×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

محاسبة النفس / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

واحتوت عليه أمعاؤه من الأقذار والنتنة.

يا نفس:

إياك والعجب وهو: استعظام العمل الصالح والنظر إلى استكثاره، والابتهاج به والميل إلى استكباره، فهو يوقع في مهاوي الهلكات، ناقل للعمل الصالح من كفة الحسنات إلى كفة السيئات، ومن رفيع الدرجات إلى أسفل الدركات، فكم من عبادة أفسدها العجب، وإذا أفسدها العجب لم يقبلها الرب، فعن علي عليه السلام: سيئة تسوء عاملها، خير من حسنة تعجب فاعلها، وفي الحديث: ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بعمل صالح صنع.

يا نفس:

وكيف تعجبين بقيام بعض ليلة، ولا تنظرين إلى نعم الله الجزيلة وأياديه الجميلة، لو قست أكثر عملك على التقدير، بأقل نعمة من نعم اللطيف الخبير، لم تجديه وافيا باليسير، ولا ناهضا بعشر العشير، ألا تنظرين إلى صاحب العبادة الطويلة، كيف باعها بشربة وبولة.

يا نفس:

وأنت ترين الأجير يعمل طول النهار بدرهمين، والحارس يسهر جملة الليل بدانقين، وإذا صرفت الفعل إلى الملك العلام، وصمت يوما من الأيام،

١٦١
أو تهجدت ليلة في جنح الظلام، لأعد لك ما لا تحصره الأقلام، ولا تبلغه خطرات الأنام، بل لو سجدت لله سجدة حتى يغشاك فيها النعاس، باهى الله بك الملائكة فأين القياس؟ فهلا تنظرين إلى يومك الذي قيمته درهمان مع احتمال التعب العظيم، كيف صار له هذه القيمة بالنسبة إلى طاعة الرب الكريم؟!

وكم زمان السجدة، مع ما حصل فيها من الغفلة والرقدة، لكن لما نسبت السجدة إلى الملك الجبار، بلغت قيمتها من النفاسة والجلالة هذا المقدار

يا نفس:

فحقيق عليك أن تقصري من أملك، وترين حقارة عملك، ففي:

الحديث من مقت نفسه وألزمها الندامة، آمنة الله تعالى من فزع يوم القيامة، وروي: أنه إن يبيت أحدكم نادما على ذنوبه وأفعاله، خير له من أن يصبح مبتهجا بصالح أعماله، ونائم مقر بذنبه، خير من مصل مدل على ربه.

يا نفس:

فعليك بتحصين عملك من العجب والرياء، والغيبة والكبرياء، فالعجب هلاك، والرياء إشراك، والغيبة قوت كلاب الجحيم، والكبر مصيدة إبليس الرجيم، والعجب ممن يدخله العجب والكبر، والتبختر والفخر، وأوله نطفة، وآخره جيفة.

شعر:

ما بال من أوله نطفةوجيفة آخره يفخر

١٦٢
وفي الحديث: من رفع نفسه قال ملكاه: اللهم ضعه، ومن وضعها قالا: اللهم أرفعه.

يا نفس:

وعليك بالذكر، والحمد والشكر، فإنه يرفع البلاء الحاصل، ويدفع السوء النازل، وفي الحديث: ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة وندامة، ووبالا يوم القيامة، وأنه من شغله ذكر الله عن مسألته، أعطاه الله أفضل ما يعطي السائلين من أمنيته، وأنه في كل حاله، لا تصيبه منيات السوء ولا تناله، وأنه ينير البصائر، ويؤنس الضمائر، وأنه شيمة كل مؤمن، ولذة كل موقن، وأنه دعامة الإيمان، وعصمة من الشيطان.

يا نفس:

وعليك بالاستغفار خصوصا في الأسحار، فقد روي: أنه من أكثر الاستغفار رفعت صحيفته وهي تتلألأ بالأنوار، وجعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، فعودي نفسك الاستتار، في الذكر (١) والاستغفار، تمحى عنك الحوبة، وتعظم لك المثوبة، فمن تعطر بأرياح استغفاره، لم ينفضح من نتنة إصراره على أوزاره، ومن قبل فم الشهوات عضته أسنان الندامة، ومن تلفع بأردية التقوى اعتنقته (٢) أكناف السلامة، فانتهبي زمانك قبل الزمن، ولا

(١) في ب: فعودي نفسك الاستتار والذكر.

(٢) في ب: كشفته.

١٦٣
تغتري بالدنيا فإنها خضراء الدمن، واقعدي (١) مقعد صدق وانظري عند من، إن الدنيا تعطي تفاريق وتسترجع جملا، وترضي أفاويق وتعظم عجلا.

شعر:

خطبت يا خاطب الدنيا مشمرةفي ذبح أولادها الغيد الغرانيق (٢)
كم من ذبيح لها من تحت ليلتهازفت إليه بمعزاف وتصفيق

يا نفس:

[ أترين ] من استؤجر على إصلاح آنية من الدر، وشرط له على ذلك شيئا من الأجر، وكان الشارط إذا وعد وفى، وإذا توعد عفى، فجاء الأجير إلى الآنية وكسرها بعهده (٣)، وأفسد مصالحها بجهده (٤)، ثم جلس على الباب ، ينتظر الأجر والثواب، بزعم أن المستأجر كريم وهاب، أفتراه العقلاء في انتظاره متمنيا مغرورا، أم راجيا مأجورا؟ هيهات أنه (ليس للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى) (٥)، وما أجهل من يتوقع المغفرة مع الإصرار، وما أسفه من يتمنى العفو مع ملازمة الأوزار.

(١) في أ: واطلي.

(٢) الغيد: النعومة، والغرانيق جمع غرنوق وهو: الأبيض الشباب الناعم الجميل. اللسان ٣: ٣٢٨ غيد و ١٠: ٨٦ غرنق.

(٣) في أ: بعمده.

(٤) في ج، د: وكسرها إذ باشرها، وأفسد باطنها وظاهرها.

(٥) النجم ٥٣: ٣٩ - ٤٠.

١٦٤

يا نفس:

لا تكوني كالذي يسبح الله ويهلله مائة مرة في أول تذكاره، ثم يغتاب المسلمين ويمزق أعراضهم بسائر نهاره، فهو أبدا يتأمل (١) في فضائل تسبيحاته وتهليلاته، ولا يلتفت إلى ما ورد من عقوبة نميماته وغيباته، ولعمري لو كان الكرام الكاتبون يطلبون منه أجر التسبيح، وما يكتبونه من هذيانه القبيح، لزاد أجر هذيانه على ثوابه، ونقصت مدة حسناته (٢) عن مدة عقابه.

بيت:

متى يبلغ البنيان يوما تمامهإذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

يا نفس:

وأي عاقل يبدل البر بالجفا، أو يستكف (٣) النار بالحلفاء (٤).

شعر:

واللوزة المرة إن تبصريفسد بالطعم (٥) بها السكر

فالغيبة تحرق الحسنات، وتبطل الطاعات.

(١) في ب: لا يتأمل.

(٢) في ج، د: حسابه.

(٣) في أ: أو يكشف.

(٤) الحلفاء: نبات حمله قصب النشاب. اللسان ٩: ٥٦ حلف.

(٥) في ب: في الطعم.

١٦٥

شعر:

احذري الغيبة فهي الفسق لا رخصة فيهإنما المغتاب كالآكل من لحم أخيه

وهي تأكل الأجر والثواب، كما تأكل النار يابس الأحطاب، بل هي أحرق من النار في الحليج (١)، وأضر من الثلج بالمفاليج.

يا نفس:

الطاعة مع عدم الإيمان لا ترفع، والعلم بغير العمل لا ينفع، ومثاله:

مريض عظم داؤه، وعز شفاؤه، فأعلمه طبيب حاذق، بدواء موافق، وفصل له أخلاطه، ومقاديره (٢) وأشراطه، فكتبه المريض بنسخة مليحة، وقرأه قراءة صحيحة، غير أنه مال إلى إهماله، ولم يشتغل بشربه واستعماله، [ أفترين ] علمه به من غير عمل يداويه، ومن شدة مرضه يشفيه؟ هيهات لو كتب منه ألف نسخة في ألف قرطاس، وعلمه كافة الناس، لم يشف من مرضه، ولم ينل شيئا من غرضه، دون أن يشتري الدواء، ويقدم الاحتماء، ثم يشربه في وقته وأوانه، بعد خلط أخلاطه وصحة أوزانه.

(١) وهو: القطن المندوف. اللسان ٢: ٢٣٩ حلج.

(٢) في أ، ب: وتقاديره.

١٦٦

يا نفس:

وهكذا الفقيه الذي أحكم علم الطاعات ولم يعملها، وأتقن معرفة (١) الأخلاق المحمودة وأهملها، قال الله تعالى: (قد أفلح من زكاها) (٢) ولم يقل:

قد أفلح من يعلم كيفية تزكيتها ومعناها، فعلم بلا عمل، كحمل على جمل، فكوني يا نفس عاملة، ولا تكوني حاملة، ولا تكوني كمن ينقل الوسوق (٣) من السوق، ويحمل الشهد ولا يذوق، وعلم بلا عمل كشجر بلا ثمر، وقوس بلا وتر.

بيت:

ترجو النجاة ولا تسلك مسالكهاإن السفينة لا تجري على اليبس

يا نفس:

العلم في صدور الكسالى كشموع تلمع من بين يدي الضرير المحجوب، أو كعروس (٤)، تزف إلى الخصي المجبوب، فمن الغبن يا نفس أن تري المياه جارية، ثم [ تموتين ] صادية (٥).

(١) في ب: وأيقن بمعرفة.

(٢) الشمس ٩١: ٩.

(٣) أي: الحمل. اللسان ١٠: ٣٧٩ وسق.

(٤) في أ، ب: أو كشموع، وما أثبتناه من ج، د، وهو الأنسب.

(٥) أي: عطشانة. مجمع البحرين ١: ٢٦٢ صدى.

١٦٧

بيت:

كالعير في البيداء تشتكي الظمأوالماء فوق ظهورها محمول

ومن الخسران يا نفس جزار يأكل الميت، ومكي لا يزور البيت.

يا نفس:

إن تأخير العمل عن العلم حبس الماء عن النبت، والترخص في العمل حيلة أصحاب السبت، فلا تكوني كالجمل الطليح (١) يتجشم (٢) لغيره أسفارا، أو كمثل الحمار يحمل أسفارا، وفي الحديث: أعظم الناس عذابا يوم القيامة ظالم لم يقلع عن ظلمه، وعالم لم ينتفع بشئ من علمه، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.

واعلمي: أن العلم والعبادة لأجلهما خلقت الأرضون والسماوات، وأرسلت الرسل بالبينات، فالعلم بمنزلة الشجرة، والعبادة بمنزلة الثمرة، فلو لم تكن لهذه الشجرة ثمرة في الوجود، لم تصلح إلا للوقود، للكفعمي مؤلف الكتاب عفي الله تعالى عنه.

بيت:

إذا المرء مع إيمانه ليس عاملابشئ من الخيرات تلفاه خائنا
وذلك مثل السفن في البحر تلقهاجوار وفي غير البحار سواكنا

(١) من الطلاحة التي هي: الاعياء. العين ٣: ١٧٠ طلح.

(٢) أي: يتكلف. مجمع البحرين ٦: ٢٩ جشم.

١٦٨

يا نفس:

ليس الفقيه من استفاد وأفاد، بل الفقيه من أصلح المعاد، ولا العالم من أفتى ودرس، بل العالم من تستر بالورع وتترس، ولا المجتهد من بنى (١) أساس الملة، على قياس العلة، بل المجتهد من شغله الحق عن المنع والتسليم، واكتفى بعلم الخضر عن علم الكليم، وارعوى بمسؤولات الحشر، عن المقولات العشر فلا تحسبي المتشبه بالفقيه فقيها، فليس ذو الوجهين عند الله وجيها.

يا نفس:

مثل العالم بالله وأسمائه، وصفاته وآلائه، وهو يقصر في طاعته ويضجع، ويهمل أوامره ويضيع، كمثل من أراد خدمة رئيس، أو ملك نفيس، فعرف الملك وأخلاقه، وطبعه وأعرافه، فقصد خدمة جنابه، والتعلق بأسبابه، إلا أنه ملابس لجميع ما يبغضه ويشناه (٢)، وعاطل من جميع ما يحبه ويهواه، أما كان كل عاقل يحكم بجهالته، وعظم سفاهته، ولا يتصور أن يعرف الأسد عاقل ويعرف أوصافه، إلا وهو يتقيه ويخافه، فعنه عليه السلام: من ازداد علما ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلا بعدا.

(١) في ب: بين.

(٢) في ج، د: ويشاه.

١٦٩

يا نفس:

كيف تحبي لقاء الله وأنت تعصينه، فلو عصيت آدميا ما اشتهيت أن تلقينه.

شعر:

تعصي الإله وأنت تظهر حبههذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعتهأن المحب لمن يحب مطيع

فإياك وملازمة هوى الشيطان، ومجانبة رضى الرحمن، فإنه يصرع الرجال، ويقطع الآجال (١)، ويزيل النعم، ويطيل الندم.

يا نفس:

كل إثم اقترفتيه في سر أو علانية فهو عليك مرقوم، وكل شئ يشغلك عن مراضي ربك فهو عليك مشئوم، فعنه عليه السلام: إن العبد (٢) إذا خلا فاستحيى من الله أن يعصيه، ورضي باليسير مما قسم له فيه، رزقه الله في الآخرة حسن المآب، وأنبت له جناحين يطير بهما إلى الجنة بغير حساب.

(١) في ب: الآمال.

(٢) لفظ: إن العبد، لم يرد في أ، ب، وأثبتناه من ج، د، لعدم استقامة المعنى بدونه.

١٧٠

يا نفس:

إن الله خلق الآفة وجعل النطق مثارها (١)، وقدر السلامة وجعل الصمت مدارها، فالصمت يلزمك السلامة، ويؤمنك الندامة، واللسان قليل الخير، وغير مأمون الغير، والصمت سلم الخلاص، والنطق يحبس الهزار (٢) في الأقفاص، واللفظ شين (٣) المحافل، والجرس آفة القوافل، خير القوس المكتوم، وخير الشراب المختوم، رنين القسي يطرد الظبا، ووسواس الحلي يوقظ الرقبا، وفرسان الكلام يوم القيامة مشاة، والمتجملون بزخارف العبارات عراة.

يا نفس:

فما اللسان إلا سبع صوال فقيديه، أو صارم مسلول فاغمديه، وسيأتي يوم يندم فيه الفصيح، والطير الذي يصيح، ولو كان سحبان (٤) عاقلا، لتمني أن يكون باقلا (٥)، وأجبن الفرسان، من حارب باللسان، وأحمس (٦) الكماة،

(١) في ب: منارها.

(٢) بفتح الهاء: العندليب والجمع العنادل، والبلبل يعندل: إذا صوت. حياة الحيوان ٢: ٨٢.

(٣) وهو خلاف الزين، أو العيب. اللسان ١٣: ٢٤٤ شين.

(٤) هو: سحبان بن زفر بن أياس الوائلي من باهلة، خطيب وفصيح يضرب به المثل في البيان، اشتهر في الجاهلية وعاش زمنا في الاسلام، وكان إذا خطب يسيل عرقا ولا يعيد كلمة، ولا يتوقف ولا يقعد حتى يفرغ. الأعلام للزركلي ٣: ٧٩.

(٥) هو: بأقل الأيادي، جاهلي يضرب بعيه المثل، قيل اشترى ظبيا بأحد عشر درهما فمر بقوم فسألوه بكم اشتريته؟ فمد لسانه ومد يديه، يريد أحد عشر، فشرد الظبي وكان تحت إبطه، والمثل - " أعيى من بأقل " - مشهور. الأعلام للزركلي ٢: ٤٢، والمنجد في الأعلام: ١١٣.

(٦) في ب: وأحسن.

١٧١
من استعان على قرنه بالصمات، ولو صمت الكليم لعلم العجائب، ولو سكت يوسف لعصم من النوائب، وحصائد الألسنة قد تزرع العداوة، وطيارات الكلم قد تطير العلاوة. فخدش اللسان ثلمة لا تنسد، والكلام كالنبل إذا طار لا يرتد.

بيت:

رأيت اللسان على أهلهإذا ساسه الجهل ليثا (١) مغيرا

يا نفس:

وعليك بالعزلة والانفراد، في طاعة المهيمن الجواد، فإن العزلة توقر الغرض وتستر الفاقة، وترفع عنك ما ليس لك به طاقة، والتخلي (٢) للعبادة دليل على الفضل، والصبر على الوحدة علامة قوة العقل.

بيت:

في عزلة المرء عن كل الورى نعمأقلها أنه خال من الكلف
يرضى القناعة مسرورا بوحدتهإذا تنازع أقوام على الجيف

يا نفس:

لازمي الوحدة فإنها أسلم جانبا، ونادمي الكتب فإنها أكرم صاحبا.

(١) في ج، د: لبنا.

(٢) في أ: والتحلي، وفي ب: والتجلي، وما أثبتناه من ج، د، وهو الأنسب.

١٧٢

شعر:

فطوبى لمستجلس (١) بيتهقنوع له بلغة كافية
نداماه دون الورى كتبه (٢)لا إثم فيها ولا لاغية
فمن شره الناس في راحةومن شرهم نفسه ناجية

يا نفس:

متى فتشت أحوال العالم وجدت الصالح منها ذا لونين، فإن ذقتيه وجدتيه ذا طعمين، فإن قلبتيه وجدتيه ذا وجهين، فإذا استنطقتيه وجدتيه ذا لسانين، فإن كشفتيه وجدتيه ذا طبعين، وتجدين الأنام، كالأنعام: قلوبهم لاهية، ومجالستهم لاغية، والفاحشة فيهم فاشية، فتنحي عنهم ناحية، [ تجدين ] الأمن والعافية.

شعر:

إن أردتي سلامة وفلاحاالزمي الصمت ثم كوني وحيدة
إنما الإثم في مخالطة الخلقفدعيها لكي تصيري سعيدة
كل نفس تعاشر الناس تلفىعند أهل التحقيق غير رشيدة
وانبذي جيفة عليها كلابترقنها (٣) وكوني بعيدة

(١) في أ: لمستخلص، وفي ج، د: لمستخلص نيته.

(٢) في ب: كتب.

(٣) كذا في ب، ولم يرد البيت الأخير بأكمله في أ.

١٧٣
كتاب محاسبة النفس للكفعمي (ص ١٧٤ - ص ٢٠١)
١٧٤

واعلمي: أنه من كان مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان مقيما قاطنا، ويقطع المسافة وإن كان واقفا ساكنا.

بيت:

إن الليالي للأنام (١) مناهلتطوى وتنشر دونها الأعمار (٢)

أفبعد المشيب تخدعين بالزبيب، وقد علمت أن الموت قريب، وللنقص في كل يوم منك نصيب.

يا نفس:

لو رأيت قرب ما بقي من أجلك، لزهدت في طول أملك، ولرغبت في الزيادة من صالح عملك، ولقصرت من حرصك وحيلك، وإنما يلقاك غدا ندمك، لو زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وفارقك الولد القريب، ورفضك الوالد والنسيب، فلا أنت إلى دنياك عائدة، ولا في حسناتك زائدة، فاعملي ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة.

يا نفس:

ألا تستحين من التوبيخ والتعنيف، على طول التسويف، والذي يدعوك إلى التسويف اليوم هو معك غدا، وإنما تزدادين بطول المدة ردى، وكلما فعلت

(١) في ج، د: والأيام.

(٢) في ب: الأعمال.

١٧٥
حوبة، وعدت نفسك التوبة، وتقولين: إن شبت (١) تبت، أو عمرت أنبت، ويرى جهلك أن الانسان، يستبعد الموت مع الشبان، وهذا جهل منك أيها النفس القرونة (٢)، والأمر بالعكس يا مسكينة، لأن الموت في الشباب أكثر، وفي الشيوخ أنزر

يا نفس:

ومثاله: لو عددت مشايخ بلدتك، وشيب قريتك، لكانوا أقل من عشرة رجال، وتجدين الشبان والأطفال (٣) أكثر منهم على كل حال، فإلى أن يموت شيخ يموت ألف من الأطفال والشبان، والغلمان والصبيان، على أن الموت ليس له وقت مخصوص، ولا عليه آن منصوص، بعيد أو قريب، في شباب أو شيب، في شتاء أو صيف، أو ربيع أو خريف، فإذا جهلك بموتك وحب الدنيا، دعياك إلى طول الأمل واتباع الهوى.

يا نفس:

مثل أهل الدنيا واشتغالهم بأشغالها، ونسيانهم للآخرة وإهمالها، كمثل قوم ركبوا السفينة في البحر للتجارة، فعدلوا إلى جزيرة لأجل الطهارة، والملاح يناديهم: إياكم وطول المكث، ودوام اللبث، فمن اشتغل منكم بغير الوضوء والصلاة فاتته سفينة النجاة، فالعقلاء منهم لم يمكثوا، وشرعوا في الوضوء

(١) في ب: شئت.

(٢) في ج، د: البقرية.

(٣) في ب: وتجدين الشبان والغلمان والصبيان.

١٧٦
والصلاة ولم يلبثوا، فوجدوا الأمن والعافية، وأماكن السفينة خالية، فجلسوا في أطهر الأماكن وأوفقها، وأطيب المواضع وأرفقها.

يا نفس:

ومنهم من وقف ينظر إلى شجرة تلك الجزيرة وأثمارها، ويستمع إلى طيب ترنم أطيارها، فغفلوا لذلك غفلة قليلة، أعقبتهم حسرة طويلة، فلما عادوا إلى المركب لم يجدوا مفرجا، بل مكانا حرجا، فقعدوا في أضيق المواطن وأظلمها، وأحرج الأماكن وأشأمها.

يا نفس:

ومنهم من لم يقتنع بالنزهة والتفرج، وأطال مدة المكث والتبرج، واشتغلوا بجمع ما في الجزيرة من اللآلي الثمينة، ولم يلتفتوا إلى مناداة الملاح في السفينة، فتحيروا إذ ذهبت السفينة في الرجوع، وغار (١) من الجزيرة الينبوع (٢)، ثم جدت من شروشها، وخرت على عروشها، فمنهم من هوى فيها صريعا، أو مات بها جوعا، ومنهم من أهلكته السباع، وأكلته الضباع، فالقوم المتقدمون هم المؤمنون، والقوم المتوسطون هم الذين للطاعة والمعصية يخلطون، والقوم المتأخرون هم المجرمون.

(١) في ب: وعاد.

(٢) أي: العين. اللسان ٨: ٣٤٥ نبع.

١٧٧

يا نفس:

ومثل أهل الدنيا كضيف دعي إلى دار فيها فائدة، وطعام تأنق (١) فيه على مائدة، وعادة المضيف أن يزين للأضياف داره، ويدعوا إليها زواره، ويضع بين أيديهم طبقا من الذهب، مملوءا من الرطب، ومجمرة من فضة فيها من العود والبخور، ما يتطيب به أولئك الحضور

يا نفس:

فالعاقل [ ترينه ] قد تطيب وانطلق، ولم يطمع في تناول المجمرة والطبق، والجاهل لعظم الجهالة يتوهم أن المجمرة والطبق قد وهبا له، فأخذ عند خروجه الطبق والمجمرة فأخذا منه قهرا فما أخسره، فضاق صدره وأتعب قلبه، وطلب الإقالة إذ أظهر ذنبه، وجلله عار ذلك وغشاه، ودرعه ورداه، فالدنيا كمثل دار الضيافة، يتزود منها من يريد قطع المسافة، ولا يطمع فيما في الدار من المتاع، لما وصفناه من عاقبة الارتجاع.

يا نفس:

مثل من ترك الدنيا وطلقلها، وأبغضها وفارقها، كمثل قوم نبأ بهم منزل

(١) أي: تجود. اللسان ١٠: ٣٦٣ نوق.
١٧٨
جديب (١)، فأموا بمنزل (٢) خصيب (٣)، فاحتملوا وعثاء (٤) الطريق، وفراق الصديق، ليأتوا سعة دارهم، ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشئ من ذلك ألما، ولا يرون النفقة فيه مغرما، ولا شئ أحب إليهم مما قربهم إلى منزلهم، وأدناهم إلى محلهم.

يا نفس:

ومثل من اغتر بها، وحواها وصحبها، كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب، فنبا بهم منزل جديب، فلا شئ أكره إليهم ولا أفظع (٥) لديهم إلى ما كانوا فيه، إلى ما يهجمون (٦) عليه ويصيرون إليه.

يا نفس:

لو أعطيت في دنياك دينارا في سهر ليلة، لملت إلى ذلك ميلة وأية ميلة، خصوصا إذا كان في مزاح ولغو، وسماع ولهو، ولو أعطيت على سهرها لأداء نفل أو فرض، قصرا من الذهب يوم النشور والعرض، لكنت عن ذلك نائمة، وله غير رائمة (٧)، فيا عجباه منك إذ تبتغي قصرا من قصار بدينار، وتستبدلي

(١) أي: انقاد بهم منزل جديب لم يوافقهم ولم يجدوا به قرارا. اللسان ١٥: ٣٠٢ نبأ.

(٢) في أ. ج، د: المنزل.

(٣) من الخصب وهو نقيض الجدب، وهو كثرة العشب ورفاغة العيش. اللسان ١: ٣٥٥ خصب.

(٤) أي: شدة ومشقة. اللسان ٢: ٢٠٢ وعث.

(٥) في أ. د: ولا أقطع.

(٦) في د: ما يهجعون.

(٧) أي: غير طالبة. مجمع البحرين ٦: ٧٦ روم.

١٧٩
الجنة بالنار.

يا نفس:

ولو قيل لك خذي هذا الدينار، على عدم إفطار هذا النهار، لجعلت الصوم أمرا واجبا، وفرضا لازما، ولو قيل لك: يفتح لك بصومه أبواب الجنان، وتغلق عنك أبواب النيران، لكنت في ذلك غير راغبة، وله غير طالبة، فيا عجباه منك إذ تبيعي غرفات الجنان الباقية، بشئ يسير من الذهبات الفانية.

يا نفس:

إنما كرهت الموت لأنك عمرت دنياك، وأخربت أخراك، فأنت لا تريدين إلى الخراب الرحلة، وتكرهين من العمران النقلة، إن قلت: كيف ترى حالي، عند الله ومالي؟ قلت: أعرضي نفسك على القرآن الكريم، في قوله تعالى (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) (١) فإن كنت من الأبرار فالجنة مأواك، وإن كنت من الفجار فالنار مثواك، فإن قلت: أين حجي وزكاتي، وصومي وصلاتي؟ قلت: أعرضيه على الكتاب المبين، في قوله تعالى:

(إنما يتقبل الله من المتقين) (٢)، فإن كنت من المتقين صلحت أحوالك وتقبلت أعمالك، وإن كنت من العاصين اقمطر نكالك (٣) وعظم وبالك، فإن

(١) الانفطار ٨٢: ١٣ - ١٤.

(٢) المائدة ٥: ٢٧.

(٣) أي: انتشر ضعفك. اللسان ٥: ١١٧ قمطر، المفردات: ٥٠٦ نكل.

١٨٠