×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

مدافع الفقهاء / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

١٠١
حمل ابن القيم راية الحنابلة من بعد وفاة أستاذه ابن تيمية وأطلق مدافعه على الخصوم وسار على سنة أستاذه إلا أنه لم يصمد طويلا وسلك سبيل التأليف بعيد عن الصدام والمواجهة بعدما نال من الاضطهاد والمحن على يد الفقهاء من أصحاب المذاهب الأخرى وحلفائهم من حكام المماليك.. (١)

وقام ابن القيم بتطوير مدفع إمامه ابن حنبل المسمى (الرد على الجهمية والزنادقة) وأعده وجهزه ليواجه أهل زمانه من المسلمين المخالفين أو الزنادقة المارقين وأسماه (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية)

وسلك ابن القيم نفس سبل إمامه ابن حنبل وأستاذه ابن تيمية في مواجهة المعارضين معتمدا على الروايات وأقوال سلفة وشعاراتهم التي رفعوها وبدا وكأنه صورة طبق الأصل من ابن حنبل وابن تيمية..

ثم تجاوز ابن القيم هذا الدور واجتهد في تصنيف المخالفين وإصدار الأحكام فيهم..

يقول ابن القيم: وأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام ولكنهم مخالفون في بعض الأصول - كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم - فهؤلاء أقسام:

أحدها: الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته، إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفوا عنهم وكان الله عفو غفورا..

القسم الثاني: المتمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ورياسته ولذته ومعاشه وغير ذلك، فهذا مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته، وأن غلب ما فيه من السنة والهدى قبلت شهادته..

القسم الثالث: أن يسأل فيطلب ويتبين له الهدى، ويتركه تقليدا أو تعصبا أو بغضا أو معاداة لأصحابه فهذا أقل درجاته: أن يكون فاسقا، وتكفيره، محل اجتهاد وتفصيل، فإن

١٠٢
كان معلنا داعية ردت شهادته وفتاويه وأحكامه مع القدرة على ذلك، ولم تقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم إلا عند الضرورة كحال غلبه هؤلاء واستيلائهم، وكون القضاء والمفتين والشهود منهم، ففي رد شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فساد كثير و لا يمكن ذلك فتقبل للضرورة.. (٢)

وقام ابن القيم بإعداد مدفع آخر أسماه (أحكام أهل الذمة) سلطة على غير المسلمين وحشاه بشتى أنواع القذائف الثقيلة..

وأول هذه القذائف ذلك الكم من الروايات التي حشدها في كتابة:

وأول هذه الروايات رواية تقول: لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة..

وهذه الرواية منسوبة للرسول (ص)..

وثاني هذه الروايات منسوبة لابن عباس قال: أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزير، وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوا فيه فإن للعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم.

وثالث هذه الروايات منسوبة لعمر بن عبد العزيز أن عمر كتب أمرا بهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين..

ورابع هذه الروايات عن الحسن تقول: من السنة أن تهدم الكنائس التي بالأمصار القديمة والحديثة..

وخامس هذه الروايات تقول: سئل ابن حنبل عن البيعة والكنيسة تحدث - أي تبني من جديد - فقال: يرفع أمرها إلى السلطان، أي ليأمر بهدمها..

وسادس هذه الروايات رواية منسوبة للرسول (ص) تقول: لا تكون قبلتان في بلد واحد.. وأخرى تقول: لا تبنى كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها..

وهذه الروايات وغيرها مما تكتظ به كتب السنن فيما يتعلق بأصحاب الديانات الأخرى موضع شك فقهاء الحديث، ورغم ذلك يسترشد بها الفقهاء. كما أن هذه الروايات جميعها رويت عن طريق أحمد بن حنبل..

(١) حبس ابن القيم بسبب فتوى له بتحريم زيارة مسجد يقال له مسجد إبراهيم انظر ترجمته في

=>

١٠٣
ثم حشد ابن القيم بعد هذه الروايات كما من فتاوى الفقهاء التي ترتكز على هذه الروايات وغيرها من الروايات التي تتعلق بالموضوع..

وجميع هذه الفتاوى تتركز في دائرة منع بناء الكنائس ومنع ترميمها والعلاقة بين الحاكم والذمي وأورد ابن القيم في كتابه الشروط التي يلتزم بها أهل الذمة في ديار الإسلام وهي:

* ألا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب..

* أن لا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم..

* أن لا يؤوا جاسوسا ولا يغشوا المسلمين ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوا..

* أن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس..

* أن لا يتشبهوا بالمسلمين في شئ من لباسهم وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم..

* أن لا يتقلدوا سيفا ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم في شئ من طريق المسلمين..

* أن لا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم..

* أن لا يعلموا أولادهم القرآن ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم..

* أن لا يجاوروا المسلمين بموتاهم وأن يجزوا مقادم رؤوسهم..

فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.

قال ابن القيم وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها - أي محاولة إثبات صحتها من حيث السند - فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها ولم يزل ذكر الشروط العمرية - نسبة إلى عمر بن الخطاب صاحب الشروط السابقة - على ألسنتهم وفي كتبهم وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها..

وقسم ابن القيم في كتابه البلاد التي تحوي أصحاب الديانات الأخرى إلى ثلاثة أقسام:

الأول: بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام..

<=

الدرر الكامنة ح‍ ٣ ترجمة رقم ١٠٦٧..

١٠٤
الثاني: بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها.

الثالث: بلاد أنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحا..

والقسم الأول الثاني لا يجوز أن تبنى كنيسة ولا بيع فيه وما بني يهدم ويلزم بالشروط السابق ذكرها، أما القسم الثالث فيقر على حاله وما بني بعد الصلح يهدم..

يقول ابن القيم: وهذا الذي جاءت به النصوص والآثار هو مقتضى أصول الشرع وقواعده فإن إحداث هذه الأمور إحداث لشعائر الكفر وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير، فإن تلك شعار الكفر وهذه شعار الفسق، ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق، فكيف إحداث مواضع الكفر والشرك.. (٣)

ومثل هذه الروايات التي استند عليها ابن القيم والفتاوى التي استحضرها هي التي ارتكز عليها حنابلة العصر من الجماعات الإسلامية واستباحوا دماء وأموال النصارى على أساسها مرتكزين على أن المجتمع المعاصر يعد حسب المفهوم الفقهي الذي وضعه الفقهاء: دار حرب لا يوجد فيها إمام ولا توجد بين المسلمين والنصارى عقود ذمة تحفظ على أساسها أموالهم ودمائهم فمن ثم هم عرضه للاستحلال من قبل هذه الجماعات التي جعلت من نفسها قيما على الدين ومعبرا عنه وناطقة بلسانه وقد منحتها هذه الصلاحيات عقيدة أهل السنة ونصوص الفقهاء، وعجز فقهاء العصر وتحالفهم مع الحكام من جانب آخر..

مثل هذا الفقه المتطرف الذي بني على روايات ضعيفة وعلى الأعراف وقرارات الحكام يجب أن يعاد ضبطه مع القرآن، وهو لن ينضبط معه بحال، فالقرآن لم ينص على شئ من هذا تجاه الديانات الأخرى..

هذا الفقه إنما هو وليد مرحلة سياسية خاصة هي مرحلة الحروب والغزوات وليس وليد النصوص.

(٢) الطرق الحكمية ص‍ ٢٠٣..
١٠٥

مدافع ابن حجر الهيتمي

إمامي معاوية..

١٠٦
(٣) أنظر ملاحق الكتاب..
١٠٧
ولد ابن الحجر الهيتمي في محلة أبي الهيتم من أعمال الغربية بمصر سنة (٩٠٩ هـ‍)

ثم انتقل للإقامة بمكة سنة (٩٤٠ هـ‍) وتوفي بها سنة (٩٧٤ هـ‍).. (١)

وقد استفز ابن حجر تيار الشيعة فقرر أن يطلق مدافعه عليه. تلك المدافع التي تمثلت في كتابين شهيرين له:

الأول هو كتاب (الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة).

والثاني هو (تطهير الجنان واللسان عن الخطورة والتفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان).

- مدفع الصواعق:

يقول ابن حجر في مقدمة كتابه هذا: سئلت قديما في تأليف كتاب يبين حقية خلافة الصديق وإمارة ابن الخطاب فأجبت إلى ذلك مسارعة في خدمة هذا الجناب. ثم سئلت في إقرائه في رمضان سنة خمسين وتسعمائة بالمسجد الحرام لكثرة الشيعة والرافضة ونحوهما الآن بمكة المشرفة فأجبت إلى ذلك رجاء لهداية بعض من زل به قدمه عن أوضح المسالك، ويصف ابن حجر كتابه بقوله: فجاء كتابا في فنه حافلا ومطلبا في حلل الرصانة والتحقيق رافلا ومهندا قاصما لحجج المبطلين وأعناق شرار المبتدعة الضالين..

وحشد ابن حجر في مقدمته كما من الروايات التي ترهب المخالفين من المبتدعة الضالين المنسوبة لرسول رب العالمين (ص)..

الأولي رواية تقول: أهل البدع شر الخلق والخليفة..

والثانية تقول: أصحاب البدع كلاب النار..

والثالثة تقول: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام..

والرابعة تقول: إذا مات صاحب بدعة فقد فتح في الإسلام فتح..

والخامسة تقول: لا يقبل الله لصاحب بدعة صلاة ولا صوما ولا صدقة ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين..

وبالطبع المقصود بأصحاب البدعة هم المخالفون للفقهاء والنهج السائد من أصحاب

١٠٨
الاتجاهات الأخرى من داخل أهل السنة ومن خارجهم..

وقد حشد ابن حجر بعد ذلك كما هائلا من الروايات التي تهاجم المخالفين والناظرين بعقولهم في حركة الصحابة وما جرى بعد وفاة الرسول (ص) من خلافات وصدامات مؤكدا من خلال هذه الروايات أن فترة الصحابة فترة مقدسة وأن ما جرى فيها لا يخرج عن كونه صورة من صور الاجتهاد المحمود شرعا، وأن الناقدين لتلك الفترة سواء كانوا من الشيعة أو من غيرهم هم مبتدعة زنادقة كما حدد ذلك مسبقا على غلاف كتابه..

يقول ابن حجر: وإنما أفتتحت هذا الكتاب بالصحابة وختمته بهم، إشارة إلى أن المقصود بالذات من تأليفه تبرئتهم من جميع ما افتراه عليهم أو على بعضهم من غلبت عليهم الشقاوة وتردوا بأردية الحماقة والغباوة ومرقوا من الدين واتبعوا سبيل الملحدين وركبوا متن عمياء وخبطوا خبط عشواء فباؤا من الله بعظيم النكال ووقعوا في أهوية الوبال والضلال ما لم يداركهم الله بالتوبة والرحمة..

ومن الواضح مدى تطرف هذا الكلام في حق المخالفين تجاه قضية محيطها الرجال وهي ليست أصلا من أصول الدين، لكن المسألة في الأساس ليست مسألة صحابة وإنما هي مسألة حكام يتسترون بالصحابة، ويعتبرون محاولة التشكيك في الصحابة تعني التشكيك في شرعيتهم..

أو بصورة أخرى المسألة في أساسها تنحصر في معاوية وتدور من حوله بمعنى أن التشكيك في الصحابة سوف يقود إلى التشكيك في معاوية. والتشكيك في معاوية سوف يقود إلى التشكيك في الحكام بعده فجميع الحكام أمويين وعباسيين وغيرهم ساروا على سنة معاوية.. (٢)

يقول ابن حجر: إعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم، والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم، ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين علي ومعاوية من الحروب لم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة، فلم تهج الفتنة بسببها وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من على تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه..

(١) أنظر دائرة المعارف الإسلامية ج‍ ١. وخلاصة الأثر ج‍ ٢. والبدر الطالع للشوكاني
١٠٩
ومن اعتقاد أهل السنة أن معاوية من المجتهدين له أجر على اجتهاده، وأما ما يستبيحه بعض المبتدعة من سبه ولعنه فلا يلتفت إلى ذلك ولا يعول عليه فإنه لم يصدر إلا من قوم حمقى جهلاء أغبياء طغاة لا يبالي الله بهم بأي واد هلكوا، فلعنهم الله وخذلهم أقبح اللعنة والخذلان، وأقام على رؤوسهم من سيوف أهل السنة وحججهم المؤيدة بأوضح الدلائل والبرهان ما يقمعهم عن الخوض في تنقيص أولئك الأئمة والأعيان، ولقد استعمل معاوية عمر وعثمان وكفاه ذلك شرفا أه‍..

إن الدفاع عن معاوية في نظر ابن حجر والفقهاء إنما هو دفاع عن الدين وقد استتبع هذا الدفاع دفاع عن ولده يزيد، حيث أن الطعن في يزيد طعن في والده..

يقول بن حجر: ولا يجوز الطعن في معاوية لأنه من كبار الصحابة ولا يجوز لعن يزيد ولا تكفيره فإنه من جملة المؤمنين وأمره إلى مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.. (٣)

ونقل ابن حجر قول الغزالي: ويحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكاياته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم فإنه يهيج على بعض الصحابة والطعن فيهم وهم أعلام الدين، فالطاعن فيهم مطعون طاعن في نفسه ودينه..

وروى ابن حجر قصة وقعت في عام (٧٥٥ هـ‍) أنه أحضر شخصا بدمشق أتهم بسبب الشيخين (أبو بكر وعمر) فأخذ وسجن والأغلال في عنقه، ثم قدم للقاضي المالكي فضربه وهو مصر على قوله.

ثم تكرر ضربه واستتابته فلم يرجع عن قوله، فاجتمع الفقهاء والقضاة للبحث في كفره وعدم قبول توبته، وحكم بقتله..

وشنع السبكي على من قال أن هذا الرجل قتل بغير حق. وجزم بأنه قتل بحق لأنه كافر مصر على كفره..

وقدم ابن حجر الروايات والفتاوى التي تؤيد كفره وجواز قتله وصواب الحكم الذي صدر فيه.. (٤)

والثابت أنه لا يوجد نص في القرآن أو في السنة يقول صراحة بقتل الذي يسب الرسول فضلا عن الذي يسب صحابي، والفقهاء في حالة صاحب هذه القصة قد طبقوا عليه أحكام

(٢) المقصود بسنة معاوية ما سنه من ملكية الحكم ووراثته وفصل الدين عن الدولة والاستبداد والتعبد بالرواية وتقديس الصحابة الذين والوه وناصروه..

(٣) يلاحظ هنا أن ابن حجر وضع يزيد في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة في صاحب الكبيرة

=>

١١٠
المرتد عن الدين، وكأن الصحابة أصبحوا ركنا من أركان الإسلام..

ويبدو أن ابن حجر لم يقنع بما أحدثه مدفعه المسمى بالصواعق من خسائر وأضرار في المسلمين وعقولهم ودينهم فشهر مدفعا آخر ضد خصوم معاوية والطاعنين فيه كي يسكتهم إلى الأبد..

يقول ابن حجر: فهذه وريقات ألفتها في فضل سيدنا معاوية بن أبي سيفان رضي الله عنه وأرضاه وفي مناقبه وحروبه. وفي الجواب عن بعض الشبه التي استباح سبه بسببها كثير من أهل البدع والأهواء جهلا واستهتارا بما جاء عن نبيهم (ص) من المبالغة الأكيدة في التخدير عن سب أو نقص أحد من أصحابه، لا سيما أصهاره وكتابه ومن بشر بأنه سيملك أمته، ودعا له بأنه يكون هاديا مهديا..

دعاني إلى تأليفها الطلب الحثيث من السلطان همايون أكبر سلاطين الهند وأصلحهم وأشدهم تمسكا بالسنة الغراء ومحبة أهلها وما نسب إليه مما يخالف ذلك فبفرض وقوعه منه تنصل منه التنصل الدافع لكل ريبة وتهمة، كما يقطع بذلك التواتر عنه في أواخر أمره كأوله بل حكى لي من هو في رتبة مشايخ مشايخنا من بعض أكابر بني الصديق عنه أنه مكث أربعين سنة لا ينظر إلى السماء حياء من الله تعالى. وأنه إنما يأكل من كسب يده، وأن من قدم عليه من علماء أهل السنة بالغ في تعظيمه بما لم يسمع عن غيره ككثرة التردد عليه ومع سعة ملكه وأبهة عسكره جالسا بين يديه على التراب كصغار طلبته مطلقا عليه من الأرزاق والإنعام ما يلحقه بأكابر الأغنياء، وسبب طلبه ذلك أنه نبغ في بلاده قوم ينتقصون معاوية وينالون منه وينسبون إليه العظائم مما هو برئ منه لأنه لم يقدم على شئ مما صح عنه إلا بتأويل يمنعه من الإثم بل ويوجب له خطأ من الثواب، فأجبته إلى ذلك..

ولا يشك أحد أن معاوية من أكابرهم نسبا وقربا منه (ص) وعلما وحلما فوجبت محبته لهذه الأمور التي اتصف بها الإجماع، فمنها شرف الإسلام وشرف الصحبة وشرف النسب وشرف مصاهرته له (ص) المستلزمة لموافقته له (ص) في الجنة ولكونه معه فيها وشرف العلم والحلم والإمارة ثم الخلافة، وواحدة من هذه تتأكد المحبة لأجلها فكيف إذا اجتمعت، وهذا كاف لمن في قلبه أدنى إصغاء للحق وإذعان للصدق..

وهذا الدفاع المستميت من ابن حجر عن معاوية يشوبه الضعف والخلل والتناقض. فهو أولا قد حشد عشرات الروايات التي تمدح معاوية وتزكية على لسان الرسول (ص) وهي

<=

وكأنه بهذا قد أيد رؤية المعتزلة التي يناهضها أهل السنة في صاحب الكبيرة دون أن يدري..

١١١
كتاب مدافع الفقهاء للكاتب صالح الورداني (ص ١١٢ - ص ١٣٦)
١١٢
مع مبتدع في جدل أو خصام، فإنك لو أقمت عليه الحجج القطعية والأدلة البرهانية والآيات القرآنية لم يصغ إليك واستمر على بهتانه وعناده لأن قلبه أشرب حب الزيغ عن سنن أهل السنة وخلفاء التوفيق والمنة اقتداء بكفار قريش الذين لم ينفع فيهم حجة ولا قرآن بل عاندوا إلى أن أفناهم العناد والسنان فكذا هؤلاء المبتدعة الكلام معهم على..

وهكذا يطلق ابن حجر آخر مدافعه مدمرا جميع الوسائل السلمية من حوار ونقاش ومناظرة وعقل وتبادل رأي ومدمرا معها المخالفين من الزنادقة والمبتدعة فهم ككفار قريش لا يصلح معهم إلا السنان.

وابن حجر يريد بهذا أن يعفي المسلمون مؤنة النقاش والحوار واستخدام العقل مع الخصوم والمخالفين بقتلهم وإفنائهم أو تشريدهم في الأرض فهذا هو الحل الشرعي الذي أوجبته الروايات وفتاوى السلف أو بمعنى أكثر وضوحا هو الحل الذي يحوز على رضا الحكام حماة أهل السنة شعب الله المختار الذين خلقهم الله ليكونوا سادة الأرض ومالكيها وحكامها بينما كتب الدمار والهلاك على مخالفيهم في الدنيا والآخرة..

(٥) أنظر البخاري كتاب الفضائل. باب ذكر معاوية. وانظر شرح هذا الباب في فتح الباري شرح
١١٣

مدافع محمد بن عبد الوهاب

أنصاره يشبهونه بالرسول..

١١٤
١١٥
لا ننكر أن فترة القرن الثامن عشر كانت تحتاج إلى صحوة إسلامية وتجديد فعلي للفكر الإسلامي، إلا أن ما فعله محمد بن عبد الوهاب وما دعا إليه لم يكن صحوة ولم يكن إصلاحا لحال المسلمين..

تعالوا بنا إذن نعرف الحكاية من أولها..

- قرن الشيطان..

ينتمي محمد بن عبد الوهاب إلى منطقة نجد وهي نفس منطقة آل سعود وقد ولد عام (١١١٥ هـ‍ - ١٧٠٣ م) في بلدة العيينة شمال الرياض..

وكاد حاد المزاج يعشق ابن تيمية ويتقمص شخصيته..

درس على يد والده الفقه الحنبلي والتفسير والحديث..

وتروي كتب الأحاديث أن رسول الله (ص) ذم نجد وأهلها وحذر المسلمين من شرهم..

الراوية الأولى تقول: ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان وأشار إلى نجد..

والراوية الثانية تقول: الفتنة من قبل المشرق. حيث يطلع قرن الشيطان..

والرواية الثالثة قول الرسول (ص): اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا..

قالوا: وفي نجدنا يا رسول الله (ص): فكرروا ثلاثا ورسول الله يدعو للشام واليمن ثم قال:

تلك مواضع الزلازل والفتن.. (١)

إلا أن فقهاء الوهابية لم يتركوا هذه الروايات تمر مر الكرام خوفا من أن يستثمرها خصومه، فعلموا على تأويلها وصرفها عن معناها مؤكدين أن المقصود بمواضع الزلازل والفتن هي العراق..

وكان محمد بن عبد الوهاب قد تنقل في البلاد طلبا للعلم وقد طاب له المقام بالبصرة إلا أن أهلها أخرجوه منها وطردوه حافيا بسبب دخوله في صدام مع التيار الصوفي وإنكاره عليهم زياراتهم لمقابر الأولياء والتوسل بهم فتوجه بعدها إلى الشام ولم يوفق فيها وعاد إلى نجد حيث لازم أباه وعكف على كتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم..

ثم بدأ بعد ذلك في الاحتكاك بالناس ودعوتهم إلى أفكاره فكان أن اصطدم به والده وشقيقه سليمان وحارباه، ولم يتسطيع الجهر بدعوته إلا بعد وفاة أبيه، إلا أنه أجبر على

(١) البخاري ومسلم كتاب الفتن..
١١٦
الفرار من (حريملا) بعد أن نجا من محاولة لقتله واتجه نحو (العيينة) مسقط رأسه واحتمى بحاكمها ودعاه إلى مذهب فمال إليه ثم تراجع عن نصرته بعد أن أحسن بغضب حاكم الأحساء الذي أرسل يطلب رأس ابن عبد الوهاب، فأمر بإخراجه من حريملا وأرسل معه فارس وكله بقتله في الطريق.. (٢)

وتروى الكتب الوهابية أن هذا الفارس ارتعدت يداه ولم يتمكن من قتله.. ونزل ابن عبد الوهاب (الدرعية) وهناك تعرف عليه أميرها محمد بن سعود.. (٣)

- الدم.. الدم. والذهب.. الذهب.

وكان أن مال ابن سعود لدعوة ابن عبد الوهاب..

ويروى أن ابن سعود دخل على ابن عبد الوهاب قائلا: أبشر بالخير والعز والمنعة..

وكان رد ابن عبد الوهاب ما يلي: وأنت أبشر باليمن والغلبة على جميع بلاد نجد..

ورجاه أن يكون إماما يجتمع عليه المسلمون ويكون له الملك والسيادة ومن بعده في ذريته..

قال ابن سعود: أبشر بالنصر لما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد ولكني أشترط عليك شرطين:

الأول: إذا نحن قمنا بنصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلاد لا ترحل عنا ولا تستبد لنا بغيرنا..

الثاني: أن لي على أهل الدرعية خراجا آخذه منهم في وقت اقتطاف الثمار فلا تمنعني من استيفائه منهم..

فقال ابن عبد الوهاب: أما الأولى فأمدد يدك لأبايعك فمدها له وقبض عليها الشيخ قائلا: الدم بالدم والهدم بالهدم..

وأما الثانية فلعل الله يفتح لنا الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها..

وتم الاتفاق وبدأ ابن عبد الوهاب يخطط لدعوته..

(٢) محمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه. ط الجامعة الإسلامية بالمدينة يهدى ولا يباع.

(٣) أنظر المرجع السابق. وانظر تاريخ الجزيرة العربية في عصر محمد بن عبد الوهاب..

١١٧
وابن سعود يخطط لملكه..

وهكذا تم تقسيم السلطات وتوزيع الاختصاصات..

وهكذا أعمل السيف في رقاب المسلمين في جزيرة العرب المناهضين لدعوة التوحيد التي يرفع رايتها محمد بن عبد الوهاب..

وأحلت لابن سعود الغنائم بفتوى ابن عبد الوهاب..

وسار كلاهما في طريق جانبه ذهب وجانبه الآخر دماء..

وربح ابن سعود الملك والذهب..

وربح ابن عبد الوهاب منصب شيخ الإسلام في جزيرة العرب..

وكان هذا الاتفاق بمثابة تأكيد لشرعية فصل الدين عن الدولة..

- عقيدة ابن عبد الوهاب..

هل جاء محمد بن عبد الوهاب بشئ جديد؟

والإجابة أن عقيدة ابن عبد الوهاب هي عقيدة الحنابلة وابن تيمية على وجه الخصوص تلك العقيدة التي تقوم على ما يلي:

* الروايات..

* السلف الحنابلة..

* تكفير المخالفين واستحلالهم..

وعلى أساس الروايات وأقوال الحنابلة بنى ابن عبد الوهاب عقيدته التي أسماها (التوحيد).

وما دامت عقيدته هي عقيدة التوحيد فإن من يخالفه أو يناهضة فهو من المشركين المستباحين..

من هنا فإن محمد بن عبد الوهاب نهض بسيف ابن سعود للقضاء على الشرك والضلال السائد في جزيرة العرب والذي تحرسه دولة الخلافة في الاستانة..

نهض ابن عبد الوهاب ليدعوا إلى توحيد العبودية لله حيث أن الناس في زمانه قد أشركوا في عبادة الله الأنبياء والأولياء والأشجار ونذروا لها وحلفوا بها وقدسوها..

١١٨
ويدعو إلى رفض التوسل بالأموات من الأنبياء والصالحين..

ويدعو إلى منع شد الرحال إلى مساجد الأنبياء والصالحين (الزيارة)

ويدعو إلى منع البناء على القبور وكسوتها وإنارتها..

ويدعو إلى توحيد الأسماء والصفات أي وصف الله بما ورد في الروايات من أن له يد وعين ورجل ويضحك ويغار ويفرح ويهبط ويصعد وما شابه ذلك ورفض تأويل هذه الروايات وصرفها عن معناها الظاهري إلى معنى مجازي..

وجاء ابن عبد الوهاب ليدعو إلى إنكار البدع كالاحتفال بالموالد والصلاة على الرسول بعد الآذان والتلفظ بالنية وممارسات الصوفية..

ويبدو من خلال هذه الأمور التي دعا إليها ابن عبد الوهاب أنه يأت بجديد، وأن مثل هذه الأفكار طرحها من قبل ابن تيمية وتم ضربها وانتهت بموته في الحبس..

إلا أن الفارق بين ابن تيمية وابن عبد الوهاب، أن ابن تيمية لم يجد له نصيرا يدعمه بسيفه، بينما تحقق لابن عبد الوهاب ذلك..

من هنا يمكن القول أن عقيدة ابن عبد الوهاب فرضت على الناس بالسيف لا بالدعوة والحوار..

ولو كانت دعوته تعتمد على الحوار والتبليغ لما كانت هناك حاجة لسيف ابن سعود..

- دولة الحنابلة..

دخل ابن سعود ومعه ابن عبد الوهاب في حروب دينية دموية مع المعارضين لهما في جزيرة العراب..

واستمرت هذه الحروب سنوات طويلة تمكن ابن سعود وأولاده من بعده من السيطرة على قطاعات كثيرة من الجزيرة العربية وجعلوا من الدرعية عاصمة لهم..

وتم فتح الرياض عام (١١٨٧ هـ‍) على يد عبد العزيز بن محمد بن سعود وأتسع ملك آل سعود وفوض ابن عبد الوهاب أمر الغنائم والأموال لعبد العزيز بينما تفرغ هو لإلقاء الدروس وتصنيف الردود على المخالفين..

وفي عام (١١٧٩ هـ‍) توفي محمد بن سعود وبويع عبد العزيز إماما ودخل في صراع

١١٩
دموي مع خصومه، وقام سعود ولده في عام (١٢١٥ هـ‍) بغزو العراق والاستيلاء على مدينة كربلاء التي فيها مرقد الإمام الحسين، فقام بهدم المرقد وقبته واستولى على ما في المسجد من الحلي والنفائس ثم أشعل النار في المدينة وقتل المئات من النساء والأطفال وقدر عدد القتلى من أهل المدينة بألفي قتيل، وهناك في الطريق تم تقسيم الغنائم على الفاتحين ثم عاد الجميع إلى الدرعية وهم يهتفون الله أكبر.. (٤)

وفي عام (١٢١٨ هـ‍) تم اغتيال عبد العزيز على يد أحد العراقيين وبويع بعده بالإمامة سعود ولده.

وهكذا قامت للحنابلة أول دولة في تاريخ المسلمين وتحقق حلم ابن تيمية على يد ابن عبد الوهاب..

إلا أن هذا الصرح الحنبلي لم يدم طويلا فقد جاء محمد علي بقواته فهدمه ودخل عاصمتهم الدرعية وتشتت الوهابيون في أنحاء الجزيرة وذلك بعد مرور سبعين عاما على توقيع الاتفاق بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود.. (٥)

- مصر موطن الشرك..

ومنذ ذلك الحين اعتبر والوهابيون مصر الشيطان الأكبر ومحمد على طاغوتا جاء بقواته ليهدم صرح التوحيد ويقتل الموحدين..

منذ ذلك الحين تولدت لدى الوهابيين عقدة تجاه مصر والمصريين، فأصبحوا يكرهون كل ما هو مصري، حتى أنهم كانوا يهاجمون المحمل المصري ويحرقونه، ذلك المحمل الذي كان يأتيهم كل عام بالخيرات وبكسوة الكعبة..

وحين قام عبد العزيز آل سعود ببناء الدولة الوهابية الثانية بعد الحرب العالمية الأولى بالتحالف مع الانجليز وانضمت إليه جماعات (الإخوان) المتعصبة للوهابية وأصبحت سنده في الحكم، قرر عبد العزيز أن يعلنها مملكة منفتحة على الغرب والعصر وهنا أحس الوهابيون أن دورهم آخذ في التلاشي وأن السياسة سوف تقضي عليهم فدخلوا في صدام مع عبد العزيز وأخذوا يحرضون القبائل عليه ويثيرون الشبهات من حوله..

(٤) المرجعين السابقين. وانظر تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان..

(٦) المرجعين السابقين وانظر تاريخ الجبرتي..

١٢٠