×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

غاية المرام وحجة الخصام في تعيين الإمام (ج 7) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الباب الثلاثون والمائة

في زهد أمير المؤمنين (عليه السلام)

من طريق الخاصة وفيه ثلاثون حديثا


الأول: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن محبوبعن حماد عن حميد وجابر العبدي قالا: قال أمير المؤمنين: " إن الله جعلني إماما لخلقه، ففرضعلي التقدير في نفسي ومطعمي ومشربي وملبسي كضعفاء الناس كي يقتدي الفقير بفقري، ولايطغي الغني غناه "(١).

الثاني: ابن يعقوب هذا عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد وعدة من أصحابنا عنأحمد بن محمد وغيرهما بأسانيد مختلفة في احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) على عاصم بن زياد حينلبس العباءة وترك الملاء وشكاه أخوه الربيع بن زياد إلى أمير المؤمنين أنه قد غم أهله وأحزن ولدهبذلك فقال أمير المؤمنين: " علي بعاصم بن زياد " فجئ به، فلما رآه عبس في وجهه فقال له: " أمااستحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أخذك منها؟ أنتأهون على الله من ذلك أوليس الله يقول: *(والأرض وضعها للأنام * فيها فاكهة والنخل ذاتالأكمام)*(٢)، أوليس يقول: *(مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان)*(٣) إلى قوله: *(يخرجمنهما اللؤلؤ والمرجان)*(٤) فبالله لابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال، وقد قال عزوجل: *(وأما بنعمة ربك فحدث)*(٥) ".

فقال عاصم: يا أمير المؤمنين فعلى ما اقتصرت في مطعمك على الجشوبة وفي ملبسك علىالخشونة؟

(١) الكافي: ١ / ٤١٠، ح ١.

(٢) الرحمن: ١٠ - ١١.

(٣) الرحمن: ١٩ - ٢٠.

(٤) الرحمن: ٢٢.

(٥) الضحى: ١١.

٦

فقال: " ويحك إن الله عز وجل فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لايتبيغ(١) بالفقير فقره " فألقى عاصم بن زياد العباء ولبس الملاء(٢)(٣).

الثالث: محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد البرقي عن أبيه عن محمدابن يحيى الخزاز عن حماد بن عثمان قال: حضرت أبا عبد الله وقال له رجل: أصلحك الله ذكرتأن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس الخشن ويلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرىعليك اللباس الجديد فقال له: " إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، ولولبس مثل ذلك اليوم شهر به، فخير لباس كل زمان لباس أهله، غير أن قائمنا أهل البيت (عليه السلام) إذا قاملبس ثياب علي وسار بسيرة علي "(٤).

الرابع: ابن يعقوب عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن الحسن بن علي الوشا عنأحمد بن عايذ عن أبي خديجة عن معلى بن خنيس عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن عليا (عليه السلام) كانعندكم فأتى بني ديوان فاشترى ثلاثة أثواب بدينار، القميص إلى فوق الكعب، والإزار إلى نصفالساق، والرداء من بين يديه إلى ثدييه ومن خلفه إلى أليتيه، ثم رفع يده إلى السماء فلم يزليحمد الله على ما كساه حتى دخل منزله ثم قال: هذا اللباس الذي ينبغي للمسلمين أن يلبسوه "

قال أبو عبد الله (عليه السلام): " ولكن لا تقدروا أن تلبسوا هذا اليوم، ولو فعلناه لقالوا: مجنون ولقالوا: مراءوالله تعالى يقول: *(وثيابك فطهر)*(٥) قال: وثيابك أرفعها ولا تجرها، وإذا قام قائمنا كان هذااللباس "(٦).

الخامس: ابن يعقوب عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الأشعري،عن ابن القداح، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا لبس القميص مد يده فإذا طلععلى أطراف الأصابع قطعه "(٧).

السادس: ابن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن محمد بنسنان عن الحسن الصيقل قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " تريد أريك قميص علي (عليه السلام) الذي ضرب فيهوأريك دمه قال: قلت: نعم، فدعا به وهو في سفط فأخرجه ونشره، فإذا هو قميص كرابيس يشبه

(١) التبيغ: الهيجان والغلبة.

(٢) الملاء بالضم والمد جمع ملاءة كذلك ثوب لين رقيق، ومنه قوله: فلان لبس العباء وترك الملاء. مجمع البحرين.

(٣) الكافي: ١ / ٤١٠، ح ٣.

(٤) الكافي: ١ / ٤١١ / ح ٤.

(٥) المدثر: ٤.

(٦) الكافي: ٦ / ٤٥٥ / ح ٢.

(٧) الكافي: ٦ / ٤٥٧ / ح ٧.

٧

السنبلاني، فإذا موضع الجيب إلى الأرض، وإذا أثر دم أبيض شبه اللبن شبيه شطب السيف فقال:

هذا قميص علي (عليه السلام) الذي ضرب فيه، وهذا أثر دمه فشبرت بدنه فإذا هو ثلاثة أشبار، وشبرتأسفله فإذا هو اثنا عشر شبرا "(١).

السابع: ابن يعقوب عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار ومحمد بن يحيى عنأحمد بن محمد جميعا عن الحجال عن ثعلبة بن ميمون عن زرارة بن أعين قال: رأيت قميصعلي (عليه السلام) الذي قتل فيه عند أبي جعفر فإذا أسفله اثنا عشر شبرا وبدنه ثلاثة أشبار، ورأيت فيه نضحدم(٢).

الثامن: الشيخ في أماليه بإسناده عن الحسين بن علي (عليه السلام) قال: " أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) علي بنأبي طالب (عليه السلام) أصحاب القمص فسام وشيخا منهم فقال: يا شيخ بعني قميصا بثلاثة دراهم، فقالالشيخ: حبا وكرامة، فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم، فلبسه ما بين الرسغين إلى الكعبين وأتىالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم قال: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناسوأؤدي فيه فريضتي واستر به عورتي، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أعنك نروي هذا الحديثأو شئ سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

قال: بل شئ سمعته من رسول الله سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول ذلك عند الكسوة "(٣).

التاسع: الشيخ في أماليه قال: أخبرنا محمد بن مخلد قال: حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بنعبد الله بن يزيد الدقاق المعروف بابن الثمالي قال: حدثنا أبو قلابة الوقاشي قال: حدثنا عارم بنالفضل أبو النعمان قال: حدثنا مرجا أبو يحيى صاحب القسط قال: وقد ذكرته لحماد بن يزيد فعرفهعن معمر بن زياد أن أبا مطر حدثه قال: كنت بالكوفة فمر علي رجل فقال، هذا أمير المؤمنين عليابن أبي طالب (عليه السلام)، فتبعته فوقف على خياط فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم فلبسه فقال: " الحمدلله الذي ستر عورتي وكساني الرياش " ثم قال: " هكذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول إذا لبس قميصا "(٤).

العاشر: محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد وأبي علي الأشعري عنمحمد بن عبد الجبار جميعا عن ابن فضال عن علي بن عقبة عن سعيد بن عمر الجعفي عن محمدابن مسلم قال: دخلت على أبي جعفر ذات يوم وهو يأكل متكئا، وقد كان بلغنا أن ذلك يكره

(١) الكافي: ٦ / ٤٥٧ / ح ٨.

(٢) الكافي: ٦ / ٤٥٧ / ح ٩.

(٣) أمالي الطوسي: ٣٦٥ / مجلس ١٣ / ح ٢٢.

(٤) أمالي الطوسي: ٣٨٧ / مجلس ١٣ / ١٠٠. مع اختلاف في بعض أسانيد الرجال.

٨

فجعلت أنظر فدعاني إلى طعامه فلما فرغ قال: " يا محمد لعلك ترى أن رسول الله ما رأته عينيأكل وهو متكي من أن بعثه الله إلى أن قبضه، ثم رد على نفسه فقال: لا والله ما رأته عين يأكل وهومتكئ منذ أن بعثه إلى أن قبضه ثم قال: يا محمد لعلك ترى أنه شبع من خبز البر ثلاثة أيام متواليةمنذ بعثه الله تعالى إلى أن قبضه، أما إني لا أقول كان لا يجد، لقد كان يجيز الرجل الواحد بالمائةمن الإبل، فلو أراد أن يأكل أكل، ولقد أتاه جبرائيل (عليه السلام) بمفاتيح خزائن الأرض ثلاث مرات يخيرهمن غير أن ينقصه الله تبارك وتعالى ما أعد له يوم القيامة شيئا، فيختار التواضع لربه جل وعز، وماسئل شيئا قط فيقول: لا، إن كان أعطي وإن لم يكن قال يكون، وما أعطى على الله شيئا قط إلا سلمذلك إليه حتى إن كان ليعطي الرجل الجنة فيسلم الله ذلك له.

ثم تناولني بيده وقال: وإن كان صاحبكم ليجلس جلسة العبد ويأكل أكلة العبد ويطعم الناسخبز البر واللحم ويرجع إلى أهله، فيأكل الخبز والزيت وإن كان ليشتري القميص السنبلاني، ثميخير غلامه خيرهما، ثم يلبس الباقي فإذا جاز أصابعه قطعه وإذا جاز كعبه حذقه(١)، وما وردعليه أمران قط كلاهما لله رضا إلا أخذ بأشدهما على بدنه، ولقد ولى الناس خمس سنين فماوضع آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة، ولا أقطع قطعة ولا أورث بيضاء ولا حمراء إلا سبعمائةدرهم فضلت من عطاياه أراد أن يبتاع لأهله بها خادما، ولا أطاق أحد عمله، وإن كان علي بنالحسين (عليه السلام) لينظر في كتاب من كتب علي (عليه السلام) فيضرب به الأرض ويقول: من طبق هذا؟ "(٢).

الحادي عشر: الشيخ في مجالسه قال: أخبرنا الحسين بن إبراهيم القزويني قال: أخبرنا محمدابن وهبان عن أحمد بن محمد بن زكريا عن الحسن بن علي بن فضال عن علي بن عقبة عن سعيدابن عمر والجعفي عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) ذات يوم وهو يأكل متكئا،وقد كان يبلغنا أن ذلك يكره، وساق الحديث إلى آخره كما تقدم إلا أن في رواية الشيخ، وأنه كانليشتري القميص السنبلاني ثم يخير غلامه(٣).

الثاني عشر: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن النعمانعن ابن مسكان عن الحسن الصيقل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " إن ولي علي (عليه السلام) لا يأكل إلاالحلال لأن صاحبه كذلك، وإن ولي عثمان لا يبالي أحلالا أكل أو حراما لأن صاحبه كذلك، ثم

(١) حذقه حذقا عن باب فشربه قطعة.

(٢) الكافي: ٨ / ١٢٩ / ح ١٠٠، وجواهر الكلام: ٣٦ / ٤٥٩.

(٣) أمالي الطوسي: ٦٩٢ / مجلس ٣٩ / ح ١٣.

٩

عاد إلى ذكر علي (عليه السلام) فقال: أما والذي ذهب بنفسه ما أكل من الدنيا حراما قليلا ولا كثيرا حتىفارقها، ولا عرض له أمران كلاهما طاعة إلا أخذ بأشدهما على بدنه، ولا نزلت برسول الله (صلى الله عليه وآله)شديدة قط إلا وجهه فيها ثقة به، ولا أطاق أحد من هذه الأمة عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعده غيره،ولقد كان يعمل عمل رجل كأنه ينظر إلى الجنة والنار، ولقد أعتق ألف مملوك من صلب ماله، كلذلك تحفى فيه يداه ويعرق فيه جبينه التماس وجه الله عز وجل والخلاص من النار، وما كان قوتهإلا الخل والزيت، وحلواه التمر إذا وجده، وملبوسه الكرابيس، فإذا فضل من ثيابه شئ دعابالجلم(١) فجزه "(٢).

الثالث عشر: ابن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن علي بن حديد عنمرازم بن حكيم عن عبد الأعلى مولى سام قال: قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الناس يروون أن لكمالا كثيرا فقال: " ما يسوؤني ذاك، إن أمير المؤمنين (عليه السلام) مر ذات يوم على أناس شتى من قريشوعليه قميص مخرق فقالوا: أصبح علي لا مال له، فسمعها أمير المؤمنين (عليه السلام) فأمر الذي يليصدقته أن يجمع تمره ولا يبعث إلى إنسان شئ، وأن يوفره ثم قال له: بعه الأول فالأول،واجعلها دراهم ثم اجعلها حيث تجعل التمر فاكبسه معه حيث لا يرى، وقال للذي يقوم عليه: إذادعوت بالتمر فاصعد وانظر المال فاضربه برجلك كأنك لا تعمد الدراهم حتى تنشرها، ثم بعثإلى رجل منهم يدعوه ثم دعا بالتمر، فلما صعد ينزل التمر ضرب برجله فانتشر الدراهم فقال: ماهذا يا أبا الحسن؟

فقال: هذا مال من لا مال له، ثم أمر بذلك المال فقال: انظروا أهل كل بيت كنت أبعث إليهم،فانظروا حاله وابعثوا إليه "(٣).

الرابع عشر: ابن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن الحسن بن علي عن ربعي بن عبد اللهقال: سمعت أبا عبد الله يقول: " كان علي (عليه السلام) لينقطع ركابه في طريق مكة فيشده بخوصة ليهونالحج على نفسه "(٤).

الخامس عشر: الشيخ المفيد في إرشاده قال: أخبرني أبو محمد الأنصاري قال: حدثني محمدابن ميمون البزاز قال: حدثنا الحسين بن علوان عن علي بن زياد بن رستم عن سعيد بن كلثوم قال:

(١) الجلم بالتحريك الذي يجز به الشعر والصوف كالمقص.

(٢) الكافي: ٨ / ١٦٣ / ح ١٧٣.

(٣) الكافي: ٦ / ٤٣٩ / ح ٨.

(٤) الكافي: ٤ / ٢٨٠ / ح ٣.

١٠

كنت عند الصادق جعفر بن محمد فذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأطراه ومدحه بماهو أهله ثم قال: " والله ما أكل علي بن أبي طالب (عليه السلام) من الدنيا حراما قط حتى مضى لسبيله، وماعرض له أمران فظن أنهما رضا الله إلا أخذ بأشدهما عليه في دينه، وما نزلت برسول الله نازلةإلا دعاه فقدمه ثقة به وما أطاق عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذه الأمة غيره، وإنه كان ليعمل عمل رجلكأن وجهه بين الجنة والنار يرجو ثواب هذه، ويخاف عقاب هذه ولقد أعتق من ماله ألف مملوكفي طلب وجه الله والنجاة من النار مما كد بيده ورشح منه جبينه وإن كان ليقوت أهله بالزيتوالخل والعجوة، وما كان لباسه إلا الكرابيس، إذا فضل شئ عن يده من كمه دعا بالجلم فقصه،وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه من علي بن الحسين (عليه السلام)، ولقددخل أبو جعفر ابنه (عليه السلام) فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفر لونه من السهرورمضت عيناه من البكاء ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود وورمت ساقاه وقدماه من القيامإلى الصلاة، فقال أبو جعفر (عليه السلام): فلم أملك حين رأيته بتلك الحال من البكاء فبكيت رحمة عليه،وإذا هو يفكر فالتفت إلي بعد هنيئة من دخولي فقال: يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيهاعبادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأعطيته فقرأ فيها شيئا يسيرا ثم تركها من يده تضجرا، وقال: منيقوى على عبادة علي (عليه السلام)؟ "(١).

السادس عشر: ابن بابويه قال: حدثنا صالح بن عيس العجلي قال: حدثنا محمد بن علي بنعلي قال: حدثنا محمد بن منده الأصفهاني قال: حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا جرير عنالأعمش عن أبي سفيان عن أنس قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورجلان من أصحابه في ليلة ظلماءمكفهرة إذ قال لنا رسول الله: " ائتوا باب علي (عليه السلام) " فأتينا باب علي (عليه السلام) فنقر أحدنا الباب نقرا خفيفا،إذ خرج علينا علي بن أبي طالب (عليه السلام) متزرا بإزار من صوف مرتديا بمثله، في كفه سيف رسولالله (صلى الله عليه وآله) فقال لنا: أحدث حدث؟ قلنا: خير، أمرنا رسول الله أن نأتي بابك وهو بالأثر، إذ جاء رسولالله (صلى الله عليه وآله) فقال: " يا علي قال: لبيك " قال: " أخبر أصحابي بما أصابك "؟

قال علي (عليه السلام): " يا رسول الله إني لأستحيي ".

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن الله لا يستحيي من الحق ".

قال علي (عليه السلام): " يا رسول الله، أصابتني جنابة البارحة من فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فطلبت فيالبيت ماء فلم أجد الماء فبعثت الحسن كذا والحسين كذا فأبطيا علي، فاستلقيت على قفاي فإذا

(١) الإرشاد: ٢ / ١٤١.

١١

بهاتف من سواد البيت: قم يا علي وخذ السطل واغتسل، فإذا أنا بسطل من ماء مملوء، عليهمنديل من سندس فأخذت السطل واغتسلت ومسحت بدني بالمنديل ورددت المنديل علىرأس السطل، فقام السطل في الهواء فسقط من السطل جرعة، فأصابت هامتي فوجدت بردهاعلى فؤادي ".

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " بخ بخ يا بن أبي طالب أصبحت وخادمك جبرائيل (عليه السلام)، أما الماء فمن نهرالكوثر، وأما السطل والمنديل فمن الجنة، كذا أخبرني جبرئيل، كذا أخبرني جبرئيل، كذاأخبرني جبرئيل "(١).

السابع عشر: محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عنإسماعيل بن مهران عن حماد بن عثمان عن زيد بن الحسن قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

" كان أمير المؤمنين أشبه الناس طعمة برسول الله (صلى الله عليه وآله)، كان يأكل الخبز والخل والزيت، ويطعمالناس الخبز واللحم "(٢).

الثامن عشر: ابن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن علي بن أسباط عن يعقوبابن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " كان أمير المؤمنين يأكل الخل والزيت ويجعل نفقتهتحت طنفسته(٣) "(٤).

التاسع عشر: ابن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عنربيع المسلي عن معروف بن خربوذ عمن رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) يأكل الخبز بالعنب(٥).

العشرون: المفيد في أماليه قال: أخبرني أبو الحسن علي بن بلال المهلبي قال: حدثنا عبد اللهابن راشد الأصفهاني قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الثقفي قال: أخبرنا أحمد بن شمر قال: حدثناعبد الله بن ميمون المكي مولى بني مخزوم عن جعفر الصادق بن محمد الباقر (عليه السلام) عن أبيه (عليهم السلام) أنأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): " أتي بخبيص(٦) فأبى أن يأكل فقالوا له: أتحرمه؟

قال: لا، ولكني أخشى أن تتوق إليه نفسي فأطلبه، ثم تلا هذه الآية: *(أذهبتم طيباتكم في

(١) أمالي الصدوق: ٢٩٦ / مجلس ٤٠ / ح ٤.

(٢) الكافي: ٦ / ٣٢٨ / ح ٣.

(٣) الطنفسة هي بكسرتين وفي لغة بكسر الطاء والفاء وبضمها، وبكسر الطاء وضم الفاء، البساط الذي له محمل رقيق،تجعل تحت الرجل على كتفي البعير، والجمع الطنافس. مجمع البحرين.

(٤) الكافي: ٦ / ٣٢٨، ح ٩.

(٥) الكافي: ٦ / ٣٥٠ / ح ١.

(٦) الخبيص والخبيصة: طعام معمول من التمر والزبيب والسمن والحلواء.

١٢

حياتكم الدنيا واستمتعتم بها)*(١) "(٢).

الحادي والعشرون: ابن بابويه في أماليه قال: حدثنا أبي (قدس سره) قال: حدثنا علي بن إبراهيم بنهاشم عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس عن أبيجعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال: " والله إن كان علي (عليه السلام) ليأكل أكل العبد ويجلس جلسة العبد، وإنه كانليشتري القميصين السنبلانيين فيخير غلامه خيرهما ثم يلبس الآخر، فإذا جاز أصابعه قطعه،وإذا أجاز كعبه حذفه، ولقد ولي خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة، ولاقطع قطيعا ولا أورث بيضاء ولا حمراء، وإنه ليطعم الناس من خبز البر واللحم وينصرف إلىمنزله ويأكل خبز الشعير والزيت والخل، وما ورد عليه أمران كلاهما لله رضا إلا أخذ بأشدهماعلى بدنه، ولقد أعتق ألف مملوك من كد يده، تربت فيه يداه وعرق فيه وجهه، وما أطاق عملهأحد من الناس، وإن كان ليصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وإن كان أقرب الناس شبها به علي بنالحسين (عليه السلام)، وما أطاق عمله أحد من الناس بعده "(٣).

الثاني والعشرون: ابن شهرآشوب في المناقب عن الأصبغ وأبي مسعدة والباقر (عليه السلام) أنه أتىالبزازين فقال لرجل: بعني ثوبين، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين (عليه السلام) عندي حاجتك، فلما عرفهمضى عنه، فوقف على غلام وأخذ ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين فقال: " يا قنبرخذ الذي بثلاثة " قال: فأنت أولى به، تصعد المنبر وتخطب الناس، قال: " وأنت شاب فلك شرهالشباب، وأنا أستحيي من ربي أن أتفضل عليك، سمعت رسول الله يقول: ألبسوهم مما تلبسونوأطعموهم مما تأكلون " فلما لبس القميص مد كم القميص فأمر بقطعه واتخاذه قلانس للفقراء،فقال الغلام: هلم أكفه قال: " دعه كما هو فإن الأمر أسرع من ذلك " فجاء أبو الغلام فقال: إن ابني لميعرفك وهذان درهمان ربحهما فقال: " ما كنت لأفعل، قد ماكست وماكسني واتفقنا على رضا "(٤).

الثالث والعشرون: عن الأصبغ بن نباته قال علي (عليه السلام): " دخلت بلادكم بأسمالي هذه ورحليوراحلتي، فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنني من الخائنين " وفي رواية " يا أهلالبصرة ما تنقمون مني، إن هذا لمن غزل أهلي " وأشار إلى قميصه(٥).

الرابع والعشرون: ورأى أمير المؤمنين سويد بن غفلة وهو يأكل رغيفا يكسره بركبتيه ويلقيه في

(١) الأحقاف: ٢٠.

(٢) أمالي المفيد: ١٣٤ / ح ٢.

(٣) أمالي الصدوق: ٣٥٦ / مجلس ٤٧ / ح ١٤.

(٤) مناقب آل أبي طالب: ١ / ٣٦٦.

(٥) مناقب آل أبي طالب: ١ / ٣٦٧.

١٣

لبن حامض يجد ريحه من حموضته وقال: ويحك يا فضة أما تتقون الله في هذا الشيخ فتنخلون لهطعاما، لما رأى فيه النخالة، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): " بأبي وأمي من لم ينخل له طعام ولم يشبعمن خبز الشعير حتى قبضه الله تعالى " وقال لعقبة بن علقمة: " يا أبا الجنوب أدركت رسول الله (صلى الله عليه وآله)يأكل أيبس من هذا، ويلبس أخشن من هذا فإن أنا لم آخذ به خفت أن لا ألحق به " وترصد غداهعمرو بن حريث فأتت فضة بجراب مختوم فأخرج منه خبز شعير خشنا، فقال عمرو: يا فضة لونخلت هذا الدقيق وطيبته فقالت: كنت أفعل فنهاني، وكنت أضع في جرابه طعاما طيبا فختمجرابه، ثم إن أمير المؤمنين (عليه السلام) فته في قصعة وصب عليه الماء، ثم ذر عليه الملح وحسر عنذراعيه فلما فرغ قال: " يا عمرو لقد خابت هذه " ومد يده إلى محاسنه، وخسرت هذه أن أدخلهاالنار من أجل الطعام، وهذا يجزيني(١).

الخامس والعشرون: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد قال: أخبرنا الحسن بن معاذ، أخبرناسفيان بن وكيع، أخبرنا أبي عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن علقمة قال: دخلنا على أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) وبين يديه طبق من خوص عليه قرص أو قرصان من خبز شعير، نخالته تبين فيالخبز وهو يكسره على ركبتيه ويأكله على جريش، فقلت لجارية له سوداء يقال لها فضة: ألا نخلتهذا الدقيق لأمير المؤمنين (عليه السلام)؟

فقالت: يأكل هو المهنأ ويكون الوزر في عنقي، فتبسم (عليه السلام) وقال: " أنا أمرتها أن لا تنخله " فقلنا:

لم يا أمير المؤمنين؟

قال: " ذلك أحرى أن يذل النفس ويقتدي بي المؤمنون وألحق بأصحابي "(٢).

السادس والعشرون: روى عدي بن حاتم أنه رآه (عليه السلام) وهو بين يديه شنة فيها قراح ماء وكسيراتمن خبز شعير وملح، فقال: إني لا أرى لك يا أمير المؤمنين لتظل نهارك طاويا مجاهدا، وبالليلساهرا مكابدا، ثم هذا فطورك! فقال (عليه السلام) " علل النفس بالقنوع وإلا طلبت منه فوق ما يكفيها "(٣).

الأحنف بن قيس: دخلت على معاوية فقدم إلي من الحلو والحامض ما كثر تعجبي منه، ثم قدمألوانا ما أدري ما هي: فقلت: ما هذا؟

فقال: مصارين البط محشوة بالمخ قد قلي بدهن الفستق وذر عليه السكر، فبكيت فقال: ما

(١) مناقب آل أبي طالب: ١ / ٣٦٧.

(٢) ما وجدنا له بهذا الإسناد مصدرا، نعم نقله المصنف في حلية الأبرار: ٢ / ٢٣٠ / ح ١٣.

(٣) مناقب آل أبي طالب: ١ / ٣٦٨.

١٤
١٥

قال: نعم أنت أمير المؤمنين، فتجاوزه وسأل آخر فأجاب بمثل ذلك إلى أن سأل واحدا فقال: ماأعرفك، فاشترى منه قميصا فلبسه ثم قال: " الحمد لله الذي كسا علي بن أبي طالب (عليه السلام) " وإنماأبتاع (عليه السلام) ممن لا يعرفه خوفا من المحاباة في إرخاص ما ابتاعه(١).

قال علي (عليه السلام) يوما على المنبر: " من يشتري سيفي هذا؟ ولو أن لي قوت ليلة ما بعته "(٢) وغلةصدقته تشتمل حينئذ على أربعة آلاف دينار ".

الثلاثون: ابن بابويه في أماليه قال: حدثنا أبي (رحمه الله) قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا إبراهيمابن هاشم عن إسماعيل بن مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سنان عن أبي حمزةالثمالي عن الأصبغ بن نباتة أنه قال: كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إذا أتى بالمال أدخلهبيت مال المسلمين، ثم جمع المستحقين، ثم ضرب يده بالمال فنثره يمنة ويسرة وهو يقول: " ياصفرا يا بيضاء لا تغريني، غري غيري ".


هذا جناي وخياره فيهإذ كل جان يده إلى فيه

ثم لا يخرج حتى يفرق ما في بيت مال المسلمين ويؤتي كل ذي حق حقه، ثم يأمر أن يكنسويرش، ثم يصلي فيه ركعتين ثم يطلق الدنيا ثلاثا يقول بعد التسليم: " يا دنيا لا تتعرضي لي ولاتتشوقي ولا تغريني، فقد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي عليك "(٣).

(١) خصائص الأئمة: ٨٠.

(٢) خصائص الأئمة: ٧٩.

(٣) أمالي الصدوق: ٣٥٧ / مجلس ٤٧ / ح ١٧.

١٦

الباب الحادي والثلاثون والمائة

في خوفه من الله وبكائه من خشية الله تعالى
وخبر ضرار وخبر أبي الدرداء، وطلاقه الدنيا ثلاثا

من طريق العامة وفيه عشرة أحاديث


الأول: ابن شهرآشوب في المناقب من طريق العامة عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن مجاهدعن ابن عباس *(فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا)* هو علقمة بن الحارث بن عبد الدار *(وأما منخاف مقام ربه)* علي بن أبي طالب (عليه السلام)، خاف وانتهى عن المعصية ونهى عن الهوى نفسه، فإنالجنة هي المأوى خاصا لعلي ومن كان على منهاج علي هكذا عاما(١).

الثاني: ابن شهرآشوب من طريق العامة أيضا عن تفسير أبي أبو يوسف يعقوب بن سفيان عنمجاهد عن ابن عباس *(إن المتقين في ظلال وعيون)* من اتقى الذنوب علي بن أبي طالب والحسنوالحسين في ظلال من الشجر، والخيام من اللؤلؤ طول كل خيمة مسيرة فرسخ في فرسخ، ثم ساقالحديث إلى قوله *(إنا كذلك نجزي المحسنين)* المطيعين لله أهل بيت محمد في الجنة(٢).

الثالث: ابن شهرآشوب من طريقهم عن ابن بطه في الإبانة، وأبو بكر بن عياش في الأمالي عنأبي داود السبيعي عن عمران بن حصين قال: كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي إلى جنبه إذ قرأ النبي (صلى الله عليه وآله)هذه الآية: " *(أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض)*(٣) " قال:

" فارتعد علي (عليه السلام) " فضرب النبي (صلى الله عليه وآله) على كتفه وقال: " ما لك يا علي "؟

قال: " قرأت يا رسول الله هذه الآية فخشيت أن ابتلى بها، فأصابني ما رأيت ".

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق إلى يوم القيامة "(٤).

الرابع: ابن شهرآشوب عن أنس بن مالك قال: لما نزلت الآيات الخمس في طس *(أمن جعلالأرض قرارا)*(٥) انتفض علي انتفاض العصفور فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ما لك يا علي "؟

(١) مناقب آل أبي طالب: ١ / ٣٦٤.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ١ / ٣٦٤.

(٣) النمل: ٦٢.

(٤) مناقب آل أبي طالب: ١ / ٣٧١.

(٥) النمل: ٦١.

١٧

قال: " عجت يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كفرهم وحلم الله عنهم " فمسحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده ثم قال:

" أبشر فإنه لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق، ولولا أنت لم يعرف حزب الله "(١).

الخامس: صاحب كتاب الصفوة في فضائل العشرة من العامة قال: أخبرنا أبو بكر بن حبيبالصوفي قال: حدثنا أبو سعيد بن أبي صادق الحيري قالوا: أنبأنا أبو عبد الله بن باكويه الشيرازيقال: حدثنا عبد الله بن فهد قال: حدثنا فهد بن إبراهيم الساجي قال: حدثنا محمد بن زكريا بندينار قال: حدثنا العباس بن بكار قال: حدثنا عبد الواحد بن أبي عمرو عن الكلبي عن أبي صالحقال معاوية بن أبي سفيان لضرار بن ضمرة: صف لي عليا.

قال: أو تعفيني؟

قال: لا أعفيك.

قال: أما إذا لا بد فإنه والله كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا ويحكم عدلا، يتفجر العلممن جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل وظلمته، كانوالله غزير الدمعة طويل الفكرة، يقلب كفيه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن ومن الطعامما جشب، كان والله كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه ويبتدأنا إذا أتيناه، ويأتينا، إذا دعوناه، ونحن والله معتقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة ولا نبتدئه لعظمته، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهلالدين ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف عن عدله، فأشهد بالله لقدرأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضا علىلحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين وكأني أسمعه وهو يقول: " يا دنيا يا دنيا أبيتعرضت أم لي تشوقت؟ هيهات، هيهات، غري غيري، قد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمركقصير وعيشك حقير وخطرك كبير، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق ".

قال فذرفت دموع معاوية على لحيته فما يملكها وهو ينشفها بكمه وقد اختنق القوم بالبكاء، ثمقال معاوية: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟

قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقى عبرتها ولا يسكن حزنها(٢). وهذا الخبر منمشاهير الأخبار في الكتب والأسفار.

السادس: وفي نهج البلاغة خبر ضرار بن ضمرة الضباني عند دخوله على معاوية ومسألته عن

(١) مناقب آل أبي طالب: ١ / ٣٩٠.

(٢) صفوة الصفوة: ١ / ٣١٥، ورواه المصنف في حلية الأبرار: ٢ / ٢١٣ / ح ٦.

١٨

أمير المؤمنين قال: فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم فيمحرابه قابض على لحيته، يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وهو يقول: " يا دنيا، يا دنياإليك عني، أبي تعرضت أم إلى تشوقت، لا حان حينك، هيهات، هيهات غري غيري، لا حاجةلي فيك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير وخطرك يسير وأملك حقير، آه من قلة الزادوطول الطريق وبعد السفر وعظم المورد ".

قال ابن أبي الحديد في الشرح وهو من أكابر علماء المعتزلة: السليم الملسوع، وقوله: لا حانحينك: دعاء عليها أي لا حضر وقتك كما تقول: لا كنت فأما ضرار بن ضمرة فإن الرياشي روىخبره ونقلته أنا من كتاب عبد الله بن إسماعيل في التنزيل على نهج البلاغة قال: دخل ضرار علىمعاوية، وكان ضرار من أصحاب علي (عليه السلام) فقال له معاوية: يا ضرار صف لي عليا، قال أو تعفيني؟

قال: لا أعفيك، قال ما أصف منه؟ كان والله شديد القوى بعيد المدى، يتفجر العلم من أنحائهوالحكمة من أرجائه، حسن المعاشرة، سهل المباشرة، خشن المأكل، قصير الملبس، غزير العبرة،طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألنا ويبتدئنا إذا سكتنا،ونحن مع تقريبه إلينا أشد ما يكون صاحب لصاحبه هيبة، لا نبتدئه بالكلام لعظمته، يحبالمساكين ويقرب أهل الدين، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه... وتمام الكلام مذكور فيالكتاب(١).

السابع: ابن أبي الحديد: وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب هذا الخبر وقال: حدثناعبد الله بن محمد بن يوسف قال: حدثنا يحيى بن مالك بن عايد قال: حدثنا أبو الحسن محمد بنمحمد بن مقلة البغدادي بمصر، وحدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا العكلي عنالحرمازي عن رجل من همدان قال: قال معاوية لضرار الضبابي، يا ضرار صف لي عليا، وقال:

أعفني يا أمير المؤمنين، قال لتصفنه.

قال: أما إذا لا بد من وصفه فقال: كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فضلا ويحكم عدلا،يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليلووحشته، غزير العبرة طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن، وكان فيناكأحدنا، يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استفتيناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمههيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله

(١) شرح نهج البلاغة: ١٨ / ٢٢٤.

١٩

وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضا على لحيته،يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: " يا دنيا غري غيري، أبي تعرضت أم إليتشوقت؟ هيهات قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيها، وعمرك قصير وخطرك حقير، آه من قلة الزادوبعد السفر ووحشة الطريق " فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا حسن كان والله كذلك، فكيف حزنكعليه يا ضرار؟

قال حزن من ذبح ولدها في حجرها(١).

الثامن: ابن شهرآشوب عروة بن الزبير قال تذاكرنا صالح الأعمال فقال أبو الدرداء: أعبد الناسعلي بن أبي طالب (عليه السلام) سمعته قائلا بصوت حزين ونغمة شجية في موضع خال: " إلهي كم منموبقة حملتها عني فقابلتها بنعمك، وكم من جريرة تكرمت علي بكشفها بكرمك، إلهي إن طالفي عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمل غفرانك ولا أنا براج غير رضوانك "ثم ركع ركعات فأخذ في الدعاء والبكاء فمن مناجاته: " إلهي أفكر في عفوك فتهون علي خطيئتي،ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي " ثم قال: " آه، إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيهاوأنت محصيها فتقول: خذوه فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته ولا تنفعه قبيلته، يرجمهم البلاءإذا أذن فيه بالنداء، آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزاعة للشوى، آه من غمرة من لهباتلظى " ثم انفجر في البكاء فلم أسمع له حسا فقلت: غلب عليه النوم، أوقظه لصلاة الفجر فأتيته فإذاهو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون مات والله علي بن أبي طالب،قال فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم، فقالت فاطمة: ما كان من شأنه؟

فأخبرتها فقالت: " هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله " ثم أتوه بماء فنضحوه على وجههفأفاق، ونظر إلي وأنا أبكي فقال: مما بكاؤك يا أبا الدرداء؟

فكيف لو رأيتني ودعي بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرايم بالعذاب، واحتوشتني ملائكةغلاظ شداد، وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد أسلمتني الأحباء ورحمني أهلالدنيا أشد رحمة لي بين يدي من لا يخفى عليه خافية(٢).

التاسع: ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة قال: روى زرارة قال: قيل لجعفر بن محمد (عليه السلام): إنقوما هاهنا ينتقصون عليا قال: " بم ينتقصونه لا أبا لهم؟ وهل فيه موضع نقيصة، والله ما عرض لعليأمران قط كلاهما لله طاعة إلا عمل بأشدهما وأشقهما عليه، ولقد كان يعمل العمل كأنه قائم بين

(١) شرح نهج البلاغة: ١٨ / ٢٢٥.

(٢) مناقب آل أبي طالب: ١ / ٣٨٩.

٢٠