×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محاسبة النفس / الصفحات: ١٤١ - ١٦٠

شعر:

ستندم عند الموت كل ندامةإذا ضم أعضاك الثرى المتضايق
وصرت طريحا في ضريحك مفرداويهجرك الجار القريب الملاصق
فذنبك إن أبضغته فمعانقوما لك إن أحببته فمفارق
وإنك مأخوذ بما قد جنيتهوإنك مطلوب بما أنت سارق

يا نفس:

ما من أحد من العباد، إلا ويناديه قبره: أنا بيت الوحدة والانفراد، فإن كنت ذا ثواب كنت عليك اليوم رحمة، وإن كنت ذا عقاب فأنا عليك اليوم نقمة، أنا الذي من دخلني طائعا خرج مسرورا، ومن دخلني عاصيا خرج مثبورا (١)، ثم يناديه الموتى من جيرانه: أيها الوارد علينا بعد موت إخوانه (٢) أما كان لك فينا عبرة، أما كان لك في تقدمنا إياك فكرة.

يا نفس:

فالسعيد من اعتبر بأمسه واستظهر لنفسه (٣)، والشقي من جمع لغيره وبخل على نفسه بميره (٤).

(١) أي: مهلكا وملعونا. مجمع البحرين ٣: ٢٣٥ ثبر.

(٢) في ج، د: أخدانه.

(٣) في أ: بنفسه.

(٤) قال ابن منظور في اللسان ٥: ١٨٨ مير: الميرة: الطعام يمتاره الانسان.

١٤١

شعر:

أيا جامع المال من جله (١)يبيت ويصبح في ظله
سيؤخذ منك غدا (٢) كلهوتسأل من بعد عن كله

وارثك يأكله هنيئا، طيبا مريئا، يأكله حلالا، وهو كان عليك وبالا، خضت في جمعه لجج البحار، ومفاوز (٣) القفار، ثم لم تؤدي منه الزكاة، ولم تنفقيه في القربات، فكم من باطل جمعتيه، ومن حق منعتيه؟! وإن من أعظم الحسرات، وأكبر البليات، مال لا ينتفع به صاحبه في حياته، وضره بعد وفاته، قد جمع فأوعى، وشد فأدلى، يرى ثواب ماله في ميزان سواه، ووزره يحمله على قفاه، فيا لها من حسرة لا تقال، ورحمة لا تنال.

شعر:

يلج ابن آدم في رزقهكأن رحى الموت لا تطحنه
فكم من حريص على مالهلأعدائه عد وله يخزنه

فمن يزرع خيرا يحصد السلامة، ومن يزرع شرا يحصد الندامة.

بيت:

وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجدذخرا يكون كصالح الأعمال

(١) في ب: من حيلة.

(٢) في أ: غدا منك.

(٣) أي: مهالك. مجمع البحرين ٤: ٣٠ فوز.

١٤٢

يا نفس:

ما شر بشر بعده النعيم، وما خير بخير بعده الجحيم، فكل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار يسير.

واعلمي: أن الغني قلة تمنيك، والرضى بما يكفيك، ومن أطال الأمل أساء العمل، ومن أكثر الرقاد عدم المراد، وتخليص النية من الفساد، أشد على العاملين من طول الاجتهاد.

يا نفس:

ومن العجب أنك، تخافين اللص على مالك، فتستظهرين في حفظ ذلك بإغلاق الباب (١)، وإقامة الحجاب، ورفع الحيطان، وترصيص البنيان، ثم تنسين الموت الذي يدرك بلا طلب (٢)، ويعلق بلا سبب، لا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع، فانظري إلى الموت هل فاتته نفس في مطمح النسر أو مسبح النون (٣).

يا نفس:

أنظري إلى محاسن ما قيل، وذكر في الكنز المذكور في التنزيل: عجبا

(١) في ب: الأبواب.

(٢) في ب: بلا طالب.

(٣) جملة: فانظري إلى الموت هل فاتته نفس في مطمح النسر أو مسبح النون. غير واضحة القراءة في أ و ب، فأثبتنا ما استظهرناه، والله العالم.

١٤٣
لمن أيقن بالقبر (١) كيف يحزن أو يغضب؟! وعجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل أو يلعب؟! وعجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟! وعجبا لمن أيقن بالرزق كيف يترح؟! (٢) وعجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها، يكف يطمئن إليها ويصحبها؟!

شعر (٣):

إذ المرء كانت له فكرةففي كل شئ له عبرة

والتفكر في خلق الله وأمره عبادة جليلة، ففي الحديث: فكر ساعة خير من قيام ليلة، فمن لم يكن كلامه ذكرا فهو لغو، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو، ومن لم يكن سكوته فكرا فهو سهو، فتفكري قبل أن تعزمي، وتدبري قبل أن تهجمي، وشاوري قبل أن تقدمي.

شعر:

دافع الأيام بالفكرةفي يوم الممات
وارض من عيشك بالكسرةوالماء الفرات
فهي تكفيك وتغنيعن جميع الشهوات

(١) في أ: با لقدر.

(٢) أي: كيف يحزن. مجمع البحرين ٢: ٣٤٤ ترح.

وفي ب: كيف ينزع.

(٣) في أ، ب: يا نفس.

١٤٤

يا نفس:

إقبال الدنيا كإلمامة (١) ضيف، أو سحابة صيف، أو زيارة طيف.

بيت:

ومن يصحب الدنيا يكن مثل قابضعلى الماء خانته فروج الأصابع

وفي الخبر: أن عيسى عليه السلام أتته الدنيا، في صورة عجوز هتما (٢)، وتبرجت وتجلت، وبأحسن الحلي تحلت، فقال لها: كيف أزواجك إذا فارقوك، أماتوا عنك أم طلقوك؟ فقالت: بل قتلتهم بمضرتي (٣)، وأدخلتهم في غرتي، فقال: تبا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين.

بيت:

إنما الدنيا فناءليس للدنيا ثبوت (٤)
إنما الدنيا كبيتنسجته العنكبوت
إنما يكفيك منهاأيها العاقل (٥) قوت

(١) أي: كنزول. مجمع البحرين ٦: ١٦٥ لمم.

(٢) الهتماء: التي انكسرت ثنيتها: اللسان ١٢: ٦٠٠ هتم.

(٣) في ب: بمضربي.

(٤) في أ:


إنما الدنيا بلاءليس فيها من ثبوت

(٥) في أ. المغرور.

١٤٥

ولعمري عن قريب (١)كل من فيها يموت

يا نفس:

أراك تفرحين كل يوم (٢) بزيادة (٣) مالك، ولا تحزنين لنقصان (٤) عمرك وصالح أعمالك، وما ينفع مال يزيد وعمر ينقص، وإثم يدوم (٥) ونعيم يخلص.

شعر:

حياتك أنفاس تعد فكلمامضى نفس منها انقضت به جزء

وما أقبح بك يأتيك اليسير من الدنيا فتفرحين، ويفوتك الكثير من دينك فلا تحزنين.

بيت:

أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضيودينك منقوص ومالك وافر (٦)

(١) في أ: عن قليل.

(٢) في أ: أراك كل يوم تفرحين.

(٣) في ج، د: لزيادة.

(٤) في أ، ج، د: بنقصان.

(٥) في د: وعمر ينقص ولم يدم.

(٦) في ب: زاخر.

١٤٦

يا نفس:

في الحديث المشهور، والخبر المأثور (١): إن العبد إذا بلغ أربعين، من مدة عمره من السنين، ناداه مناد من عند الجليل (٢): قد دنا الرحيل، فأعد الزاد، ليوم المعاد، ويؤمر حافظاه بالتحقيق عليه والاحصاء، والمناقشة والاستقصاء.

وفي حديث آخر: إن لله ملكا ينادي كل ليلة: يا أبناء الستين، عدوا أنفسكم في الموتى ولو بعد حين، وقد حكم سيد البرايا، أن ما بين الخمسين إلى الستين مبدأ اعتراك المنايا.

شعر:

ما عذر من جر عاريا رسنهما عذره بعد أربعين سنة
أكل ما طالت الحياة بهأطال عن أخذ حذره وسنه

فعلام يا نفس الإهمال، عن صالح الأعمال، وقد لهزك القتير، ووافاك النذير؟!

شعر:

وما أقبح التفريط في زمن الصبافكيف به والشيب للرأس شامل

(١) في ج، د: في الحديث المأثور والخبر المشهور.

(٢) في أ: الخليل.

١٤٧

يا نفس:

ومن العجب أنك تبذلي الهدايا الجزيلة، والتحف النبيلة، من الملابس والمطاعم، مما تستحسنه الأكابر والأعاظم: من برد يمني، أو ديباج رومي، أو خز سوسي، أو حرير صيني، أو جوخ (١) نبطي، أو صوف قبرصي، أو بساط أرمني، أو سكر أهوازي، أو عسل أصفهاني، أو شهد كسرواني، أو مسك نبني، أو عنب شجري، أو عود صندلي، لتبتغي بذلك جزاه، وزيادة الأبهية (٢) والجاه، وليس فعلك ذلك لله، ثم قد تذهب هديتك عليك مجانا (٣)، ولا ترين من المهدي إليه إحسانا، وأنت مع ذلك لا تهدين إلى المسكين والفقير، ولا تجبرين قلب الحزين الكسير، ولا تلفين إلى اللطيف الخبير، بل لو دعاك الفقير إلى مائدته لأبيت، ولو دعاك الغني لبيت، وقد يحسن لك هديتك في إحسانه أكثر، ومنته عليك عند الناس أكبر، هذا مع خلوك من الثواب الجزيل، والأجر النبيل، وكونه سبحانه يحاسبك على هديتك على القليل والكثير، ويناقشك على الفتيل (٤) والنقير، وتحملين وزر هديتك على قفاك، لأنك لم تجعليه لله الذي خلقك فسواك، فبالله إلا ما اشتريت نفسك من العذاب المهين، بالاحسان إلى الفقير والمسكين، واذكري (يوم يتذكر الانسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى * فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة

(١) في ب: أو جوج.

(٢) أي: العظمة والكبرياء. مجمع البحرين ٦: ٣٣٩ أبه.

(٣) بالتشديد أي: بلا بدل مجمع البحرين ٦: ٣١٤ مجن.

(٤) وهو: قشر يكون في بطن النواة، وهو مثل للقلة. مجمع البحرين ٥: ٤٣٩ فتل.

١٤٨
هي المأوى) (١)، وبالله إلا ما تتنزهي عن الوقوف في خدمة الأغنياء، ومعاشرة أهل السمعة والرياء، فإن في فعل ذلك ذهاب ثلثي دينك، وضعف قوة يقينك، وذلك لمدحك إياهم باللسان، وخدمتك إياهم بالدركان (٢)، ولو اعتقدت فيهم بالجنان، لذهب منك كل الإيمان، كما ذكره سيد ولد عدنان، عليه وآله الصلاة والسلام ما كر الجديدان (٣).

يا نفس:

إذا سرك أن تذوقي حلاوة عبادة الحميد المجيد، فاجعلي بينك وبين شهوات الدنيا حائطا من حديد، واعلمي: أن الصبر على طاعته أهون من الصبر على عذابه الشديد، فالمداوي جرحه يصبر على الدواء، مخافة من طول الداء، فاصبري على عمل لا غنا لك عن ثوابه، وعن عمل لا صبر لك على عقابه.

يا نفس:

لو علمت قدر بأس الله وعذابه، ونكاله وعقابه، ما رقى لك دمع، ولا عمر لك ربع.

واعلمي: أن أعقل الناس محسن وهو يعد نفسه من الخائفين، وأجهلهم مسئ وهو يعدها من الآمنين، وإياك أن تكون الدنيا همك، فيكثر في الآخرة

(١) النازعات ٧٩: ٣٥ - ٤١.

(٢) أي: بالاتباع واللحوق. مجمع البحرين ٥: ٢٦٤ درك.

(٣) أي: ما رجع الليل والنهار. مجمع البحرين ٣: ٤٧١ كرر و ٢٣ جدد.

١٤٩
غمك، وليكن تأسفك على ليل نمته، ويوم أفطرته، وآن غفلت عن ذكر الله تعالى فيه وسوفته.

شعر:

المرء مرتهن بسوف وليتنيوهلاكه في الليت والتسويف

يا نفس:

علام وسعت قصرك، وضيقت قبرك، فرفعت الطين، ووضعت الدين.

شعر:

أما بيوتك في الدنيا فواسعةفليت قبرك بعد الموت يتسع

واعلمي: أن الدنيا والآخرة ضرتان، وهما ككفتي الميزان، فإن رجحت إحداهما خفت الأخرى، فانظري الأولى بك والأحرى.

يا نفس:

ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، إنما الخائف الذي يترك ما يخاف أن يعذب عليه، واعلمي أن الدنيا دار ممر، لا دار مقر.

بيت:

أحلام يوم أو كظل زائلإن اللبيب بمثلها لا يخدع

١٥٠
والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها (١)، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها.

يا نفس:

في الحديث: من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان غده شرا من يومه (٢) فهو ملعون، ومن أحب المكارم، اجتنب المحارم، ومن غمس يده في المكاره، سيق إلى النار وهو كاره، والجنة مضمونة لمن أمسك ما بين فكيه، وأطلق ما بين كفيه.

يا نفس:

لو نظر إليك وجوه أهل الأرض، ذات الطول والعرض، لأبيت إلا أن يروك (٣) على ما تحبين، ولا يروك على ما تكرهين، فكيف برب العالمين، فلا تغرنك دنيا كالحية لين مسها، شديد نهشها، يحذرها العاقل، ويهوي إليها الجاهل.

بيت:

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفتله عن عدو في ثياب صديق

(١) أي: فأهلكها. مجمع البحرين ٥: ٢٤٣ وبق.

(٢) في ب: من أمسه.

(٣) في أ، ج، د: لأحببت أن يروك.

١٥١

يا نفس:

هول لا تدرين متى يغشاك، لم لا تستعدين له قبل أن يفجاك.

بيت:

وما الموت إلا سارق دق شخصهيصول بلا كف ويسعى بلا رجل

واعلمي: أن غاية كل متحرك سكون، ونهاية كل متكون تكون، وإذا الدهر أعار، فاحسبيه قد أغار.

شعر:

إذا حيوان كان طعمة ضدهتوقاه كالفأر الذي يتقي الهرا
ولا شك أن المرء طعمة دهرهفما باله يا ويحه يأمن الدهرا

يا نفس:

من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة، وطلاق الدنيا مهر الآخرة، والزاهد في الدنيا كلما ازدادت له تجليا، ازداد عنها توليا، واعلمي:

أنك لن تكسبي في الدنيا شيئا فوق معيشتك إلا كنت فيه خازنة (١) لورثتك، يكثر به في الدنيا نصيبك ويقل ثوابك ويحظى به وارثك ويطول حسابك، فخذي

(١) في ب: حارسة.

١٥٢
من ممرك لمقرك، ولا تهتكي أستارك عند من لا تخفى عليه أسرارك.

يا نفس:

أوحى الله إلى الدنيا: من خدمك فاستخدميه، ومن خدمني فاخدميه، واعلمي: أنه ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، ولا جرم أن المال يفنى، والبدن يبلى، والأعمال تحصى، والذنوب لا تنسى.

شعر:

ومن ينفق الساعات في جمع مالهمخافة فقر فالذي فعل الفقر

يا نفس:

اتخذي تقوى الله صناعة، تأتك الأرباح من غير بضاعة. فإن التقوى حرز من المهلكات واق، وكنز من المحيى والممات باق، من اتخذها صاحبا كانت له في ظلم القيامة نورا، ومن نبذها جانبا ركب من الندامة مركبا عثورا.

بيت:

تزود من التقوى فإنك راحلوبادر فإن الموت لا شك نازل
وإن امرأ قد عاش خمسين حجةولم يتزود للمعاد فجاهل

* * *

١٥٣
كتاب محاسبة النفس للكفعمي (ص ١٥٤ - ص ١٧٣)
١٥٤

يا نفس:

فالأخلاق السعيدة والأفعال الحميدة، تكتسب بالعادة، والرياضة والإفادة، ومثاله: أنه من أراد أن يصير (١) في النسخ حاذقا، وفي الكتابة فائقا، فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد هذه الخصلة الجميلة، ويواظب عليها مدة طويلة، فإذا طال عليه النسخ وضعا، صدر منه حسن الخط طبعا.

يا نفس:

وكذلك من أراد أن يكون فقيها، وكره أن يكون سفيها، فلا طريق إلا بتعاطي أفعال (٢) الفقهاء، وتكرار أقوال العلماء، وكذلك من أراد أن يصير عفيفا حليما، ومتواضعا كريما، لزمه أن يدأب (٣) نفسه في التخلق بآدابهم، والتعلق بأسبابهم.

يا نفس:

إذا أردت أن تقفين على عيوب نفسك، فخذيها من ألسنة أعدائك لا من ألسنة أحبائك وأوليائك، ولو سمعت صفتك عن غيرك لمقتيه، إذا كنت لا

(١) في ج: أن يكون.

(٢) في د: أقوال.

(٣) أي: يعود. مجمع البحرين ٢: ٥٤ دأب.

وفي ب: يؤدب.

١٥٥
تدرين من الموصوف وبغضتيه، ولعل انتفاع الانسان بعدو يذكر معائبه، أكثر من انتفاعه بصديق يشهر مناقبه، فعن علي عليه السلام: جهل المرء بعيوبه، من أكبر ذنوبه، فمن داهنك (١) يا نفس في عيبك، عابك في غيبك.

يا نفس:

إن محبتك لنفسك، ونسيانك لرمسك (٢)، قد أصمك وأعماك، وأضلك وأرداك، لأن الانسان إذا أحب الشئ أغمض (٣) عن مواضع عيوبه كأنه لا ينظرها، وأعرض عن المقابح من ذنوبه كأنه لا يسمعها، فصار من هذا الوجه كالأعمى لتغاضيه، والأصم لتغابيه.

بيت:

فعين الرضا عن كل عيب كليلةكما أن عين السخط تبدي المساويا

يا نفس:

جاهدي نفسك على أربعة أقسام: قلة القوت من الطعام، والغمض من المنام، وترك إكثار الكلام، واحتمال الأذى من الأنام، فإنه يتولد من قلة الطعام موت الشهوات، ومن قلة المنام صفو الإرادات، ومن قلة الكلام السلامة من

(١) المداهنة: المصانعة واللين. اللسان ١٣: ١٦٢ دهن.

(٢) أي: قبرك. مجمع البحرين ٤: ٧٦.

(٣) في أ، ب، ج: أغضى.

١٥٦
الآفات، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات.

يا نفس:

الدنيا يجمع لها من لا عقل له، وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له، ولها يسعى من لا يقين له.

شعر:

نرقع دنيانا بتمزيق ديننافلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
فطوبى لعبد آثر الله ربهوجاد بدنياه لما يتوقع

يا نفس:

دعي المساخرة والمشاجرة، وصومي عن الدنيا تفطري بالآخرة (١)، فإن رأس مال الدنيا الهوى، وربحها لظى (٢)، تقرب المنية، وتبعد الأمنية.

شعر:

ومن يجمد الدنيا لعيش يسرهفسوف لعمري عن قليل يلومها (٣)
إذا أدبرت كانت على المرء حسرةوإن أقبلت كانت كبيرا همومها (٤)

(١) في ج، د: والتذي بالآخرة.

(٢) اللظى: اللهب الخالص، ولظى غير مصروفة: اسم لجهنم. المفردات ٤٥٠ لظى.

(٣) في ج، د: غمومها.

(٤) في د: سمومها.

١٥٧

يا نفس:

لو أن الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان ينبغي لك أن تختاري ما يبقى على ما يفنى، فكيف وقد اخترت خزفا يفنى على ذهب يبقى؟!.

بيت:

هب الدنيا تساق إليك عفواأليس مصير ذاك إلى انتقال
وما دنياك إلا مثل فيءأظلك ثم آذن بالزوال

يا نفس:

الدنيا دار خراب وأخرب منها قلب من يشيدها ويخطبها، والجنة دار عمران وأعمر منها قلب من يريدها ويطلبها، فبيعي دنياك بآخرتك تربحيهما، ولا تبيعي آخرتك بدنياك تخسريهما.

شعر:

يا خاطب الدنيا إلى نفسهاتنح عن خطبتها تسلم
إن التي تخطب غدارةقريبة العرس من المأتم

يا نفس:

إذا سألت الله الدنيا فإنما تسأليه طول الوقوف، يوم الحشر الموصوف،

١٥٨
هذا سوى ما يقاسيه أصحاب (١) الأموال في الدنيا من الخوف والحزن، وتجشم المصاعب في الحفظ والخزن، ودرياق الدنيا (٢) ما قصد به المراضي والمثوبات، وما صرف إلى الجيران والقرابات، وما أعطي في الزكوات والصدقات، وما عدا ذلك سموم وآفات.

بيت:

يا أهل لذات دنيا لا بقاء لهاإن اغترار بظل زائل حمق

يا نفس:

لا تفرحي بما أتاك، ولا تأسي على ما فاتك من دنياك، ففرحك إنما هو بموجود لا يتركه في يدك الموت، وأسفك إنما هو على مفقود لا يرده عليك الفوت، وإذا قد علمت أن رزقك لا يأكله غيرك فلم به تهتمين؟! وأن عملك (٣) لا يعمله غيرك فلم بغيره تشتغلين؟! وأن الموت يأتيك على بغتة فلم لا إلى الطاعة تبادرين؟! وأنك بعين الله على كل حال فعلام منه لا تستحين؟! وإياك أن يراك الله حيث زجرك، أو يفقدك حيث أمرك.

يا نفس:

إن لم تقنعي بالقليل، وطلبت المال الجزيل، ساهمت النصارى واليهود

(١) في ج، د: أرباب.

(٢) أي: دواء الدنيا. اللسان ١٠: ٣٢ ترق.

(٣) في ب: وأن عملا.

١٥٩
الأرجاس (١)، ومن لا دين له ولا عقل من الناس، وإن قنعت بالحقير، ورضيت باليسير، ساهمت الأولياء في رتبتهم، والأنبياء في منزلتهم.

يا نفس:

إن كان لا يغنيك ما يكفيك، فكل ما في الأرض ما يغنيك (٢)، وأقل ما في الخطر في جمع المال يوم المقام، أن يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مائة عام.

بيت:

سر من عاش ما له فإذاحاسبه الله سره الإعدام

يا نفس:

إذا اثني عليك بالصلاح والورع، وعدم الرياء والطمع، وأنت تعلمين خبث سريرتك، وعظم جريرتك، كان ذلك من غاية جهالتك، ونهاية سفاهتك، وكنت كمن يهزء بإنسان ويقول له: يا فلان ما أكثر العطر الذي في أحشائك، وما أطيب الروائح الأرجة التي تفوح من أمعائك، وذلك إذا قضى من الغائط حاجته، ومن البول أمنيته، وهو يعلم ما اشتمل عليه قلبه من الشر والفتنة،

(١) في ب: والأرجاس.

(٢) في أ، ج، د:

شعر:

إن كان لا يغنيك ما يكفيكفكل ما في الأرض ما يغنيك

١٦٠