×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أدب المحنة أو شعراء المحسن بن علي (ع) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

هؤلاء يعني قومه شهيداً، والمعنى أن الله سبحانه يستشهد يوم القيامة كل نبي على أمته فيشهد لهم وعليهم...(١) وفي كنز الدقائق في تفسير نفس الآية قال: تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لعلمك بعقائدهم، واستجماع شرعك مجامع قواعدهم، وقيل: هؤلاء إشارة إلى الكفرة المستفهم عن حالهم. وقيل إلى المؤمنين كقوله تعالى:

(لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً).(٢) وفي تفسير العياشي عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله يوم تأتي من كل أمة بشهد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا قال: يأتي النبي (صلى الله عليه وآله)يوم القيامة من كل أمة بشهيد بوصي نبيها وأوتي بك يا علي شهيداً على أمتي يوم القيامة.(٣) إذن فكلمة شهيد التي هي القتل بين يدي الامام، تعني الشهادة على الأمة بالطاعة وعلى النبي بالاداء والنصيحة، ومن هنا يظهر أن لا فرق بين كلمتي شاهد وشهيد، ففاطمة (عليها السلام) شهيدة بين يدي إمامها، شاهدة على الأمة بعد رسولها وعلى هذا فلا معنى للتفريق بين مصطلح الشهيد الذي هو شاهد كذلك.

ثم أن الحديث يتعرض إلى مطلب مهم آخر لا ينبغي اغفاله أو التعرض إليه بالتشكيك والشبهات، فقد أوضح أن بنات الأنبياء لا يطمثن، فان

١- نفس المصدر: ٨٦.

٢- كنز الدقائق ٣: ٤٠٨ وزارة الارشاد الإسلامي طهران.

٣- تفسير العياشي ١: ٢٤٢ المكتبة العلمية الإسلامية طهران ١٣٨٠ هـ.

٦١

خصوصيات الطهارة النفسية تقتضي أن تكون هناك طهارة ظاهرية كذلك.

صحيح أن التركيب الفسلجي يقتضي أن تتعرض المرأة ما تتعرض اليها النساء من شؤون خاصة تتعلق بتركيبتها الجسمية المقتضية للانجاب والتناسل، إلاّ أن ذلك لا يمنع أن تكون الطهارة الظاهرية من مقتضيات الطهارة النفسية التي ترقى اليها المرأة وتتكامل ببلوغها إلى مرتبة تميّزها عن غيرها، فما الضير إذن أن تتميز بنات الأنبياء بهذه الخصوصية الكريمة حيث ترفّعن ـ تكريماً لمقامهن السامي ـ عن هذا الحدث وإن لم يكن مخلاّ بالمرأة كمرأة، إلاّ أن ارتفاعه من مقتضيات التنزيه والاكرام، وليس ذلك بعزيز فان في زماننا هذا من النساء مَنْ لم تر الدم حتى في ولادتها وليس هناك خلل فسلجي في تركيبتها بل أن حالاتها طبيعية جداً مع الاحتفاظ بقدرتها ولياقتها الانجابية.

وعلى هذا فان المدارس الاعتذارية باتت تتداعى أمام موضوعية الحدث، وتنهزم أما اصرار وارادة الأمة المتصدية للكشف عن الحقائق، وتعرية القراءات الانفعالية الممسوخة التي تريد أن تحوّل ثوابت الأمة إلى مشتهيات تثقيفية ساذجة.

٦٢
٦٣

شعراء
المحسن بن علي (عليه السلام)

٦٤
٦٥

السيد الحميري

شهد القرن الهجري الثاني انقلابات فكرية إلى جانب انعطافاته السياسية، ذلك اثر قيام الدولة العباسية على انقاض الدولة الأموية البالية.

لم تكن هذه الانعطافات تحولات سياسية فحسب بل كانت قد نشأت على اساس جدليات فكرية شاركت في تقديم رؤية اسلامية ثورية، تحتّم على الأمة الانعطاف الفكري الذي يستتبعه تحولا سياسياً رشيداً.

أطاحت الدولة العباسية بالنظام الأموي على أساس حركات عسكرية وتنظيم مسلح ـ وان شاركت الحركات الميدانية العسكرية في اسقاط النظام

٦٦

الأموي ـ بل أكد العباسيون في منهجيتهم التنظيمية على الاطروحة الفكرية وسعوا إلى الفات نظر الأمة للخروقات الدينية والفكرية التي يرتكبها الأمويون ودعت إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله) شعاراً تقنياً مرحلياً حشّدت من خلاله الأمة لمساندتها في دعوتها وعبّئت مشاعر الناس للتوجه إلى مظلومية آل البيت (عليهم السلام)والتي كان من ورائها الأمويون، وذكّرتهم بأيامهم التي ما فتأ يوم الحسين (عليه السلام)يستعيد حيويته كلما صرع شهيد أو سفك دم طاهر كريم.

كان العباسيون قد كسبوا الجولة وتحققت طموحاتهم السياسية بالوصول إلى دست الحكم، إلاّ أن خيبة أمل حصلت لدى الأمة بعد أن تخلت السياسة العباسية عن شعاراتها وهو الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، بل نعت الأمة على العباسيين تراجعهم عن مبادىء ثورتهم وتحولها إلى اطروحة أموية جديدة إلاّ أنها بلباس هاشمي جميل، يجعل اطروحة النسب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) غاية للوصول إلى مآربه، وبات آل رسول الله الأقربين ـ وهم آل علي ـ مشردون محبوسو الأنفاس، يتوجسون من بني عمومتهم كل طارىء يأخذ كبيرهم ليلحق بصغيرهم، تنفيذاً لخطة سياسية فكرية تكمن من ورائها تخلية الميدانين الفكري والسياسي للنظام، فالعلويون باتوا يشكلون محور خطر يأخذ بالعباسيين في كل حين، وصار أهل البيت (عليهم السلام)معارضة صامتة تنعى على العباسيين ابتعادهم عن برنامجهم الأصلاحي، بعد تأسيسها مدارس سياسية تسعى إلى ترويض الاحداث لصالحها.

هذه صورة مجملة عن الخط السياسي العام الذي عاشه السيد الحميري، ولم يكن السيد الحميري بعيداً عن هذه الاحداث بل لم يكن

٦٧

متشاغلا عن استهداف العباسيين للعقلية الإسلامية وتحويلها إلى عقلية ساذجة وسط محاولات ثقافية صاخبة تخلط على العامة الاحداث، وتلغي مسلمات تاريخية وبديهيات فكرية لتؤسس عليها توجهاً ثقافياً عاماً موحداً يسير في ركاب النظام ويقدّم التاريخ على أساس نزعة سياسية تتعهد بحفظ الخط الفكري العباسي.

في هذه الفترة بالذات كانت المدرسة الأدبية الشيعية قد تخلت عن السير التقليدي الأدبي، الذي يلتزمه الشاعر ليرضي الذوق العام، فالغزل والمديح والهجاء إلى غير ذلك من الأغراض الشعرية باتت في المفهوم الأدبي الشيعي ترفاً ثقافياً لا يساعده الظرف السياسي المستجد الذي يتصدى للاطاحة بقيم الأمة ومبادئها، فالشاعر الشيعي يعيش في زحمة مخاضات فكرية أولدت سياسات كان لها شأنها في ترسيم الملامح العامة لكتابة التاريخ الإسلامي الذي اختزل في اسلوبه الجديد مسلّمات تاريخية، وأدخلت المفردة التاريخية في خضم محاولات التسييس حتى بات الحدث الإسلامي يختفي خلف جدران السياسية الاعلامية العباسية، فما كان الخط الثقافي الشيعي الذي يوجهه آل البيت (عليهم السلام) إلاّ أن يتصدى لمحاولات التزييف الفكري هذه وكانت الوسيلة الاعلامية الرائجة وقتذاك، القصيدة الشعرية التي من خلالها يحاول الشاعر تقديم اطروحته الفكرية، ولعل السيد الحميري كان باكورة الأعمال الأدبية لتلك الفترة، فقد حشّد كل طاقاته للتعبير عن مظلومية آل البيت (عليهم السلام) فضلا عن تخصصه في فهرسة كرامات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فهرسةً أدبية، وحفظها ضمن أرشيف القصيدة العربية التي سجّلت له باجلال جهداً رائعاً وعملا دؤوباً مبدعاً، فكانت

٦٨

مدرسته الأدبية تأخذ مشروعيتها من الإمام المعصوم الذي كان يقف على هذا الزخم الأدبي الابداعي، ويبارك للشاعر حيويته الأدبية ويحمد له مقرراته الفكرية ليسجّلها في مقطوعة أدبية قد لا يتجاوز البيتين أو الثلاثة، ولعل السيد الحميري الذي يبتكر الطريقة التسجيلية لتاريخ آل البيت (عليهم السلام)يحتفظ باسلوب أدبي مختصر يسجّل من خلاله موقفاً تاريخياً أو يؤكد على وقوع حادثة تاريخية كادت أن تختفي نتيجة للخط السياي العام، فلا يعدو البيتين أو الثلاثة في تسجيل الحادثة، وتسهيلا لحفظ الحادثة وعدم ضياع الشاهد من المقطوعة الأدبية ضمن عدة أبيات من القصيدة، فالمتتبع لطريقة السيد الحميري المختصرة في تسجيل الحادثة لا يجدها إلاّ في ضمن بيتين أو أكثر قليلا ولعل هذه بعض الاسباب التي اتبعها في طريقة التسجيل الشعري الروائي الذي امتاز به السيد الحميري. لذا فإن أهمية الشعر الحميري تبرز في تسجيل الحادثة التاريخية وقد أمضاها الأمام الصادق (عليه السلام) وسجّل له موقفه السليم من هذه الواقعة أو تلك وهو يقدمها بطريقته المختصرة وباسلوبه الأدبي الرائع.

ان "المدرسة الحميرية الأدبية" كانت مدرسة توثيقية تاريخية التزمت اسلوب التوثيق وفهّرست الحدث الإسلامي وفق النهج المعصومي الذي كان يرسم ملامحه الإمام الصادق (عليه السلام) وقتذاك، لذا فان "المدرسة الحميرية" يمكن أن تكون دالة في منهجة الحدث الإسلامي والاستفادة منها في إعادة قراءة التاريخ.

ان النزعة التوثيقية في الشعر الحميري أعطت للقصيدة العربية بعداً آخر وهو البُعد العلمي الذي جعل القصيدة العربية تشارك في معالم كتابة التاريخ

٦٩

بعد تخطيها مرحلة التسييس لتفقد موضوعيتها، ولعل هذه الحادثة التي سجلتها القصيدة الحميرية تكشف عن الجهد الاعلامي الذي بذله شعراء الشيعة في حفظ الحادثة التاريخية وتوثيقها، فإن مأساة السيدة الزهراء (عليها السلام)مثلا نالت قسطاً وافراً من محاولات الانظمة السياسية لاخفائها كحادثة تاريخية مهمة تشارك في رسم ملامح التاريخ الإسلامي لذا فإن السيد الحميري يسجل الحادثة في قصيدته بحذر شديد دون التصريح بحيثيات الحدث وذكر الاسماء، وسنقدم لمحة عن تحفظات الشاعر وهو يسجل مأساة السيدة الزهراء(عليها السلام):

* * *

[١] قال السيد الحميري:

ضربت واهتضمت من حقهاوأذيقت بعده طعم السلع
قطع الله يدي ضاربهاويد الراضي بذاك المتبع
لا عفى الله له ولاكفَّ عنه هول يوم المطلع(١)

[٢] وقال أيضاً:

انها أسرع أهل بيتهولحاقاً بي فلا تفشي الجزع

١- الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم. لأبي علي النياطي البياضي ٣: ١٣ المكتبة المرتضوية.

٧٠
فمضى واتبعته والهابعد غيض(١) جرعته و وجع(٢)

[٣] وقال:

وفاطم قد أوصت بأن لا يصلياعليها وأن لا يدنوا من رجا القبر
علياً ومقداداً وأن يخرجوا بهارويداً بليل في سكون وفي ستر(٣)

١- غيض: السقط الذي لم يتم خلقه. راجع القاموس المحيط للفيروز آبادي باب غاض ٢: ٤٩٩ دار احياء التراث العربي بيروت.

٢- مناقب ابن شهر اشوب ٣: ٣٦٢ المطبعة العلمية قم.

٣- أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ٣: ٤٢٢.

٧١

البرقي
أبو محمد عبدالله بن عمار البرقي

لم يكن القرن الثالث الهجري بأحسن حال من سابقه، فقد كانت السياقات الثقافية الحاكمية تحتم على الطبقة الواعية من التصدي إلى المحاولات الفكرية المنبعثة من مصادرة الحدث الإسلامي، وقولبته ضمن صياغة ثقافية يرسمها النظام لكي لا تتعدى مقرراته الفكرية.

إختفت في هذه الحقبة القراءة الواعية للتاريخ، وتمسّك النظام الحاكم ببرمجة الفكر الإسلامي ضمن معطيات سياسية مقررة، فصُنّف المثقف أنذاك

٧٢

ضمن دائرة التثقيف الحاكم وفي سياقات فنية شجّع عليها النظام، حيث انبعثت القصيدة العربية بكل أغراضها الشعرية، وتعهّد النظام بتشجيع الذوق الأدبي على حساب حفظ الحديث النبوي الذي باتت الأمة تشخّص من خلاله الانفلاتية الدينية التي يرتكبها الخليفة وطاقمه الحاكم، فتوجّس النظام من التثقيف الديني الذي سيوقف الأمة بعد ذلك على خروقات النظام وعدم مشروعيته، لذا كان الفن الشعري ضمن أولويات اهتمام الدولة الذي من خلاله صُنّف ولاء الشاعر وقربه للبلاط، فراجت القصيدة الأدبية وطغى الاهتمام العام بالشعر والشعراء، وإذا كان كذلك فليكن آل البيت (عليهم السلام)أحرى بتوظيف القصيدة الشعرية لصالح القضية الإسلامية، التي من خلالها تظهر أحقية آل البيت (عليهم السلام) ومظلوميتهم، فانعكس هذا الاهتمام على المسلك الأدبي لشعراء تلك الفترة، وكان التحفظ الشديد قد ألجأ الشاعر إلى تقديم غرضه ضمن عرض رمزي يكاد يخفى على النظام الحاكم، ومع هذا التحفظ الشديد لم يسلم الشاعر من بطش النظام وكيده، حتى قُتل وشُرّد الكثير من "أدباء القصيدة العلوية" وكان البرقي نموذجاً لصراع الأدب الشيعي مع النظام، فتأسست مدارس أدبية متحدية توجت عطاءاتها بفضح النظام واثبات القضية الإسلامية لصالح آل البيت (عليهم السلام).

قتل البرقي سنة ٢٤٥ وذلك بعد أن وصلت قصيدته النونية إلى البلاط العباسي وقرأها المتوكل ليجد فيها:

٧٣
فهو الذي امتحن الله القلوب بهعما يجمجمن من كفر وإيمان
وهو الذي قد قضى الله العلي لهأن لا يكون له في فضله ثاني
وإن قوماً رجوا إبطال حقكمأمسوا من الله في سخط وعصيان
لن يدفعوا حقكم إلاّ بدفعهمما أنزل الله من أي وقرآن
فقلدوها لأهل البيت انهمصنو النبي وانتم غير صنوان(١)

فأمر المتوكل بقطع لسانه، واحراق ديوانه ففعل به ذلك فمات بعد أيام.

هذه هي أنشطة شعراء التشيع أنذاك، وهذه هي أساليب السلطة الحاكمة في إخماد الحس الإسلامي الذي يثبت قضية اسلامية لا تنسجم والتوجه العام للدولة، وعند هذا فكيف يراد اثبات قضية باتت من أخطر القضايا التاريخية التي تدين النظام فيما بعد، فمأساة الزهراء (عليها السلام) كانت خلاصة للحدث الإسلامي بكل خروقاته وكبواته، ومظلوميتها كانت ارهاصاً مبكراً لمظلومية الأجيال الإسلامية المتعاقبة، بما في ذلك آل البيت (عليهم السلام) التي ستجري عليهم ملاحم من الظلم والتنكيل تتعاقب على تنفيذها الانظمة السياسية الحاكمة التي تنتزي فيما بعد على منصب الخلافة الإسلامية، لذا فان البرقي وغيره من الشعراء لم يقدموا سوى رمزية أدبية تُظهر معالم المأساة الفاطمية يتماشون التصريح بوقائع الحدث الفاطمي والحصول على أدنى شاهد لاثبات قضيتهم.

أكد البرقي مسألة الهجوم على الدار واحراقه ليثبت هذا الحدث

١- أدب الطف ٣: ٢٨٣ دار المرتضى بيروت.

٧٤

الاحداث المتعاقبة بعد ذلك.

[٤] فقال:

وكللا النار من بيت ومن حطبوالمضرمان لمن فيه يسبان
وليس في البيت الاكل طاهرةمن النساء وصدّيق وسبطان
فلم أقل غدرا بل قلت قد كفراوالكفر أيسر من تحريق ولدان
وكل ما كان من جور ومن فتنففي رقابهما في النار طوقان(١)

[٥] وقال أيضاً:

فلم يوار رسول الله في حدثحتى تعصب فرعون لها مان
واستخرجا فدكاً منها وقد علمابأنها حقها حقاً بتبيان(٢)

١- الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم لأبي علي النباطي البياضي ٣: ١٣ المكتبة المرتضويه.

٢- المصدر نفسه.

٧٥

السيد المرتضى (قدس سره)

على أعتاب القرن الرابع الهجري، شهد العالم الإسلامي تحوّلا فكرياً سلبياً نتيجة أفول عصر الغيبة الصغرى الذي تعاهده السفراء الأربعة حيث شكّلوا حلقة الوصل بين الإمام عجل الله فرجه الشريف وبين الأمة، فالأمة تقودها الشرعية الالهية فكرياً وان كانت تحت ظروف سياسية غير رشيدة، وملاحقات أمنية مشددة، وغياب القيادة الشرعية الإلهية قد أحدث انفجارات متلاحقة كان دويها تمثّله الاضطرابات الفكرية التي اخترقت فكر الأمة القادمة من خارج حدودها، وكانت القيادة السياسية ترتجل في

٧٦

نزعاتها الفكرية، فتقدّم فئة على حساب ولائها وتؤخر أخرى على أساس انتمائها، وهكذا كانت الحالة الفكرية المضطربة لا يقر لها قرار، ولا يهدأ لها حال، وكانت القيادة الامامية المتمثلة بعلمائها تقود هذه التيارات إلى حيث السلامة الفكرية، فتؤسس منتدياتها العلمية ومحافلها الفكرية على أساس اطروحة آل البيت (عليهم السلام)، وبدأت تستقطب هذه الهيجانات الفكرية لترويضها في مشروع اسلامي واحد، كانت نتائجهُ الملتقى العلمي الموحد الذي يعقده الشيخ المفيد تحت منبره لتجتمع طوائف الأمه بكل تياراتها المذهبية، وتوجهاتها الفكرية فتنهل من معين آل البيت (عليهم السلام).

تزعّم هذه الحركة الإصلاحية، السيد المرتضى وذلك بعد وفاة الشيخ المفيد، والأمة بمختلف طوائفها لا زالت بحاجة إلى قيادة فكرية، فكان السيد المرتضى من أبرز المرشحين، لهذه المرجعية التي كانت تضم تحت مظلتها مختلف علماء الطوائف الإسلامية، وكان السيد المرتضى يتعامل مع الجميع على أساس توحيد الرؤية وائتلاف الكلمة، وبالفعل شهد مجلس السيد المرتضى ومحفله العلمي مختلف التشكيلات العلمية القاطنة في العاصمة العباسية يوم كانت تنازع اطروحة آل البيت (عليهم السلام) في كل مبتنياتها، ومع هذا الظرف الحساس فقد استطاع السيد المرتضى أن يسجّل حضوره العلمي وقيادته المرجعية للطوائف الإسلامية المختلفة، وكان في خضّم هذا الظرف الحساس يُلقي اجاباته حيثما كانت الأمة بحاجة إلى إجابات موضوعية واعية، ولعل القراءة التاريخية الناضجة كانت تغيب عن قطاعات الأمة بمختلف فصائلها، وكانت اجابات السيد المرتضى الواقعية لا تحجبها الظروف السياسية أو قيادته الاستثنائية، فأسس رؤيته الواعية

٧٧

للتاريخ الإسلامي على أساس قرائته التاريخية الرشيدة، وقدّم اجاباته للأمة تأسيساً لرؤيته التاريخية الناضجة، ولعل قصيدته هذه التي سنوردها إجابة شجاعة، وقراءة واعية، رافضة لكل مساومة على حساب الحقيقة التاريخية أو مبتنيات المذهب، فلاخفاء ولا تمويه بل هي الحقيقة المنتزعة من تراث الأمة بكل طوائفها، والناشئة من مسلماتها وبديهياتها، فجاءت قصيدته خلاصة لوجهة نظر الطائفة، واجابة ناضجة للأمة بكل تشكيلاتها العقائدية.

* * *

[٦] قال في قصيدته بعد ذكر فضائل علي (عليه السلام):

برئتُ الى الرحمن ممن لفاطمعلى فدك بالسوط قنّعها قسرا
فماتت وآثار السياط بجنبهاونحلتها غصباً ومقلتها عبرا
وغسّلها الهادي الوصي وضمهاإلى قبرها ليلا وأودعها سرا
فلما أضاء الصبح جاؤا لدفنهافما وجدوا الزهراء ولا عرفوا القبرا
٧٨
فلما أرادوا نبشها ثار مغضباًوسلّ الحسام العضب واعتقل السمرا
فصاح عليهم مغضباً يا آل غالبفأقسم بالرحمن أجزركم جزرا
فما نطقوا في نبشها قط كلمةولا شهروا سيفاً ولا برحوا شبرا(١)

١- أسرار الشهادة: ٥٤١ للفاضل الدربندي. منشورات الاعلمي طهران.

٧٩

علي بن المقرب

بدأت المدرسة الأدبية التقريرية على أنقاض المدارس التاريخية التبريرية أي أن هذه المدارس روعيت في توجهاتها النزعة الشخصية للكاتب التاريخي، فالقضية التاريخية تدخل في عمليات "تجميلية" تبرر المواقف المرتجلة لبعض الوجودات المدعّمة "بالحصانة المقدسة" التقليدية التي أسبغتها أحاديث القداسة والتجليل للصحابي، وعندها تنّفلتُ المشاريع التاريخية في عمليات التبرير والاعتذار للقضية التاريخية مراعاة للاعتبارات، الشخصية المفتعلة.

٨٠