×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قراءة في رسالة التنزيه (للسيد محسن الأمين) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

نص الرسالة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلّى الله على سيّدنا وآله وسلّم.

وبعد، فإنّ الله سبحانه وتعالى أوجب إنكار المُنكر بقدر الإمكان بالقلب أو اليد أو اللسان، ومن أعظم المُنكرات اتّخاذ البدعة سنّة والسنّة بدعة والدعاية إليها وترويجها.

ولمّا كان إبليس وأعوانه إنّما يضلّون الناس من قِبل الأمر الذي يروج عندهم، كانوا كثيراً ما يضلّون أهل الدين من طريق الدين، بل هذا من أضرِّ الإضلال، وقلّما تكون عبادة من العبادات أو سنّة من السنن لم يدخل فيها إبليس وأعوانه ما يفسدها.

فمن ذلك إقامة شعائر الحزن على سيّد الشهداء، أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام)، التي استمرّت عليها طريقة الشيعة من عصر الحسين (عليه السلام) إلى اليوم.

ولمّا رأى إبليس وأعوانه ما فيها من المنافع والفوائد، وأنّه لا يمكنهم إبطالها بجميع ما عندهم من الحِيل والمكائد، توسّلوا إلى إغواء النّاس بحملهم على أن يُدخلوا فيها البدع والمنكرات وما يشينها عند الأغيار; قصداً لإفساد منافعها وإبطال ثوابها، فأدخلوا فيها اُموراً أجمع المسلمون على تحريم أكثرها وأنّها من المنكرات، وبعضها من الكبائر التي هدّد الله فاعله وذمّه في كتابه العزيز.

(١) فمنها: الكذب بذكر الاُمور المكذوبة المعلوم كذبها وعدم وجودها في خبر ولا نقلها في كتاب، وهي تُتلى على المنابر وفي المحافل بكرةً وعشيّا، ولا من منكر ولارادع. وسنذكر طرفاً من ذلك في كلماتنا الآتية إن شاء الله، وهو من الكبائر

٤١
بالاتفاق، لا سيما إذا كان كذباً على الله أو رسوله أو أحد الأئمّة (عليهم السلام).

(٢) ومنها(١) : التلحين بالغناء الذي قام الإجماع على تحريمه، سواء كان لإثارة السرور أو الحزن، وهذا يستعمله جملة من القرّاء بدون تحاش. ولم يستثنِ الفقهاء من ذلك إلاّ غناء المرأة في الأعراس بشرط أن لا تقول باطلا ولا يسمع صوتها الأجانب، وعدّه العلاّمة الطباطبائي من الكبائر(٢) في ما حكاه عنه صاحب "الجواهر"(٣) لقوله تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}(٤) .

(٣) ومنها: إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها بضرب الرؤوس وجرحها بالمُدى(٥) والسيوف حتّى يسيل دمها، وكثيراً ما يؤدّي إلى الإغماء بنزف الدم الكثير، وإلى المرض أو الموت، وطول برء الجرح. وبضرب الظهور بسلاسل الحديد، وغير ذلك. وتحريم ذلك ثابت بالعقل والنقل، وما هو معلوم من سهولة الشريعة وسماحتها الذي تمدّح به رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: "جئتكم بالشريعة السهلة السمحاء"(٦) ، ومن رفع الحرج والمشقّة في الدين بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ

١ ـ هذا الإشكال بكامله لم يرد في النسخة المتوفّرة لدينا من رسالة التنزيه، حكاه عنها الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي في "النقد النزيه": ٢٨، والشيخ محمّد الگنجي في "كشف التمويه": ٣٠.

٢ ـ رياض المسائل ٨:١٥٥.

٣ ـ جواهر الكلام ٢٢:٤٤.

٤ ـ سورة لقمان: الآية ٦.

٥ ـ المُدْيَةُ، بالضم: الشَفرة، وقد تُكسر، والجمع مُدْيَاتٌ ومُدىً. الصحاح ٦:٢٤٩٠ "مدى".

٦ ـ الكافي ٥:٤٩٤ باب "كراهية الرهبانيّة وترك الباه" الحديث الأوّل، وفيه "بعثني بالحنيفية السهلة السمحة".

ومسند أحمد بن حنبل ٥:٢٦٦، تفسير القرطبي ١٩:٣٩، الطبقات الكبرى ١:١٤٠ وفيها "بُعثتُ بالحنيفية السمحة".

٤٢
كتاب قراءة في رسالة التنزيه للشيخ محمّـد الحسّـون (ص ٤٣ - ص ٦٠)
٤٣
خاطئة بزينب (عليها السلام) وإركابها الهودج حاسرة على ملأ من الناس، كما سيأتي(١) .

(٧) ومنها: صياح النساء بمسمع من الرجال الأجانب، وصوت المرأة عورة(٢) ، ولو فرض عدم تحريمه فهو معيب شائن مناف للآداب والمروءة، يجب تنزيه المآتم عنه.

(٨) ومنها: الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة.

(٩) ومنها: كلّ ما يوجب الهتك والشنعة ممّا لا يدخل تحت الحصر، ويختلف الحال فيه بالنسبة إلى الأقطار والأصقاع، إلى غير ذلك.

فإدخال هذه الأشياء في إقامة شعائر الحزن على الحسين (عليه السلام) من تسويِلات إبليس، ومن المنكرات التي تغضب الله ورسوله صلّى الله عليه وآله، وتغضب الحسين (عليه السلام). فإنّه إنّما قُتل في إحياء دين جدّه (صلى الله عليه وآله) ورفع المنكرات، فكيف يرضى بفعلها لا سيما إذا فُعلت بعنوان أنّها طاعة وعبادة؟!

وقد رأينا في هذه الأيام أوراقاً مطبوعة(٣) ، ذكر فيها صاحبها أنّه يردّ على ناشئة عصريّة من صفتها كذا وكذا، فطائفة منها ازدلفت إلى مشاهدهم المقدّسة ببقيع

١ ـ كما سيأتي: لم ترد في رسالة التنزيه المطبوعة المتوفّرة لدينا، أثبتناها من رسالتي "النقد النزيه": ١٤٧، و"كشف التمويه": ٥٣.

٢ ـ وصوت المرأة عورة: لم ترد في رسالة "التنزيه" المطبوعة المتوفّرة لدينا، أثبتناها من رسالتي "النقد النزيه": ١٥٠، و"كشف التمويه": ٥٤.

٣ ـ هي رسالة "سيماء الصلحاء" التي ألّفها سنة ١٣٤٥هـ الشيخ عبد الحسين بن ابراهيم بن صادق العاملي (ت ١٣٦١هـ) وردّ فيها على ما كتبه السيّد محسن الأمين في بعض الصحف اللبنانيّة معترضاً على بعض الشعائر الحسينيّة.

٤٤
الغَرْقَد(١) فهدمتها، وطائفة منهم قد تألّبت لإبطال إقامة العزاء للنبيّ وآله وعترته أيام وفياتهم المعلومة لا سيما يوم عاشوراء.

ثمّ ذكرَ حُسن إقامة المآتم والبكاء على الحسين (عليه السلام) بما كفيناه مؤنته في كتابنا "إقناع اللائم على إقامة المآتم"(٢) ، كما كفيناه مؤنة الثاني في كتابنا "كشف الارتياب في اتّباع محمّد بن عبد الوهاب"(٣) وفي قصيدتنا "العقود الدريّة"(٤) .

وحسَّن فيها ما يفعله بعض الناس أيام عاشوراء: من لبس الأكفان وكشف الرؤوس وجرحها بالمُدى والسيوف حتّى تسيل منها الدماء وتلطّخ بها تلك الأكفان، ودقّ الطُبول وضرب الصُنوج والنفخ في البوقات "الدِمّام" وغير ذلك، والسّير في الأزقّة والأسواق والشوارع بتلك الحالة.

وعرَّض بنا وببعض فضلاء السادة في البصرة(٥) بسوء القول; لنهينا عن قراءة

١ ـ بقيعُ الغَرْقَد: مقبرة أهل المدينة. معجم البلدان ٤:١٩٤.

٢ ـ طبع سنة ١٣٤٣هـ في آخر الجزء الرابع من كتابه الآخر "المجالس السنيّة"، وطبع مؤخّراً سنة ١٤١٧هـ. انظر الذريعة ٢: ٢٧٥/١١١٥.

٣ ـ طبع سنة ١٣٤٦هـ في مجلّد واحد في خمسمائة وخمسين صفحة، وقام بردّه عبد الله بن علي القصيمي في كتاب سمّـاه "الصراع بين الإسلام والوثنيّة" وقد طبع مجلّده الأوّل سنة ١٣٤٦هـ في خمسمائة وسبع عشرة صفحة. انظر الذريعة ١٨:٩/٤٢٠.

٤ ـ وهي قصيدة طويلة في ردّ شبهات الوهابيّة، طبعت مع "كشف الارتياب". انظر الذريعة ١٥:٣٠٢/١٩٣٦.

٥ ـ هو السيّد مهدي ـ أو محمّد مهدي ـ بن صالح الموسوي الكاظمي البصري، ولد بالكاظميّة سنة ١٢٧٢هـ، ودرس فيها، ثمّ هاجر إلى سامراء، ثمّ إلى الكويت، ثمّ جاء إلى البصرة وسكن فيها إلى أواخر حياته، حيث أصبح عالمها الدينيّ. له مؤلّفات كثيرة في ردّ الفرق الضالّة، وهو أوّل من استشكل على الشعائر الحسينيّة في البصرة سنة ١٣٤٣هـ، وكتب عدّة مقالات في الصحف العراقيّة يدعو لتهذيب هذه الشعائر، وألّف رسالة مستقلّة في ذلك سمّاها "صولة الحقّ على جولة الباطل"، توفّي في ذي القعدة سنة ١٣٥٨هـ، ودفن في مدينة النجف الأشرف، وسيأتي الحديث عنه في الفصل الثالث. انظر الذريعة ٧:١٦٨/٨٩٤ و١٥:٩٨/٦٤٦.

٤٥
الأحاديث المكذوبة، وعن هذا الفعل الشائن للمذهب وأهله، والمنفّر عنه، والملحق به العار عند الأغيار، والذي يفتح باب القدح فيه وفي أهله، ونسبتهم إلى الجهل والجنون وسخافة العقول، والبُعد عن محاسن الشرع الإسلامي، واستحلال ما حكم الشرع والعقل بتحريمه من إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها، حتّى أدّى الحال إلى أن صارت صورهم الفوتوغرافيّة تُعرض في المسارح وعلى صفحات الجرائد.

وقد قال لنا أئمتنا (عليهم السلام): "كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا"(١) ، وأمرونا بأن نفعل ما يقال لأجله: "رحم الله جعفر بن محمّد ما أحسن ما أدّب به أصحابه"(٢) . ولم ينقل عنهم أنّهم رخّصوا أحداً من شيعتهم في ذلك، ولا أمروهم به، ولا فعل شيء

١ ـ أخرج الشيخ الكليني في الكافي ٢:٧٧ باب الورع الحديث ٩ بسنده عن أبي اُسامة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث له أنّه قال: "وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً".

وأخرج الشيخ الكليني في الكافي أيضاً ٢:٢١٩ باب التقيّة الحديث ١١ بسنده عن هشام الكندي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث له أنّه قال: "كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً".

وفي الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام): ٤٨، وعنه في مستدرك الوسائل ٨: ٣١٤ الحديث ١٣ عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: "كونوا لنا زيناً ولا تكونوا شيناً".

٢ ـ أخرج النعمان بن محمّد بن منصور التيمي في دعائم الإسلام ١:٥٦، وعنه في مستدرك الوسائل ٨: ٣١٠ الحديث ٣ بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "رحم الله فلاناً ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه".

وأخرج أيضاً في دعائم الإسلام ١:٦٤، وعنه في مستدرك الوسائل ٨:٣١٢ الحديث ٩ بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال "رحم الله فلاناً ما أحسن ما كان يؤدّب أصحابه".

٤٦
من ذلك في عصرهم لا سرّاً ولا جهراً.

وقد كُتب على ظهرها "أنّها للمصلح الكبير"!! أفهذا هو الإصلاح الذي يوصف صاحبه بالمصلح الكبير، بالحث على اُمور لو فرض محالا أنّه ليس محرّماً فهو ممّا يلصق العار بالمذهب وأهله، وينفرّ الناس عنه، ويفتح باب القدح فيه؟!

أليس من الورع في الدّين والاحتياط فيه التحاشي عنه؟

أمّا يقتضي الإصلاح ـ لو كان القصد الإصلاح ـ تركه والتجافي عنه; صيانةً للمذهب وأهله من إلصاق العيب بهم والتنفير عنهم؟ فلو فرض إباحته فهو ليس من واجبات الدين التي يضرّ تركها.

وكُتب على ظهرها أيضاً "أنّها طُبعت على نفقة الجمعيّة الدينيّة في النبطيّة (كذا)".

وقد أفاض صاحبها في ذكر خرافات العرب قبل الإسلام ممّا لا مساس له بالموضوع، وفي اُمور اُخر كثيرة من هذا القبيل بعبارات مطوّلة.

ولسنا بصدد استقصاء جميع ما فيها ممّا يوجب الانتقاد; لأنّ ذلك يطول به الكلام ولا يتعلّق لنا به غرض، بل نقتصر على شقّ الرؤوس واستعمال الطبول والزمر ونحوها، ونذكر نموذجاً من كلامه في غيرها ممّا وقع نظرنا عليه اتّفاقاً; ليكون مثالا لغيره.

٤٧
كقوله: "نعم، كانت حال سيّدنا الحسين (عليه السلام) ومَن على شاكلته من آله وصحبه ـ كما ذكر ـ لا بغية لهم بتلك الوثبة الليثيّة إلاّ إرجاع الحقّ لنصابه، وعود الملك لأهله، والخلافة الإسلاميّة لسيرتها الاُولى. لا يتقمّصها(١) سوى قريشيّ جامع لشرائطها، ضليع في العلم والحلم والورع والزهد والقضاء والحكم والشجاعة والبراعة، فائقاً أقوى المسلمين نهضة بأعباء الطاعة، وأثقال خالص العبادة، ونصرة الحقّ وخذلان الباطل. يقول فصلا، ويحكم قسطاً، ويقسم عدلا. لم يسدل بينه وبين الاُمّة حِجاباً، ولم يُقم على أبوابه حجّاباً، مواسياً أضعف المسلمين في خشونة الملبس وجشوبة المطعم(٢) ، قد ثقفته الحكمة الإلهيّة، وهذّبته السنّة النبويّة. فلا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تقعده عن قول الحقّ عذلة عاذل"(٣) إلى آخر ما هناك.

وجاء فيها قوله: "وعلماء الاُمّة الغير متّهمين (كذا) بمبالغة ولا تشنيع"(٤) .

وقد تكرّر منه إضافة ما فيه "ال" إلى العاري منها كقوله: "واللغة الغير عربيّة"(٥) .

وقوله: "الغير مشروع"(٦) .

١ ـ أي لبسها كالقميص. في الصحاح ٣:١٠٥٤ "قمص": قَمَّصَهُ قَميصاً فَتَقَمَّصَهُ: أي لبسه.

وهو إشارة لقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في خطبته الشقشقيّة: "أمّا والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة". نهج البلاغة: ٢٦، شرح نهج البلاغه لابن أبي الحديد ١: ١٥١.

٢ ـ طعامٌ جَشِبٌ ومَجْشُوب: أي غليظ وخشن. ويقال: هو الذي لا اُدْمَ معه. الصحاح ١: ٩٩ "جشبَ"، القاموس المحيط ١: ٤٨ "جشبَ".

٣ ـ الصفحة: ٢٠ "إشارة لرسالة سيماء الصلحاء في إثبات جواز إقامة الغزاء لسيّد الشهداء (عليه السلام) للشيخ عبد الحسين بن إبراهيم صادق العاملي (ت ١٣٦١هـ)".

٤ ـ الصفحة: ٢٢.

٥ ـ الصفحة: ٤٢.

٦ ـ الصفحة: ٧٩.

٤٨
وفي موضع آخر: "قال الإمام الصادق (عليه السلام) إلى أبي الصيقل (كذا)"(١) .

وفي موضع آخر: "من نسيج هذا البكاء وعلى طرزه وشاكلته بكاء اللعين ابن سعد الخصم الألد والعدو المبين إلى آل ياسين (كذا)"(٢) .

وجاء فيها أيضاً: "مَن ذا الذي يجترىء من الاُمّة الإسلاميّة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى صحابته كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وفاطمة وعائشة واُمّ سلمة وابني عباس ومسعود وأضرابهم، من حَملة الكتاب ونَقلَة السنّة وخدمة العلم وأئمّة المذهب، فيرمي الجميع بسخطهم على الله وتبرّمهم من حكمه وقضائه وامتحانه وبلائه حين يلم على سيرتهم (كذا)، ويسبر صحائف تأريخهم فيراهم بأسرهم كانوا يبكون لفقد أعزائهم وأحبائهم"(٣) .

[الحسن والقبح العقليين]


وجاء فيها ما لفظه: "الحسن والقبح للأشياء وإن كانا ذاتيين لها لا بالوجوه والاعتبار على الأقوى، بَيْدَ أنّ كونها كذلك نريد به أنّ الأشياء من قبيل المقتضيات للحسن والقبح ـ نظير النار للإحراق ـ يؤثّران حيث لا مانع. أمّا مع وجوده فلا، كالصدق الذي فيه هلكة نبيّ والكذب الذي فيه منجاته، فيبطل تأثيرهما، كالرطوبة في الحطب المبطلة لإحراق النار له"(٤) .

ولم نَدْرِ ما وجه الأقوائيّة في كون حسن الأشياء وقبحها ذاتيّاً، وإذا كان ذاتيّاً ـ

١ ـ الصفحة: ٢٧.

٢ ـ الصفحة: ٢٨.

٣ ـ الصفحة: ٢٨.

٤ ـ الصفحة: ٣٢.

٤٩
وما بالذات لا يتغيّر ـ فكيف يكون الكذب المُنجي للنبيّ حسناً والصدق المُهلك له قبيحاً إذا كان قبح الكذب وحسن الصدق ذاتيّاً، وكلامه يدلّ على أنّه توهّم أنّ الأفعال هي التي اقتضت قبح نفسها وحسنها وأثّرت فيه.

[ما نقلته جرائد بيروت]


وجاء فيها: "ومن فجائع الدهور، وفظائع الاُمور، وقاصمات الظهور، وموغرات الصدور، ما نقلته بعض جرائد بيروت في هذا العام عمّن نحترم أشخاصهم من المعاصرين الوطنيين(١) ، من تحبيذ ترك المواكب الحسينيّة والاجتماعات العزائيّة بصورها المجسّمة في النبطيّة وغيرها. فما أدري أصدقَ الناقل أم كذب؟! فإن كان صادقاً فالمصيبة على الدين جسيمة عظيمة، لا ينوء بها ولا ينهض بعبئها عاتق المدنيين"(٢) إلى آخر ما هناك.

ونقول: هنا التهويل وتكثير الأسجاع لا يفيد شيئاً، ولو اُضيف إليه أضعاف من قاطعات النحور، ومجفّفات البحور، ومفطّرات الصخور، ومبعثرات القبور، ومهدّمات القصور، ومسقطات الطيور.

بل إنّ من فجائع الدهور، وفظائع الاُمور، وقاصمات الظهور، وموغرات الصدور، اتّخاذ الطبول والزمور، وشقّ الرؤوس على الوجه المشهور، وإبراز شيعة أهل البيت وأتباعهم بمظهر الوحشيّة والسخريّة أمام الجمهور، ممّا لا يرضى به عاقل غيور، وعدُّ ذلك عبادة ونسبته إلى أهل البيت الطهور.

١ ـ يقصد به السيّد محسن الأمين قبل تأليفه لهذه الرسالة.

٢ ـ الصفحة: ٤٢.

٥٠
والمواكب الحسينيّة والاجتماعات العزائيّة لا تحسن ولا تحلّ إلاّ بتنزيهها عمّا حرّمه الله تعالى، وعمّا يشين ويعيب ويُنسب فاعله إلى الجهل والهمجيّة. وقد بيّنا أنّ الطبل والزمر، وإيذاء النفس، والبروز بالهيئة المستبشعة، ممّا حرّمه الشرع ولم يرضه لأوليائه، سواء وقع في النبطيّة أو القرشيّة أو مكة الكرّمة.

[نقل الخُطباء للأحاديث والوقائع المكذوبة]


وجاء فيها: "قالو: إنّا نجد قرّاء التعزية كثيراً ما يسردون على مسامع الجالسين أحاديثاً(١) (كذا) مكذوبة"(٢) .

وأجاب بما لفظه: "وكثير من أساطين العلماء يعملون بضعاف الأخبار في السُّنن، ومن المعلوم أنّ روايات التعزية من سنح الرخص لا العزائم، والله يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه"(٣) .

وإنّا نسأله: ما ربط عمل العلماء بالخبر الضعيف في السُّنن بأخبار التعزية التي هي اُمور تأريخيّة لا أحكام شرعيّة؟

وما ربط الخبر الضعيف بالمقام، والقائل الموهوم إنّما قال: إنّهم يوردون أحاديث مكذوبة، ولم يقل ضعيفة الإسناد؟

وما معنى أنّ روايات التعزية من سنخ الرخص لا العزائم; فالرخصة خاصة بالمباح والمستحبّ والمكروه، والعزيمة بالحرام والواجب؟ فما معنى أنّ روايات

١ ـ والصحيح "أحاديثَ"; لأنّه ممنوع من الصرف.

٢ ـ الصفحة: ٤٦.

٣ ـ الصفحة: ٤٩.

٥١
التعزية من الرخص؟ فهل تلك الروايات نفسها مباحة أو مكروهة أو مستحبّة؟

فإن كان المراد نفس الرواية، فلا تتّصف بشيء من ذلك.

وإن كان المراد نقلها، فأيّ معنى لكون نقلها رخصة لا عزيمة، مع أنّها إن كانت كذباً كان نقلها محرّماً.

وإن كان المراد مضمونها، فهو قصّة تأريخيّة لا تتّصف برخصة ولا عزيمة. ولو فرض أنّ مضمونها حكم شرعيّ فلابدّ أن يكون أحد الأحكام الخمسة التكليفيّة، فكيف جعل رخصة فقط؟

وقوله: "إنّ الله يحبّ أن يؤخذ برخصة... إلى آخره" لا ربط له بالمقام; إذ معناه أنّ الله يحب أن يخفّف على عبده بترك المستحب مثلا، كما يحب أن يلتزم بفعل الواجب وترك المحرّم، فما ربط ذلك بإيراد الرواية المكذوبة في التعزية؟

[اللحن في القراءة]


وجاء فيها: قالوا: "وجلّهم ـ أي قرّاء التعزية ـ يتلو الحديث ملحوناً"(١) .

وأجاب بما ملخّصه على طوله:

"إنّ المستمعين اُمم عديدة ألسنتها شتى، منهم عربي وفارسي وتركي وهنديو... إلى آخره، ومنهم عوام، فينقل لهم معنى الأحاديث بألفاظهم العاميّة ـ إلى أن قال: وأي حاجة ماسّه للعربيّة الفصحى في قراءة التعزية على اُمّة اُميّة كمعدان(٢) العراق وقروية

١ ـ الصفحة: ٤٦.

٢ ـ كلمة "المعدان" في العراق تُطلق على سكان القرى والأرياف.

وفي القاموس المحيط ١:٣٥١ "عدد": المُعَيْدِيّ، تصغير المَعَدِّيّ، خُفّفت الدال استثقالا للتشديدين مع ياء التصغير. و"تسمع بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه أو لا تراه" يُضرب في من شُهِرَ وذُكِرَ وتُزْدرى مرآتُهُ.

٥٢
الشام وسكان بادية نجد والحجاز واليمن، والمصطلحين فيما بينهم على وضع ألفاظ معلومة"(١) .

وأنتَ ترى أنّ الجواب غير منطبق على هذا المقال الموهوم، فالقائل يقول: "الأحسن رفع اللحن من قراءة التعزية"، وهو يقول في جوابه: "إنّ المستمعين منهم عربي وفارسي وتركي وهندي"، فما ربط الفارسي والتركي والهندي والجاوي(٢) بالمقام؟ فلم يقل القائل: إنّه لا ينبغي قراءة التعزية بالتركيّة للأتراك وبالفارسيّة للفرس وبالهنديّة للهنود، بل يقول: ينبغي لقرّاء التعزية بالعربيّة للعرب عدم اللحن.

ولم يقل: إنّه لا ينبغي أن يقرأ الحديث بالمعنى، حتّى يجيبه بأنّ منهم عواماً فينقل لهم الحديث بالمعنى بألفاظهم العاميّة. على أنّ ذلك أمر غير واقع، فليس في قرّاء التعزية مَن يقرأ بالألفاظ العاميّة، بل كلّهم يقرأون بالعربيّة الفصحى ولكن مع اللحن من البعض.

والقائل لم يأبَ عن قراءة التعزية بالألفاظ العاميّة كالنعي المتعارف، بل يقول: إذا قُرىء الشعر لا يحسن أن يكون ملحوناً، وإذا نُقل حديث أو خطبة ينبغي أن لا يكون فيه لحن.

والقائل يقول: "لا ينبغي اللحن في قراءة التعزية"، وهو يقول في جوابه: "لا يلزم قراءتها بالعربيّة الفصحى".

ولو فرضنا أنّه أراد من العربيّة الفصحى: عدم اللحن، فيقال له: إذاً أيّ حاجة إلى

١ ـ الصفحة: ٤٦.

٢ ـ الجَوُّ: اسم بلد، وهو اليمامة، يمامة زرقاء. الصحاح ٦:٢٣٠٦ "جوا".

٥٣
ترك اللحن في جميع الكلام؟ ولماذا وُضع النحو وكتب العربيّة؟ وهل قراءة الفاعل مخفوضاً والمفعول مرفوعاً تزيد في فهم المعاني لمعدان العراق، وقرويّة الشام، وسكان بادية نجد واليمن النازلين بأرياف مصر، والحالّين في نواح حضر موت، والمتبوّئين صحراء افريقيا وبلاد المغرب؟

وما الذي يضرّه من عدم اللحن في قراءة التعزية، وما القارىء إلاّ خطيب؟

وما الذي يدعوه إلى كلّ هذه المدافعة عن اللحن في القراءة، أهو حبّ الإصلاح، أم أمر آخر؟

وهل إذا تلونا الحديث والشعر بدون لحن، فاستجلبنا به قلب ذي المعرفة ولم ننفّره بسماع الغلط، وصنّا الحديث عن اللحن والغلط وعن الخطأ في فهم المعنى بسبب اللحن، ولم نجعل تفاوتاً على غير ذي المعرفة الذي لا يضرّه رفع الفاعل ولا يزيد في فهمه خفضه، يكون عملنا هذا مضرّاً وعكسه نافعاً؟ والمستمعون كما يوجد فيهم المعدان يوجد فهيم أهل العلم والمعرفة.

[اختلاق الأخبار ومسخها]


قال: "وممّن طعن على القرّاء للتعزية بعض المعاصرين، زعم أنّ الكثير منهم بين مُخلق(١) (كذا) للأخبار وبين ماسخ لها، وعنده هذا الطعن عليه"(٢) انتهى.

ومراده كاتب هذه السطور، الذي بعد ما ذكرَ في مقدّمة "المجالس السنّية"حُسن إقامة العزاء والبكاء على سيّد الشهداء، واستدلّ عليها بأوضح الأدلّة

١ ـ والصحيح "مختلق".

٢ ـ الصفحة: ٥١.

٥٤
وأمتنها، قال ما لفظه:

"هذا، ولكن كثيراً من الذاكرين لمصابهم (عليهم السلام) قد اختلقوا أحاديث في المصائب وغيرها لم يذكرها مُؤرِّخ ولا مؤلِّف، ومسخوا بعض الأحاديث الصحيحة وزادوا ونقصوا فيها; لما يرونه من تأثيرها في نفوس المستمعين الجاهلين بصحّة الأخبار وسقمها"(١) إلى آخر ما ذكرناه.

و"المجالس السنّية" إنّما ألّفناها لتهذيب قراءة التعزيّة وإصلاحها من العيوب الشائنة والمحرّمات الموبقة من الكذب وغيره، وانتقاء الأحاديث الصحيحة الجامعة لكلّ فائدة. فقام هذا الرجل يرمينا بأنّ هذا الطعن علينا بأنّنا نختلق الأحاديث ونمسخها، وجاء بعبارته هذه التي جمجم فيها وبترها، وأبتْ نفسه إلاّ أن يذكرها.

والله تعالى يعلم، وعباده يعلمون، وهو نفسه يعلم أنّنا لسنا كذلك، وأنّنا نسعى جهدنا ونصرف نفيس أوقاتنا وعزيز أموالنا في تأليف الكتب وطبعها ونشرها، لا نستجدي أحداً ولا نطلب معونة مخلوق; قصداً لتهذيب الأحاديث التي تُقرأ في إقامة العزاء من كلّ كذب وعيب وشين، ليكون الذاكرون من الخطباء الذين تستجلب قراءتهم الأنظار وتستهوي إليها الأفئدة والأسماع وتستميل الطباع، وليكون أثرها في النفوس بقدر ميلها إليها، ولتكون مفخراً للشيعة لا عاراً عليهم، وتكون قراءتهم عبادة خالصة من شوب الكذب الموجب لانقلابها معصية.

فإنّ إقامة شعائر الحزن بذكر صفات الحسين (عليه السلام)، ومناقبه ومآثره، ووصف شجاعته وإبائه للضيم، وفظاعة ما جرى عليه، وذكر المواعظ والخطب والآداب، ومستحسن أخبار السلف وغير ذلك، والتخلّص إلى فاجعة كربلاء على النهج

١ ـ المجالس السنيّة: ٦ ـ ٧.

٥٥
المألوف مع تهذيبها عن المنافيات والمنكرات، من أنفع المدارس، وأقوى أسباب التبشير بالدّين الإسلامي وطريقة أهل البيت (عليهم السلام)، وجلب القلوب إلى حبّهم والسّير على طريقتهم والاتّصاف بكريم صفاتهم.

كما أنّ إقامتها على غير هذه الطريقة من أقوى أسباب التنفير عن دين الإسلام وطريقة أهل البيت (عليهم السلام)، يعرف ذلك كلّ منصف، ونحن نذكر لك واقعة واحدة تكون نموذجاً لما نقوله، وهي:

إنّه اتّفق وجودنا في مدينة بعلبك في وفاة بعض أجلاّء السّادة آل مرتضى، فقرأ رجل من قرّاء التعزية ـ الذين عوّدناهم على عدم اللحن في القراءة ـ خطبةً من "النهج" في صفة الأموات، وكان بعض عرفاء المسيحيّين حاضراً فقال لجلسائه:

"إنّني لم أعجب من بلاغة هذا الكلام الذي هو غاية في البلاغة، ولا من جري الخطيب في قراءته كالسيل، ولا من مضامين هذا الكلام الفائقة وإن كان ذلك كلّه موضع العجب، وإنّما عجبتُ من عدم لحن هذا القارىء فيما قرأه على طوله".

[روايات ضعيفة]


يقول: "إنّنا نزعم أنّ الكثير منهم بين مختلق للأخبار"(١) ثمّ يشتمنا بهذا القول!! وما ندري ما الذي يزعمه هو؟ أيزعم أنّهم كلّهم ليسوا كذلك؟! كيف وغالبهم عوام يخلطون الحابل بالنابل.

ولا ننكر أنّ فيهم الفضلاء الكاملين الذين يُفتخر بأمثالهم، وقليل ما هم، ولكن الكثير منهم ليسوا كذلك، كما هو مشاهد بالعيان، ويجهل أو يتجاهل قراءتهم حديث

١ ـ الصفحة: ٥١.

٥٦
"أين ضلّت راحلتك يا حسّان"(١) الذي اختلقه بعض آل قفطان(٢) على سطح مسجد الكوفة، كما هو مشهور عند فضلاء النجف وغيرهم.

أو حديث: "خرجتُ أتفقّد هذه التلاع مخافة أن تكون مظنّاً لهجوم الخيل على مخيمنا يوم يحملون وتحملون"، وإلاّ فليدلّنا في أيّ كتاب هذا الحديث؟ وأيّ رواية جاءت به ضعيفة أو صحيحة؟

أم حديث: "إنّ البرد لا يزلزل الجبل الأصم، ولفحة الهجير لا تجفّف البحر الخضم".

أو حديث قول شمر للحسين (عليه السلام): "بعدك حيّاً يا بن الخارجي".

أو حديث: "أي جرح تشدّه لك زينب".

أو حديث مخاطبة زينب للعباس حين عرض شمر عليه وعلى إخوته الأمان.

أو حديث مجيء زين العابدين لدفن أبيه مع بني أسد.

أو حديث درّة الصدف التي حاربت مع الحسين (عليه السلام).

أو حديث مجيء الطيور التي تمرّغت بدم الحسين (عليه السلام) إلى المدينة، ومعرفة فاطمة الصغرى بقتل أبيها من تلك الطيور.

أو غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تُقرأ على المنابر وهي من الكذب الصراح، والتي يطول الكلام بالإشارة إليها في هذه العجالة.

أم يزعم أنّ قراءة الأحاديث المختلقة خير من قراءة الأحاديث الصحيحة

١ ـ يأتي في الفصل الثالث الكلام مفصّلا عن هذا الحديث والأحاديث التي تتلوه، التي أوردها السيّد الأمين كمصاديق على نقل الخطباء للأحاديث والوقائع المكذوبة.

٢ ـ هو الشيخ حسن ابن الشيخ علي السعدي الرباحي الدجيلي، المعروف بـ"قفطان" (ت ١٢٨٧هـ)، وسيأتي الحديث عنه مفصّلا في الفصل الثالث.

٥٧
المرويّة; قصداً للإصلاح؟!

وحاصل مقصود هذا المصلح الكبير أن لا ينبّه أحد من قُرّاء التعزية على ترك قراءة الأحاديث المكذوبة، ولا على ترك اللحن، ولا على قراءة بعض ما ينفّر السامعين، بل يرد أن تبقى الأحاديث ممزوجاً صحيحها بسقيمها، وغثّها بسمينها، وصدقها بكذبها، وخطأها بصوابها، وقشرها بلبابها، ولحنها باعرابها، فحبّذا هذا الإصلاح!!

وما ندري ما الذي يسوءه من حمل القرّاء على قراءة الأحاديث الصحيحة، وما الذي يعجبه من قراءة الأحاديث المكذوبة والملحونة وليس هو بقارىء تعزية، ولا أقامة القرّاء محامياً ووكيلا عنهم؟

[الحجامة والتطبير]


وممّا قاله في تحسين لبس الأكفان وكشف الرؤوس وشقّها بالمُدى والسيوف يوم عاشوراء:

"ما الذي نقموه على هذه الفئة، وسفّهوا لأجله أحلامها، وأخرجوها به من دائرة الإنسانيّة:

ألبسها لبس الموتى؟ فهذا عمل غير معيب عقلا، وهو مشروع ديناً في إحرام الحجّ، ومندوب في كلّ آن; تذكرةً للآخرة وتأهبها للموت ـ وكفى واعظاً ـ ومن الغرور بالدنيا محذّراً ومنذراً.

أم كشفها عن رؤوسها؟ وهذا أيضاً مُستحسن طبّاً، مشروع بالإحرام ديناً.

أم بضعها رؤوسها بآلة جارحة؟ وهذا أيضاً مسنون شرعاً; إذ هو ضرب من الحجامة، والحجامة تلحقها الأحكام الخمسة التكليفيّة: مباحة بالأصل، والراجح منها مستحبّ،

٥٨
والمرجوح مكروه، والمضرّ محرّم، والحافظ للصحة واجب. فقد تمسّ الحاجة إلى عمليّة جراحيّة تفضي إلى بتر عضو أو أعضاء رئيسيّة; حفظاً لبقيّة البدن وسدّاً لرمق الحياة الدنيويّة، والحياة الدنيا بأسرها وشيكة الزوال والاضمحلال.

أتباح هذه الجراحة الخطرة لفائدة ما دنيويّة، ولا تباح جراحة ما في إهاب الرأس(١) لأعظمها فائدة، وأجلّها سعادة اُخرويّة وحياة أبديّة، وفوز بمرافقة الأبرار في جنّة الخلد"(٢) انتهى.

قوله: "الحجامة مباحة بالأصل".

بل هي محرّمة بالأصل; لأنّها ضرر وإيذاء للنفس، ولا تحلّ إلاّ مع الضرورة; لدفع مرض أو ألم أعظم منها، وإلاّ كانت كفعل حجّام ساباط الذي ضرب به المثل فقيل: "أفرغ من حجّام ساباط"(٣) ، وكان إذا لم يجد مَن يحجمه حجم زوجته

١ ـ إهاب الرأس: الجلد الذي يعلو الرأس. الصحاح ١:٨٩ "أهب".

٢ ـ الصفحة: ٧٩.

٣ ـ في مجمع الأمثال للميداني ٢:٤٦٥/٢٨١٣: كان حجّاماً ملازماً لساباط المدائن، فإذا مرّ به جندٌ قد ضُربَ عليهم البعثُ حجمهم نسيئة بدانق واحد إلى وقت قُفُولهم، وكان مع ذلك يعبر الإسبوع والإسبوعان فلا يدنو منه أحد، فعندها يُخرج اُمَّهُ فيحجمها حتّى يُري الناس أنّه غير فارغ، فما زال ذلك دأبه حتّى أنزفَ دمّ اُمّه فماتت فجأة، وقيل: إنّه حجمَ كسرى أبرويز مرّة في سفره ولم يعد; لأنّه أغناه عن ذلك.

وفي جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري ٢:٩١/١٥٠١ بعد ذكر الكلام السابق قال: قال شاعر محدَث:


دارُ أبي القاسِم مَفْروُشةٌما شئتَ من بُسْط وَأَنْماطِ
وَبُعْدُ ما يأَتِيكَ من خَيْرهِكَبُعْدِ بَلْخ من سُمْيسَاطِ
مَطْبِخُةُ قَفْرٌ وطَبَّاخُهُأَفْرَغُ من حَجَّامِ سَابَاطِ

٥٩
وأولاده.

قوله: "والمرجوح مكروه".

فيه: أنّه يشمل المكروه والحرام، ولم يبيّن متى يكون مرجوحاً.

قوله: "والراجح مستحبّ".

فيه: أنّه يشمل الواجب والمستحبّ.

قوله: "والحافظ للصحّة واجب".

فيه: أنّه لا يجب دائماً، فمع الخوف على النّفس يجب، وبدونه يستحبّ. وحيث جعل شقّ الرؤوس نوعاً من الحجامة، فهو:

إمّا واجب، وذلك حينما يخشى الضارب على نفسه الهلاك لو لم يضرب نفسه، بأن يخبره الطبيب الحاذق أنّ في رأسه مرضاً مُهلكاً لا يشفيه إلاّ جرح رأسه وشقّه.

أو مستحبّ بأن يكون الضارب محموماً حمى شديدة، ويخبره الطبيب الحاذق أنّ دواءه في شقّ رأسه وإخراج الدم منه، ويشترط في هذين عدم التعرّض للشمس وشدّة الحركة الذي قد يوجب شدّة مرضه أو هلاكه.

وإمّا محرّم، وذلك حيث يكون إيذاءً صرفاً وضرراً بحتاً.

وحيث إنّ الذين يضربون رؤوسهم ليس في رؤوسهم داء ولا في أبدانهم حمى، فانحصر فعلهم في الحرام. وإذا كان محرّماً لم يكن مقرّباً إلى الله ولا موجباً لثوابه، بل موجباً لعقابه، ومغضباً لله، ولرسوله (صلى الله عليه وآله)، وللحسين (عليه السلام) الذي قتل لإحياء شرع جدّه (صلى الله عليه وآله).

قوله: "قد تمسّ الحاجة إلى عمليّة جراحيّة... إلى آخره".

٦٠