×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محاسبة النفس / الصفحات: ٤١ - ٦٠

لا يراك، فلقد كفرت بمولاك.

يا نفس:

أترين لو أن أحدا من جلسائك، أو عبيدك وإمائك، واجهك بما تمقتينه، أو عاملك بما تكرهينه، لقلمت منه الأظفار، وأحللت به دار البوار فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله وعذابه، وشدة نكاله وعقابه؟ وقربي إصبعك من الحميم، إن ألفاك البطر عن النظر في عقابه الأليم.

يا نفس:

ويحك بل ويلك من العذاب، كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب، أتظنين أنك إذا مت انفلت، وإذا حشرت رددت؟! هيهات هيهات، كل ما توعدين لآت (١).

شعر:

ولو أنا إذا متنا تركنالكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثناونسأل بعده عن كل شئ

يا نفس:

إنك تقدمين على ما قدمت، وتجازين على ما أسلفت، فلا تخد عنك دنيا دنية، عن مراتب جنات علية، فإن لكل حسنة ثوابا، ولكل سيئة عقابا، وإنه

(١) اقتباس من قوله تعالى: (إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين) الأنعام ٦: ١٣٤.

٤١
لا بد لك في قبرك من قرين، فإن كان صالحا فبه تستأنسين، وإن كان طالحا فمنه تستوحشين.

شعر:

أترجى نجاة من حياة سقيمةوسهم المنايا للخليقة راشق
فمن حسنت أفعاله فهو فائزومن قبحت أفعاله (١) فهو زاهق
لقد شقيت نفس تخالف ربهاوتعرض عن إرشادها وتشاقق

يا نفس:

ما هذه الحيرة والسبيل واضح، وما هذه الغفلة والمشير ناصح، إلى كم تجمعين ولا تقنعين، ولوارثك تودعين؟!

شعر:

وأنت كمن يبني (٢) بناء وغيرهيعالجه في هدمه ويسابق
وينسج آمالا طوالا بعيدةويعلم أن الدهر للنسج خارق

يا نفس:

أتفرحين بنعيم زائل، وسرور راحل؟! غفلت وأغفلت، وعلمت فأهملت، إلى كم مواظبتك على الذنوب، وأنت بعين علام الغيوب؟ فجمعك في هذه

(١) في ب: أعماله.

(٢) في أ: أبنى.

٤٢
الدنيا إلى تفريق، وسعتك (١) إلى ضيق، فما هذه الطمأنينة وأنت مزعجة، وما هذا الولوج وأنت مخرجة؟!

شعر:

أترجى نجاة بعد سبعين حجةولا بد من يوم تعقك العوائق (٢)
ومن طرقته الغاديات بويلهافلا بد ما يأتيه فيها (٣) الصواعق

وليس أبناء السبعين، بأحق بالحذر من أبناء العشرين، لأن طالبها وهو الموت واحد، وليس عن (٤) الطلب براقد، واعملي لما أمامك من الهول، ودعي عنك زخرف القول.

يا نفس:

أما رأيك فعازب، وأما رشدك فغائب، داؤك لا يرجى له دواء، وأملك ليس له انتهاء، قد فتنت بعملك، وخضت في بحار زللك، فقدمي التوبة، قبل أن تبلغك النوبة، واعملي للخلاص، قبل الأخذ بالنواص.

شعر:

إذا نصب الميزان للفصل والقضاوأبلس (٥) محجاج وأخرس ناطق

(١) في ب: وسعيك.

(٢) قال الجوهري في الصحاح ٤: ١٥٣٤ عوق: عاقه عن كذا عوقا واعتاقه أي: حبسه وصرفه عنه، وعوائق الدهر: الشواغل من أحداثه.

(٣) في ب: فلا بد ما بلته فيه.

(٤) في ب: وليس عند.

(٥) أبلس: سكت. اللسان ٦: ٢٩ بلس.

٤٣

وأججت النيران واشتد غيظهاوقد فتحت (١) أبوابها والمغالق
وقطعت الأسباب من كل ظالموقامت به أسراره والعلائق

يا نفس:

لا جرم أنه تعالى (٢) تكفل في الدنيا بإصلاح أحوالك، فعلام كذبتيه بأفعالك؟ وأصبحت تتكالبين (٣) على طلب (٤) الدنيا تكالب المدهوش المستهتر، وأعرضت عن الآخرة إعراض المغرور المستحقر (٥)، ما هذا من علامات من يتبع السنة، أو يبتغي الجنة.

شعر (٦):

فحبك هذا من أدل دلالةعلى أنك في غمرة الجهل تسبحي
تروحي وتغدي في غرور وغفلةوأنت بغير الحق في الأرض تمرحي
فعاصي هواك واتق الله وحدهعساكي في يوم القيامة تفلحي

(١) في ب: وفتحت.

(٢) في ب: أن الله تعالى.

(٣) قال الجوهري في الصحاح ١: ٢١٥ كلب: والمكالبة: المشارة وكذلك التكالب، تقول منه: هم يتكالبون على كذا أي: يتواثبون عليه.

وفي ج، د: تكالبين.

(٤) في ب: في طلب.

(٥) في ب: المستهتر.

(٦) في أ: الكفعمي شعر.

٤٤

يا نفس:

أتحسبين أن تتركي سدى، ألم تكوني نطفة من مني يمنى، ثم كنت علقة فخلق فسوى، أليس ذلك بقادر [ على ] أن يحيي الموتى (١)؟!.

فما لك لا تعرفين قدرك، ولا تأخذين حذرك؟ فإن كنت قد أمنت في الحشر بسؤالك، وعرفت جميع ذلك هنالك، فما بالك تسوفين بالعمل (٢)، وقد دنى الأجل، ولعله يختطفك من غير مهل؟!

شعر:

وكانا الموت ركب مخبون (٣)سراع لمنهل مورود

يا نفس:

لو عزمت (٤) على سفر، لقضاء الوطر، ترتجين فيه نيل الظفر، والأمن من الضرر، فلقيت (٥) في طريقك شخصا، أخبرك أنه رأى أمامك لصا، يأخذ الأقفال، ويستبيح النفس والمال، لرجعت عن ذلك الطريق المخوف (٦)، حذرا

(١) إشارة إلى قوله تعالى: (أيحسب الانسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من منى يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) القيامة ٧٥: ٣٦ - ٤٠.

(٢) في أ: العمل.

(٣) في ب: مخنون، وفي ج، د: مجنون، وما أثبتناه من أ، هو الأنسب.

(٤) في ب: لو عرضت.

(٥) في أ: فلقيك.

(٦) في أ: يقال طريق مخوف، لأنه لا يخيف بل يخيف فيه قاطع الطريق، قاله الجوهري.

الصحاح ٤: ١٣٥٩ خوف.

٤٥
من اللص العسوف (١).

أفكان قول التوراة والإنجيل، والزبور والتنزيل، بإخبارهم بأخاويف القيامة، وأهاويل يوم الطامة، أقل من مخبرك صدقا، وأنذر منه حقا؟! ولعل المخبر غير صادق، بل أكذب من بارق!! (٢).

يا نفس:

لو أن طبيبا يهوديا، أو حكيما نصرانيا، أخبرك في ألذ أطعمتك بدائه، وعدم دوائه، ثم أمرك بالاحتماء، عن بعض الغذاء، لصبرت عنه وتركته، وجاهدت نفسك فيه.

أفكان قول القرآن المبين، والأنبياء والمرسلين، أقل تأثيرا من قول يهودي يخبر عن تخمين، أو نصراني ينبئ عن غير يقين؟!.

والعجب لمن (٣) يحتمي عن الطعام لأذيته، كيف لا يحتمي عن الذنب لأليم عقوبته؟!

شعر:

جسمك بالحمية وقيتهمخافة البارد والحار (٤)

(١) العسوف: الظلوم. الصحاح ٤: ١٤٠٣ عسف.

(٢) في أ: في أمثالهم: أكذب من بارق، وهو: السحاب الذي يكون فيه البرق ولا ماء فيه، قال: بلوته أكذب من يلمع أو بارق يلمع في خلب، ويلمع يحتمل أن يراد به السراب لأن اسمه يلمع، ويحتمل أن يراد به البرق الذي لا مطر معه لأن اسمه يلمع أيضا، وإنما قيل للسراب يلمع لأنه يسير إلى المطر ولا مطر معه.

(٣) في ب: يا نفس والعجب.

(٤) في ب: مخافة الضار.

٤٦

قد كان أولى بك أن تحتميعن المعاصي حذر النار

يا نفس:

ومن العجب أنه لو أخبرك طفل: بأن عقربا في جيبك لرميت بثوبك، أو حية في إزارك لرميت بأطمارك (١).

أفكان قول الأنبياء والأبدال، أقل عندك من قول الأطفال؟! أم صار حر نار جهنم وزقومها، أحقر عندك من العقرب وسمومها؟! ولا جرم فلو انكشف للبهائم علانيتك وسريرتك، لضحكوا من غفلة سيرتك.

يا نفس:

من لا يطعم الدابة إلا في الحضيض (٢) لا يقدر على قطع العقبة؟! ومن لا يملك قيراطا من المال كيف يفك الرقبة؟! (٣) وكيف بك إذا أمرت بالصعود، على عقبة كؤود (٤)، وطرسك (٥) موفور من السيئات، وظهرك موقور (٦) من التبعات، وأنت مع ذلك عارية (٧) عطشانة، حافية غرثانة؟! (٨) فلا شك هنالك

(١) قال الجوهري في الصحاح ٢: ٧٢٦ طمر: والطمر: الثوب الخلق، والجمع الأطهار.

(٢) الحضيض: القرار من الأرض عند منقطع الجبل. الصحاح ٣: ١٠٧١ حضض.

(٣) في ج: لا يفك الرقبة.

(٤) عقبة كؤود: شاقة المصعد صعبة المرتقى. اللسان ٣: ٣٧٤ كأد.

(٥) الطرس: الصحيفة. الصحاح ٣: ٩٤٣ طرس.

(٦) أي: محمول. الصحاح ٢: ٨٤٨ وقر.

وفي أ: موفور.

(٧) في أ: عادية.

(٨) من الغرث وهو الجوع. الصحاح ١: ٢٨٨ غرث.

٤٧
أن المستريح، أحسن حالا من الطليح (١)، ولا جرم أن المبطئين، أقبح حالا من المسرعين، فاستعدي للآخرة، على قدر هول أرض الساهرة، ولا تكوني ممن يعجز عن شكر ما أوتي، ويبغي الزيادة فيما بقي، وينهى الناس ولا ينتهي.

يا نفس:

ما المانع لك من المبادرة إلى صالح الأعمال، وما الباعث لك على التسويف والاهمال، وهل سببه إلا عجزك عن مخالفة شهوتك، وضعفك عن مؤالفة أئمتك؟ وهب أن الجهد في آخر العمر نافع، وأنه مرق إلى أسعد المطالع، فلعل اليوم آخر عمرك، ونهاية دهرك.

شعر:

ولا ترج فعل الصالحات إلى غدلعل غدا يأتي وأنت فقيد

يا نفس:

غالبي الشهوة قبل قوة طراوتها (٢)، فإنها إن قويت لم تقدري على مقاومتها، ومثل ذلك: أن الشهوة كالشجرة النابتة، والصخرة الثابتة، التي تعبد العبد بقلعها أو أمر (٣) بنزعها، فمن ترك قلعها وعجز عن نزعها، كان كمن

(١) قال الجوهري في الصحاح ١: ٣٨٨ طلح: وطلح البعير: أعيى، فهو طليح ... وناقة طليح أسفار: إذا جهدها السير وهزلها.

(٢) قال الجوهري في الصحاح ٦: ٢٤١٢ طرا: شئ طري أي: غض بين الطراوة.

وفي أ: ضراوتها، وفي ب: ضر أوقاتها، وما أثبتناه من ج، د، وهو الأنسب.

(٣) في أ: وأمر.

٤٨
عجز عن قلع شجرة وهو شاب قوي الهمة، فأخرها بعد أمة (١) إلى الضعف وابيضاض اللمة (٢)، مع العلم بأن طول المدة تزيد الشجرة قوة وثباتا، وتولي القالع ضعفا وشتاتا.

وبالجملة: ما لا يقدر عليه في الشباب لا يقدر عليه في المشيب، لكن من التعذيب تهذيب الذيب.

شعر:

أتروض عرسك بعد ما هرمتومن العناء رياضة الهرم

يا نفس:

ما قولك في مريض غمره الأسقام، أشير عليه بترك الماء البارد ثلاثة أيام، ليصح ويتهنأ بشربه مدى الشهور والأعوام، فما مقتضى العقل في افتعال أمر الصبوة (٣)، وقضاء حق الشهوة، أيصبر الثلاثة أيام (٤) ليتنعم طول عمره؟

أم يقضي في الحال شهوة وطره؟! (٥).

وليت شعري أألم الصبر عن الشهوات، وكظم الغيظ عن العقوبات، أعظم شدة، وأطول مدة، أم ألم النار، وغضب الجبار؟!.

(١) الأمة: الحين. المحاح ٥: ١٨٦٤ أمم.

(٢) اللمة بالكسر: الشعر يجاوز شحمة الأذن. الصحاح ٥: ٢٠٣٢ لمم.

(٣) الصبوة: جهلة الفتوة واللهو من الغزل. العين ٧: ١٦٨ صبو.

(٤) في ب: أيصبر في ثلاثة أيام.

(٥) الوطر: كل حاجة كان لصاحبها فيها همة. اللسان ٥: ٢٨٥ وطر.

٤٩
كتاب محاسبة النفس للكفعمي (ص ٥٠ - ص ٧١)

٥٠

يا نفس:

ومما أعظك به من كلام أمير المؤمنين، وسيد الوصيين: أن الفكر يهدي، والهوى يردي، والشهوات آفات، واللذات مفسدات، والرزق مقسوم، والحريص محروم، والدنيا تضر، والأمل يغر (١)، والأمن اغترار، واليقظة استبصار، والغفلة ضلالة، والغرة (٢) جهالة.

يا نفس:

مكاسب الدنيا بالإنفاق، والآخرة بالاستحقاق، والهوى عدو العقل، واللهو من ثمار الجهل، والأعمال من ثمار النيات، والصدقة أفضل الحسنات، والطمع فقر ظاهر، واليأس غنى حاضر.

يا نفس:

السلامة في التفرد، والراحة في التزهد، والساعات تكمن الآفات، والعمر تفنيه (٣) اللحظات، والدنيا سوق الخسران، والجنة دار الأمان، والحساب قبل العقاب، والثواب بعد الحساب، والدنيا دار الأشقياء، والجنة دار الأتقياء.

(١) في ب: والأمل يغر والدنيا تضر.

(٢) في أ: والعزة.

(٣) في أ: بقية.

٥١

يا نفس:

الدنيا محل الآفات، والمال مادة الشهوات، والدنيا مطلقة الأكياس، ومنية الأرجاس، والتقوى خير زاد، والطاعة أحرز عتاد، والزهد متجر راجح، والورع عمل راجح، والحريص عبد (١) المطامع، والمستريح من الناس القانع.

يا نفس:

المواصل للدنيا مقطوع، والمغتر بالآمال مخدوع، والتقوى رأس الحسنات، والورع جنة من السيئات، والتوبة تستنزل الرحمة، والاصرار يجلب النقمة، والطاعة تستدر المثوبة، والمعصية تجلب العقوبة.

يا نفس:

الدنيا دار المحنة، والهوى مطية الفتنة، والتعزز بالتكبر ذل، والتكثر بالدنيا قل، واليقين رأس الدين، والانفراد راحة المتعبدين، والزهد سجية المخلصين، والخوف جلباب (٢) العارفين، والبكاء شعار المشفقين، والفكر نزهة المتقين، والسهر روضة المشتاقين، والاخلاص عبادة المقربين (٣)، والذكر لذة المحيين.

(١) في أ: عند.

(٢) الجلباب: الملحفة. الصحاح ١: ١٠١ جلب.

(٣) في ب: المتقربين.

٥٢

يا نفس:

الدنيا مصرع العقول، والشهوات تسترق الجهول، والفكر مرآة صافية، والموعظة نصيحة شافية، والنية أساس العمل، والأجل حصاد الأمل، والمقادير لا تدفع بالقوة والمغالبة، والأرزاق لا تنال بالحرص والمطالبة.

يا نفس:

الدنيا كيوم مضى، وشهر انقضى، فالرغبة فيها توجب المقت، والاشتغال بالفائت (١) يضيع الوقت، والمال يفسد المآل (٢)، ويوسع الآمال، وهو داعية التعب، ومطية النصب (٣)، والغني من استغنى بالقناعة، والعزيز من اعتز بالطاعة.

يا نفس:

أسباب الدنيا منقطعة، وعواريها مرتجعة، والمصيبة بالدين أعظم المصاب، والغضب يفسد الألباب، ويبعد من الصواب، وهو عدو فلا تملكيه نفسك، ولا تجعليه لبسك، والندم على الخطيئة استغفار، والمعاودة للذنب إصرار.

(١) في أ: بالغائب.

(٢) قال ابن منظور في اللسان ١١: ٢٢ أول: الأول: الرجوع، آل الشئ يؤول أولا ومآلا: رجع.

(٣) في أ: المنصب.

٥٣

يا نفس:

الوله (١) بالدنيا أعظم فتنة، واطراح الكلف أشرف قنية، فمن أخلص فيها توبته، أسقط حوبته، والعمل فيها بطاعة الله أربح، والرجاء لرحمته أنجح، والاشتغال بتهذيب النفس أصلح، والاتكال على القضاء أروح.

شعر:

عجبت لشئ لا يساوي جميعهجناح بعوض عند من أنت عبده
شغلت بجزء منه عنه فما الذييكون إذا حاسبك عذرك (٢) عنده

يا نفس:

الحازم من ترك الدنيا للآخرة، والرابح من باع العاجلة بالآجلة يوم الساهرة، والزاهد أن لا يطلب المفقود، حتى يعدم الموجود، واجتناب السيئات، أولى من اكتساب الحسنات، واشتغالك بمعايبك (٣) يكفيك العار، واشتغالك بإصلاح معادك ينجيك من عذاب النار، والطاعة لله أقوى سبب، والمودة في الله أقرب نسب.

(١) قال الطريحي في المجمع ٦: ٣٦٧ وله: والوله بالتحريك: ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد.

(٢) في ب: عدوك.

(٣) في أ: بمعانيك.

٥٤

يا نفس:

الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تفي لصاحب، فهي ملية بالمصائب، طارقة بالفجائع والنوائب، والعاقل من هجر شهوته، وأسخط دنياه وأرضى آخرته، والعارف من عرف نفسه فأعتقها (١)، ونزهها عن كل ما يبعدها ويوبقها.

يا نفس:

الدنيا إذا تحلت (٢)، أنحلت، وإذا حلت أو حلت، فالحازم من جاد بما في يده، ولم يؤخر عمل يومه إلى غده، والكيس (٣) من كان يومه خيرا من أمسه، وعقل الذم عن نفسه، والشقي من اغتر بحاله، وانخدع لغرور آماله، والجاهل لا يرتدع، وبالموعظة لا ينتفع.

يا نفس:

الدنيا شرك النفوس، وقرارة كل ضر (٤) وبؤس، وهي عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، فأخوك في الله من هداك إلى رشاد، ونهاك عن فساد، وأعانك على إصلاح المعاد، والحازم من لم يشغله غرور دنياه، عن العمل لأخراه،

(١) في ب: وأعتقها.

(٢) في أ: أحلت.

(٣) في أ: أي العاقل.

(٤) في أ: خبر.

٥٥
والمغبون من اشتغل بالدنيا جهده، وفاته من الآخرة جده.

يا نفس:

أوقات الدنيا وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت يسيرة، والخوف من الله في الدنيا، يؤمن الخوف منه في العقبى، والمتقي من اتقى من الذنوب، والمتنزه من تنزه عن العيوب، وانتباه العيون لا ينفع مع غفلة القلوب، والعاقل من زهد في الدنيا الدنية، ورغب في جنة سنية.

يا نفس:

اعزفي (١) عن دنياك تصلحي مثواك، واركني إلا الحق وإن خالف هواك، واجعلي جهدك وهمك لآخرتك، واحفظي بطنك وفرجك فهما (٢) فتنتك، واعفي عن خادمك إذا عصاك، واضربيه إذا (٣) عصى مولاك.

يا نفس:

انظري إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق، ولا تنظري إليها نظر العاشق

(١) في أ: عزف عن الشئ: زهد فيه وانصرف عنه، قاله الجوهري. الصحاح ٤: ١٤٠٣ عزف، باختلاف.

وفي ب: اغرفي.

(٢) في أ: ففيهما.

(٣) في أ: أنا.

٥٦
الموامق (١)، وامسكي من المال بقدر ضرورتك، وقدمي الفضل ليوم فاقتك، واذكري مع كل لذة زوالها، ومع كل نعمة انتقالها، واجعلي همتك وسعيك للخلاص من الشقاء والعقاب، والنجاة من مقام البلاء والعذاب.

يا نفس:

اذكري عند المعاصي ذهاب اللذات وبقاء التبعات، واهجري الشهوات فإنها تقود إلى ركوب السيئات، واعملي والعمل ينفع، والدعاء يسمع، والتوبة ترفع، والمحتكر البخيل جامع لمن لا يشكره، وقادم على من لا يعذره.

يا نفس:

اتقي غرور الدنيا فإنها تسترجع (٢) أبدا ما خدعت به من المحاسن، وتزعج المطمئن (٣) إليها القاطن، فكم من جامع مال يبخل على نفسه بأقله، ويسمح لوارثه بكله، ولعله من باطل جمعه، ومن حق منعه، أصابه حراما، واحتمل به آثاما، ورب مستقبل يوم ليس بمستدبره، ومغبوط في أول ليل قامت بواكيه في آخره.

(١) في أ: الوامق.

وقال الجوهري في الصحاح ٤: ١٥٦٨ ومق: المقة المحبة ... وقد ومقه يمقه بالكسر فيهما أي:

أحبه، فهو وامق.

(٢) في أ: لتسترجع.

(٣) في ب: المطمئنين.

٥٧

شعر:

هو الموت لا أعوانه تقبل الرشاولا تشترى ساعاته بالدراهم

يا نفس:

استعدي ليوم تشخص فيه الأبصار، وتفدم (١) فيه الأبصار (٢)، واذكري هادم اللذات، ومنغص الشهوات، وداعي الشتات، ومفرق الجماعات، ومبعد (٣) الأمنيات، ومدني المنيات، والمؤذن بالبين والشتات، واحذري الأمر (٤) المغلوب، والفاني المجبوب، والنعيم المسلوب.

شعر:

أما والله لو علم الأناملما خلقوا لما هجعوا وناموا
لقد خلقوا لما لو أبصرتهعيون قلوبهم تاهوا وهاموا
حياة ثم موت ثم بعثوتوبيخ وأهوال عظام

يا نفس:

احذري أن يخدعك الغرور بالحائل اليسير، أو يستزلك السرور بالزائل الحقير، وإياك وفعل القبيح فإنه يقبح ذكرك ويكبر (٥) وزرك، ويحبط أجرك،

(١) الفدم من الناس: العيي عن الحجة والكلام. اللسان ١٢: ٤٥٠ فدم.

(٢) الأبصار الأولى بمعنى: حاسة البصر، والثانية بمعنى: البينة.

(٣) في أ: ومباعد.

(٤) في ب: الأمل.

(٥) في ب: ويكثر.

٥٨
وإياك أن تكوني على الناس طاعنة، ولنفسك مداهنة (١)، فتعظم عليك الحوبة، وتحرمي المثوبة.

يا نفس:

إياك وطول الأمل، فكم من مغرور افتتنه أمله، فأفسد عمله وقطع أجله، فلا أمله أدرك، ولا ما فاته استدرك، وإياك والوقوع في الشبهات، والولوع (٢) بالشهوات، فإنهما يقتادانك إلى الوقوع في الحرام، وركوب كثير من الآثام.

يا نفس:

أين اللذين كانت لهم الأمم، وبلغوا من الدنيا أقاصي الهمم؟! أين اللذين حازوا (٣) من الدنيا أقاصيها، واستذلوا الأعداء وملكوا نواصيها؟! أين من سعى واجتهد، وأعد (٤) واحتشد، وبنى وشيد، وزخرف ونجد (٥)، وفرش ومهد، وجمع وعدد؟! أين كسرى وقيصر، وتبع وحمير؟! وأعظم العظات، الاعتبار بمصارع الأموات.

(١) المداهنة: المساهلة. مجمع البحرين ٦: ٢٥٠ دهن.

(٢) الولوع: العلاقة، وأولع به ولوعا وإيلاعا: إذا لج. اللسان ٨: ٤١٠ ولع.

(٣) في أ: أحازوا.

(٤) في ب: وعد.

(٥) قال الجوهري في الصحاح ٢: ٥٤٢ نجد: والنجد: ما ينجد به البيت من المتاع، أي يزين.

٥٩

يا نفس:

أسعد الناس من ترك لذة فانية، للذة باقية، وأشقاهم من باع جنة المأوى، بمعصية من معاصي الدنيا، وأفضل الناس من عصى ورفض دنياه، وقطع منها أمله ومناه، وكان همه لأخراه، وأبعد الناس من النجاح المشتهر باللهو والمزاح، وأبعدهم (١) من الصلاح الكذوب ذو الوجه الوقاح.

يا نفس:

إياك والهوى فإن أوله فتنة، وآخره محنة، وإياك وحب الدنيا فإنها أصل كل خطيئة، ومعدن كل بلية، فالحازم من لا يغتر بالخدع، والعاقل من لا يغتر بالطمع، ومن باع نفسه بغير الجنة، فقد عظمت عليه المحنة.

يا نفس:

إن مالك لحامدك في حياتك، ولذامك بعد وفاتك، والتقوى عصمة لك في حياتك، وزلفى لك بعد مماتك، والمرء على ما قدم قادم، وعلى ما خلف نادم، وإن النفس التي تطلب الرغائب الفانية لتهلك في طلبها، وتشقى في منقلبها، والتي تجهد في اقتناء الرغائب الباقية لتدرك طلبها، وتسعد في منقلبها.

(١) في ب: وأبعد..

٦٠