×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

قراءة في رسالة التنزيه (للسيد محسن الأمين) / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

الحجيج والقوافل الذي يضرب به لإعلام النزول والارتحال، وعلى طبل العطّارين: وهو سفط لهم، وعلى طبل اللهو: وقد فُسِّرَ بالكوبة التي يضرب بها المخنّثون، وسطها ضيّق ٨وطرفاها واسعان، وهي من آلات الملاهي"(١) .

وقال المحقّق الكركي (ت ٩٤٠هـ) في "جامع المقاصد" في باب الوصيّة في شرح قول العلاّمة (ولو أوصى بطبل لهو بَطَلَ):

"لفظ الطبل يقع على طبل الحرب، الذي يُضرب به للتهويل، وعلى طبل الحجيج والقوافل، الذي يُضرب لإعلام النزول والارتحال، وعلى طبل العطّارين وهو سفط لهم، وعلى طبل اللهو: وفُسّرَ بالكوبة التي يضرب بها المخنّثون، وسطها ضيّق وطرفاها واسعان، وهي من آلات الملاهي"(٢) .

وحكى الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي عن الشيخ محمّد عبده أنّه قال: "طبل اللهو: هو المعروف بالدربكة "دنبركة"، والظاهر أنّ هذه اللفظة حبشيّة، فإنّ الزنوج والحبش هم الذين ألقوها في العراق ومصر"(٣) .

ومن كلّ ما تقدّم يُعلم أنّ الطبل الذي يستعمل في المواكب الحسينيّة ـ والذي شاهدناه في العراق وايران ـ ليس محرّماً; لأنّه ليس من الطبول المحرّمة التي ذكرها الفقهاء، ولا يُستعمل لأجل اللهو والطرب، بل لانتظام المواكب والإعلان عن سيرها ووقوفها.

١ ـ تذكرة الفقهاء ٢:٤٨٣.

٢ ـ جامع المقاصد ١٠:١٠٧.

٣ ـ انظر النقد النزيه: ١١٩.

١٦١

البوق:

هو الآلة المستعملة في بعض المواكب العزائيّة، ويسمّى بلسان العامّة في عرف العراقيين "البوري" أو "البرزان". وهو غير المزمار المنهي عنه; إذ أنّ البوق آلة يُنفخ فيها نحو النفخ في النار والنفخ في الزقّ، لكنّها تُصوّت بالنفخ بها تصويتاً حادّاً هجيناً مرتفعاً.

والمزمار: آلة يزمر فيها، أي يتغنّى بها، ولا ينفخ فيها; ولذلك يقال: نفخَ في البوق كما يقال نفخَ في الصور، ولا يقال: زمَّر في الصور وغنّى في البوق. والفرقُ واضح بين الزَمْر الذي هو صوت مقطّع، وبين النفخ المجرّد عن تقطيع الصوت.

وهناك فرق آخر بين البوق والزمر هو: أنّ البوق كان سابقاً يُتّخذ من القرون، وهو لايزال باقياً لليوم عند بعض السّواح المتسوّلة من الهنود.

ففي "مجمع البحرين": "البوق: هو القَرْنُ الذي يُنْفَخُ فيه"(١) .

وفي "القاموس المحيط": "الصُور: هو القَرْنُ يُنْفَخُ فيه"(٢) .

إذاً البوق: هو الصور الذي يُنْفَخُ فيه ولا يتغنّى به.

وفي "المنجد": "الصُور: القَرْنُ يُنْفَخُ فيه، والبُوق: شيء مجوّف مستطيل ينفخ فيه"(٣) .

وقد صُنع البوق في العقود الأخيرة من النحاس حيث يكون أرفع صوتاً وأشدّ

١ ـ مجمع البحرين ٢:١٤٢ "بوق".

٢ ـ القاموس المحيط ٢:٧٦ "صور".

٣ ـ المنجد: ٤٣٩ و٥٥.

١٦٢
هجنة.

ومهما تغيّرت مادة البوق، سواء كانت من القرون أو النحاس، فيبقى هو ذلك الصور القرنيّ الذي لا زمر فيه ولا غناء. ولذلك يستعمل في السلم والحرب للتنبيه على الأوقات، وحشر الجنود المتفرّقة، وتسيير مواكب الرجال المجنّدة.

أمّا آلة المزمار فقد كانت قديماً تُتخذ من القصب، وهي لاتزال باقية لليوم عند الأعراب في البوادي، ويُسمّى ذو الاُنبوب الواحد منها "مُفرد"، وذو الانبوبين "مطبق"، يتغنّون به غناء مطرباً، كما يتغنّى بالآلات الموسيقيّة ذات الأوتار.

في "القاموس المحيط": "زَمَّرَ تزميراً: غنّى في القصب"(١) .

وفي "مجمع البحرين": "زَمَرَ الرجلُ يَزِمرُ، من باب ضرب زمراً: إذا ضرب المَزْمار، وهو بالكسر: قصبة يُزمر بها"(٢) .

وفي "المنجد": "الزمّارة: القصبة التي يُزَمّر فيها، والمزمار: آلة يزمّر فيها، وزمّر زمراً: غنّى بالنفخ في القصب"(٣) .

ويُصنع المزمار الآن من بعض المعادن التي تكون أقوى من القصب وأحكم منه.

ومضافاً إلى ما سبق فإنّ هنالك فرقاً آخر بين البوق والمزمار، وهو: أنّ المزمار لايكون إلاّ بثقوب كثيرة من أربعة إلى ثمانية، غير الثقب الذي يلي الشفة، ولكلّ

١ ـ القاموس المحيط ٢:٤١.

٢ ـ مجمع البحرين ٣: ٣١٨.

٣ ـ المنجد:٣٠٥.

١٦٣
واحد من تلك الثقوب نغمة خاصّة تخالف نغمة الثقب الآخر. أمّا البوق فلايكون إلاّ بثقب واحد في أسفله غير فوهته العليا، ولذلك لاتكون له نغمة، ولا يكون الصوت الخارج منه إلاّ واحداً غير مختلف.

أمّا صلابته وهجنته فإنّها تستند إلى سعة فوهته حسب تركيبه الطبيعي، فإنّه كلّما طال ودَقَّ موضع النفخ به واتّسعت فوهته العليا زاد صوته ارتفاعاً وهجنة. وربّما كان لالتوائه مزيد دخل في شدّة هجنته: إمّا لزيادة طوله بذلك الالتواء، وإمّا لدوران الصوت به حسب التوائه.

ومن كلّ ما تقدّم يتّضح أنّ البوق الذي يُستعمل في المواكب العزائيّة ليس محرّماً; لأنّه ليس مزماراً، ولايُعدُّ من آلات اللهو والطرب، والصوت المنبعث منه لا يُطرب السامع بل يُزعجه.

الصَّنْجُ:

مفردٌ، وجمعه صُنُوج، يُسمّيه العراقيّون "طوس"، وهو اسم يشمل الصُنُوج المحرّمة وغيرها، إذ ليس جميع أنواع الصُنُوج محرّمة في الشريعة. وهو على عدّة أنواع:

(١) آلة بأوتار.

(٢) قطع نحاس تعلّق في إطار الدفّ.

(٣) آلة تُتّخذ من صُفر، يُضرب إحداهما بالاُخرى.

(٤) آلة يتّخدها الراقصون في أطراف أصابعهم يصفّقون بها، تُسمّى عند أرباب الملاهي "زنك"، وهو معرّب "صنج".

في "الصحاح": "الصَّنْجُ الذي تعرفه العرب: وهو الذي يُتّخذ من صُفْر، يُضْرَب

١٦٤
أحدهما بالآخر. وأمّا الصَّنْجُ ذو الأوتار فيختصّ به العجم، وهما معرّبان"(١) .

وفي "القاموس المحيط": "الصَّنْجُ: شيء يُتّخذ من صُفْر، يُضرب أحدهما على الآخر، وآلة بأوتار يضرب بها، معرّب"(٢) .

وفي "مجمع البحرين": "الصَّنْجُ من آلات اللهو: وهو شيء يُتّخذ من صُفْر، يضرب أحدهما بالآخر، وآلة بأوتار يضرب بهما. والجمع صُنوج، مثل فلس وفلوس. قال بعض المحقّقين: ولم نعثر بجمعه على "صَوَانِج" في كلام أهل اللغة، وإنّما استفدناه من الحديث، وهو الصواب"(٣) .

والصُنُوج التي تستعمل في المواكب الحسينيّة هي النوع الثالث من الأنواع التي ذكرناها قريباً، أي أنّه آلة تُتّخذ من صُفر أو حديد، يضرب إحداهما بالاُخرى. وهو ليس من آلات اللهو والطرب قطعاً; إذ أنّ الصوت المنبعث منه لايؤدي إلى طرب سامعه وتلذّذه به، بل يؤدّي إلى تنفّره منه.

وأصحاب المواكب العزائيّة يستعملونه لأجل انتظام الموكب والإعلان عن سيره أو توقّفه; لذلك فإنّهم لايستعملونه في العزاء الذي يُقام في الحسينيات والبيوت; لا ستغنائهم عنه.

وقد حكى الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي (ت ١٣٧٥هـ) عن العلاّمة الفاضل السيّد مصطفى الطالقاني والمقدّس الورع الشيخ حسن مطر أنّهما قالا:

١ ـ الصحاح ١:٣٢٥ "صنج".

٢ ـ القاموس المحيط ١:٢٠٤ "صنج".

٣ ـ مجمع البحرين ٢:٣٠٣ "صنج".

١٦٥
"إنّ أوّل من استعمل الصُنُوج في المواكب العزائيّة هو العلاّمة المجلسي (ت١١١٠هـ)، حيث أمر باستعمالها في قرى ايران في مواكب اللطم التي كانت تخترق الأزقّة; ليسمع صوتها أهل القرى القريبة منهم ويعلموا بإقامتهم للعزاء ليشاركوهم: إمّا في الاجتماع معهم، وإمّا بإقامة عزاء آخر في قريتهم"(١) .

إضافة لذلك فإنّي لم أعثر على رواية تدلّ على حرمة هذا النوع من الصُنوج المستعمل في المواكب العزائيّة; لأنّه ليس من آلات اللهو والطرب. نعم، أخرج الشيخ منتجب الدين الطريحي (ت ١٠٨٥هـ) في "مجمع البحرين" رواية ربّما تدلّ على حرمة استعماله وهي: "إياك والضرب بالصوانج فإنّ الشيطان يركض معك والملائكة تنفر عنك"(٢) .

وعلى هذه الرواية عدّة ملاحظات:

أوّلا: أنّها مرسلة، ولم يذكر الطريحي المصدر الذي أخذها منه ولا طريقه إليها.

ثانياً: لم ترد هذه الرواية وبهذا اللفظ في أيّ كتاب حديثي وغيره من كتبنا المعتبرة.

ثالثاً: ورد قريب من هذه الرواية في بعض مصادرنا وفيها لفظ "الصوالج" بدل "الصوانج"، ففي "أصل زيد النرسي": "وأمّا ضربكَ بالصوالج فإنّ الشيطان معك يركض والملائكة تنفر عنك"(٣) .

وحكاه عنه المحدّث النوري في "المستدرك" مع زيادة فيه، فقد روى عن

١ ـ النقد النزيه: ١٣٦ ـ ١٣٧.

٢ ـ مجمع البحرين ٢:٣١٣ "صنج".

٣ ـ أصل زيد النرسي: ٥١.

١٦٦
الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال:

"وإنّ المؤمن لفي شغل عن ذلك، شغله طلب الآخرة عن الملاهي ـ إلى أن قال ـ وإنّ المؤمن عن جميع ذلك لفي شغل، ماله وللملاهي، فإنّ الملاهي تورث قساوة القلب وتورث النفاق. وأمّا ضربك بالصوالج فإنّ الشيطان يركض معك والملائكة تنفر عنك، وإن أصابك شيء لم تؤجر، ومن عثرت به دابته فمات دخل النار"(١) .

وفي "الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام) ":

"واتّقِ اللعب بالخواتيم، والأربعة عشر، وكلّ قمار حتّى لعب الصبيان بالجوز واللوز والكعاب، وإيّاك والضربة بالصولجان فإنّ الشيطان يركض معك والملائكة تنفر عنك، ومَن عثرت به دابته فمات دخل النار"(٢) .

ورواه أيضاً باختلاف يسير في بعض الألفاظ الشيخ الصدوق في "الفقيه"(٣) .

ومن هذا يتّضح أنّ الوارد في الرواية والمنهي عنه هو "الصوالج" لا "الصوانج".

قال الجوهري في "الصحاح": "الصَوْلَجان، بفتح اللام: المِحْجَن، فارسي معرّب، والجمع الصَوَالِجَة، والهاء للعجمة"(٤) .

وقال ابن منظور في "لسان العرب": "الصَوْلَجان: عصا يُعوج طرفها تُضرب بها الكرة واللاعب على ظهر دابة، فرس أو غيرها"(٥) .

١ ـ مستدرك وسائل الشيعة ١٣: ٢١٦/١٥١٦٣.

٢ ـ الفقه المنسوب للإمام الرضا (عليه السلام):٢٨٤.

٣ ـ الفقيه ٤:٤٢/١٣٥.

٤ ـ الصحاح ١:٣٢٥ "صلج".

٥ ـ لسان العرب ٢:٣١٠ "صلج".

١٦٧

الإشكال السادس
تشبيه الرجال بالنساء


قال السيّد الأمين: "ومنها ـ أي ومن الاُمور المنكرة في الشعائر الحسينيّة ـ تشبيه الرجال بالنساء في وقت التمثيل(١) ، وتحريمها ثابت في الشرع"(٢) .

أقول: المحرّم شرعاً هو أن يتأنّث الرجل ويعدّ نفسه امرأة، ويتحقّق ذلك بأن يخرج الرجل عن زيّه ويأخذ بأزياء النساء.

أمّا مجرّد لبس ملابسهن لوقت قصير لأجل منفعة معتدّة بها عرفاً كالتمثيل، فلم يحكم بحرمته أغلب فقهائنا، وقد بيّن ذلك الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي (ت ١٣٧٥هـ) إذ قال:

"وبهذا أفتى الميرزا القمّي في "جامع الشتات"، وشيخنا المحقّق الأنصاري في "المكاسب"، وأكثر علماء عصرنا، منهم: شيخنا المحقّق العلاّمة آية الله الميرزا محمّد حسين النائيني الغروي، والشيخ الفقيه العلاّمة المتفنّن صاحب المصنّفات الكثيرة حجّة الإسلام الشيخ عبد الله المامقاني النجفي، وغيرهم"(٣) .

ويدلّ على هذا عدّة روايات:

منها: ما رواه الشيخ الكليني في "الكافي" والشيخ الصدوق في "علل الشرائع":

١ ـ إلى هنا تنتهي عبارة السيّد الأمين في النسخة المطبوعة لرسالة التنزيه المتوفّرة لدينا، وباقي العبارة حكاها عنها الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي في "النقد النزيه": ١٤٣، والشيخ محمّد الگنجي في "كشف التمويه":٥٠.

٢ ـ رسالة التنزيه:٤٣.

٣ ـ النقد النزيه: ١٤٤.

١٦٨
كتاب قراءة في رسالة التنزيه للشيخ محمّـد الحسّـون (ص ١٦٩ - ص ١٨٩)
١٦٩

الإشكال السابع
تمثيل النساء


قال السيّد الأمين:

"ومنها ـ أي ومن الاُمور المنكرة في الشعائر الحسينيّة ـ إركاب النساء الهوادج مكشّفات الوجوه، وتشبيههنّ ببنات رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهو في نفسه محرّم; لما يتضمّنه من الهتك والمثلة، فضلا عمّا إذا اشتمل على قبيح وشناعة اُخرى، مثلما جرى في العام الماضي في البصرة من تشبيه امرأة خاطئة بزينب (عليها السلام)، وإركابها الهودج حاسرة على ملأ من الناس كما سيأتي(١) "(٢) .

أقول: كان السيّد مهدي الموسوي الكاظمي البصري (ت ١٣٥٨هـ) قد أثار هذا الإشكال قبل السيّد الأمين في ما كتبه في بعض الصحف العراقيّة حول الشعائر الحسينيّة، وأفرد له أيضاً رسالة مستقلّة سمّاها "صولة الحقّ على جولة الباطل"(٣) .

فإنّ الذي ذكره السيّد الأمين من "إركاب النساء الهوادج مكشّفات الوجوه، وتشبيههنّ ببنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) " لم نُشاهده لا في العراق ولا في ايران، ولم نسمع بأنّ ذلك يحدث في باقي المدن الشيعيّة. وإذا وقع صدفةً مرّة واحدة وفي مكان معيّن، فهل يجوز تعميم ذلك وطرحه كإشكال كبير يراه السامع له ويتصوّر أنّ هذا الأمر ملازم لكافّة الشعائر الحسينيّة وفي جميع المدن الشيعيّة؟!

١ ـ كما سيأتي: لم ترد في النسخة المطبوعة لرسالة التنزيه المتوفّرة لدينا، أثبتناها من رسالتي "النقد النزيه": ١٤٧ و"كشف التمويه":٥٣.

٢ ـ رسالة التنزيه:٤٣.

٣ ـ انظر رسالة نصرة المظلوم: ١٨.

١٧٠
إنّ الذين يقومون بتمثيل واقعة الطفّ يوم عاشوراء إذا أرادوا بيان المآسي والأحزان التي حلّت بالنساء الحاضرات في واقعة الطفّ، فإنّهم لم يستعينوا بالنساء لأداء هذه الأدوار، بل يقوم بها رجال يرتدون ازاراً أسوداً "عباءة".

أمّا الحادثة التي ذكرها السيّد الأمين ومن قبله السيّد مهدي البصري من تشبيه امرأة خاطئة بزينب (عليها السلام)، وإركابها الهودج حاسرة على ملأ من الناس، فقد أنكر وقوعها بعض علماء البصرة، وأيّد وقوعها البعض الآخر مرّة واحدة في البصرة سنة ١٣٤١هـ.

وقد عارضها كلّ من كان حاضراً فيها، وتمّ إنزال تلك المرأة من الهودج بسرعة، وقد أوضح ذلك بعض علمائنا الذين عاشوا في ذلك الوقت:

قال الشيخ ابراهيم المظفّر في رسالته "نُصرة المظلوم" ـ التي انتهى من تأليفها سنة ١٣٤٥هـ ـ في معرض ردّه على السيّد مهدي البصري:

"إنّ هذا الشبيه ـ تشبيه امرأة خاطئة بزينب (عليها السلام) ـ لم يقع في البصرة على طوال السنين إلاّ منذ أربعة أعوام، شهده غير واحد من الصلحاء وأجلب على منعه، فمنعه مَن له قوّة المنع من ساعته. وهذا الرجل ـ أي السيّد مهدي البصري ـ يرى بكلامه كلّ أحد أنّ ذلك التشبيه المستهجن هو من الرسوم العاديّة حتّى في عامه هذا، وإلاّ فما هو معنى المنع عن شيء مضى وما عاد له نظير أبداً لا في البصرة ولا في غيرها"(١) .

وقال الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي في رسالته "النقد النزيه" ـ التي ألّفها سنة ١٣٤٧هـ ـ في معرض ردّه على السيّد الأمين:

١ ـ نصرة المظلوم: ١٩.

١٧١
"وأمّا ما نقله من تمثيل امرأة خاطئة بزينب (عليها السلام) في عامه الماضي ـ وهو في سنة ١٣٤٧هـ ـ فينبغي أن يسامحه كلّ بصريّ ونزيل في البصرة، كما أنّهم من قبل سنتين سامحوا مَن نقل أنّه واقع في البصرة في عامه الماضي أيضاً وهو في سنة ١٣٤٥هـ، فكم من عام ماض إلى عام ماض إلى سبع سنين ماضية لم يقع فيها في البصرة شيء من ذلك.

نعم، في سنة ١٣٤١هـ ركبت تلك الخاطئة من تلقاء نفسها في أحد المحامل التي تُقاد إلى التمثيل خالية أو ممتلئة بالأطفال الممثّلين للسبي، من دون أن تتشبه بامرأة، ولا جعلها أحد شبيهاً بها، بَيْدَ أنّ من يراها يظنّ ذلك. ولم يمض على ركوبها بضع دقائق حتّى اُنزلت من المحمل بلا مدافعة منها; لأنّها لم تعرف أنّ ركوب مثلها من الاُمور الشائنة"(١) .

وقال الشيخ عبد المهدي المظفّر في رسالته "إرشاد الاُمّة" ـ التي ألّفها سنة ١٣٤٨هـ ـ في معرض ردّه على السيّد محسن الأمين والسيّد مهدي البصري:

"عفوك اللهمّ من هذا الاختلاق، كيف علم به حضرة السيّد حتّى أرسله إرسال المسلّمات، ولم نعلم به (وأهل البيت أدرى بما فيه)، يعزى ذلك إلى البصرة ونحن فيها ولم نغب عنها في العام الذي ذكره ولم نشاهد ذلك ولم نسمعه، ولو صحّ لكنّا أوّل منكر على هذا الفعل الشنيع الذي تأباه الغيرة والحميّة ويحظره الشرع الأقدس. ولكن سوّلت لهذا المصلح وأمثاله نفوسهم أمراً، فصبر جميل والله المستعان.

وكان الأحرى به قبل سماع هذا أن يسمع قوله تعالى {إِنْ جاءَكُم فاسِقٌ بنَبأ فَتَبَيَّنُوا}(٢) وكيف ساغ له أن يشين هذه المظاهر الشريفة بالاُمور المكذوبة، ويهين شيعة

١ ـ النقد النزيه: ١٤٩ ـ ١٥٠.

٢ ـ سورة الحجرات: الآية ٦.

١٧٢
آل محمّد (صلى الله عليه وآله)، الذين لا قصد لهم إلاّ إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام)، حتّى بذلوا النفيس في سبيل ذكرى الإمام الشهيد (عليه السلام)، مبتغين بذلك مرضاة الله تعالى.

وما زال أهل البصرة منذ القدم لايعدون أطوار المواكب العزائيّة الجاريّة في المشاهد المقدّسة، وسيجمع الله تعالى بينهم وبين السيّد في يوم تنشر فيه الأعمال وتتضح فيه خفيات السرائر"(١) .

١ ـ إرشاد الاُمّة: ١٢٨ ـ ١٢٩.

١٧٣

الإشكال الثامن
صياح النساء بمسمع من الرجال


قال السيّد الأمين:

"ومنها ـ أي ومن الاُمور المنكرة في المواكب الحسينيّة ـ صياح النساء بمسمع من الرجال الأجانب، وصوت المرأة عورة(١) ، ولو فرض عدم تحريمه فهو معيب شائن مناف للآداب والمروءة، يجب تنزيه المآتم عنه"(٢) .

أقول: وهذا شاهدناه في العراق كثيراً، وهو أمر شائع هناك. ولم نشاهده في ايران; إذ أنّ الإيرانيين لم يتعوّدوا على هذه الظاهرة، وينكرونها على العراقيين المقيمين في ايران الذين جلبوا معهم إلى إيران كافّة عاداتهم وتقاليدهم الجيّدة والسيّئة. ولا أتصوّر أنّ هذه الظاهرة سائدة في باقي البلدان الإسلاميّة التي تقام فيها هذه الشعائر، فقد شاهدتُ عدّة أفلام عن المواكب الحسينيّة في لبنان والهند والباكستان، فلم اُشاهد هذه الظاهرة فيها.

ونحن مع السيّد الأمين في إشكاله على هذه الظاهرة، فإنّها أمر "معيب شائن مناف للآداب"، ويجب على أصحاب النفوذ من المسؤولين والعلماء والخطباء منع ذلك، وتهذيب الشعائر الحسينيّة من كافّة الظواهر السيئة التي لحقتها، أو أدخلها المغرضون فيها لتشويهها وإبعادها عن الغرض الرئيسي الذي أقيمت له هذه الشعائر.

١ ـ وصوت المرأة عورة: لم ترد في رسالة التنزيه المطبوعة المتوفّرة لدينا، حكاها عنها الشيخ عبد الحسين قاسم الحلّي في "النقد النزيه": ١٥٠ والشيخ محمّد الگنجي في "كشف التمويه": ٥٤.

٢ ـ رسالة التنزيه:٤٣.

١٧٤

الإشكال التاسع
الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة


قال السيّد الأمين: "ومنها ـ أي ومن الاُمور المنكرة في الشعائر الحسينيّة ـ الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة"(١) .

أقول: وهذا لا وجود له في المواكب الحسينيّة التي شاهدتها في العراق وايران، ولم نسمع بأنّ ذلك يحصل في البلدان الإسلاميّة الاُخرى التي تُقام فيها هذه الشعائر في كلّ سنة.

نعم، قسم من المؤمنين يؤدّون هذه الشعائر بأصوات مرتفعة أثناء ندبهم للإمام الحسين (عليه السلام) في المساجد والحسينيّات، وخلال المسيرات الجماهيريّة التي تطوف في الشوارع والأزقّة.

أمّا وصف أصواتهم بكونها "منكرة وقبيحة" فهذا مردود قطعاً.

علماً بأنّ الشرع المقدّس قد استحبّ رفع الصوت في بعض التكاليف كالتلبية في الحجّ، والأذان، والصلاة على النّبي (صلى الله عليه وآله). وقد وردت روايات دالّة على أنّ رفع الصوت بالصلاة على النبيّ (صلى الله عليه وآله) يذهب النفاق، ورفعه في الأذان في المنزل ينفي الأمراض ويكثر الولد.

١ ـ رسالة التنزيه:٤٤.

١٧٥

الإشكال العاشر
دخول ما يوجب الهتك والشنعة في الشعائر الحسينيّة


قال السيّد الأمين: "ومنها ـ أي ومن الاُمور المنكرة في المواكب الحسينيّة ـ كلّ ما يوجب الهتك والشنعة ممّا لا يدخل تحت الحصر، ويختلف الحال فيه بالنسبة إلى الأقطار والأصقاع، إلى غير ذلك"(١) .

أقول: ونحن مع السيّد الأمين في هذا الإشكال; إذ يجب تنزيه الشعائر الحسينيّة عن كلّ الظواهر السلبيّة التي لحقتها، سواء تلك التي أدخلها فيها المغرضون من أجل تشويهها وإخراجها عن المسير الصحيح لها وإظهار شيعة أهل البيت (عليهم السلام) بمظهر التخلّف، أم التي أدخلها فيها بعض البُسطاء من المؤمنين مع غفلتهم عن النتائج السلبيّة التي تؤدّي إليها هذه الظواهر.


*  *  *  *

١ ـ رسالة التنزيه:٤٤.

١٧٦
وختاماً فإنّي أحمدُ الله سبحانه وتعالى لتوفيقه إياي لكتابة هذه الرسالة المتواضعة التي أثبتُ فيها الملاحظات التي وقفتُ عليها أثناء مطالعتي لرسالة التنزيه، ولا أدّعي بأنّني قد استوفيت البحث وأعطيته حقّه، وأسأل الله سبحانه وتعالى غفران الذنوب والعفو عن الهفوات، وأن يجعل عملي هذا سبباً لمرضاته، وأن يرزقنا شفاعة الحسين وجدّه وأبيه واُمّه وأخيه والتسعة المعصومين من ذريّته، صلوات الله عليهم أجمعين، والحمدُ لله ربّ العالمين

محمّد الحسّون   
٢٠ شوال ١٤٢٢هـ

١٧٧

فهرس المصادر


(١) إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل:

للقاضي السيّد نور الله الحسينيّ المرعشى التستري الشهيد سنة ١٠١٩هـ، المكتبة المرعشيّة، قم المقدّسة.

(٢) أدب الطف:

للسيّد جواد شبر، دار المرتضى، بيروت، ١٤١١هـ.

(٣) الأربعين حديثاً:

للشيخ البهائي محمّد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي (ت ١٠٣١هـ)، مطبعة صابري، قم المقدّسة.

(٤) إرشاد الاُمّة للتمسّك بالأئمة:

للشيخ عبد المهدي المظفّر (ت القرن الرابع عشر)، المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف، ١٣٤٨هـ.

(٥) الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد:

للشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان العكبري البغدادي (ت ٤١٣هـ)، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم المقدّسة، ١٤١٣هـ.

(٦) أساس البلاغة:

للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)، أفسيت دفتر تبليغات اسلامي، قم المقدّسة.

(٧) أصل زيد النرسي:

لزيد الزرّاد النرسي، (ت القرن الثاني)، المطبوع مع الاُصول الستّة عشر.

١٧٨

(٨) أصل عاصم بن حميد:

لعاصم بن حميد الحنّاط الكوفي (ت القرن الثاني)، المطبوع مع الاُصول الستّة عشر.

(٩) إعلام الورى:

للفضل بن الحسن الطبرسي (ت ٥٨٤هـ) دار المعرفة، بيروت.

(١٠) أعيان الشيعة:

للسيّد محسن الأمين العاملي (ت ١٣٧١هـ)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ١٤٠٣هـ.

(١١) إقالة العاثر في إقامة الشعائر:

للسيّد علي نقي اللكهنوي (ت القرن الرابع عشر)، المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف، ١٣٤٧هـ.

(١٢) إقبال الأعمال:

للسيّد علي بن موسى بن طاووس (ت ٦٦٤هـ)، دار الكتب الإسلاميّة، بيروت، ١٤٠٣هـ.

(١٣) أمالي الصدوق:

لمحمّد بن علي بن الحسين بن بابويه الصدوق (ت ٣٨١هـ)، مؤسسة الأعلمي، بيروت.

(١٤) البابليات:

للشيخ محمّد علي اليعقوبي (ت القرن الرابع عشرهـ)، مطبعة الزهراء، النجف الأشرف، ١٣٧٠هـ.

١٧٩

(١٥) بحار الأنوار:

للعلاّمة محمّد باقر المجلسي (ت ١١١٠هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٣هـ.

(١٦) البرهان في تفسير القرآن:

للسيّد هاشم بن سليمان البحراني (ت القرن الحادي عشر)، مطبعة الشمس طهران.

(١٧) تاج العروس:

لمحمّد بن مرتضى الزبيدي (ت ١٢٠٥هـ)، دار مكتبة الحياة، بيروت.

(١٨) تأريخ بغداد:

للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)، مطبعة السعادة، مصر، ١٣٤٩هـ.

(١٩) تأريخ الطبري:

لمحمّد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ)، دار سويدان، بيروت.

(٢٠) التبيان في تفسير القرآن:

للشيخ محمّد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠هـ)، تحقيق الشيخ أحمد قصير العاملي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

(٢١) تذكرة الفقهاء:

للعلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهّر (ت ٧٢٦هـ)، الطبعة الحجريّة.

(٢٢) التسامح في أدلّة السنن:

للشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري (ت ١٢٨١هـ)، تحقيق ونشر مجمع الفكر الإسلامي، قم المقدّسة، ١٤١٣هـ.

١٨٠