرة أبي طالب لرسول الله وحمايتة له من أعدائه، تلك الحماية التي لولاها لما أمكن للدعوة الإسلامية أن تأخذ مسارها نحو الشيوع والانتشار، والا فقد كان أبو لهب ايضا ـ ونبفس المقدار ـ جديرا بنفس النصرة والحماية، فكلاهما

٤٢
عم لرسول الله، ولكن أبا لهب على العكس من أبي طالب كان حربا عوانا على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودينه وأتباعه، بكل أصناف الحرب وأنواع الإيذاء…

واذن فالعقيدة هي الأولى أن تكون عامل التفرقة بين الرجلين فأبو لهب ملكت عليه عقيدته كل آفاق تفكيره فلم ير شيئا غيرها جديرا بالنظر والاعتبار، فكانت وقفته المتحدية لله ولدين الله ولرسول الله، لا يرعى في ذلك رحما أو قرابة، حتى عرض ابن أخيه للهلاك واهدار الدم، بينما أبو طالب، اذ أخذت عليه عقيدة الاسلام كل آفاق تفكيره ـ بعد أن اقتنع بها، انطلاقا من تجربته لصدق محمد صلى الله عليه وآله على طول عمره قبل البعثة ـ فرآها جديرة بالاعتبار بل والانتصار، ومن ثم اندفع يؤيدها بكل مرتخص وغال، معرضا نفسه للمتاعب والأهوال، مما سنعرض لطرف منه في الفقرات التالية:

فالرجلان (أبو طالب وأبو لهب) من قرابة محمد

٤٣
صلى الله عليه وآله وسلم متماثلان، ومن ثم لم يكن اختلاف موقف كل منهما عن الآخر منه صلى الله عليه وآله وسلم الا تبعا لعقيدة كل منهما فيه وفي دينه فكان أحدهما الى اليمين وكان الآخر الى اليسار.

٢ ـ أن أبا طالب كان يرى بطلان عقيدة قومه من مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإسلام، فقد ثبت ـ كما سبقت الإشارة ـ أنه كان من المتألهين الحنفاء، الذين لم يهيموا بصنم قط، ولم يسجدوا لوثن أبدا، كما كان على ذلك أبوه عبدالمطلب تماما (١).

٣ ـ أن أبا طالب أقر ابنه عليا عليه السلام على متابعته لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، والابن أهم ما يحرص الأب على الحفاظ على عقيدته، ودينه، وأمنه وسلامته، فكيف اذن كان هذا الدين يعرض من يتبعه لصنوف من الإيذاء والآلام؟ وهل يكون ذلك من غير مسلم؟

(١) الشيخ الصديق اكمال الدين: ١٠٤ والقاضي عياض في كتابه الشفا: ١/١٨٣.
٤٤

٤ ـ أن أبا طالب رأى النبي يوما يصلي وعن يمينه ابنه علي، وكان معه ابنه جعفر فأمره أن يدخل في الجماعة، قائلا له: ((صل جناح ابن عمك، فصل عن يساره))، مما يدل على أن جعفرا كان مسلما من قبل، ويعرف الصلاة الإسلامية، وأن أبا طالب كان يعرف أحكامها كذلك. وهو بذلك يقدمه مع أخيه قربانين لهذا الدين في مناخ كله حرب عليه وشجب له، فهل يكون ذلك من غير مسلم؟

٥ ـ أن أبا طالب ظل على موقفه من نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحمايته له ولدعوته طول حياته ولم يسلمه ـ تحت أي ظرف ـ الى خصومه وأعدائه أبدا.

٦ ـ أن أبا طالب صمد لتحدي قريش بالمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية، مقيما بشعبه في مكة، ثلاث سنوات متواصلة مع بني هاشم، عانوا خلالها جميعا من الشظف والمسغبة والحرمان مما تعجز الكلمات عن وصف مداه وتقدير عنائه، دون

٤٥
أن يتطرق اليه الوهن أو الضعف أو التردد، فهل يكون ذلك لمجرد القرابة دون أن يكون للعقيدة مدخل فيه؟

٧ ـ أن أبا طالب لم يتردد في تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما أخبره أن الأرضة قد أكلت وثيقة المقاطعة المودعة بالكعبة ولم يبق فيها الا اسم ((الله)) فقط، فخرج الى قريش متحديا بذلك. وكان الأمر كما أخبر الرسول تماما، فهل يكون ذلك من غير مسلم؟ أو هل يبقى بعد ذلك غير مسلم، لو لم يكن مسلما من قبل؟

٨ ـ أن النبي ظل مقيما بمكة يدعو الى الإسلام، آمنا على حياته" طيلة حياة أبي طالب، ولم تضق عليه الأرض بمكة إلا بعد أن فقده بموته، فكان أذن الوحي له بالهجرة، لأن البقاء في مكة بعد أبي طالب لم يكن يعني فقط اجهاض الدعوة، واكراه المؤمنين بها على الارتداد عنها، وانما كان يعني أيضا الإجهاز على الإسلام نهائيا من الأساس لو تعرض النبي للقتل. وهذا هو

٤٦
ما خطط له القرشيون بالفعل، وعلى رأسهم عمه أبولهب، وكانت ساعة الصفر في نفس الليلة التي أذن النبي فيها بالهجرة، من مكة الى المدينة، فهل من كان وزنه بالنسبة للدعوة الإسلامية أن حياته في مكة حياتها وحياة نبيها، وأن مماته بمكة تعريض لهما الى الضياع والفناء، يكون على غير دين الإسلام؟

٩ ـ و أخيرا وليس آخرا اننا نجد التاريخ لا يسجل، ولو لمرة واحدة، أن أعدى أعداء على ابن ابي طالب ـ وهو معاوية بن أبي سفيان ـ يطعن في اسلام أبي طالب، مع أنه لم يكن يرعى عهدا ولا ذمة في الطعن على علي عليه السلام والادعاء عليه بما ليس فيه والانتقاص منه بنسبة ما هو متأكد من براءته منه، حتى لقد بلغ من حقده عليه أنه.

(أ) أمر بلعنه على منابر المساجد، وأوصى باستمرار ذلك من بعده.

٤٧

(ب) تتبع كل من يوالونه ليكرههم على البراءة منه أو يقتلهم أن امتنعوا من ذلك.

(ج) أمر بوضع الأحاديث التي تنسب اليه ما يشينه من جهة، والتي تضفى على غيره ما خصه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صفات ومزايا من جهة أُخرى.

ومع كل هذا فلقد كان علي عليه السلام يهاجمه بما فيه أمه هند، وأبيه أبي سفيان، من مذام ومثالب، فهل كان معاوية ـ وقد صار الأمر الى الآباء والأمهات ـ يعف عن أن يرمي عليا عليه السلام في أبيه بتهمة الكفر، لو كان لذلك ظل من الشبهة، فضلا عن الحقيقة، نكاية في علي، وردا على نيله من أبويه (١)؟

لا يقولن أحد ما يدريك لعل ذلك قد كان من معاوية، فها هي رسائل معاوية كلها الى علي عليه السلام ـ كما يسجلها التاريخ ـ لا تنطوي واحدة منها على كلمة تشير ـ من قريب

(١) شرح نهج البلاغة: للشيخ محمد جواد مغنية: ٣/٤٧١.
٤٨
أو من بعيد ـ الى أن أبا طالب لم يكن ـ حين مات ـ على غير الإسلام، مما يؤكد أن قضية التشكيك في اسلام أبي طالب لم تكن مطروحة حتى زمن تمرد معاوية على علي عليه السلام، والا اهتبل معاوية فرصتها، وكال لعلي، في هذا الباب، مقابل الصاع صاعين.

ولا أدل على ذلك من أن معاوية، حينما دخل عليه، بالشام، عقيل بن أبي طالب، في زمن خلافة أخيه علي عليه السلام، وأراد أن يقلل من شأن عقيل، (اسلاميا، بما ينسحب، تبعيا، الى الامام علي عليه السلام فقال له: أين عمك أبولهب يا عقيل، فكان جواب عقيل الفوري عليه يا معاوية، اذا دخلت النار فمل عن يسارك قليلا، تجده مفترشا عمتك أم جميل (١).

فما الذي كان يحوج معاوية الى أن يعدل ـ في هذا الإحراج ـ الى أبي لهب، فيحيق به مكره كما حدث له، ويترك أبا طالب لو أن هناك أدنى

(١) العقد الفريد: ٢/٣١٥.
٤٩
شك في اسلامه، حيث كان، حينئذ، سيضرب عصفورين بحجر واحد، يحرج عقيلا، ويشهر بخصمه الألد علي عليه السلام دون أن يدع لعقيل فرصة الرد عليه بما يفحمه كما حدث بالنسبة لأبي لهب.

أفلا يدل هذا وحده دلالة أكيدة على أن كل ما روي في شأن عدم اسلام أبي طالب ـ فيما بعد ـ كان من قبيل الوضع، وتزييف الحقيقة، والافتيات على الواقع؟

أما بعد:

فهذه قرائن تسع، تكفي كل واحدة منها حين تنضم الى ما روي من شعر منسوب الى أبي طالب يثبت اسلامه، أو روايات المؤرخين في هذا الشأن لأن تقيم الدليل القاطع، الذي لا يدفع، على أن أبا طالب انما مات على الإسلام، فكيف بها مجتمعة، متضافرة، ومتكاملة، يأخذ بعضها برقاب بعض، نحو غاية واحدة، ونتيجة مؤكدة، وهي أن أبا طالب ـ حين مات ـ انما مات على الإسلام، لا أقول الإسلام الذي وقع حينئذ فقط،

٥٠
وانما الإسلام الذي كان، منذ بداية بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون جدال.

وفي ضوء ما تقدم جمعه يثور تساؤل ملح يتلخص في أنه ما هو السر في هذا اللغط، الذي دار ـ ولا يزال يدور ـ حول اسلام أبي طالب، نفيا واثباتاً؟

ولا أرى تعليلا لذلك الا أن السياسة شاءت ذلك، فكان لها من أعوانها وحاشيتها من الكتاب والمؤرخين والرواة ما شاءت، ذلك أن أبا طالب هو أبو علي عليه السلام الإمام، وكنز الأئمة وحق علي عليه السلام ـ والأئمة من بعده ـ في ولاية أمر الأمة، سياسيا واجتماعيا، دون غيرهم، هو معتقد الشيعة، وقد صار أمر الأمة الى غيرهم، فكانت مصلحة الحاكمين ـ وخاصة في العصر العباسي (١)

(١) بعد أن خرج كثير من أهل البيت ضد المنصور العباسي أطلق هذه الفرية ضد أبي طالب ليوحي الى الناس أن العباسيين هم بنو العم، الذي أسلم بينما الطالبيون هم بني العم، الذي لم يسلم. وبذلك يزكي ويرجح موقفه السياسي على خصومه من أهل البيت.
٥١
ـ ملاحقة هؤلاء الأئمة بالتنكيل والتحريف والتشويه بشتى الوسائل، طالما كانت قلوب الناس تطوف حولهم وتعطف على مظلوميتهم. ومن ثم لم يدع الحكام فرصة لثلب مزايا الأئمة، ونفي محاسنهم، وشل مفاخرهم، الا واهتبلوها.

ولقد كان في مقدمة مفاخر آل البيت موقف أبي طالب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ودينه منذ بدأ، رعاية وحماية، ودفاعا مجيدا، لا يقف عند حد، ولا يتقيد بقيد، بما لولاه لما تمكن أن يأخذ هذا الدين طريقه الى نور الحياة فضلا عن أن ينتشر ثم ينتصر. ومن ثم كان أبوطالب من أهداف هذه الحملة السلطوية الشنعاء ضد أهل البيت، فكانت الأشعار المنحولة، والروايات الموضوعة المدخولة، لنفي اسلامه، حتى لم يتورعوا، في هذا المجال، عن أن ينسبوا بعض الروايات تارة الى علي نفسه، وأخرى الى ابن عباس (١).

(١) أنظر: ص٣٥.
٥٢

وما رأينا مثل هذا الجدل ثار حول اسلام كثير من المنافقين، وبخاصة من الذين قال الله تعالى فيهم لنبيه: (لا تعلمهم، نحن نعلمهم) (١) ولكنه ثار حول اسلام أبي طالب، لا لشيء الا لأنه أبو علي عليه السلام الإمام، أبي الإمامين، وجد الأئمة، متمثلا في التشكيكات التي حيكت لها الأشعار. والروايات، تنفيرا للناس، وصرفا لهم عن قضية الأئمة، ونشرا للضباب حولها، حتى لا تكون الحقيقة واضحة جلية أمام الرعية، فيطمئن الحكام الى استقرار ملكهم، واستمرار حكم أسراتهم. ولكن الله كان بالمرصاد، فقد أشرقت شمس الحقيقة، فبددت سحائب الضباب المصنوع، حيث شاء الله تعالى أن تذهب ـ الى غير رجعة ـ عصور العصبية المذهبية والعداوة العائلية لأهل البيت، وسادت الحرية الفكرية، فانطلق الحق

(١) التوبة: ١٠١.
٥٣
يأخذ طريقه الى الوضوح والأسفار عن وجهه الصحيح. ومن ثم فان الغد القريب أو البعيد سيشهد ـ باذن الله تعالى ـ تصحيح كثير من المفاهيم، وانصاف كثير من المظاليم، واذابة الثلوج بين القائلين باسلام أبي طالب والقائلين بعدم اسلامه، لا بالنسبة لهذا الموضوع فحسب، ولكن بالنسبة لكثير من المعتقدات المدعاة والمفتراة، ولله عاقبة الأمور. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد وعلى آله الميامين وسلم تسليما كثيرا.
٥٤

رأي الأستاذ عبدالفتاح عبدالمقصود في اسلام أبي طالب

واليك أيها القارىء الكريم ما جادت به براعة الأستاذ عبدالفتاح عبدالمقصود فلقد اخترته شاهدا لانصاف هذه الحقيقة لأنه لم يكن من الشيعة حتى يتهم بالتحيز لقضيتهم وقد ذكرنا في المقدمة أنه كان له رأي في بداية عهده بالكتابة يقف فيه من ايمان أبي طالب موقفا سلبيا ثم انتهى بعد ذلك الى هذا الرأي الجديد الايجابى نرجو أن تسايره لتعرف وجه الحق في رأيه الجديد (١).

يقول الأستاذ: ورد في الأخبار أن أبا طالب: عبدمناف بن عبدالمطلب، رأى النبي وعليا يصليان، وكان معه ولده جعفر، فقال له:

((يا جعفر.. صل جناح ابن عمك، فصل عن يساره)).

(١) لأول مرة ينشر هذا الرأي.
٥٥

ثم أنشد:

((ان عليا وجعفرا ثقتي *عند ملم الخطوب والنوب
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما *أخي لأمي، من بينهم، وأبي
والله لا أخذل النبي ولا *يخذله من بني ذو حسب))

وأثر أيضا أنه ـ لما علم أن قريشا تكيد لمهاجرة المسلمين بالحبشة ـ كتب الى النجاشي ينبهه الى هذا الكيد كتابا من الشعر، قال فيه:

((تعلم أبيت اللعن انك ماجد *كريم، فلا يشقى اليك المجانب
تعلم بأنّ الله زادك بسطة *وأسباب خير كلها بك لازب
وانك فيض ذو سجال عزيزة *ينال الأعادي نفعه والأقارب))
٥٦

وأردف بكتابه هذا، خطابا شعريا آخر، دعاه فيه الى الإسلام كان منه:

تعلم، مليك الحبش، أن محمدا *نبي كموسى والمسيح بن مريم
أتى بالهدى مثل الذي أتيا به *فكل، بأمر الله، يهدي لمعصم
وانكم تتلونه في كتابكم *بصدق حديث، لا حديث المرجم
فلا تجعلوا لله ندا، واسلموا *فان طريق الحق ليس بمظلم

وروي أنه سمع يوما أن ((ابن الزبعري)) جاء باقذار، فألقى بها على رسول الله وهو ساجد يصلي، وراح يسخر به، ويتابعه على سخريته جمع من المشركين ـ فأقبل مسرعا غاضبا، وسأل ابن أخيه:

((يا بني.. من الفاعل بك هذا؟))

فلما علم، لطم الشاعر الضال لطمة أسالت دمه

٥٧
... ثم لطخه بتلك الأقذار، ولوث بها لحى الفريق الساخر... وقال للرسول:

ـ ((أرضيت؟..))

وأنشده شعرا من بينه:

أنت النبي محمد *قرم أغر مسود
أني تضام ولم أمت *وأنا الشجاع العربد
وبطاح مكة لا يرى *فيها نجيع أسود
وبنو أبيك، كأنهم *أسد العرين، توقدوا
نعم الأرومة.. أصلها *عمرو الحطيم، الأوحد
ولقد عهدتك صادقا *بالقول لا تتزيد
ما زلت تنطق بالصو *اب وأنت طفل أمرد

وبعيدا عن هذا الذي أثر عن ابي طالب من أشعار، كان لابد لي من جولة فيها وأنا أقدم لهذه، الكتاب (١).. بعيدا عنه والى جواره أيضا نجد

(١) ذكرنا في المقدمة أنه تقديم لكتاب أسنى المطالب لمؤلفه العالم الشافعي الجليل ريني دحلان رحمه الله تعالى.
٥٨
طائفة من رواه الأخبار لها ولوع شديد بأن تطلع على الناس بالعديد من أبطال التاريخ الاسلامي وقد وضعت على شفاههم من القصائد والأراجيز الطوال والقصار أبيات شتات تضفي على مواقفهم المعروضة من روعة البيان النظيم، صحة جمالية تسحر المشاعر، وتجسد البطولات وان كان الكثير من ذلك الشعر لما لا يوافق المألوف ولا يطابق مقتضى الحال، وان كان الكثير أيضا من تلكم المواقف التي قيل فيها، ليزخر من الأهوال والأخطار بما هو أحرى بأن يشغل الناظم المرتجز عن نفسه وسيفه فضلا عن معالجته نظم الشعر وسوق القريض.

بل ليمكن القول بوجه عام أن جانبا مرويا عن لسان بطل من الأبطال، يأتينا خلوا من سمات عصره، ومن خصائص النظم السائدة في أوان.. أو مفتقرا إلى القدرة البلاغية والمزايا الشعرية للذين نسب اليهم وورد أنهم قائلوه.. كما أن جانبا آخر منه قد يرى فيه في الأسفار والدواوين منسوبا

٥٩
الى بطل آخر.. أو أكثر.. سوى البطل المقصود وليس يعوزنا الاستدلال فالكتاب الذي في أيدينا جاء فيه:

ومن شعره (شعر أبي طالب) قوله:

وشق له من اسمه ليجله *فذو العرش محمود وهذا محمد

ثم يضيف:

هكذا نسب الحافظ ابن حجر في الاصابة هذا البيت لأبي طالب وقيل بأنه لحسان بن ثابت الأنصاري.

وذهب مشركو قريش مرة لأبي طالب يقولون له:

يا ابا طالب.. هذا عمارة بن الوليد، انهد فتى في قريش.

وأشعره وأجمله، فخذه فلك عقله ونصرته، واتخذه ولدا، وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه

٦٠