×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محاسبة النفس / الصفحات: ٦١ - ٨٠

يا نفس:

إن الدنيا لمفسدة الدين، ومسلبة اليقين (١) وإنها رأس (٢) الفتن، وأصل المحن، وإن خير المال ما اكتسب ثناء وشكرا، وأوجب ثوابا وأجرا، وإن أخيب الناس سعيا رجل أخلق (٣) بدنه في طلب أمانيه (٤)، ولم تسعده المقادير على ما أراده واجتهد فيه، فخرج من الدنيا بحسراته، وقدم على الآخرة بتبعاته، والكيس من كان لشهوته مانعا، ولنزوته (٥) عند الحفيظة قامعا.

يا نفس:

إن تقوى الله عمارة الدين، وعماد اليقين، وإنها لمفتاح الفلاح (٦)، ومصباح النجاح، وهي في اليوم الحرز والجنة، وفي غد الطريق إلى الجنة، مسلكها واضح، وسالكها رابح، وإن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا والآخرة، شاركوا أهل الدنيا في الدنيا ولم يشاركهم (٧) أهل الدنيا في الآخرة (٨)، بالتقوى

(١) في أ: إن الدنيا المفسدة الدين مسلبة اليقين.

(٢) في أ: لرأس.

(٣) أي: أبلى. اللسان ١٠: ٨٩ خلق.

(٤) في أ: الفانية.

(٥) النزو: الوثبان. اللسان ١٥: ٣١٩ نزا.

(٦) في أ: الصلاح.

(٧) في أ: ولم يشاركونهم.

(٨) في أ: بالآخرة.

٦١
ينجو الهارب، وتنجح المطالب، وتنال (١) الرغائب.

يا نفس:

إن من هوان الدنيا على الله: أن لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بترك ما لديها، فعيشها عناء، وبقاؤها فناء، لذاتها تنقيص، ومواهبها تغصيص، سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب، وتصل مواصلة الملول، وتفارق مفارقة العجول، تصل العطية بالرزية، والأمنية بالمنية، خيرها زهيد (٢)، وشرها عتيد (٣)، وملكها يسلب، وعامرها (٤) يخرب.

يا نفس:

إن الدنيا لهي الكنود (٥) العنود (٦)، والصدود (٧)، الجحود (٨)، والحيود الميود (٩)، عزها ذل، وجدها هزل، وكثرها قل، وعلوها سفل، غرور حائل، وظل زائل،

(١) في ب: وتباذل.

(٢) الزهيد: القليل. الصحاح ٢: ٤٨١ زهد.

(٣) العتيد: الحاضر المهيأ. مجمع البحرين ٣: ٩٨ عتد.

(٤) في ب: وعاملها.

(٥) في أ: الكند: النعمة كفرها، وأرض كنود: لا تنبت.

(٦) العنود بالضم: الجور والميل، والعنيد والعنود والمعاند واحد وهو: المعارض لك بالخلاف عليك. مجمع البحرين ٣: ١٠٩ عند.

(٧) الصد: الإعراض. اللسان ٣: ٢٤٥ صدد.

(٨) الجحد والجحود: نقيض الإقرار كالاقرار والمعرفة. اللسان ٣: ١٠٦ جحد.

(٩) ماد الشئ يميد ميدا: تحرك ومال. اللسان ٣: ٤١١.

٦٢
وسناء مائل، عيشها قصير، وخيرها يسير، وإقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن.

يا نفس:

إن الدنيا دار شخوص، ومحلة تنغيص، ساكنها ظاعن (١)، وقاطنها (٢) بائن (٣)، وبرقها خالب (٤)، ونطقها كاذب، وأموالها مخروبة (٥)، وأعلاقها (٦) مسلوبة، ولذاتها (٧) قليلة، وحسرتها طويلة، غرارة غرور ما فيها، فانية فإن من عليها، تشوب نعيمها ببؤس، وتقرن سعودها بنحوس، وتصل نفعها بضر، وتمزج حلوها بمر.

يا نفس:

إن الدنيا دار محن، ومحل فتن، غرارة خدوع، معطية منوع، ملبسة نزوع، تدني الآجال، وتباعد الآمال، وتبيد الرجال، وتغير الأحوال، لا يدوم

(١) أي: مرتحل. مجمع البحرين ٦: ٢٧٨ ظعن.

(٢) القطون: الإقامة. اللسان ١٣: ٣٤٢ قطن.

(٣) أي: منفصل: اللسان ١٣: ٦٤ بين.

(٤) أي خديعة. مجمع البحرين ٢: ٥٢ خلب.

(٥) في أ: قوله: مخروبة أي: مأخوذة، وخرب الرجل فهو خريب ومخروب: إذا أخذ ماله كله، وقولهم يصبر الرجل على الثكل ولا يصبر على الخرب، أي: يصبر على موت ولله ولا يصبر على أخذ ماله.

(٦) في أ: وأعلاقها أي: نفائسها، والعلق بالكسر: الشئ النفيس.

(٧) في أ: ولذتها.

٦٣
رخاؤها، ولا ينقضي عناؤها، ولا يركد بلاؤها، قد أمر منها ما كان حلوا، وكدر منها ما كان صفوا، من صارعها صرعته، ومن غالبها غلبته، ومن أبصر إليها أعمته، ومن أبصر بها بصرته، ومن عاصاها أطاعته، ومن ساعاها فاتته، ومن تركها نالته (١).

يا نفس:

إن الدنيا دار بالبلاء معروفة، وبالغدر موصوفة، لا تدوم أحوالها، ولا يسلم نزالها، العيش فيها مذموم، والأمان فيها معدوم، ألا وهي المتصدية للعيون، والجامعة للحزون، والمائنة (٢) الخؤون، تعطي وترتجع، وتنقاد وتمتنع، وتوحش وتؤنس، وتطمع وتؤيس، يعرض عنها السعداء، ويرغب فيها الأشقياء.

يا نفس:

إن الدنيا ظل الغمام، وحلم المنام، والفرح الموصول بالغم، والعسل المشوب بالسم، سلابة النعم، أكالة الأمم، جلابة النقم، نعيمها ينتقل، وأحوالها تبتدل، لا تفي لصاحب، ولا تصفو لشارب، ولا تبقى على حالة، ولا تخلو من استحالة، تصلح جانبا بفساد جانب، وتسر صاحبا بمساءة صاحب.

(١) في أ: أتته.

(٢) أي: الكاذبة. اللسان ١٣: ٤٢٦ مين.

٦٤

يا نفس:

إن الدنيا يونق (١) منظرها، ويوبق (٢) مخبرها، ولا تدوم حبرتها (٣)، ولا تؤمن فجعتها، حائلة زائلة، نافذة بائدة، أكالة غوالة، غرارة ضرارة، فالكون فيها خطر، والثقة بها غرر (٤)، والاخلاد إليها محال، والاعتماد عليها ظلال، لم يصفها الله لأوليائه، ولم يضن (٥) بها على أعدائه، وهي والآخرة عدوان متفاوتان، وسبيلان مختلفان، فمن أحب الدنيا وتوالاها، أبغض الآخرة وعاداها.

يا نفس:

إن جزعت على ما تفلت من يديك، فاجزعي على ما لم يصل إليك، وإن كنت في البقاء راغبة فازهدي في عالم الفناء، وإن كنت للنعيم طالبة فاعتقي نفسك من دار الشقاء، وأراك إن دعيت إلى حرث الآخرة كسلت، وإن دعيت إلى حرث الدنيا عملت، وإن سقمت ندمت، وإن عوفيت نسيت، تواقعين الحوبة (٦)، وتتكلين على التوبة، فأحسني الاستعداد والاكثار من الزاد ليوم تقدمين على ما قدمت، وتندمين على ما خلفت، وتجازين على ما أسلفت.

(١) قال الخليل في العين ٥: ٢٢١ أنق: الأنق: الاعجاب بالشئ ....

(٢) أي: يهلك. اللسان ١٠: ٣٧٠ وبق.

(٣) أي: جمالها وحسنها. مجمع البحرين ٣: ٢٥٦ حبر.

(٤) في أ: فالكون فيها خطير والثقة فيها غرور.

(٥) أي: ولم يبخل. المفردات ٢٩٩ ضنن.

(٦) أي: الإثم. مجمع البحرين ٢: ٤٧ حوب.

٦٥

يا نفس:

إنك إن سالمت الله سلمت وفزت، وإن حاربت الله خربت وهلكت، وإن أقبلت على الدنيا أدبرت، وإن أدبرت أقبلت، وإنك إن أطعت الله نجاك وأصلح مثواك، وإن أطعت هواك أصمك وأعماك وأفسد منقلبك وأرداك، وإن ملكت هواك قيادك أفسد معادك وأرداك (١)، بلاء لا ينتهي، وشقاء لا ينقضي.

يا نفس:

إنك إن اغتنمت صالح الأعمال نلت من الآخرة نهاية الآمال، وإنك إلى مكارم الأخلاق والأفعال أحوج منك إلى جمع الأموال، وإنك إلى إعراب الأعمال أحوج منك إلى إعراب الأقوال، وإنك إلى اكتساب الأدب، أحوج منك إلى اكتساب الفضة والذهب، وإنك إن رغبت في الدنيا أفنيت عمرك، وأبقيت وزرك، وإن زهدت خلصت من الشقاء، وفزت بدار البقا، فاصبري على البلا، واشكري في الرخاء، وأرضي بالقضا، يكون لك من الله الرضى.

يا نفس:

من كلام سيد الوصيين أمير المؤمنين صلوات الله عليه لرجل سأله الموعظة، ومن رقدة الغفلة أن يوقظه: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل،

(١) في أ: أفسدت معادك وأوردك.
٦٦
ويرجو التوبة بطول الأمل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، إذا أعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي منها الزيادة فيما بقي، ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، إن أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن ناله رخاء أعرض مغترا، يقصر إذا عمل، ويبالغ إذا سئل، يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يزدجر، فهو بالقول مدل، ومن العمل مقل، يناقش فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى، يرى المغنم مغرما، والمغرم مغنما، يخشى الموت، ولا يبادر الفوت، يستعظم عن معصية غيره ما يستقله من معاصي هواه، ويستكثر من طاعته ما يستحقره من طاعة سواه، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، يهوى دارا أولها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها افتتن، ومن افتقر فيها حزن، من سعى إليها فاتته، ومن قعد عنها أتته، من أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته.

فقال عليه السلام: دنياك مثل الشمس تدني إليك الضوء لكن وعرة المسلك، إذا أبصرت إلى نورها تعش وإن تبصر به تدرك.

يا نفس:

إنما الكرم التنزه عن المساوي، والورع التطهر عن المعاصي.

واعلمي: أن آفة العقل الهوى، وآفة النفس الوله بالدنيا، وآفة الطاعة العصيان، وآفة النعم الكفران، وآفة الأعمال عجز العمال، وآفة الآمال حضور الآجال، والبصير من سمع ففكر، ونظر وأبصر، وانتفع بالعبر، والسعيد من خاف العقاب فآمن، ورجا الثواب فأحسن.

٦٧

يا نفس:

إذا كان البقاء لا يوجد فالنعيم زائل، وإذا كان القدر لا يرد فالاحتراس باطل.

واعلمي: أنه بالعفاف تزكو (١) الأعمال، وبالصدقة تفسخ الآجال، وبالطاعة يكون الإقبال، وأن الله إذا أحب عبدا بغض (٢) إليه المال، وقصر منه الآمال، وإذا أراد بعبد شرا حبب إليه المآل، وبسط منه الآمال.

يا نفس:

إنك ستؤاخذين بقولك فلا تقولي إلا خيرا، وتجازين بفعلك فلا تفعلي إلا برا، وأنه بقدر اللذة يكون التغصيص، وبقدر السرور يكون التنغيص، وبالطاعة تحصل المثوبة لا بالكسل، وبالعمل تحصل الجنة لا بالأمل، وبالأعمال الصالحات ترفع الدرجات، وبالتوبة تمحص السيئات، وبادري العمل عمرا ناكسا، ومرضا حابسا وموتا خالسا.

(١) في أ: تركن.

(٢) في ب: أبغض.

٦٨

يا نفس:

حب الرئاسة رأس المحن، وحب المال سبب الفتن، وحب الدنيا يوهن الدين، ويفسد اليقين، وحق يضر خير من باطل يسر، وخير الأعمال ما قضى اللوازم واكتسب شكرا وخير الأموال ما أعان على المكاره واسترق حرا (١)، وخير الناس من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا ظلم غفر، وإذا أحسن استبشر، وإذا أساء استغفر.

يا نفس:

حاصل المعاصي التلف، وحاصل الأماني الأسف، وحاصل التواضع الشرف، ودرك الخيرات، ونيل السعادات، بلزوم الطاعات، والأعمال الزاكيات.

واعلمي: أن دوام الفكر والحذر يؤمن من الزلل والعثر، وأن دوام الاعتبار يؤدي إلى الاستبصار، ويثمر الازدجار، وأن ذهاب البصر خير من عمى البصيرة، وذهاب النظر خير من النظر إلى ما يوجب الجريرة.

يا نفس:

رحم الله امرءا قصر الأمل، وبادر الأجل، واغتنم المهل، وأحسن العمل.

ورحم الله امرءا ألجم نفسه عن معاصي الله بلجامها، وقادها إلى طاعة

(١) في أ: جدا.

٦٩
الله بزمامها.

فردي من طول أملك في قصر أجلك، ولا تغرنك صحة نفسك، وسلامة أمسك، وأن مدة العمر قليلة، وسلامة الجسم مستحيلة.

شعر:

كل حياة إلى مماتوكل ذي جدة تحول
كيف بقاء الفروع يوماوقد ذوت دونها الأصول

يا نفس:

زهدك في الدنيا ينجيك، ورغبتك فيها ترديك، وسبب الشقاء حب الدنيا، وسبب فساد العقل الهوى، وسبب صلاح النفس الورع، وسبب فسادها الطمع.

واعلمي: أن شر الناس: الطويل الأمل، السيئ العمل، الذي ينصر الظلوم، ويعين على المظلوم، وشر الناس من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره.

يا نفس:

شتان بين عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وبين عمل تذهب مؤنته وتبقى مثوبته.

واعلمي: أن شيمة العقلاء قلة الشهوة والغفلة (١)، وسجية الأتقياء اغتنام المهلة والتزود للرحلة، فشقي أمواج الفتن بسفن النجاة، وشوقي نفسك إلى نعيم الجنات، تحبين الموت وتمقتين الحياة.

(١) أي: وقلة الغفلة، وفي ب: والعفة.

٧٠

يا نفس:

طوبى لمن راقب ربه، وخاف ذنبه، وشغل بالفكر قلبه، وطوبى لمن أطاعت نفسه ناصحا يهديه، وتجنبت غاويا يرديه (١)، قصر همته على ما يعنيه، وجعل كل جده لما ينجيه، وطوبى لمن بادر أجله، وأخلص عمله، وقصر أمله، واغتنم مهله، وطوبى لمن كذب مناه وأخرب دنياه لعمارة أخراه، وملك هواه ولم يملكه، وعصى أمر نفسه فلم تهلكه، وطوبى لمن تحلى بالعفاف، ورضي بالكفاف، وتجنب الإسراف، وندم على زلته، واستدرك فارط عثرته، وطوبى لمن بادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه، والعمل الصالح قبل أن تنقطع أسبابه.

يا نفس:

طلب الجمع بين الدنيا والآخرة من خداع النفس، وطالب الخير بعمل الشر فاسد العقل والحس، وطالب الدنيا بالدين معاقب مذموم وضلالة (٢)، وطالب المراتب والدرجات بغير عمل جهالة، وطلب الجنة بلا عمل حمق، وطلب الثناء بغير استحقاق خرق (٣) وطالب الآخرة يدرك منها أمله، ويأتيه من الدنيا ما قدر له، وطالب الدنيا تفوته الآخرة، ولا يدرك من الدنيا إلا الصفقة الخاسرة.

(١) في أ: وطوبى لمن أطاع ناصحا يهديه وتجنب غاويا يرديه.

(٢) في أ: ذو ضلالة.

(٣) في أ: الخرق بالضم: خلاف الرفق، ورجل خرق أي أحمق، قاله المطرزي.

٧١
كتاب محاسبة النفس للكفعمي (ص ٧٢ - ص ٩٣)
٧٢

يا نفس:

على قدر العقل تكون الطاعة، وعلى قدر العفة تكون القناعة، وعند اشتداد القرح، تبدو مطالع الفرح (١)، وعند الامتحان، يكرم الرجل أو يهان، وعلى قدر البلاء، يكون الجزاء، وعند كثرة العثار والزلل تكثر الملامة، وعند معاينة أهوال القيامة تكثر من المفرطين الندامة.

يا نفس:

عجبا لمن خاف البيات (٢) فلم يكف، ولمن عرف سوء عواقب اللذات فلم يعف (٣)، وعجبا لمن يقنط ومعه نجاة الاستغفار، ولمن علم شدة انتقام الله سبحانه وهو مقيم على الإصرار، وعجبا لمن عرف أنه منتقل (٤) عن دنياه، كيف لا يحسن التزود لأخراه، وعجبا للشقي البخيل يتعجل الفقر الذي منه هرب،

(١) في أ، ب جملة: وعند اشتداد القرح تبدو مطالع الفرح، غير واضحة القراءة، فأثبتنا ما استظهرنا.

موافقا للسجع والمعنى، والله العالم.

(٢) في أ: أن يأتيه أمر يهلكه في الليل وهو غافل عنه، وبيتوا العدو: أتوهم ليلا، وقوله (فجاءها بأسنا بياتا) ٧: ٤، أي ليلا، ويبيت فلان على رأيه: إذا فكر فيه ليلا، ومنه قوله: (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) ٤: ١٠٨، والاسم: البيات، وقوله: (والله يكتب ما يبيتون) ٤: ٨١، أي: ما يدرون ويقدرون من السوء، وقوله: (لنبيتنه) ٢٧: ٤٩، أي: لنوقعن به بياتا. أي:

ليلا.

(٣) من العفة، وهي: الكف عما لا يحل ويجمل من المحارم والأطماع الدنية. اللسان ٩: ٢٥٣ عفف.

(٤) في أ: منقل.

٧٣
ويفوته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، وعجبا لمن يتكلم بما لا ينفعه في دنياه، ولا يكتب له أجره في أخراه.

يا نفس:

عودك إلى الحق خير من تماديك في الباطل، وعداوة العاقل خير من صداقة الجاهل، وعبد الشهوة أذل من عبد الرق، ولا يجد أبدا حلاوة العتق (١)، وعبد الحرص مخلد الشقاء، وعبد الدنيا مؤبد البلاء، وقلب متعلق بالشهوات، غير منتفع بالعظات.

يا نفس:

عيشك من الباطل أرضاك، وبالملاهي والهزال أغراك.

واعلمي: أن في ذكر الله حياة القلوب، وفي رضاه غاية المطلوب، وفي الطاعة كنوز الأرباح، وفي مجاهدة النفس كمال الصلاح، وفي العزوب عن الدنيا نيل النجاح، وفي العمل لدار البقاء إدراك الفلاح، ألا وفي كل لحظة أجل، وفي كل وقت عمل، وفي كل نفس موت، وفي كل وقت فوت، وفي كل حسنة مثوبة، وفي كل سيئة عقوبة.

(١) في أ: الرق.

٧٤

يا نفس:

اتق الله تقية من سمع فخشع، واقترف فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، فتدارك فارط الزلل، واستكثر من صالح العمل، فيفوز من أصلح عمل يومه، واستدرك فوارط أمسه، ويا ظفر من غلب هواه، وملك دواعي نفسه، واستصبح بنور الهدى، وخالف دواعي الهوي، وجعل الإيمان عدة معاده، والتقوى خير ذخره وأفضل زاده.

يا نفس:

قليل تحمد مغبته (١)، خير من كثير تضر عاقبته، وقرين الشهوات، أسير التبعات، ورهين السيئات، وما فات اليوم من الرزق ترجى غدا زيادته، وما فات أمس من العمر لم يرج العمر رجعته، فتفكري واعتبري تهتدي، وتزودي للآخرة تسعدي.

يا نفس:

كل طامع أسير، وكل حريص فقير، وكل متوقع آت، وكل جمع إلى شتات، وكل مقتصر عليه كاف، وكل ما زاد على الاقتصاد إسراف، وكل يوم يفيدك عبرة، وإن أصحبته فكرة، وكل قرب (٢) دان، وكل أرباح الدنيا خسران،

(١) أي عاقبته. مجمع البحرين ٢: ١٣٠ غبب.

(٢) في أ: قريب.

٧٥
وكل مدة من الدنيا إلى انتهاء، وكل حي فيها إلى فناء.

يا نفس:

كم من أكلة منعت أكلات، وكم من لذة دنية منعت سني (١) درجات، وكم من مؤمل ما لا يدركه، وجامع ما سوف يتركه، وكم من مغرور بالستر عليه، وكم من مستدرج (٢) بالاحسان إليه، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الظماء، وقائم ليس له من قيامه إلا العناء، وكم من حزين وفد به حزنه على سرور الأبد، وفرح أفضى به فرحه إلى حزن مخلد.

يا نفس:

كيف يملك الورع، من يملكه الطمع؟! وكيف يهتدي الضليل، مع غفلة الدليل؟! وكيف يستطيع الهدى، من يغلبه الهوى؟! وكيف يستأنس بالله من لا يستوحش من الخلق؟! وكيف يجد حلاوة الإيمان من يسخطه الحق؟! وكيف يفرح بعمر تنقصه (٣) الساعات، ويغتر بسلامة جسم معرض للآفات؟!

يا نفس:

كفى بالغفلة ضلالا، وكفى بجهنم نكالا، وكفى بالقناعة ملكا، وكفى

(١) أي: علو. اللسان ١٤: ٤٠٣ سنا.

(٢) في أ: مسترج.

(٣) في ب: منقصة.

٧٦
بالشرة هلكا، وكفى بالقرآن داعيا، وبالشيب ناعيا، وكفى بالتواضع شرفا، وبالتكبر تلفا، وكفى بالرجل سعادة أن يعزف عما يفنى، ويتوله بما يبقى، وكفى بالظلم سالبا للنعمة، وجالبا للنقمة.

يا نفس:

كيف [ تبقين ] على حالتك، والدهر في إحالتك، فكوني لهواك غالبة، ولنجاتك طالبة، وبمالك متبرعة، وعن مال غيرك متورعة، جميلة العغو إذا قدرت، عاملة بالعدل إذا ملكت، لعقلك مسعفة (١)، ولهواك مسوقة، وكوني في الفتنة كابن اللبون لا ضرع فيحلب، ولا ظهر فيركب.

يا نفس:

كذب من ادعى اليقين بالباني (٢)، وهو موصل للفاني، كلا لن يفوز بالجنة إلا الساعي لها، ولن ينجو من النار إلا التارك عملها، ولن يلقى جزاء الشر إلا عامله، ولن يجزى جزاء الخير إلا فاعله، ولن يجوز الصراط إلا من جاهد نفسه، ولن يحرز العلم إلا من يطيل درسه.

يا نفس:

ليس بخير من الخير إلا ثوابه، وليس بشر من الشر إلا عقابه، وليس

(١) أي: معينة. مجمع البحرين ٥: ٧٠ سعف.

(٢) في أ: بالباقي.

٧٧
مع الصبر مصيبة، ولا مع الجزع مثوبة، وليس لمتكبر صديق، وليس لشحيح رفيق، وليس لك بأخ من احتجت إلى مداراته، أو أحوجك إلى مماراته، ليس شئ أعز (١) من الكبريت الأحمر إلا ما بقي من عمر المؤمن، ولا ثواب عند الله أعظم من ثواب السلطان العادل والرجل المحسن.

يا نفس:

لم يوفق من بخل على نفسه بخيره، وخلف ماله لغيره، ومن أصلح نفسه ملكها، ومن أهملها أهلكها، ومن أكرمها أهانته، ومن وثق بها خانته، ومن ملكه هواه ضل، ومن استعبده الطمع ذل، ومن أطاع نفسه قتلها، ومن عصاها وصلها، ومن ملكها علا أمره، ومن ملكته ذل قدره.

يا نفس:

من أخذ بالحزم استظهر، ومن أضاعه تهور، ومن أسرع المسير أدرك المقيل، ومن أيقن بالنقلة تأهب للرحيل، ومن بخل بماله ذل، ومن بخل بذنبه جل، ومن أعجب برأيه ضل، ومن ركب هواه زل، ومن زرع العدوان، حصد (٢) الخسران، ومن عمل للمعاد، ظفر بالسداد، ومن فعل ما شاء، لقي ما شاء.

(١) في ب: أحب.

(٢) في ب: حصل.

٧٨

يا نفس:

من منع برا، منع شكرا، ومن أحقر رمة (١)، اكتسب مذمة، ومن لزم الاستقامة، لم يعدم السلامة، ومن أعطى التوبة لم يحرم القبول، ومن أخلص العمل لم يعدم المأمول، ومن فعل الخير فبنفسه بدأ، ومن فعل الشر فعلى نفسه اعتدى.

واعلمي: أنه لم يضع امرؤ ماله في غير محله، أو معروفه في غير أهله، إلا حرمه الله حمدهم، وكان لغيره ودهم.

يا نفس:

من استقل من الدنيا استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه، ومن حسنت مساعيه، طابت مراعيه، ومن أصلح جوانيه (٢)، أصلح الله برانيه (٣)، ومن كثر تعديه، كثرت أعاديه، ومن طالت غفلته، تعجلت هلكته، ومن أحسن العمل حسنت له المكافاة، ومن نصح فيه نصحته المجازاة، ومن أطاع هواه، باع آخرته بدنياه.

(١) بكسر الراء: العظام البالية. مجمع البحرين ٦: ٧٥ رمم.

(٢) أي: باطنه وسره. اللسان ١٤: ١٥٧ جوا.

(٣) أي: ظاهره وعلانيته. اللسان ٤: ١٥٧ جوا.

٧٩

يا نفس:

من ترقب الخير تسارع إلى الخيرات، ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن أحب الدار الباقية لهى (١) عن اللذات، ومن عرف قدر نفسه لم يهنها بالفانيات، ومن خاف العقاب انصرف عن السيئات، ومن لم يقدم إخلاص النية في الطاعة لم يظفر بالمثوبات، ومن أسس أساس الشر أسسه على نفسه، ومن سل سيف البغي عمد في رأسه.

يا نفس:

من شاور ذوي النهى والألباب، فاز بالنجح والصواب، ومن كتم مكنون (٢) رأيه، عجز طبيبه عن شفائه، ومن أصر على ذنبه، اجترأ على سخط ربه، ومن أكثر من ذكر الآخرة قلت معصيته، ومن كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته، ومن اعتمد على الدنيا فهو محروم، ومن جمع الحرص والبخل فقد استمسك بعمودي اللؤم.

يا نفس:

من لم يجهل (٣) قليلا لم يسمع جميلا، ومن لم يداو شهوته بالترك لها لم يزل

(١) في ب: نهى.

(٢) أي: مستور ومخفي. مجمع البحرين ٦: ٣٠٢ كنن.

(٣) أي: يتغافل.

٨٠