×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أدب المحنة أو شعراء المحسن بن علي (ع) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الأهداء

سيدتي فاطمة ..

أيتها الصديقة الشهيدة ..

يا أم المحسن الشهيد ..

كم يعجبك أيتها الممتحنة أن نتوسل إليك بهذه الكنية الحزينة ..

فانها مثار آلامك الأبدية ..

وإذا غابت عنا هذه الكنية بين

تداعيات الكتمان .. وانهزامية الخذلان ..

لأن "محسنك"

حقيقة مضيّعة .. وكوثر مهدور ..

فان فصول هذا الكتاب تذكرة لتلك الفاجعة المؤلمة ..

فاقبليني سيدتي في كتابي هذا

شاهداً على كل ما جرى لك من محن وبلاء ..

واليك يا سليلة الزهراء ..

شقيقتي الكبرى "العلوية أم حيدر"

فبينا أنا مشغول باعداد هذا الكتاب حتى جاء نعيك المفجع ..

سبعٌ عجاف لم أرك أيتها البارة ..

فان محنتك ومحنة الاخريات من نساء العراق المثكول

امتدادات من محنة أمك فاطمة ..

٥

مقدمة

الحمد لله رب العالمين .. وصلى الله على محمد وآله المنتجبين المهديين.

تُعد القصيدة الشعرية قراءة ناضجة لفترة تاريخية معينة، واستقصاءً رشيداً لملامح تلك الفترة ومعالمها، ولعل مقطوعة أدبية واحدة تُغني عن دراسة تاريخية مضنية، تدخل في حيثياتها نزعةٌ غير رشيده، أو رشيدة إلا انها حذرة تخفي من ورائها معالم قضية سعى الكاتب إلى تجنبها حذراً، أو إخفائها طمعاً.

والقصيدة الشعرية فضلا عن ترسيم ملامح فترة زمنية، فهي تدافعات هواجس تزدحم في صدر الشاعر ليخرجها مقطوعة أدبية تُعبّر عن طموحات تلك الفترة وآلامها.. أي أن القصيدة الشعرية هي تسجيلٌ لمشاهد حسية من محنة سياسية مرتجلة، أو عبثية سلطوية مقيتة حلت في الأمة وأسست منهجة حكم زحفت على الأمة لتستوعب كل فتراتها الزمنية، إذن فالقصيدة الشعرية مشاهدات واعية لفترة زمنية معينة كما انها قراءة ملحمية واعية يتجاوز بها الشاعر حدود المحذور، ويخترق من خلالها

٦

حواجز الممنوع، لذا فهي تخبو عند أزمات سياسية معينة، وتتوهج عند انفراج سياسي معين، ومن هنا ظهرت أدبيات هذه الأزمات وأطلق عليها البعض "بالمكتمات الأدبية"، أي القصائد التي قيلت مكتومة الانشاء، مكتومة العنوان..

كانت قصيدة أعشى همدان(١) عينة جيدة للمكتّمات الأدبية، وقد روتها المشاريع التاريخية تحت عنوان "المكتمات" فقد جاءت عبارة الطبري عند روايته لهذه المقطوعة بقوله: وكان مما قيل من الشعر في ذلك [أي في وثبة التوابيين وجهادهم ضد الحكم الأموي] قول أعشى همدان، وهي احدى المكتمات كنّ يكتمن في ذلك الزمان، ثم روى قصيدته كاملة(٢). وتبعه على

١- قال أعشى همدان في قصيدة له يمدحُ التوابيين ووثبتهم ضد الحكم الأموي المنحرف، فمن قصيدته التي تسمى "بالمكتّمات".

فاني وإن لم أنسهُنَّ لذاكرٌرزيئةَ مخبات كريمِ المناصبِ
توسل بالتقوى إلى الله صادقاًوتقوى الإله خير تكساب كاسبِ
وخلى عن الدنيا فلم يلتبس بهاوتاب إلى الله الرفيع المراتبِ
تخلى عن الدنيا وقال اطرحتُهافلستُ اليها ما حييتُ بآيب
وما أنا فيما يُكبرُ الناس فقدهُويسعى له الساعون فيها براغب
فوجههُ نحوَ الثويةِ سائراًإلى ابن زياد في الجموع الكباكب
بقوم همُ أهلُ التقية والنُهىمصاليتُ أنجاد سراةُ مناجبِ
مضوا تاركي رأي ابن طلحة حسبَهُولم يستجيبوا للأمير المخاطبِ
فساروا وهم من بين مُلتمسِ التُقىوآخرَ مما جرَّ بالأمس تائب
فلاقوا بعين الوردة الجيش فاصلااليهم فحُّسوهم بييض قواضبِ

إلى أن يقول:

فان يقتلوا فالقتلُ اكرمُ ميتةوكل فتىً يوماً لا حدى الشواعبِ
وما قُتِلوا حتى أثاروا عصابةًمُحِلين ثوراً كالليوث الضواربِ(٣)

٢- انظر تاريخ الطبري ٤: ٤٧٢ مطبعة الاستقامة بالقاهرة ١٩٣٩ م.

٣- تاريخ الطبري ٤: ٢٧٤.

٧

ذلك ابن الأثير في كامله بقوله عند روايته لقصيدة أعشى همدان حيث قال: قال أعشى همدان في ذلك وهي مما يكتم ذلك الزمان(١). ثم روى قصيدته كاملة كذلك.

إذن فالظرف السياسي قد أسس لوناً أدبياً خاصاً سمي "بالمكتمات"، كانت تعبيراً عن نفس مكتوم يُنفّس الشاعر به عن هواجسه واحساساته، ثم هو خلاصة لتاريخ مقهور وحق ممتهن. وإذا كانت المكتمات الأدبية قد اختفت لفترة سياسية معينه ثم أظهرت المشاريع التاريخية وسجّلتها الجهود الثقافية، فان "مكتّمات أدبية" تعاني من قهر ثقافي لا زال متسلطاً على المشروع الأدبي، يكتم أنفاسه أو يخفيه تحت معذّرات تبريرية، كالحفاظ على وحدة الأمة وعدم الاثارة لتاريخ انتهى، لا حاجة لنا في اعادته، إلى غير ذلك من التبريرات الانهزامية التي تُلغي تراثاً أدبياً وحقائق تاريخية، هكذا هي قصائد هذا الكتاب مكتّمات دائمة لم يُرفع عنها المحذور، ولا تتمتع بحقها المسموع، تلغيها الجهود الثقافية، وتكتمها المشاريع التاريخية، فثقافة المأساة الفاطمية لا تزال تدخل تحت عناوين الحظر الأدبي الذي من خلاله أسست بعض المدارس الثقافية محاولات اخفاء تقليدية كانت جهودها منصبّة لمسح القضية التاريخية بحجة الحفاظ على وحدة الأمة وسلامتها من الانشقاق، علماً أن محاولات الاخفاء هذه هي أولى مراحل التفرقةِ والانشقاق لدى الأمة، أي تعيش الأمة بين الواقعية التاريخية وبين التمويه القصصي الذي يلتف على الحقيقة فتضطرب عندها الرؤية وتختلف من

١- راجع ابن الأثير في الكامل ٣: ٣٤٥ دار الكتاب العربي بيروت ط٥ ١٩٨٥ م.

٨

خلالها الافهام، فتنشأ بسببها مواقف الاختلاف و الفوضى.

هذه هي مكتمات هذا الكتاب، تحاول الخروج عن سلطنة المشروع الثقافي الذي صنّفها في عداد الممنوع، والانفلات من قبضة التقليديات المفروضة على القضية التاريخية سواء كانت على أساس سردي، أو على شكل مقطوعة شعرية تخرج من بين مطاوي كتاب انفلت عن تقليديات الممنوع، أو مشاريع ثقافية جزئية إلاّ انها متناثرة لم تستقل بعنوان بل جاءت كترتيبات إندماجية تسترقُ الفُرَصَ وتتحين المواقف.

لذا بدأت قصائد الكتاب من نصف القرن الهجري الثاني حيث استطاعت المشاريع الأدبية الشيعية أن تنفتح على الاعلان عن مظلومية آل البيت (عليهم السلام) بحذر شديد، ظهرت ملامحه على نفس المقطوعة الأدبية التي تجرأت على هذا النمط الثقافي ـ الاعلامي، لذا فان فترة القرن الهجري الأول قد حُجبت عن المشاركة في هذا المشروع الأدبي مع ما تملك من تراث أدبي فاطمي مقهور بين الاخفاء والتعتيم حتى أن المتتبع لأدبيات هذه الفترة لم يعثر من بعيد أو قريب على أدبيات فاطمية تحكي مظلومية الزهراء (عليها السلام)ومأساتها مع أن هذه الفترة لعلها أثرى الفترات الأدبية التي أظهرت مظلومية الزهراء (عليها السلام) وذلك لشواهد منها:

أولا: أن المجتمع العربي مجتمع "تسجيلي" يهتم بأرشفة المواقف التاريخية في محاولات أدبية تتعدها القصيدة الشعرية، وتُظهرها أدبيات المشاهد الذي كان يُسجل الموقف في مخيلته الأدبية الشعرية.

ثانياً: كانت التكتلات السياسية عبارة عن طبقات شعرية تترصد أية

٩

حادثة تتحفز من خلالها قريحتها الشعرية، وتتفجر عندها موهبتها.

ثالثاً: كان الاعلان عن الموقف السياسي المعارض أو المؤيد من خلال المشروع الأدبي الذي يتشكل على أساس المقطوعة الشعرية المتكونة من البيت الواحد إلى القصيدة حتى الملحمة الشعرية الكاملة.

وإذا كان الأمر كذلك فلا نعقل فترة سياسية مهمة مع ما صاحبتها من وقائع دينية ـ إجتماعية حساسة دون أن تُسجل مشاريعها الأدبية موقفها الواضح من الرفض أو التأييد.

إن مشاريع المكتّمات الأدبية شواهد تاريخية على خنق أي مشروع ثقافي رافض لتوجهات السلطة، أو معارض للانفلاتية الشرعية أو الخروقات التي يرتكبها النظام، ففي أي رحاب حر يمكن التعبير عن المعارضة السياسية إذن؟

وفي أي رحاب ثقافي مخنوق يمكن للمشروع الأدبي أن يتحرك من خلاله بحرية تعبيرية كاملة؟ هذا ما سبّبَ في حذف تراث شعري حاول اظهار خروقات السلطة الحاكمة وارتكابها لأفظع مظلومية جرت على آل بيت النبي الاطهار (عليهم السلام) التي كانت أهم عناوينها مظلومية الزهراء (عليها السلام)، حتى غدت مشاريع الأدب الفاطمي من أهم مكتّمات تلك الفترة التي تورّط حتى من حاول اظهار المكتمات الأدبية، في اخفائها، فالطبري ومثله ابن الأثير وغيرهم الذين حاولوا اظهار هذه المكتّمات وتسجيلها في مشاريعهم الأدبية لم يجرؤا على رفع الحظر المضروب على المشروع الأدبي الفاطمي الذي حدد معالم تلك الفترة السياسية ونقل صورة المأساة.

١٠

إن كتابنا الذي برّمج أعماله من القرن الهجري الثاني دون إدخال القرن الهجري الأول في مشروعه دليل آخر على مكتّمات تلك الفترة القاسية وما تعرضت له من محاولات اتلافية فنية دقيقة حاولت الغاء فترة ثقافية وشطب جهد أدبي كبير.

هذا ولعل الظرف السياسي المتراخي هو الذي أباح للسيد الحميري أن ينشر مكتماته حتى تبعه أهل عصره فأذاعوا منها طرفاً، وأشاروا إليها نتفاً.

فكانت القصيدة الحميرية فاتحة عهد لأن تتنفس مكتمات الأدب العربي لتحال إلى اطروحات فكرية فضلا عن كونها اطروحات سياسية متحدية.

هذه هي الأسباب التي دعت أن يتخطى الكتاب من القرن الأول الهجري إلى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري الذي تفجرت فيه المكتمات الأدبية إلى صيحات ثورية حقيقية.

كانت مسألة الاسقاط التي تعرضت اليها السيدة فاطمة الزهراء (عليه السلام)، من أهم ملامح تلك الفترة السياسية الواثبة على حقوق آل البيت (عليهم السلام)، حيث أظهرت خطورة الموقف السياسي الحاد الذي سحق من خلاله كل الاعراف الدينية والاجتماعية مدى استعداد القوى السياسية إلى قلب المعادلات والثوابت، لذا جاءت مسألة الاسقاط، قراءة واعيةً لفترة سياسية عارمة بكل توجهاتها السلطوية المقيتة، فلم تقف في طريقها أية مرتكزات دينية أو أعراف اجتماعية، فكان الكتاب مشروع أدبي أظهر معالم هذه الفاجعة المؤلمة، وامتد هذا المشروع ليشمل حتى القصائد التي تحدّث عن مأساة السيدة الزهراء (عليها السلام) دون التصريح بمسألة الأسقاط لأسباب سياسية صرفة.

١١

استطاع هذا المشروع أن يؤسس غرضاً شعرياً مستقلا، اطلق عليه "بالأدب المحسني" الذي من خلاله أمكن تحديد ملامح هذا الأدب ومعالمه.

ان استقلالية الأدب المحسني بشخصيته المستقلة، أرفد الدائرة الأدبية بالجهود النهضوية الذي ينتمي إليها الأدب الشيعى يوم أسس الأدب الحسيني فصارت إليه شخصيته المستقلة ومعالمه المعروفة، ولعل أهم ما حققه هذا المشروع هو أرشفة الأدب المحسني وحفظه في مشروع خاص يمكن أن يكون فاتحة عهد جديد لمشاريع أدبية محسنية جديدة تتبناها جهود تحقيقية أخرى لتسد ثغرات هذا التأسيس وتزيد من دراسته دراسة تحقيقية تاريخية.

ان محاولتنا هذه اجابة لكل تخرصات المشاريع التبريرية التي حاولت الشطب على فترة تاريخية مقدسة من التراث الإمامي، وتفنيد لكل التخرصات المتدافعة بين واقعية الحدث وبين رغبة التثقيف الساذج، فهو إذن، قراءة واعية لفترة زمنية أخفتها المحاولات التثقيفية المضادة، التي لم تستطع الصمود أمام واقعية الاحداث الإسلامية الجلية.


قم المقدسة             
في الأول من ربيع الأول ١٤١٨ هـ
محمد علي السيد يحيى الحلو   

١٢
١٣

تمهيد

كل شيء لم يعد على حاله، فالشمس المشرقة المرسلة بخيوطها الذهبية الصفراء تبعث باحزانها اليوم منكسفة كئيبة.. والسماء الزرقاء الصافية تجلجل بدوي صامت يبعث على فزع مذهل يلف أهل المدينة وقد عمَّ الخبر أرجائها.. "النبي قد مات، النبي فارق الدنيا، النبي التحق بالرفيق الأعلى.." صحية تأخذ بأهلها إلى حيث الابعاد المجهولة الحزينة.. والعاصفة الحمقاء تبعث بزوابعها حتى تكاد تقتلع الأرض ومَنْ عليها..وكأن الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء، والناس.. الناس أولئك الذين تحدّقوا حول رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتبارون في الدنو منه ويفتخرون بالقرب له ويتنافسون من صحبتهم اليه يفترقون اليوم في أحياء المدينة وشعابها، فالانصار أولئك الذين تدافعوا على قربهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله)وقدّموا له كل غال ونفيس يتحلقون اليوم حول سيدهم سعداً في مسجد النبي(صلى الله عليه وآله)يتشاورون في أمر البيعة..و الأوس منهم ينخرطون إلى سيدهم أسيد بن حضير وهو يثبّط الانصار عن سيد الخزرج سعداً منافسة منه لسعد ليقول لأوس الانصار "والله لئن وليتها الخزرج مرة لازالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً فقوموا فبايعوا أبا بكر فبايعوه فانكسر على سعد

١٤

والخزرج ما أجمعوا عليه(١)، وفي الخزرج من قام خطيباً ليقول.. نحن الانصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا وقد دفت الينا دافة من قومكم فاذا هم يريدون أن يغصبونا الأمر(٢).. فقام أبو بكر وقال: يا معشر الانصار إنكم لا تذكرون فضلا إلاّ وأنتم له أهل وأن العرب لا تعرف هذا الأمر إلاّ لقريش، هم أوسط العرب داراً ونسباً، وقد رضيت لكم هذين الرجلين وأخذ بيد عمر وأبي عبيده بن الجراح.. وكأن أبي بكر استنجد بعصبية الانصار يوم أثاروها قبليةً بين حيين تُقاتلُ أوسها خزرجها، وتبغي خزرجها على أوسها بغياً يوجب منها هتك العصمةِ وخذلان الحرمةِ، فلما جاء النبي (صلى الله عليه وآله) آخى بينهما فماتت تلك العصبية الرعناء.. ولعل أبا بكر أعوزته الحجة فأثار غبار تلك العصبية التي لا زالت تزكمُ أنوف الحيين.. فأي العربِ لا ترضى هذا الأمر إلاّ في قريش؟ وأي منها تخوّلها القبليةُ حتى لا تختار إلاّ من أواسط العرب داراً ونسباً؟ فان كان الأمر كذلك فبنو هاشم أحق بحجة أبي بكر، وآله أولى بمقالته، ولعل أبى بكر أراد أن يُخمدَ أنفاس الانصارِ الذين إشرأبت أعناقهم ليروا أنهم أحقُ بالأمر منه ومن غيره فقد قال فيهم رسول (صلى الله عليه وآله) الانصار شعار والناس دثار، ولو أن الناس استقبلوا وادياً أو شعباً واستقبلت الانصار لسلكت وادياً وادي الانصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الانصار.

ولعل الانصار لم يقبلوا بمقالة أبي بكر ولا يرضوا من أنفسهم منافسه الأمر أهله، فلم يغب عنهم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي: يا معاشر الانصار،

١- انظر الكامل في التاريخ ٢: ٢٢١، ٢٢٢.

٢- انظر الكامل في التاريخ ٢: ٢٢١، ٢٢٢.

١٥

ألا أدلكم على ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعده أبداً؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي، فان جبريل أمرني بالذي قلت لكم عن الله عز وجل(١). فكيف بعد هذا كله ينافسون علياً وقد أفضى رسول الله بالأمر إليه، فاليوم هو الثامن والعشرين من صفر للسنة الحادية عشر من الهجرة وحادثة الغدير في الثامن عشر من ذي الحجة الحرام لسنة عشر، شهران ونصف بين وفاة النبي الكريم (صلى الله عليه وآله)وخطبة حجة الوداع من غدير خم وقد اجتمع المسلمون بما فيهم الانصار والمهاجرون وغير الانصار والمهاجرين ممن حضر محط رسول الله (صلى الله عليه وآله)رحاله فى غدير خم ليعتلي رحله ويأخذ بيد علي بعد أن قال: أيها الناس يوشك أن أدعى فأجيب واني مسؤول وانكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون، قالوا نشهد أنك قد بلغت وجاهدت ونصحت فجزاك الله خيراً فقال: أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن جنته حق وأن ناره حقا وأن الموت حق وأن البعث حق عبد الموت وأّ الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور قالوا بلا نشهد بذلك، قال: اللهم أشهد ثم قال: يا أيها الناس ان الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه يعني علياً، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ثم قال: يا أيها الناس أني فرطكم وانكم واردون على الحوض حوض المرض مما بين بصري إلى صنعاء فيه عدد النجوم قد حان من فضه، واني سائلكم حين تردون عليَّ عن الثقلين كيف تخلفوني فيهما، الثقل الاكبر كتاب الله عز وجل، سبب طرفه بيد الله تعالى وطرقهُ بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلوا

١- حلية الأولياء لأبي نعيم الاصفهاني ١: ٦٣.

١٦

ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي فانه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى يردا علي الحوض(١).

هكذا أشهدهم على أنفسهم وشهدوا على أنفسهم أنه قد بلّغ خير تبليغ وسمعوا مقالته ووعوها، فكيف لهم أن يستبدلوها بمقالة أبي بكر حتى يذكّرهم بعصبيتهم التي طحنتهم سنين عجاف؟! وما أن أنهى أبو بكر مقالته هذه حتى تقدم إليه عمر فقال له: ابسط يدك أبايعك فبسط يده فبايعه وبايعه الناس بين مغلوب مقهور كسعد وخزرجه وقد خرج من المسجد مغاضباً لم يبايع، وبين معاند حاسد لخزرج سعد وسيدهم، كأسيد بن حضير من الأوسيين الذين تحركت فيهم حمية الجاهلية فذكّرتهم بدمائهم التي لا زالت لم تجف بين خزرجها وأوسها من الانصار..

فتدافعوا لبيعة أبي بكر حرصاً منهم على أن لا يكون الأمر في سعد يوم كان خصمهم تقاتلهم نزعة الحيين القبلية، فاختار أُسيد أبا بكر على منافسه سعد، وذهبت به العصبية على أن يُخرجها من أهله الانصار المدنيين ليضعها في أهل المهاجرة من المكيين، وهكذا عرف أبو بكر كيف تُنكأ جراحات الحيين بعد أن "عافاها الله" لتلئم بحبه وحب رسوله (صلى الله عليه وآله)، وإذا استطاع الخليفة أن يغلب الحيين من المدينة لينتزعها لعصبته فان أبا سفيان قد يئس من الأمر وهو السيد المطاع في قومه قد رأى أن الأمر يتلاقفه أقل حي من قريش ـ كما عبّر هو بقوله ـ فان أبابكر لم يغب عنه أن يتغلب على نزعة أبي سفيان الذي قال لعلي والعباس: ما بال هذا الأمر في أقل حي من

١- المراجعات للسيد عبدالحسين شرف الدين رواه عن الطبراني والحاكم والنسائي ومسند أحمد بن حنبل وغيرهم. راجع المراجعات: ١٦٤ وما بعدها.

١٧

قريش، والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا، ثم أقبل أبو سفيان وهو يقول: والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها الادم، يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم.. ولما استخلف أبو بكر قال أبو سفيان: مالنا ولأبي فصيل انما هي بنو عبد مناف.. فقيل له: أنه قد ولى ابنك، قال: وصلته رحم(١).

إذن لم يغب عن أبي بكر مناورات السياسة لدى أبي سفيان ومساوماته في الحكم والامارة، ولم يخف على أبي سفيان وغيره أن الأمر يكون في أوسط العرب داراً ونسباً ـ كما احتج أبو بكر نفسه على الانصار ـ فكيف والحال هذه يتقدمهم أبو بكر وهو في أقل هي من قريش؟ وليس أبو سفيان وحده قد احتج بتأخر أبي بكر عن أحياء العرب فان أبا قحافة حينما سمع ابنه أبا بكر يصيح بوجه أبي سفيان، دنا من أبي بكر وقال له: أعلى أبي سفيان ترفع صوتك يا عتيق الله؟ وقد كان بالأمس سيد قريش في الجاهلية لقد تعديت طورك وجزت مقدارك(٢).

هذه نزعة القبلية الجاهلية التي احتج بها أبو بكر على الانصار وأثار غبارها في وجوههم فقد واجهته اليوم حتى من أقرب الناس إليه من أبيه وغير أبيه، فقد تسرّع أبو بكر بحجته هذه، فالحجة عليه اذن لا على غيره، فقد حاجّ نفسه بنفسه، ورمى بكنانته على صدره، وأحدث عليه فتقا لا يرتقه هو ولا غيره، فان في المسلمين من هو أقرب منه حسباً ونسباً، ولم يغب ذلك عن ذهن أبي بكر فانه ارتكز في نفسه وعند غيره أن في القوم لرسول الله أقرب حسباً، وإليه أقصر نسباً، فبنو هاشم عصبتهُ وحامّتهُ وحشاشتهُ، وعلي فيهم خير من عرفته قريش وغير قريش، أول من أسلم،

١- تاريخ الطبري ٣: ٩٠٢.

٢- مروج الذهب ٢: ٣١٤.

١٨

وخير من جاهد، وأكرم من آخى، ولم ينكر ذلك أبوبكر، فقد احتج عليٌ بذلك معاتباً واستنكر على أبي بكر مغاضباً، قال المسعودي. لما بويع أبو بكر في يوم السقيفة وجددت البيعة له يوم الثلاثاء على العامة، خرج علي فقال أفسدت علينا أمورنا ولم تستشر ولم ترع حقاً، فقال أبو بكر: بلى ولكني خشيت الفتنة..(١).

فأي حق قصده عليٌ في محاججته وأي اعتراف أذعن إليه أبو بكر في جوابه؟

ألم يكن أبوبكر قد أخذ البيعة عن رضا المسلمين؟ فلمَ لا يحتج بذلك على علي وعلى غير علي؟ ولِمَ أذعن لمحاججته إذن؟ فاعترف له بحقه واعترف أنه لم يرع له ذلك الحق؟ أهو حق المشورة وقد احتج الأخرون أن البيعة قد أخذت باجماع المسلمين؟ فأين كان عليٌ وغيره من الهاشميين إذن؟ أم هو حق الخلافة للأقرب حسباً والأقصر نسباً كما احتج أبو بكر على غيره من الانصار؟ وهل ينكر أبو بكر أن في المسلمين أقرب من علي في حسبه؟ فهو ابن أبي طالب شيخ البطحاء، قد دانت له الرقاب وأذعنت لسيادته العرب، أم ينكر أنه أقصر نسباً من رسول الله فهو ابن عمه وختنه على ابنته؟ وغير هذا وذاك فان علياً أعلم الناس وأشجعهم وأزهدهم إلى غير ذلك من صفات الامامة ولياقات الخلافة.

فقد قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم

١- المسعودي مروج الذهب ٢: ٧٠٣.

١٩

فليأت بابه(١) وهو أشجعهم فعن أبي رافع قال: لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية في غزوة أحد أبصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) جماعة من مشركي قريش فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم، ففرق جمعهم وقتل عمر وبن عبدالله الجمحي، قال:ثم أبصر رسول الله (صلى الله عليه وآله) جماعة من مشركي قريش فقال لعلي: احمل عليهم فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي فقال جبرئيل: يا رسول الله أن هذه للمواساة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انه منى وأنا منه فقال جبرئيل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتاً:

لا سيف إلاّ ذو الفقارولا فتى إلاّ علي(٢)

وهو أزهدهم حتى قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي ان الله تعالى زينك بزينة لم يزين العباد بزينة هي أحب اليه منها، زهدك فيها وبغضها إليك..(٣) ولم ينكر أبو بكر ولا غيره فضل علي وفضيلته، ولم يسع لأبي بكر إلاّ أن يُجهِزَ على الاحداث المتسارعة في غير صالحه، فان الأمر لا يدرك إلاّ بأخذه سراعاً، وأن الفرصة لا تعود إلاّ بالتسلل في الخفاء مرة وبالوثوب أخرى، فان الذي يطلب أمراً كأبي بكر لا يهون عليه تركه دون أخذه بأي حال، فان الامور لم تستوسق له والناس أهالهم ما أقدم عليه أبو بكر وأصحابه: فان للمهاجرين والانصار يوم السقيفة خطب طويل ومجاذبة في

١- أسد الغابة لابن الأثير ٤: ٤٤ دار احياء التراث العربي ـ بيروت.

٢- تاريخ الطبري ٢: ٥١٤ دار سويدان بيروت.

٣- رواه ابن الاثير في أسد الغابة ٤: ٢٣ والعلامة الحلي في كشف اليقين: ٨٥ وزارة الثقافة والارشاد الإسلامي.

٢٠