×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محاسبة النفس / الصفحات: ٢١ - ٤٠

مولده ووفاته:

لم يذكر أحد ممن ترجم الشيخ الكفعمي من الأوائل تاريخ ولادته ووفاته، على عادة أصحابنا في التهاون بتاريخ المولد والوفاة ومعرفة الطبقات بل مطلق التاريخ، مع محافظة غيرهم على ذلك، مع ما فيه من الفوائد.

وما حدده بعض العلماء من تاريخ ولادته ووفاته استنادا إلى بعض القرائن، فهو إلى الحدس أقرب منه إلى الحس.

بل ما ذكره السيد الأمين في الأعيان ٢: ١٨٤: من أنه ولد سنة ٨٤٠ كما استفيد من أرجوزة له في علم البديع ذكر فيها أنه نظمها في سن الثلاثين، وكان الفراغ من الأرجوزة سنة ٨٧٠.

فهو بعيد عن الصواب جدا، لأن السيد الأمين نفسه قال في الأعيان ٢: ١٨٥:

وجد بخطه - أي: الكفعمي - كتاب دروس الشهيد قدس سره فرغ من كتابته سنة ٨٥٠، وعليه قراءته وبعض الحواشي الدالة على فضله، وعد في صفحة ١٨٦: من تآليفه كتاب حياة الأرواح، وقال: فرغ من تأليفه سنة ٨٤٣.

قال السيد حسن الصدر في تكملة الأمل: ٨١: وفرغ من نسخ كتاب الدروس للشهيد - وهو عندي بخطه وعليه قراءته وبعض حواشيه - ٨٥٠، ولا أظنه ينقص عن الثلاثين عند فراغه من الدروس، فيكون يوم فراغه من المصباح في حدود ٧٥.

وقال المولى الأفندي في الرياض ١: ٢٢: وله مجموعة كثيرة الفوائد مشتملة على مؤلفات عديدة رأيتها بخطه في بلدة إيروان من بلاد آذربايجان، وكان تاريخ إتمام كتابة بعضها سنة ٨٤٨ لخمس بقين من شهر رمضان، وتاريخ بعضها سنة ٨٤٩، وتاريخ بعضها ٨٥٢.

وعلى قول السيد الأمين يكون الشيخ الكفعمي عند فراغه من تأليف المصباح ابن ٥٥ سنة، مع أنا نراه في قصيدته الرائية في مدح أمير المؤمنين عليه السلام المذكورة في المصباح: ٧١٠، يقول:

٢١

بحقك مولاي فاشفع لمنأتاك بمدح شفاء الصدور
هو الجبعي المسئ الفقيرإلى رحمات الرحيم الغفور
من الحسنات خلا قدحهفما من فتيل ولا من نقير
خطاياه تحكي رمال الفلاةووزن اللكام وأحد وثور
وشيخ كبير له لمةكساها التعمر ثوب القتير

فمجموع ما ذكرناه يعطينا خبرا أن المترجم له كان في سنة ٨٤٣ مؤلفا صاحب رأي ونظر يثني على تآليفه الأساتذة الفطاحل، وأنه حينما ألف المصباح سنة ٨٩٤ كان شيخا هرما كبيرا.

وما استظهره العلامة الطهراني من القرائن في الذريعة ٣: ٧٣ و ١٤٣: من أنه ولد سنة ٨٢٨، فلا يخلو من بعد.

وذكر الحاج خليفة في كشف الظنون ٢: ١٩٨٢: أنه توفي سنة ٩٠٥، وكذا ذكره العلامة الطهراني في الذريعة ٧: ١١٥ و ٣: ٧٣ و ١٤٣، تبعا لصاحب كشف الظنون، وفي الأعيان ٢: ١٨٤: وفي الطليعة أنه توفي في سنة ٩٠٠.

وعلى كل حال فالقدر المتيقن أنه ولد أوائل القرن التاسع في قرية كفر عيما.

وأقام الشيخ الكفعمي مدة في كربلاء المقدسة، وعمل لنفسه في كربلاء أزجا لدفنه بأرض الحسين عليه السلام التي تسمى عقيرا، فأنشد - وهو وصية منه إلى أهله وإخوانه - في ذلك:


سألتكم بالله أن تدفنونيإذا مت في قبر بأرض عقير
فإني به جار الشهيد بكربلاسليل رسول الله خير مجير
فإني به في حفرتي غير خائفبلا مرية من منكر ونكير
أمنت به في موقفي وقيامتيإذا الناس خافوا من لظى وسعير
فإني رأيت العرب تحمي نزيلهاوتمنعه من أن ينال بضير
فكيف بسبط المصطفى أن يذود منبحائره ثاو بغير نصير

٢٢
ثم عاد إلى جبل عامل وتوفي فيها، ووفاته إما في آخر القرن التاسع أو أوائل القرن العاشر، والله أعلم.

ودفن في قرية جبشيت من قرى جبل عامل، ثم خربت القرية فنزح أهلها منها وأصبحت محرثا، فلما خربت اختفى قبره بما تراكم عليه من التراب، ولم يزل مستورا بالتراب إلى ما بعد المائة الحادية عشرة لا يعرفه أحد، فظهر عند حرث تلك الأرض وعرف بما كتب عليه، وهو: " هذا قبر الشيخ إبراهيم بن علي الكفعمي رحمه الله ".

قال المولي الأفندي في الرياض ١: ٢٢: وحكى لي بعض أفاضل الثقات من سادات جبل عامل - متعنا الله بدوام عمره وإفضاله - عن بعض ثقات أهل تلك النواحي من عجيب ما اتفق فيهم قريبا من هذه الأعصار، أن حراثا منهم كان يكرب الأرض بثوره، فأتفق أن اتصل رأس جارته حين الكراب بصخرة عظيمة اقتلعها من الأرض، فإذا هو من تحتها بجثمان مكفون قد رفع رأسه من التراب كالمتحير الفرق المستوحش، ينظر مرة عن يمينه وأخرى عن شماله ويسأل من كان عنده: هل قامت القيامة؟ ثم سقط على وجهه في موضعه، فأغمي على الراعي من عظم الواقعة، فلما أفاق من غشيته وجعل يبحث عن حقيقة الأمر رأى مكتوبا على وجه تلك الصخرة صفة صاحب العنوان: هذا [ قبر ] إبراهيم بن علي الكفعمي رحمه الله.

وقال السيد حسن الصدر في تكملة الأمل: ٧٦: وحدثني بعض الأجلة الثقات أن قبره كان مخفيا وظفر به في المائة الحادية عشرة، وله حكاية غريبة مشهورة، وأيضا قد روى هذه الحكاية سيدنا آية الله العلامة صدر الدين العاملي عن بعض الثقات من أهل البلاد.

وقال السيد الأمين في الأعيان ٢: ١٨٤: وبعض الناس يروي لظهوره حديثا لا يصح، وهو: أن رجلا كان يحرث فعلقت جارته بصخرة فانقلعت فظهر من تحتها الكفعمي بكفنه غضا طريا، فرفع رأسه من القبر كالمدهوش والتفت يمينا وشمالا، وقال: هل قامت القيامة؟ ثم سقط، فأغمي على الحارث، فلما أفاق أخبر أهل القرية

٢٣
فوجدوه قبر الكفعمي وعمروه، وقد سرى تصديق هذه القصة إلى بعض مشاهير علماء العراق، والحقيقة ما ذكرناه، ويمكن أن يكون الحارث الذي عثر على القبر زاد هذه الزيادة من نفسه فصدقوه عليها، انتهى.

وحكمه هذا - أي: عدم صحة الواقعة، وإمكان أن يكون الحارث زاد هذه الزيادة من نفسه - في غير محله، إذ لا استبعاد من وقوع مثل هذه الواقعة، بالأخص من الشيخ الكفعمي شيخ العارفين، فهل يستبعد العقل أن يجعل الله هذه الكرامة للشيخ الكفعمي ليبين فضله للناس؟ وما حاجة الحارث إلى اختلاق هذه القصة؟!

آثاره:

قال المولى الأفندي في الرياض ١: ٢١: ثم له - عفا الله عنه - يد طولى في أنواع العلوم سيما العربية والأدب، جامع حافل كثير التتبع في الكتب، وكان عنده كتب كثيرة جدا، وأكثرها من الكتب الغريبة اللطيفة المعتبرة، وسماعي أنه قدس سره ورد المشهد الغروي وأقام به وطالع في كتب خزانة الحضرة الغروية، ومن تلك الكتب ألف كتبه الكثيرة في أنواع العلوم المشتملة على غرائب الأخبار، وبذلك صرح في بعض مجاميعه التي رأيتها بخطه، انتهى.

فمن مؤلفاته:

(١) البلد الأمين والدرع الحصين، كتاب كبير أكبر من المصباح ألفه قبله، ينقل منه العلامة المجلسي في البحار، وضمنه - مضافا إلى الأدعية والعوذ والأحراز والزيارات والسنن والآداب وغيرها - أدعية الصحيفة السجادية، وألحق به عدة رسائل منها: محاسبة النفس، والمقام الأسنى.

(٢) تاريخ وفيات العلماء.

(٣) تعليقات على كشف الغمة.

(٤) التلخيص في مسائل العويص، ومسائل العويص للشيخ المفيد.

٢٤
(٥) جنة الأمان الواقية وجنة الإيمان الباقية، المعروف بمصباح الكفعمي لسبقه بمصباح المتهجد للشيخ الطوسي، وعلى منواله نسج الكفعمي، وهو كبير كثير الفوائد، وعليه حواش لطيفة للمصنف، وضمنه عدة رسائل منها المقام الأسنى، فرغ منه سنة ٨٩٥ هجرية.

(٦) الجنة الواقية، وهو مختصر للمصباح لطيف، وتردد الشيخ المجلسي في نسبة الكتاب للكفعمي، فقال في البحار ١: ١٧: وكتاب الجنة الواقية لبعض المتأخرين، وربما ينسب إلى الكفعمي، وكذا تأمل المولى الأفندي في الرياض ٥:

٢٣ في نسبة الكتاب للكفعمي.

(٧) حجلة العروس.

(٨) حديقة أنوار الجنان الفاخرة وحدقة أنوار الجنان الناظرة.

(٩) الحديقة الناضرة.

(١٠) حياة الأرواح ومشكاة المصباح، مجموع لطيف لا يمل أحد من دوام مطالعته، فهو بالحقيقة حياة الأرواح، مشتمل على ٧٨ بابا في اللطائف والأخبار والآثار والآداب والمواعظ والأوامر والنواهي، فرغ من تأليفه سنة ٨٤٣ وقيل: ٨٥٤.

(١١) الرسالة الواضحة في شرح سورة الفاتحة.

(١٢) زهر الربيع في شواهد البديع.

(١٣) صفوة - صفو - الصفات في شرح دعاء السمات، ذكر فيه سند هذا الدعاء وروايته وفضله، ثم ذكر جملة من ألفاظ الدعاء ثم شرحها، فرغ منه سنة ٨٧٥، وذكر السيد الأمين اسم الكتاب: سفط الصفات، واستظهر أن صفوة الصفات تصحيف.

(١٤) العين المبصرة.

(١٥) فرج الكرب وفرح القلب، في علم الأدب بأقسامه يقرب من عشرين ألف بيت - والبيت: السطر المحتوي خمسين حرفا - وذكر العلامة الطهراني في الذريعة ١٤: ٣١: أن كتاب فرج الكرب هو شرح البديعية في مدح خير البرية لصفي

٢٥
كتاب محاسبة النفس للكفعمي (ص ٢٦ - ص ٤٩)
٢٦

كتاب اختصار الغريبين، للهروي.

وكتاب اختصار مغرب اللغة، للمطرزي.

واختصار كتاب غريب القرآن، لمحمد بن عزيز السجستاني.

وكتاب اختصار جوامع الجامع، للشيخ الطبرسي.

واختصار كتاب تفسير علي بن إبراهيم.

واختصار زبدة البيان مختصر مجمع البيان للطبرسي، للشيخ زين الدين البياضي.

واختصار علل الشرائع، للصدوق.

واختصار القواعد الشهيدية.

واختصار كتاب المجازات النبوية، للسيد الرضي.

واختصار كتاب الحدود والحقائق في تفسير الألفاظ المتداولة في الشرع وتعريفها ...

ثم من مؤلفاته أيضا: كتاب مختصر نزهة الألباء في طبقات الأدباء تأليف كمال الدين عبد الرحمن بن محمد بن سعيد الأنباري.

وله أيضا: اختصار كتاب لسان الحاضر والنديم، انتهى.

وله أيضا شعر كثير وقصائد طوال وأراجيز جيدة وخطب مسجعة.

فله القصيدة البديعية الميمية المشتملة على أنواع المحسنات الشعرية المذكورة في علم البديع اللفظية منها والمعنوية، وقد شرحها شرحا يظهر منه كماله في الأدب، وختمها بخطبة غراء في مدح سيد البرية.

وله قصيدة في مدح أمير المؤمنين عليه السلام تبلغ ١٩٠ بيتا أنشدها عند قبره الشريف لما زاره يذكر فيها يوم الغدير.

وله أرجوزة في ١٣٠ بيتا في الأيام المستحب صومها.

وله أرجوزة ألفية في مقتل الحسين عليه السلام وأصحابه بأسمائهم وأشعارهم، قال في كتاب فرج الكرب وفرح القلب: لم يصنف مثلها في معناها، مأخوذة من كتب

٢٧
متعددة ومظان متبددة.

* * *

٢٨
٢٩

حول الكتاب

اسم الكتاب:

محاسبة النفس اللوامة وتنبيه الروح النوامة، ولم يذكر.

المصنف صريحا في مقدمة الكتاب، بل أشار إليه بقوله: .... فحق على كل ذي علم، وحتم على كل ذي حزم محاسبة النفس اللوامة وتنبيه الروح النوامة.

وطريقة هذا الكتاب من أحسن طرق محاسبة النفس، أخذها المصنف من الحديث المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام كما ذكرناه سابقا.

والمصنف جمع في كتابه هذا آيات التحذير والترغيب وغيرها ونسجها نسجا لطيفا يؤثر في قلب القارئ، واقتبس من بعض الآيات عبارات زادت الكتاب كمالا، وأورد الأحاديث الواردة عن النبي وآله عليهم السلام من التحذير والترغيب والمواعظ والأوامر والنواهي، وجعلها على نسق جميل من دون الإشارة إلى ذكر الحديث إلا قليلا، وضمن كتابه الحكم والأمثال، واللطائف والآثار، و العبارات الأدبية والأشعار اللطيفة التي تناسب المقام.

فخرج كتابه جامعا يستلذ من قراءته كل واحد، ولا يمل من دوام مطالعته، كالعطر كلما كررته يتضوع.

ثم إن شيخنا الكفعمي رضوان الله عليه ألف هذا الكتاب مستقلا - وتاريخ تأليفه للكتاب غير معلوم - وبعد ذلك اختصره وأدرجه في آخر كتابه البلد الأمين والدرع الحصين الذي ألفه عام ٨٦٨ هـ، وطبع المختصر مع كشف الريبة للشهيد الثاني ومحاسبة النفس لابن طاووس سنة ١٣٩٠ هـ.

قال العلامة الطهراني: محاسبة النفس اللوامة وتنبيه الروح النوامة للشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الحسن بن محمد بن صالح الكفعمي صاحب الجنة

٣٠
الواقية المعروفة بمصباح الكفعمي التي فرغ منها ٨٩٥، مشتملة على مواعظ حسنة ومخاطبة النفس بعبارات مؤثرة أولها: الحمد لله السريع حسابه الأليم عقابه، وهو مطبوع مع كشف الريبة في ١٣١٩ ..... وقد أدرجها المصنف نفسه في آخر كتابه البلد الأمين والدرع الحصين الذي ألفه ٨٦٨، الذريعة ٢٠: ١٢١.

عملنا في الكتاب:

اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على أربع نسخ للمكتبة الرضوية - على صاحبها آلاف التحية والسلام - وهي:

(١) نسخة كاملة تاريخ كتابتها عام ٩٨٩ جاء في آخرها: علي يد الفقير الحقير حافظ محمد علي أصفهاني سنة ٩٨٩، وهي نسخة كثيرة الأغلاط وقد أورد الكاتب بعض تعاليق المصنف على الكتاب داخل المتن، فأدرجناها في الهامش، وجعلنا حرف (أ) رمزا لها.

(٢) نسخة كاملة أيضا إلا ورقتين سقطت من وسط الكتاب والمناجاة من آخره، وهي بدون تاريخ، سيئة الخط، وجعلنا حرف (ب) رمزا لها.

(٣) نسخة مختصرة ملحقة بالبلد الأمين، تاريخ كتابتها عام ١٠٨٢، وهي نسخة جيدة الخط قليلة الأخطاء، وجعلنا حرف (ج) رمزا لها.

(٤) نسخة مختصرة أيضا ملحقة بالبلد الأمين، جيدة الخط أيضا قليلة الأخطاء، وهي بدون تاريخ، وجعلنا حرف (د) رمزا لها.

فضبطت الكتاب على هذه النسخ الأربع مع الإشارة إلى الاختلافات التي لها وجه في الهامش، وتخريج الآيات القرآنية، وشرح الكلمات التي يعسر على العرف العام فهمها من كتب اللغة، وشكل بعض الكلمات التي تحتاج إلى إعراب، ولم أخرج الأحاديث لما أشرت إليه قبل قليل من أن أكثر عبارات الكتاب هي نصوص الأحاديث نسجها المصنف في كتابه من دون الإشارة إلى ذكر الحديث، وما أشار إليه قليل جدا، علما بأن بعض الكلمات لم نستطع قراءتها فتركنا في محلها بياضا، وبعض

٣١
الكلمات لم نستطع الوصول إلى معناها من كتب اللغة فتركناها كما هي.

وفي الختام أتقدم بجزيل الشكر والثناء إلى كل من ساعدني في تحقيق هذا الكتاب ونشره، وأخص بالذكر الأستاذ المحقق الشيخ أسد مولوي، لمراجعته الكتاب من أوله إلى آخره، وإبداء ملاحظاته القيمة حوله.

سائلا المولى الجليل أن يوفق كل العاملين لخدمة مذهب أهل البيت عليهم السلام.


مؤسسة قائم آل محمد (عج)  
حرم أهل البيت - قم     
١٥ شعبان المعظم - ١٤٠٨ هـ
ذكرى مولد قائم آل محمد المهدي
فارس تبريزيان         

٣٢
٣٣


محاسبة النفس




٣٤

٣٥
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله السريع حسابه، الأليم عقابه.

وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادة تؤمن صاحبها من عظائم الجرائم وجرائم العظائم، ولا يخاف في الله لومة لائم (١).

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي جعله الله على كافة أمته شهيدا (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) (٢).

وبعد: فإنه قد أجمعت (٣) الأنبياء والمرسلون، والأئمة الراشدون، أنه تعالى لجميع العباد بالمرصاد (٤)، وأنهم سيناقشون يوم المعاد، وبطالبون بمثاقيل

(١) اقتباس من قوله تعالى (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) المائدة ٥: ٥٤.

(٢) آل عمران ٣: ٣٠.

(٣) في أ، ب: اجتمعت، وفي د: جمعت، وما أثبتناه من ج، وهو الأنسب.

(٤) إشارة إلى قوله تعالى: (إن ربك لبالمرصاد) الفجر ٨٩: ١٤.

٣٦
الذر، من الخير والشر (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (١) ولا ينجي من هذه الأخطار الجليلة، إلا محاسبة (٢) النفس كل يوم وليلة.

فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة (٣) حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وعظم يوم القيامة ثوابه (٤)، وحسن منقلبه وما به (٥).

ومن لم يحاسب نفسه، وأضاع يومه وأمسه، وتلفع (٦) بملاءة الهوى، وتعرى من لباس التقوى، وجب أن يطول في عرصات القيامة مقامه، وتدوم في مواقف يوم الطامة آلامه.

فحق على كل ذي علم، وحتم على كل ذي حزم:

محاسبة النفس اللوامة وتنبيه الروح النوامة

فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات، مستعصية عن العبادات، فكن لها من الواعظين (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (٧).

ففي الخبر: لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه، فيعلم طعامه وشرابه ولبسه.

وعنه عليه السلام: قيدوا أنفسكم بمحاسبتها، واملكوها بمخالفتها، تأمنوا من الله الرهب، وتدركوا عنده الرغب، فإن الحازم من قيد نفسه

(١) الزلزلة ٩٩: ٧ و ٨.

(٢) في ب: إلا بمحاسبة.

(٣) في ب: يوم القيامة.

(٤) جملة: وعظم يوم القيامة ثوابه، لم ترد في أ، ب.

(٥) أي: مرجعه. اللسان ١: ٢١٨ أوب.

(٦) أي: التحف، والالتفاع والتلفع: الالتحاف بالثوب، وهو أن يشتمل به حتى يجلل جسده. اللسان ٨: ٣٢٠ لفع.

(٧) الذاريات ٥٥: ٥١.

٣٧
بالمحاسبة، وملكها بالمغالبة، وأسعد الناس من انتدب (١) لمحاسبة نفسه، وطالبها بحقوقه (٢) في يومه وأمسه.

وعنه عليه السلام: الكيس من دان نفسه، أي: حاسبها، وعمل لما بعد الموت وطالبها.

فحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وطالبها قبل أن تطالب، وقل لها (٣):

يا نفس:

احزمي (٤) أمرك، فما لك بضاعة إلا عمرك، فلا تفنيه في مآربك (٥)، ولذاتك ومطالبك، لأنه إذا فني رأس المال حصلت الخسارة، ووقع اليأس عن التجارة.

شعر:

إذ كنت أعلم علما يقينابأن جميع حياتي كساعة
فلم لا أكون ضنينا (٦) بهاواجعلها في صلاح وطاعة

(١) في أ: من انقاد.

(٢) في ب: حقوقها.

(٣) في ب: يا نفس: فحاسبي نفسك قبل أن تحاسبي، وطالبيها قبل أن تطالبي، وقولي لها: ...

(٤) من الحزم، وهو: ضبط الرجل أمره والحذر من فواته. مجمع البحرين ٦: ٣٩ حزم.

وفي أ: احرضي، وفي ج، د: اجزمي، وما أثبتناه من ب، وهو الأنسب.

(٥) أي: حاجاتك. اللسان ١: ٢٠٨ أرب.

(٦) أي: شحيحا. مجمع البحرين ٦: ٢٧٥ ضنن.

٣٨

يا نفس:

وهذا يوم جديد، وهو عليك شهيد، فاعملي فيه لله بطاعته، وإياك إياك من إضاعته، فإن كل نفس من الأنفاس، وحاسة من الحواس، جوهرة عظيمة، ليس لها من قيمة.

شعر:

أولى الذخائر في الحمايةوالرعاية والحراسة
عمر الفتى فهو النهايةفي الجلالة والنفاسة
وحذار من تضييعهإن كنت من أهل الكياسة

يا نفس:

إن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة، فاشتغلي فيها بالطاعة، فقد ورد في الخبر، عن سيد البشر:

أنه ينشر (١) للعبد كل يوم أربع وعشرون خزانة، بعضها فارغة وبعضها ملآنة:

فإذا فتحت له خزانة الحسنات، والمراضي والمثوبات، ناله من الفرح والسرور، والبهجة والحبور، بمشاهدة تلك الأنوار، التي هي وسيلة عند الملك الجبار، ما لو وزع على أهل النار، لأدهشهم ذلك الفرح عن ألم السعار (٢).

(١) في ب: ينثر.

(٢) في أ: السعار بالضم: حر النار وشدة الجوع أيضا، وسعرناهم بالنبل: أحرقناهم، قاله الجوهري.

الصحاح ٢: ٦٨٤ سعر.

٣٩
وإن فتحت له خزانة العصيان، والغيبة والبهتان، غشاه من نتنها وظلامها، وأصابه من شرها وآلامها، ما لو قسم على أهل النعيم، لنغص (١) عليهم التنعيم.

وإن فتحت الفارغة من الأعمال، الموصوفة بالتكاسل والاهمال، لحقه (٢) الحزن العظيم، على خلوها من الثواب الدائم المقيم.

يا نفس:

فاملئي تلك الساعات من الحسنات، واشحنيها بما شق من العبادات والقربات، ولا تميلي إلى الكسل والاستراحة، فما ملأ الراحة من استوطأ الراحة (٣).

وهب كنت مسيئة قد عفي عن جريرتك، وستر (٤) على سريرتك، أليس قد فاتك ثواب المحسنين، ودرجات الأبرار في عليين؟!

يا نفس:

إن كنت في معصية الله ممن يعلم اطلاعه، فلقد اجترأت على أمر عظيم الشناعة، لجعلك إياه أهون الناظرين، وأخف المطلعين، وإن كنت تظنين أنه

(١) في أ: لبغض، وفي ب: لنقص، والمثبت من ج، د، وهو الأنسب.

(٢) في ج: لحفه.

(٣) قيل: الراحة الأولى بمعنى الكف والجمع الراح، والثانية من الاستراحة.

وفي ب: ما ملأ الراحة من استواطأ الزاحة.

(٤) في أ: وسر.

٤٠