×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدافع الفقهاء / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

ومكمن المشكلة أن أهل السنة اعتبروا أنفسهم هم الإسلام، وهم الجهة الوحيدة التي لها الحق في النطق بلسانه، وقد نتج هذا الاعتقاد لديهم بسبب دعم الحكام لهم وفتح الأبواب أمامهم كي يسودوا وينتشروا بين المسلمين حتى أصبحوا هم الأغلبية فتصوروا أن الحق معهم لكثرتهم والباطل مع غيرهم لقتلهم وعدم شهرتهم..

والنصوص القرآنية صريحة في كون الكثرة ليست معيار الحق ولا دليلا عليه.. (٣)

يقول البغدادي: ومن مال إلى الأهواء الضالة لم يكن من أهل السنة ولا كان قوله حجة في اللغة والنحو والحديث والفقه وخلافه..

ثم حسم البغدادي الأمر في نهاية كتابة بإطلاق قذيفة قاتلة أبادت الاتجاهات الأخرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة وهي أن الفرقة الناجية الوحيدة هي أهل السنة وأن جميع الاتجاهات الأخرى هالكة ومثواها النار..

- أصول الدين:

وقد حدد البغدادي أصول الدين في منظورة فيما يلي:

* الروايات..

* الإجماع..

* أسماء الله وصفاته..

* معرفة الأنبياء..

* المعجزات والكرامات..

* الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج..

* الأحكام والتكاليف..

وفيما يتعلق بالروايات فقد شن حربا شعواء وأطلق قذائفه على منكري الروايات جملة والذين ينكرون أحاديث الآحاد خاصة.

(٣) أنظر قوله تعالى (وقليل ماهم) وقوله (وقليل من عبادي الشكور) وقوله (وما آمن معه إلا

=>

٨١
ومن المعروف أن غالبية الروايات المنسوبة للرسول (ص) هي روايات آحاد.. (٤)

ثم أطلق قذائفه على منكري الإجماع والمشككين فيه.

ولم تسثني قذائفه بالطبع أولئك الذين يتبنون رؤية في أسماء الله وصفاته لا تعتمد على الروايات..

فالذين ينكرون رواية أن الله خلق أدم على صورته..

ورواية أن الله يضع قدمه في النار حتى تقول قط قط..

ورواية أن الله ينزل إلى السماء كل ليلة..

ورواية أن الله في السماء..

ورواية أن الله يرى في الآخرة..

وغيرها من الروايات التي تشير إلى أن الله سبحانه له يد ورجل وعين يضحك ويحزن والتي أنكرتها الاتجاهات المخالفة لأهل السنة من باب دفع التشبيه والتجسيم وتنزيه الله سبحانه عن مشابهة مخلوقاته..

الذين ينكرون مثل هذه الروايات أو يشككون فيها هم من أهل الزيغ والضلال في نظر البغدادي ومن على شاكلته من الفقهاء.

وليس من بين المسلمين من ينكر النبوات والأنبياء والشهادتين وسائر أركان الإسلام أو الأحكام والتكاليف إلا أن التسليم بمثل هذه الأمور لا يكفي في نظر البغدادي وأمثاله فلا بد حتى يكمل الإيمان ويسلم الإنسان أن يدين بمذهب أهل السنة..

من هنا فقد أعلن البغدادي في كتابة أن من أكل لحم الخنزير من غير ضرورة ولا خوف أو أظهر زي الكفار في بلاد المسلمين وما جرى مجرى ذلك من علامات الكفر وإن لم يكن في نفسه كفر أجرينا عليه حكم أهل الكفر وإن لم نعلم كفره باطنا، وأن الدار - المجتمع - لا يحكم بكونها دار إسلام إلا إذا أنفذ فيها حكم المسلمين على أهل الذمة وكانت الغلبة فيها لأهل السنة على أهل البدعة..

<=

قليل

(٤) يقسم فقهاء الرواية الأحاديث إلى متواتر وآحاد. والمتواتر قلة قليلة تعد على الأصابع ويعتبرون

=>

٨٢
ومعنى هذا الكلام الحكم بالكفر على المجتمعات المعاصرة والاعتبار الزي (الإفرنجي) الذي يرتديه المسلمون اليوم وشتى الممارسات التي يمارسونها من ألعاب وصناعات ووسائل ترفيه وما شابهها هي صورة من صور الكفر، على أساس الرواية التي تقول: من تشبه بقوم فهو منهم..

وقد عقد البغدادي في كتابه أكثر من عشرة فصول عن الإمامة ووجوبها وشروطها مسلطا قذائفه على الاتجاهات الأخرى التي تتبنى رؤية مختلفة في الإمامة لا تنطبق على الحكام الذين اعتبرهم البغدادي وأصحابه أئمة المسلمين وعلى رأسهم معاوية وولده يزيد وذلك سيرا مع الروايات المنسوبة للرسول (ص) المتعلقة بالإمامة والتي لا تدين الاتجاهات بها الأخرى..

ثم ختم البغدادي كتابة بإطلاق قذيفة مدوية على الخصوم أعداء الدين تمثلت فيما يلي:

* وجوب قتل المرتدين..

* كفر الاتجاهات الأخرى (أهل البدع والأهواء) ووجوب قتالهم..

* عدم جواز أكل ذبائح أهل الأهواء والبدع وحرمة مواريثهم..

* عدم جواز نكاح المسلمة منهم..

* الشاك في كفر أهل الأهواء كافر..

<=

درجتها درجة القرآن بمعنى أن منكرها كافر أما الآحاد فهي الروايات التي رويت عن طريق شخص واحد

=>

٨٣

مدافع الطحاوي

الآخرون ضلال وأردياء..

<=

أو شخصين من الصحابة..

٨٤
٨٥
صاحب هذا المدفع هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري الحنفي المعروف بالطحاوي (٢٣٧: ٣٢١ هـ‍) وقد أطلق على مدفعه هذا اسم العقيدة السلفية وعرف فيما بعد بالعقيدة الطحاوية.

وجاء من بعده القاضي صدر الدين علي بن محمد بن العز الحنفي (٧٣١: ٧٩٢ هـ‍) فقام بشرح هذه العقيدة وأضاف قذائف جديدة إلى قذائف الطحاوي..

- مدافع ضد العقل /

يوجه الشارح أول مدافعه نحو أصحاب الرأي من أهل الكلام أي أهل الجدل الفلسفة والمنطق بنقل مقاله لأبي يوسف صاحب أبو حنيفة فيهم هذا نصها: العلم بالكلام هو الجهل والجهل بالكلام هو العلم. وإذا صار الرجل رأسا في الكلام قيل زنديق أو رمي بالزندقة ومن طلب العلم بالكلام تزندق..

ونقل عن الشافعي قوله فيهم: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام..

ثم يوجه مدفعه الثاني نحو الاتجاهات المخالفة لعقيدة الفقهاء فيما يتعلق بصفات الله تعالى التي تقوم على الروايات وأقوال السلف، تلك الاتجاهات التي أنكرت رؤية الله وأن كلامه سبحانه غير مخلوق ورفضت التشبيه والتجسيم الذي تشير إليه الروايات ونسبة الظلم إلى الله برفض فكرة إرادة الله للشر والكفر وأنهما يتمان بمشيئته، وهي ما يعرف بفكرة خلق أفعال العباد التي يدين بها الفقهاء..

أما مدفعه الثالث فقد سلطه على العقل واعتبر أنه إذا اصطدم العقل مع النقل وجب تقديم النقل أي الرواية لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين وتقديم العقل ممتنع والواجب التسليم للرواية وتلقيها بالقبول والتصديق دون معارضة بخيال باطل نسميه معقولا..

ويؤكد الطحاوي أن جميع ما ورد عن الرسول (ص) من الروايات التي يعتبرها الفقهاء صحيحة من الشرع والبيان كله حق.

٨٦
كتاب مدافع الفقهاء للكاتب صالح الورداني (ص ٨٧ - ص ١١١)
٨٧
اعتبرت من أساسيات الدين الواجب على المسلمين الالتزام بها ومن أخل بها فهو ضال زائغ يدخل في زمرة أهل البدع والأهواء..

وقد أجاز الفقهاء قتل الخارج على الحكام المفارق للجماعة على أساس رواية تقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة..

هذا هو نهج الفقهاء والسلف الذين سخروا الدين في خدمة الحكام وألزموا الأمة بالسير على هذا النهج الذي حدد الشارح أن أتباعه هدى وخلافه ضلال..

يقول الطحاوي: والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلها شئ ولا ينقضها.

ثم يتجه الطحاوي من بعد ومعه الشارح إلى تصويب مدافعهم على المخالفين لعقائد الفقهاء في الحكام والصحابة والسلف معلنين أن حب هؤلاء من الإيمان وبغضهم من النفاق وأن الواجب الشرعي يحتم بغض من يبغضهم والبراءة منه وإحسان القول فيهم بلا استثناء.

يقول الطحاوي: ومن أحسن القول في أصحاب الرسول (ص) وأزواجه فقد برئ من النفاق وعلماء السلف أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل ولا نصدق من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة هذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا ونحن براء إلى الله تعالى من كل خالف الذي ذكرناه وبيناه ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان ويختم لنا به ويعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة والمذاهب الردية مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة وحالفوا الضلالة ونحن منهم براء وهم عند ضلال وأردياء..

ويقول الشارح: وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه.

والشارح بقوله هذا يريد أن يؤكد أن صراط الفقهاء والحكام هو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه. وهو الصراط الذي حدد معالمه الطحاوي في ختام كتابه بقوله: هذا ديننا واعتقادنا.

وهذا الكلام يؤكد المقولات السابقة من أن أهل السنة هم أهل الحق وأصحاب الجنة وغيرهم

٨٨
من الاتجاهات الأخرى هم أهل الباطل وأصحاب النار..

ويطالب الشارح الحكام بالتدخل للقضاء على المخالفين من جميع الاتجاهات وأهل اللعب واللهو والفنون بقوله: والواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى إلى إزالة المنجمين والكهان والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى والقرع والقالات ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات أو يدخلوا على الناس في منازلهم وقد ثبت عن الرسول (ص) قوله: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه..

وهو بهذه الفتوى لم يمنح الحاكم فقط سلطة مقاومة المنكر بل منح أفراد الرعية أيضا هذه السلطة لمقاومة مثل هذه الأنشطة والممارسات..

وبالطبع فإن مقاومة أصحاب الرأي والاتجاهات المخالفة هي مقدمة على ذلك بل هي أولى في منظور الفقهاء..

وهكذا نرى مدافع الفقهاء تتداول فيما بينهم عبر العصور يسلمها كل فقيه لمن بعده ولا مانع أن تسلم هذه المدافع للحكام أيضا ولأفراد الرعية إذا حتمت الضرورة ذلك وتهدد نفوذ الفقهاء والحكام..

٨٩

مدافع بن تيمية

أكذوبة شيخ الإسلام..

٩٠
٩١
ابن تيمية الحراني من فقهاء القرن الثامن التزم المذهب الحنبلي وتعصب له وجرت له بسبب ذلك محن كثيرة.. (١)

وقد اتخذ من الشام مقرا له في عصر سلاطين المماليك وكثرة مشاغباته مع الفقهاء من أصحاب المذاهب الأخرى ومع الاتجاهات الفلسفية والصوفية والشيعية في عصره. إلا أنه رغم محاولاته إحياء نهج الحنابلة وتصانيفه الكثيرة، لم يحصل على رضا فقهاء عصره من الحنابلة أو من غيرهم..

وكان ابن تيمية عنيدا سليط اللسان عجولا في إلقاء التهم على الخصوم متسرعا في أحكامه كثيرا المراوغة معجبا بنفسه.. (٢)

يروى أن القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي أرسلوا إليه مرات فامتنع عن الحضور إليهم ولما أحضر ووقع البحث مع بعض الفقهاء كتب عليه محضر بأنه قال أنا أشعري.. (٣)

- مدافع ضد الفقهاء:

يروى أنه تكلم في حق مشايخ الصوفية - أي سبهم وهاجمهم - وقال لا يستغاث بالنبي (ص) فقبض عليه وحبس، ثم نقل أن جماعة يترددون عليه في السجن وأنه يتكلم في نحو ما تقدم فأمر بنقله من محبسه.. (٤)

يقول عنه الذهبي أحد تلاميذه: تعتريه حدة في البحث وشظف للخصم تزرع له عداوة في النفوس، أي أنه حاد في حواراته عصبي يظن أن الحق معه ويسخر من الخصم ولا يحترمه والناس في نظره جهال.. (٥)

وأطلق ابن تيمية مدافعة علي سيبويه العالم النحوي عندما ذكر أمامه على لسان ابن حبان صاحبه مما أدى إلى مقاطعة ابن حبان له وصير ذلك ذنبا لا يغفر وأصبح لا يذكره بخير.. (٦)

(١) أنظر ترجمته في طبقات الحنابلة ووفيات الأعيان لابن خلكان.. والدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر. وانظر تاريخ مدينة حوران في معجم البلدان لياقوت الحموي..

(٢) الدر الكامنة ج‍ ١..

(٣) المرجع السابق..

(٤) المرجع السابق..

(٥) تاريخ الإسلام، وانظر الدرر..

(٦) الدرر الكامنة..

٩٢
وكان ابن تيمية قد قال في سيبويه: ما كان سيبويه نبي النحو ولا كان معصوما، بل أخطأ في (الكتاب) في ثمانين موضعا ما تفهمها أنت - يقصد ابن حبان -... (٧)

وقد نسب إلى أصحاب ابن تيمية الحنابلة الغلو فيه - أي الإيمان الشديد المتطرف به - واقتضى له ذلك العجب بنفسه حتى زها على أبناء جنسه واستشعر أنه مجتهد، فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم قديمهم وحديثهم حتى انتهى إلى عمر بن الخطاب فخطأه في شئ فبلغ ذلك الشيخ إبراهيم فأنكر عليه.. (٨)

وكان كثير الوقوع في الأشاعر حتى أنه سب أبو حامد الغزالي فقام عليه قوم وكادوا يقتلونه وكانت له وقائع شهير وإذا حوقق - نوقش فأفحم وقام عليه الدليل وألزم - يقول لم أر هذا، وإنما أردت كذا فيذكر احتمالا بعيدا.. (٩)

ويروى أنه أفتى يوما في مسألة وأفتى فقيه أخر بخلافة، فرد عليه ابن تيمية قائلا: من قال هذا فهو كالحمار الذي في داره..

ولم يسلم أحد ممن هو خارج دائرة ابن تيمية وتلاميذ وأتباعه من مدافعه، حتى فقهاء الحنابلة الآخرين أوذوا منه وخشوا على المذهب من أفكاره وفتاويه..

ويروى أن كثير من العلماء والفقهاء والمحدثين والصالحين كرهوا له التفرد ببعض المسائل التي أنكرها السلف على من شذبها، حتى أن بعض قضاة العدل الحنابلة منعه من الافتاء. (١٠)

وعندما قال ابن تيمية بإنكار المجاز نسب إليه التجسيم حيث اعتبرت جميع صفات الله الواردة في القرآن والروايات حقيقة، وأن الله سبحانه له يد وعين ورجل ويصعد ويهبط وما شابه ذلك.. (١١)

وقام الفقهاء على ابن تيمية وعقدوا له مجلس محاكمة ومنع من الكلام، وحدثت فتنة بين أتباعه وبين الشافعية في دمشق ولحق الأذى باتباع ابن تيمية مما اضطره إلى الرجوع عن

(٧) المرجع السابق.. والكتاب هو مصنف ضخم يحمل هذا الاسم في النحو واللغة..

(٨) المرجع السابق (٩) المرجع السابق..

(١٠) طبقات الحنابلة ج‍ ٢..

(١١) أنظر الفتوى الحموية والعقيدة الواسطية والرسالة المدينة في تحقيق المجاز والحقيقة في صفات الله سبحانه لابن تيمية. وانظر الدرر..

٩٣
مقالته، ثم ارتد مرة أخرى فصدر مرسوم أن من يتكلم في العقائد فعل به كذا وكذا، ونودي في دمشق من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله.. (١٢)

ثم جمع الحنابلة الصالحية وغيرها وأشهدوا على أنفسهم أنهم على معتقد الإمام الشافعي. (١٣)

وأطلق ابن تيمية مدافعه نحو ابن عربي فكفره ونسب الإلحاد إليه وإلى أصحابه. ونسب الشرك إلى من توسل بالنبي واستغاث به وأنكر زيارة قبر النبي (ص).. (١٤)

ونتيجة لهذا كله انقسم الناس في مواجهة ابن تيمية أربعة أقسام:

- منهم من نسبة إلى الكفر والزندقة..

ومنهم من نسبه إلى النفاق..

ومنهم من نسبه إلى السعي للإمامة..

وفوق هذا هناك من طالب بقتله..

- ابن تيمية والحكام:

عاش ابن تيمية عصر المماليك البحرية وحاز شهرة بسبب مشاغباته في الشام ومصر حتى تمكن من استمالة محمد بن قلاوون إلى صفه، كذلك الأمير سلار نائب السلطنة في عصر بيبرس الجاشنكير الذي أطاح بابن قلاوون من الحكم.

وكان نظام حكم المماليك يعتمد على الفقهاء في استمالة العامة وتحقيق الأمن والاستقرار للحكم، فلم تكن هناك في هذا العصر مؤسسة دينية محددة مرتبطة بالحكم..

ولم يستطع ابن تيمية أن يأخذ مكانه بين كبار الفقهاء القريبين من السلطة إلا أنه تمكن من كسب عطف بعض أمراء المماليك الذين كان لهم دورهم البارز في التخفيف عليه في حبسه الذي تكرر عدة مرات..

وكان بيبرس الجاشنكير ضد ابن تيمية وله ميول صوفية. وحين أمر بحسبه كان " سلار " يهرب له الأقلام والقراطيس ويدخل عليه أصحابه، فكان ابن تيمية يكتب ويفتي ويراسل أمه

(١٢) الدرر الكامنة..

(١٣) المرجع السابق..

(١٤) المرجع السابق. وانظر سيرته في تاريخ الإسلام وشذرات الذهب.

٩٤
ويوجه أتباعه وهو داخل الحبس وحين حبس بمصر كانوا ينقلون إلى قلعة الإسكندرية صيفا.

وقلعة القاهرة شتاء..

ولما جاء محمد بن قلاوون إلى السلطة استقبل ابن تيمية بالأحضان وأطلق يده فانطلق هو وأتباعه في الأسواق يعتدون على العامة ويكسرون الحانات ويعتدون على زوار القبور مما أقلق ابن قلاوون فقرر الحد من نشاطه. فكتب ابن تيمية له كتابا اسمه (الجواب الباهر في زوار المقابر) يثبت فيه بطلان زيارات القبور وما يجري فيها.. (١٥)

ولم يكن ابن تيمية ضد الحكام، وإنما كان ضد المسلمين. فهو لم يتصد لمنكرات المماليك وفساد وانحرافات الحكم في عصره، وإنما تصدى للصوفية والأشاعرة والشيعة وعوام الناس.

- ابن تيمية والعقل /

وجه ابن تيمية مدافعه نحو العقل كما هو شأن الحنابلة. كما حارب المنطق والفلسفة..

وكانت أول مدافعه في هذا الميدان قد وجهت نحو الخلف والاتجاهات الإسلامية من الشيعة والمعتزلة الذين تبنوا نهج التأويل في مواجهة النصوص الخاصة بصفات الله، وفسروا قوله تعالى (يد الله فوق أيديهم) على أن اليد تعني القدرة، وقوله تعالى (وكلم الله موسى تكليما)، أي بواسطة، وقوله (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) أي منتظرة.. وقوله (ولتصنع على عيني) أي برعايتي.. وقوله (أأمنتم من في السماء) بنفي تحديد مكان الله في السماء..

واعتبر ابن تيمية مثل ذلك ضربا من الضلال والانحراف عن نهج السلف والأحاديث النبوية فهو لا يريد إعمال العقل في هذه النصوص، ويريد أن تؤخذ على ظاهرها والإقرار بأن الله سبحانه له يد وعين يتكلم بلا واسطة وسوف يراه الناس، وأن مكانه في السماء.. (١٦)

ولابن تيمية كتاب يسمى (نقد المنطق) نص فيه على ما يلي:

* عمدة كل زنديق ومنافق إبطال أحاديث رسول الله والطعن فيها..

* أهل الحديث (الروايات) عندهم من العلم والمعرفة واليقين ما ليس عند أئمة المتفلسفة المتكلمين.

(١٥) المرجع السابق
٩٥
* أن المعظمين للفلسفة والكلام (علم الكلام) ومنهم واصل ابن عطاء والغزالي والشافعي وفخر الرازي إذا كشفت أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس.

* كل من زعم أن طائفة غير أهل الحديث أدركوا من حقائق الأمور أكثر مما أدركوا فهو منافق جاهل..

* المنطق يأمر بالتوحيد وعبادة الله بل يأمر بالشرك وعبادة الكواكب..

ولم يكن ابن تيمية يريد للعقل أن يأخذ مكانه ويؤدي دوره في هذا الكم الهائل من الروايات المنسوبة للرسول والتي تضر بالإسلام وتشوه صورته.

- نماذج من فتاوى ابن تيمية /

فتاوى ابن تيمية أكثر من أن تحصى، وهي تشكل تراثه الفكري.. فالرجل لم يدون كتبا بالمعنى المألوف، وإنما كتب رسائل وردودا وأصدر فتاوى جمعت فيما بعد من قبل أتباعه وتلاميذه.. وقد انتقينا هنا بعض الفتاوى الخاصة بالخصوم والمعارضين والتي تعكس مدى تطرفه وعدوانيته على الآخرين -:

- أجاز ابن تيمية قتل الداعية إلى البدعة المخالفة للكتاب والسنة، وهي في منظوره تشمل المعتزلة والشيعة والصوفية وغيرهم من المخالفين.

- من قامت عليه الحجة من أهل البدع استحق العقوبة.

- أن الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها وهي أولى بذلك من آلات اللهو والمعازف وإتلاف آنية الخمر، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه.

- جواز قتل معطلي الشرائع من المسلمين وقتالهم. " فتوى الياسق ".

- وحول ابن الفارض وابن سبعين وابن حمويه الذين اتهمهم بالقول بوحدة الوجود والحلول أفتى بقوله: من يعاونهم وينصرهم على أهل الإيمان - ابن تيمية وأتباعه - فهو شر ممن ينصر النصارى على المسلمين، فإن هؤلاء شر من قول النصارى، بل هم شر ممن ينصر المشركين على المسلمين.

- الراد على أهل البدع مجاهد.

- أفتى ابن تيمية عام ٧٠٤ هـ‍ باستباحة دماء الشيعة وأقنع السلطان محمد بن قلاوون بتسيير حملة اشتراك فيها ابن تيمية لمقاتلة الشيعة في جبال كسروان بلبنان.

(١٦) أنظر الفتوى الحموية والعقيدة الواسطية..
٩٦
وكانت نتيجة هذه الحملة أن خربت كسروان وقتل النساء والشيوخ والأطفال..

ولم يقصر ابن تيمية فتاواه على المسلمين بل تعداهم إلى المسيحيين، وأفتى بوجوب هدم الكنائس في مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد ونحوها من الأمصار سواء كانت تلك المعابد قديمة قبل الفتح أو محدثة.. (١٧)

" مثل هذه الفتاوى وغيرها يوجد منها الكثير في كتب ابن تيمية مثل الفتاوى الكبرى ونقد المنطق.. ودرء تناقض العقل والنقل ".

- مرجع الجماعات المتطرفة /

هل بعد حبس ابن تيمية وموته سكتت مدافعه؟

الإجابة أن بعض تلامذته مثل ابن قيم وابن كثير حاولا تسليط هذه المدافع نحو المسلمين إلا أن مصيرهما كان كمصير إمامها أن ضربا وضيق عليهما ولحق بهما الأذى فاتجها نحو الكتابة والتصنيف.

ومنذ ذلك الحين أسدل الستار على ابن تيمية وعطلت مدافعه وحل بها الخراب حتى ظهر محمد ابن عبد الوهاب في جزيرة العرب، فكشف عنها، وقام بتنظيفها وتجهيزها ثم سلطها مرة أخرى على المسلمين، وقدر الله أن ينصره ابن سعود لتقوم لأول مرة في التاريخ دولة للحنابلة ويصبح ابن تيمية شيخ الإسلام بعد أن كان منبوذا.

وببركات النفط أصبحت له هيئات وجامعات ورموز تنشر فكره وترضعه للمسلمين في كل مكان.

وعن طريق هذه المؤسسات والجامعات والرموز اخترقت التيارات والجماعات الإسلامية وتشبعت بفكر ابن تيمية وتقمصت شخصيته حتى بدا وكأنه لا يوجد فقهاء في تاريخ المسلمين سواه.

وأصبحت كتب ابن تيمية التي لم يكن يسمع عنها أحد تطبع وتوزع مجانا، وتهدى ولا تباع، بل توزع فتاواه (٣٧ مجلدا) مجانا على المساجد والمؤسسات والأفراد. (١٨)

ومن هنا حملت الجماعات الإسلامية مدافع ابن تيمية من جديد وأخذت توجهها نحو المسلمين وأيضا المسيحيين.

٩٧

- مدفع الفرقان

وفي كتابه الفرقان بين الحق والباطل الذي صنفه في سجن دمشق قال في مقدمته:

إن الله بين في كتابه الفرقان بين الحق والباطل وكذلك نبيه فمن كان أعظم اتباعا لكتابه الذي أنزله ونبيه الذي أرسله كان أعظم فرقانا.

ومن كان أبعد عن اتباع الكتاب والرسول كان أبعد عن الفرقان واشتبه عليه الحق بالباطل كالذين اشتبه عليهم عبادة الرحمن بعبادة الشيطان والنبي الصادق بالمتبني الكاذب وآيات النبيين بشبهات الكذابين حتى اشتبه عليهم الخالق بالمخلوق.

وهذا الكلام الذي يدين به فقهاء الحنابلة إنما اخترع لإرهاب المخالفين لنهج الرواية والرجال وذلك بربط الرواية بالقرآن. وهدى الله بهدى الرسول (ص). بمعنى أن الذين يرفضون الروايات ويشككون فيها يكونوا بهذا التصور يرفضون القرآن ويشككون في نصوصه. وهو ما تم توكيده في الشعار الدائم الذي لا زال يرفع حتى اليوم وهو شعار: الكتاب والسنة حيث أصبح الإسلام هو الكتاب والسنة. بينما الحقيقة أن الإسلام هو الكتاب. فهو المصدر الوحيد المعصوم المنزل من قبل الله سبحانه ليكون حجة على البشر..

ولقد أصبحت الروايات بمرور الزمن وبتوجيه الحكام هي الناطق بلسان الإسلام والمعبر عنه ونتج عن هذا أن هيمنت الروايات على القرآن مما أدى إلى استفزاز أصحاب العقول وتصديهم للروايات والفقهاء الذين يدعمونها.

وابن تيمية هنا إنما يردد تهديدات من سبقه من فقهاء السلف من الحنابلة وغيرهم لإرهاب الاتجاهات الأخرى وعزل المسلمين عنها..

ويؤكد ابن تيمية أن اتباع رجال السلف ومعرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيرا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم. أقوال السلف وأعمالهم في جميع علوم الدين كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك. فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم. ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم.

وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوما. وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم. فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه.

(١٧) أنظر ملاحق الكتاب.
٩٨
ويواصل ابن تيمية إطلاق مدافعه على المخالفين بقوله: وكل من خالف ما جاء به الرسول (ص) لم يكن عنده علم بذلك ولا عدل. بل لا يكون عنده إلا جهل وظلم وظن وما تهوى الأنفس..

ثم يسلط مدفعه على أصحاب الرأي بقوله: وكل الأصول العقلية التي ابتدعها هؤلاء باطلة في العقل والشرع..

والمقصود بهذا الكلام الاتجاهات الرافضة للروايات المتعلقة بصفات الله المأولة لهذه الصفات المتبنية لنهج العقل والمنطق وا لفلسفة أو ما سمى بعلم الكلام أو العقليات..

فجميع ذلك مرفوض عند ابن تيمية وسلفه من الحنابلة الذين يعتقدون بأن الله سبحانه له يد وعين ورجل ويرى ويهبط ويصعد ومكانه فوق العرش وأنه أراد الشر واختاره كما نص على ذلك أمامهم ابن حنبل..

وهؤلاء الرافضين هم أهل الهوى والزيغ والضلال...

(١٨) تم طبع فتاوى ابن تيمية على نفقة خادم الحرمين..
٩٩

مدافع ابن القيم

تلميذ بن تيمية وحامل مدافعه..

١٠٠