×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

المراجعات / الصفحات: ١ - ٢٠

[image] - مركز الأبحاث العقائدية
١

المراجعات
الامام عبد الحسين شرف الدين (قدس سره)

٢
٣
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة ـ وإهداء

هذه صحف لم تكتب اليوم، وفِكَر لم تولد حديثاً وإنما هي صحف انتظمت منذ زمن يربو على ربع قرن، وكادت يومئذ أن تبرز بروزها اليوم، لكن الحوادث والكوارث كانت حواجز قوية عرقلت خطاها، فاضطرتها إلى أن تكمن وتكنّ، فتريثت تلتمس من غفلات الدهر فرصة تستجمع فيها ما أخَّرت طبعها، ومسّت وضعها.

أما فكرة الكتاب فقد سبقت مراجعات سبقاً بعيداص، إذ كانت تلتمع في صدري منذ شرخ الشباب، التماع البرق في طيات السحاب، وتغلي في دمي غليان الغيرة، تتطلع إلى سبيل سوي يوقف المسلمين على حد يقطع دابر الشغب بينهم، ويكشف هذه الغشاوة عن أبصارهم، لينظروا إلى الحياة من ناحيتها الجدية، راجعين إلى الأصل الديني المفروض عليهم، ثم يسيروا معتصمين بحبل الله جميعاً، تحت لواء الحق إلى العلم والعمل، إخوة بررة يشد بعضهم أزر بعض.

لكن مشهد هؤلاء الإخوة المتصلين بمبدأ واحد، وعقيدة واحدة، كان ـ وأسفاه ـ مشهد خصومة عنيفة، تغلو في الجدال، غلو الجهال، حتى كأن التجالد في مناهج البحث العلمي من آداب المناظرة، أو أنه من قواطع الأدلة! ذلك ما يثير الحفيظة، ويدعو إلى التفكير، وذلك ما يبعث الهمَّ والغمّ والأسف فما الحيلة؟ وكيف العمل؟ هذه ظروف ملمة في مئين من السنين، وهذه مصائب محدقة بنا من الأمام

٤

والوراء، وعن الشمال وعن اليمين، وذاك قلم يلتوي به العقم أحياناً، وتجود به الأطماع أحياناً أخرى، وتدور به الحزبية تارة، وتسخره العاطفة تارة أخرى، وبين هذا وذاك ما يوجب الارتباك فما العمل؟ وكيف الحيلة؟

ضقت ذرعاً بهذا وامتلأت بحمله همَّا، فهبطت مصر أواخر سنة ١٣٢٩ مؤمَّلاً في «نيله» نيل الأمنية التي أنشدها، وكنت ألهمت أني موفق لبعض ما اريد ومتصل بالذي أداور معه الرأي، وأتداول معه النصيحة، فيسد الله بأيدينا من «الكنانة» سهماً نصيب به الغرض، ونعالج هذا الداء الملح على شمل المسلمين بالتمزيق، وعلى جماعتهم بالتفريق، وقد كان ـ والحمد لله ـ الذي أملت، فإن مصر بلد ينبت العلم، فينمو به على الإخلاص والإذعان للحقيقة الثابتة بقوة الدليل؛ وتلك ميزة لمصر فوق مميزاتها التي استقلت بها.

وهناك على نعمى الحال، ورخاء البال، وابتهاج النفس، جمعني الحظ السعيد بعلم من أعلامها المبرزين بعقل واسع، وخلق وادع، وفؤاد حي، وعلم عليم ومنزل رفيع، يتبوأه بزعامته الدينية، بحق واهلية.

وما أحسن ما يتعارف به العلماء من الروح النقي، والقول الرضي، والخلق النبوي، ومتى كان العالم بهذا اللباس الأنيق المترف، كان على خير ونعمة، وكان الناس منه في أمان ورحمة، لا يأبى أحد أن يفضي إليه بدخيلة رأيه، أو يبثه ذات نفسه.

كذلك كان علم مصر وإمامها، وهكذا كانت مجالسنا التي شكرناها شكراً لا انقضاء له ولا حد.

شكوت إليه وجدي، وشكا إليَّ مثل ذلك وجداً وضيقاً، وكانت ساعة موفقة أوحت إلينا التفكير فيما يجمع الله به الكلمة، ويلم شعث الأمة، فكان مما اتفقنا عليه أن الطائفتين ـ الشيعة والسنة ـ مسلمون يدينون حقاً بدين الإسلام الحنيف، فهم فيما جاء الرسول به سواء، ولا اختلاف بينهم في أصل أساسي يفسد التلبس بالمبدأ الإسلامي الشريف، ولا نزاع بينهم إلا ما يكون بين المجتهدين في بعض الأحكام

٥

لاختلافهم فيما يستنبطونه من الكتاب أو السنّة، أو الإجماع أو الدليل الرابع، وذلك لا يقضي بهذه الشقة السحيقة، ولا يتجشم هذه المهاوي العميقة، إذن أي داع أثار هذه الخصومة المتطاير شررها منذ كان هذان الاسمان ـ سنَّة وشيعة ـ إلى آخر الدوران.

ونحن لو محصنا التاريخ الإسلامي، وتبينا ما نشأ فيه من عقائد وآراء ونظريات، لعرفنا أن السبب الموجب لهذا الاختلاف إنما هو ثورة الأمة لعقيدة، ودفاع عن نظرية أو تحزّب لرأي، وأن أعظم خلاف وقع بين الأمة، اختلافهم في الإمامة؛ فإنه ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة، فأمر الإمامة إذن من أكبر الاسباب المباشرة لهذا الاختلاف، وقد طبعت الأجيال المختلفة في الإمامة على حب هذه العصبية، وألفت هذه الحزبية، بدون تدبر وبدون روية، ولو أن كلاًّ من الطائفتين نظرت في بينات الأخرى نظر المتفاهم لا نظر الساخط المخاصم، لحصحص الحق وظهر الصبح لذي عينين.

وقد فرضنا على أنفسنا أن نعالج هذه المسألة بالنظر في أدلة الطائفتين، فنفهمها فهما صحيحاً، من حيث لا نحسن إحساسنا المجلوب من المحيط والعادة والتقليد، بل نتعرى من كل ما يحوطنا من العواطف والعصبيات، ونقصد الحقيقة من طريقها المجمع على صحته، فنلمسها لمساً، فلعل ذلك يلفت أذهان المسلمين، ويبعث الطمأنينة في نفوسهم، بما يتحرر ويتقرر عندنا من الحق، فيكون حدّاً ينتهى إليه إن شاء الله تعالى.

لذلك قررنا أن يتقدم هو بالسؤال خطاً عما يريد، فأقدم له الجواب بخطي على الشروط الصحيحة، مؤيداً بالعقل أو بالنقل الصحيح عند الفريقين.

وجرت بتوفيق الله عز وجل على هذا مراجعاتنا كلها، وكنا أردنا يومئذٍ طبعها لنتمتع بنتيجة عملنا الخالص لوجه الله عز وجل، ولكن الأيام الجائرة، والأقدار الغالبة اجتاحت العزم على ذلك؛ «ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي».

وأنا لا أدَّعي أن هذه الصحف صحف تقتصر على النصوص التي تألفت يومئذ

٦

بيننا، ولا أن شيئاً من ألفاظ هذه المراجعات خطه غير قلمي، فإن الحوادث التي أخّرت طبعها فرّقت وضعها أيضاً ـ كما قلنا ـ غير أن المحاكمات في المسائل التي جرت بيننا موجودة بين هاتين الدفتين بحذافيرها مع زيادات اقتضتها الحال، ودعا إليها النصح والإرشاد، وربما جرَّ إليها السياق على نحو لا يخل بما كان بيننا من الاتفاق.

وإني لأرجو اليوم ما رجوته أمس: أن يحدث هذا الكتاب إصلاحاً وخيراً، فإن وفق إلى عناية المسلمين به، وإقبالهم عليه فذلك من فضل ربي، وذلك ما أرجوه من عملي، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

وإني لاهدي كتابي هذا إلى أولي الألباب من كل علاّمة محقق، وبحّاثة مدقق، لابس الحياة العلمية فمحّص حقائقها؛ ومن كل حافظ محدث جهبذ حجة في السنن والآثار، وكل فيلسوف متضلع في علم الكلام، وكل شاب حي مثقف حر قد تحلل من القيود وتملص من الأغلال، ممن نؤملهم للحياة الجديدة الحرة، فإن تقبله كل هؤلاء واستشعروا منه فائدة في أنفسهم، فإني على خير وسعادة.

وقد جهدت في إخراج هذا الكتاب، بنحت الجواب فيه على النحو الأكمل من كل الجهات، وقصدت به إلهام المنصفين فكرته وذوقه، بدليل لا يترك خليجة، وبرهان لا يدع وليجة، وعنيت بالسنن الصحيحة والنصوص الصريحة، عناية أغنى بها هذا الكتاب عن مكتبة حافلة مؤثلة بأنفس كتب الكلام والحديث والسير ونحوها، مما يتصل بهذا الموضوع الخطير، بفلسفة معتدلة كل الاعتدال، صادقة كل الصدق، وبأساليب تفرض على من المَّ به أن يسيروا خلفه وهم ـ أعني منصفيهم ـ له تابعون، من أوله إلى الفقرة الأخيرة منه، فإن ظفر كتابي بالقرّاء المنصفين فذلك ما أبتغيه، وأحمد الله عليه.

أما أنا فمستريح والحمد لله إلى هذا الكتاب، راضٍ عن حياتي بعده، فإنه عمل كما أعتقد يجب أن ينسيني ما سئمت من تكاليف الحياة الشاقة، وهموم الدهر الفاقرة، وكيد العدو الذي لا أشكوه إلا إلى الله تعالى، وحسبه الله حاكماً، ومحمد

٧
خصيماً، ودع عنك نهباً صيح في حجراته، إلى ما كان من محن متدفقة كالسيل الآتي من كل جانب، محفوفة بالبلاء مقرونة بالضيق والاكفهرار، إلا أن حياتي الخالدة بهذا الكتاب حياة رحمة في الدنيا والآخرة، ترضى بها نفسي، ويستريح إليها ضميري، فأرجوا من الله سبحانه أن يتقبل عملي، ويتجاوز عن خطأي وزللي، ويجعل أجري عليه نفع المؤمنين وهدايتهم به (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم، دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) .

الإمام             
عبدالحسين شرف الدين الموسوي
قدس سره           

٨

تنبيه

ج = المجلد.

ح = حديث.

ص ـ صفحة.

ط ـ طبع ط٢ ـ الطبعة الثانية.

ـ = إلى مثلاً ١٦ ـ ١٩ أي من صفحة ١٦ إلى صفحة ١٩.

    المصدر الذي لم نذكر اسم مطبعته معه في أثناء الكتاب، أثبتناه في آخر الكتاب في الفهرست، وذلك نظراً لتكرره كثيراً.

    هذا وقد تم وضع أرقام متسلسلة للتخريجات بكاملها.

    كما أضيفت تعليقات جديدة أشير إليها في مواضعها بنجمة (*).
٩

المراجعة ١
٦ ذي القعدة سنة ١٣٢٩

١ ـ تحية المناظر

٢ ـ استئذانه في المناظرة

١ ـ سلام على الشريف العلامة الشيخ(١) عبدالحسين شرف الدين الموسوي ورحمة الله وبركاته.

إني لم أتعرف فيما مضى من أيامي على دخائل الشيعة، ولم أبل أخلاقهم، إذ لم أجالس آحادهم، ولم أستبطن سوادهم. وكنت متلعلعاً إلى محاضرة أعلامهم، حران الجوانح إلى تخلل عوامهم، بحثاً عن آرائهم، وتنقيباً عن أهوائهم، فلما قدر الله وقوفي على ساحل عيلمك المحيط، وأرشفتني ثغر كأسك المعين، شفى الله بسائغ فراتك أوامي، ونضح عطشي، وألية بمدينة علم الله ـ جدك المصطفى ـ وبابها ـ أبيك المرتضى ـ إني لم أذق شربة أنقع لغليل، ولا أنجح لعليل، من سلسال منهلك السلسبيل، وكنت أسمع أن من رأيكم ـ معشر الشيعة ـ مجانبة إخوانكم ـ أهل السنّة ـ وانقباضكم عنهم، وأنكم تأنسون بالوحشة وتخلدون إلى العزلة، وأنكم. وأنكم(٢) . لكني رأيت منك شخصاً رقيق المنافثة، دقيق المباحثة، شهي المجاملة، قوي المجادلة، لطيف المفاكهة، شريف المعاركة، مشكور الملابسة، مبرور المنافسة، فإذا الشيعي ريحانة الجليس، ومنية كل أديب.

٢ ـ وإني لواقف على ساحل بحرك اللجي، استأذنك في خوض عبابه والغوص على درره، فإن أذنت غصنا على دقائق وغوامض تحوك في صدري منذ أمد

(١) السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوس المتولد ١٢٩٠ هـ والمتوفي يوم الاثنين ٨ جمادي الثانية ١٣٧٧ هـ. الموافق ٣٠ كانون الأول ١٩٥٧م. ودفن بجوار جده أمير المؤمنين عليه السلام في النجف الأشرف.

(٢) التهم التي ألصقت بالشيعة مع أجوبتها. راجع: كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب للعلامة المغفور له الشيخ عبدالحسين الأميني: ٣/٧٨ ـ ٣٣٨ ط٣ بيروت، كتاب الأمام الصادق والمذاهب الأربعة للشيخ أسد حيدر: ٥/٧٧ ـ ١٦٥ و٦/٣٧١ ـ ٤٣٥ ط٢ في بيروت.

١٠

بعيد، وإلا فالأمر إليك وما أنا فيما أرفعه بباحث عن عثرة، أو متتبع عورة، ولا بمفند أو مندد، وإنما أنا نشّاد ضالة، وبحّاث عن حقيقة، فإن تبين الحق، فإن الحق أحق أن يتبع وإلا فإنّا كما قال القائل:

نحن بما عندنا وأنت بما عنـ * ـدك راضٍ والرأي مختلف
وسأقتصر ـ إن أذنت ـ في مراجعتي إياك على مبحثين، أحدهما في إمامة المذهب أصولاً وفروعاً، وثانيهما في الإمامة العامة، وهي الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وسيكون توقيعي في أسفل مراجعاتي كلها (س) فيكن توقيعك (ش)(١) وأسلفك رجاء العفو عن كل هفو والسلام.

ـ س ـ

المراجعة ٢
٦ ذي القعدة سنة ١٣٢٩

١ ـ رد التحية

٢ ـ الإذن في المناظرة

١ ـ السلام على مولانا شيخ الإسلام(٢) ورحمة الله وبركاته.

خولتني بكتابك العطوف من النعم، وأوليتني به من المنن ما يعجز عن أداء حقه لسان الشكر، ولا يستوفي بعض فرائضه عمر الدهر.

رميتني بآمالك ونزعت إلي برجائك، وأنت قبلة الراجي، وعصمة اللاجي، وقد ركبت من سوريا إليك ظهور الآمال، وحططت بفنائك ما شددت من الرحال، منتجعاً علمك، مستمطراً فضلك، وسأنقلب عنك حي الرجاء قوي الأمل، إلا أن يشاء الله تعالى.

٢ ـ استأذنت في الكلام ـ ولك الأمر والنهي ـ فسل عما أردت، وقل ما شئت، ولك الفضل، بقولك الفصل، وحكمك العدل وعليك السلام.

ش

(١) بسم الله الرحمن الرحيم لم يكتف بالاستئذان حتى بيّن فيه الموضوع الذي ستدور عليه رحى البحث بيننا، وهذا من كماله وآدابه في المناظرة، ولا يخفى لطف الرمزين (س. و. ش) ومناسبتهما، فإن السين إشارة إلى اسمه سليم وكونه سنياً، والشين اشارة الى لقبي (شرف الدين) وكونه شيعياً ـ (منه قدس).

(٢) هو الشيخ الجليل العلامة سليم البشري شيخ الجامع الأزهر المولود سنة ١٢٤٨ هـ والمتوفي سنة ١٣٣٥ هـ.

١١

المبحث الأول
في إمامة المذهب

١٢
١٣
١٤

٣ ـ أهل القرون الثلاثة لا يعرفونها

٤ ـ الاجتهاد ممكن

٥ ـ يلم الشعث باحترام مذهب أهل البيت

١ ـ إن تعبدنا في الأصول بغير المذهب الأشعري وفي الفروع بغير المذاهب الأربعة لم يكن لتحزب أو تعصب، ولا للريب في اجتهاد أئمة تلك المذاهب، ولا لعدم عدالتهم وأمانتهم ونزاهتهم وجلالتهم علماً وعملاً.

لكن الأدلة الشرعية أخذت بأعناقنا إلى الأخذ بمذهب الأئمة من أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، فانقطعنا إليهم في فروع الدين وعقائده، وأصول الفقه وقواعده، ومعارف السنة والكتاب وعلوم الأخلاق والسلوك والآداب، نزولا على حكم الأدلة والبراهين، وتعبداً بسنة سيد النبيين والمرسلين، صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين.

ولو سمحت لنا الأدلة بمخالفة الأئمة من آل محمد، أو تمكنا من تحصل نية القربة لله سبحانه في مقام العمل على مذهب غيرهم لقصصنا أثر الجمهور، وقفونا إثرهم، تأكيداً لعقد الولاء، وتوثيقاً لعرى الأخاء، لكنها الأدلة القطعية تقطع على المؤمن وجهته، وتحول بينه وبين ما يروم.

٢ ـ على أنه لا دليل للجمهور على رجحان شيء من مذاهبهم، فضلاً عن وجوبها، وقد نظرنا في أدلة المسلمين نظر الباحث المحقق بكل دقة واستقصاء، فلم نجد فيها ما يمكن القول بدلالته على ذلك، الا ما ذكرتموه من اجتهاد أربابها وأمانتهم وعدالتهم وجلالتهم.

لكنكم تعلمون أن الاجتهاد والأمانة والعدالة والجلالة غير محصورة بهم، فكيف يمكن ـ والحال هذه ـ أن تكون مذاهبهم واجبة على سبيل التعيين؟

١٥

وما أظن أحداً يجرؤ على القول بتفضيلهم ـ في علم أو عمل ـ على أئمتنا، وهم أئمة العترة الطاهرة وسفن نجاة الأمة، وباب حطتها، وأمانها من الاختلاف في الدين، وأعلام هدايتها، وثقل رسول الله، وبقيته في أمته، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: فلا تقدموهم فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم(١) لكنها السياسة، وما أدراك ما اقتضت في صدر الإسلام.

والعجب من قولكم أن السلف الصالح دانوا بتلك المذاهب، ورأوها أعدل المذاهب وأفضلها، واتفقوا على التعبد بها في كل عصر ومصر، كأنكم لا تعلمون بأن الخلف والسلف الصالحين من شيعة آل محمد ـ وهم نصف المسلمين في المعنى ـ إما دانوا بمذهب الأئمة من ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يجدوا عنه حولاً، وأنهم على ذلك من عهد علي وفاطمة إلى الآن، حيث لم يكن الأشعري ولا واحد من أئمة المذاهب الأربعة ولا آباؤهم، كما لا يخفى. ٣ ـ على أن أهل القرون الثلاثة مطلقاً لم يدينوا بشيء من تلك المذاهب أصلاً، وأين كانت تلك المذاهب عن القرون الثلاثة؟ ـ وهي خير تلك القرون ـ وقد ولد الأشعري سنة سبعين ومئتين، ومات سنة نيف وثلاثين وثلاثمئة(٢) وابن حنبل ولد سنة أربع وستين ومئة، وتوفي سنة أحدى وأربعين ومئتين(٣) والشافعي ولد سنة خمسين ومئة، وتوفي سنة مئتين وأربع(٤) وولد مالك سنة خمس

(١) اشارة الى حديث الثقلين الآتي مع مصادره تحت رقم (٣٦ و٣٧).

(٢) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري إمام الاشاعرة. راجع روضات الجنان للخونساري: ٥/٢٠٧ ـ ٢١٤ ط قم.

(٣) أحمد بن حنبل إمام الحنابلة: راجع الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ٤/٤٤١ ـ ٥٢٧.

(٤) الإمام الشافعي: راجع الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ٣/١٧٥ ـ ٢٥٤.

١٦

وتسعين(١) ومات سنة تسع وسبعين ومئة(٢) وولد أبو حنيفة سنة ثمانين، وتوفي سنة خمسين ومئة(٣) . والشيعة يدينون بمذهب الأئمة من أهل البيت ـ وأهل البيت أدرى بالذي فيه ـ وغير الشيعة يعملون بمذاهب العلماء من الصحابة والتابعين، فما الذي أوجب على المسلمين كافة بعد القرون الثلاثة تلك المذاهب دون غيرها من المذاهب التي كان معمولاً بها من ذي قبل؟ وما الذي عدل بهم عن أعدال كتاب الله وسفرته، وثقل رسول الله وعيبته، وسفينة نجاة الأمة وقادتها وأمانها وباب حطتها؟!

(١) ذكر ابن خلكان في أحوال مالك من وفيات الأعيان أن مالكاً بقي جنيناً في بطن أمه ثلاث سنوات، ونص على ذلك ابن قتيبة حيث ذكر مالكاً في أصحاب الرأي من كتابه المعارف: ١٧٠، وحيث أورد جماعة زعم أنهم قد حملت بهم أمهاتهم أكثر من وقت الحمل صفحة ١٩٨ من المعارف أيضاً. (منه قدس).

(٢) الإمام مالك:

راجع أحواله في: روضات الجنات: ٧/٢٢٣ ـ ٢٢٧، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ٢/٤٨٧ ـ ٥٤٠.

الإمام مالك يبقى في بطن أمه ثلاث سنين!!

راجع: تنوير الحوالك شرح موطأ مالك للسيوطي الشافعي: ١/٣، ط دار إحياء الكتب العربية بمصر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ٢/٤٨٩، وفيات الأعيان لابن خلكان في ترجمة مالك: ٤/١٣٧، ط دار صادر، المعارف لابن قتيبة: ٢١٦ و٢٥٧ ط الرحمانية بمصر.

ونقله في كتاب الإمام الصادق والمذاهب الأربعة عن: الانتقاء لابن عبدالبر: ١٢، مناقب مالك للسيوطي: ٦.

(٣) الامام أبو حنيفة.

راجع: رضوات الجنات: ٨/١٦٧ ـ ١٧٦، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ١/٢٨١ ـ ٣٣٠.

١٧

٤ ـ وما الذي أرتج باب الاجتهاد في وجوه المسلمين بعد أن كان في القرون الثلاثة الأولى مفتوحاً على مصراعيه؟ لولا الخلود إلى العجز والاطمئنان الى الكسل، والرضا بالحرمان، والقناعة بالجهل، ومن ذا الذي يرضى لنفسه أن يكون ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ قائلاً بأن الله عز وجل لم يبعث أفضل أنبيائه ورسله بأفضل أديانه وشرائعه؟ ولم ينزل عليه أفضل كتبه وصحفه بأفضل حكمه ونواميسه، ولم يكمل له الدين، ولم يتم عليه النعمة، ولم يعلمه علم ما كان وعلم ما بقي، إلا لينتهي الأمر في ذلك كله إلى أئمة تلك المذاهب فيحتكروه لأنفسهم، ويمنعوا من الوصول إلى شيء منه عن طريق غيرهم، حتى كأن الدين الإسلامي بكتابه وسنته، وسائر بيناته وأدلته من أملاكهم الخاصة، وأنهم لم يبيحوا التصرف به على غير رأيهم، فهل كانوا ورثة الأنبياء، أم ختم الله بهم الأوصياء والأئمة، وعلمهم علم ما كان وعلم ما بقي، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين؟ كلا بل كانوا كغيرهم من أعلام العلم ورعاته، وسدنته ودعاته، وحاشا دعاة العلم أن يوصدوا بابه، أو يصدوا عن سبيله، وما كانوا ليعتقلوا العقول والأفهام ولا ليسملوا أنظار الأنام، ولا ليجعلوا على القلوب أكنة، وعلى الأسماع وقرا، وعلى الأبصار غشاوة، وعلى الأفواه كمامات، وفي الأيدي والأعناق أغلالاً وفي الأرجل قيوداً، لا ينسب ذلك إليهم إلا من افترى عليهم، وتلك أقوالهم تشهد بما نقول.

٥ ـ هلم بنا إلى المهمة التي نبهتنا إليها من لمّ شعث المسلمين، والذي أراه أن ذلك ليس موقوفاً على عدول الشيعة عن مذهبهم، ولا على عدول السنة عن مذهبهم وتكليف الشيعة بذلك دون غيرهم ترجيح بلا مرجح، بل ترجيح للمرجوح، بل تكليف بغير المقدور، كما يعلم مما قدمناه.

نعم يلم الشعث وينتظم عقد الاجتماع بتحريركم مذهب أهل البيت، واعتباركم إياه كأحد مذاهبكم، حتى يكون نظر كل من الشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية إلى شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم كنظر بعضهم إلى بعض، وبهذا ينتظم عقد اجتماعهم.

والاختلاف بين مذاهب أهل السنة لا يقل عن الاختلاف بينها وبين مذهب

١٨
الشيعة(١) تشهد بذلك الألوف المؤلفة في فروع الطائفتين وأصولهما، فلماذا ندد المنددون منكم بالشيعة في مخالفتهم لأهل السنة، ولم ينددوا بأهل السنة في مخالفتهم للشيعة(٢) ؟ بل في مخالفة بعضهم لبعض، فإذا جاز أن تكون المذاهب أربعة، فلماذا لا يجوز أن تكون خمسة؟ وكيف يمكن أن تكون الأربعة موافقة لاجتماع المسلمين، فإذا زادت مذهباً خامساً تمزق الاجتماع، وتفرق المسلمون طرائق قدداً؟ وليتكم اذ دعوتمونا الى الوحدة المذهبية دعوتم أهل المذاهب الأربعة اليها، فإن ذلك أهون عليكم وعليهم(٣) ولم خصصتمونا بهذه الدعوة؟ فهل ترون اتباع أهل البيت سبباً في قطع حبل الشمل ونثر عقد الاجتماع واتباع غيرهم موجباً لاجتماع القلوب واتحاد العزائم، وإن اختلفت المذاهب والآراء، وتعددت المشارب والأهواء؟ ما هكذا الظن بكم، ولا المعروف من مودتكم في القربى والسلام.

ـ ش ـ

(١) الاختلاف بين المذاهب الأربعة:

راجع: كتاب لماذا اخترت مذهب أهل البيت للشيخ محمد الأنطاكي: ١٣ ـ ١٥، ط١ الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ٥/١٧٣ ـ ١٧٧؛ بل مخالفة المذهب نفسه كما في الشافعي بين القديم والجديد كما في كتاب: الامام الصادق والمذاهب الأربعة: ٣/٢٠٥ ـ ٢٠٨، وراجع: اعتراف الشيخ سليم البشري في المراجعة ـ ١٩ ـ من المراجعات، في طريقي الى التشيع للأنطاكي: ١٦.

(٢) رفض السنة النبوية خلافاً للشيعة.

راجع: الغدير للأميني: ١٠/٢٠٩ ـ ٢١١.

(٣) التضارب بين المذاهب الأربعة في المناقب والمثالب.

راجع: الغدير للأميني: ٥/٢٧٧ ـ ٢٨٨ ط بيروت، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ١/١٨٧ ـ ٢٠٢ و٥/١٧٢ ـ ١٧٣.

١٩

المراجعة ٥
٩ ذي القعدة سنة ١٣٢٩

١ ـ اعترافه بما قلناه

٢ ـ التماسه الدليل على سبيل التفصيل

١ ـ أخذت كتابك الكريم مبسوط العبارة، مشبع الفصول، مقبول الأطناب، حسن التحرير، شديد المراء قوي اللداد، لم يدخر وسعاً في بيان عدم وجوب اتباع شيء من مذاهب الجمهور في الأصول والفروع، ولم يأل جهداً في إثبات بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً.

فكتابك قوي الحجة في المسألتين، صحيح الاستدلال على كل منهما، ونحن لا ننكر عليك الامعان في البحث عنهما واستجلاء غوامضهما، وان لم يسبق من التعرض لهما صريحاً ـ والرأي فيهما ما رأيت ـ.

٢ ـ وإنما سألناك عن السبب في إعراضكم عن تلك المذاهب التي أخذ بها جمهور المسلمين، فأجبت بأن السبب في ذلك إنما هو الأدلة الشرعية وكان عليك بيانها تفصيلاً، فهل لك أن تصدع الآن بتفصيلها من الكتاب أوالسنة أدلة قطعية تقطع ـ كما ذكرت ـ على المؤمن وجهته، تحول بينه وبين ما يروم، ولك الشكر والسلام.

ـ س ـ

المراجعة ٦
١٢ ذي القعدة سنة ١٣٢٩

١ ـ الالماع الى الأدلة على وجوب اتباع العترة

٢ ـ أمير المؤمنين يدعو إلى مذهب أهل البيت

٣ ـ كلمة للامام زين العابدين في ذلك

إنكم (بحمد الله) ممن تغنيه الكناية عن التصريح، ولا يحتاج مع الاشارة إلى توضيح، وحاشا لله أن تخالطكم ـ في أئمة العترة اطاهرة ـ شبهة، أو

٢٠