×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

من حياة الخليفة أبي بكر / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب من حياة الخليفة أبي بكر للعلامة الأميني (ص ١ - ص ١٤)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(المغالاة في الفضائل)

لما وقع غير واحد من شعراء الغدير نظراء المترجم البرسي - في شبك النقد والاعتراض، ورموا بالغلو، وجاء غير واحد من المؤلفين (١) فشن عليهم الغارات بالقذف والسباب المقذع فيهمنا إيقاف الباحث على هذا المهم حتى لا يستهويه اللغب و الصخب، ولا يصيخ إلى النعرات الطائفية الممقوتة، وقول الزور فنقول:

الغلو على ما صرح به أئمة اللغة كالجوهري والفيومي والراغب وغيرهم هو تجاوز الحد، ومنه غلا السعر يغلو غلاء، وغلا الرجل غلوا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها قال الحرث بن خالد المخزومي:

خمصانة قلق موشحها * رود الشباب غلابها عظم

ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تغالوا في النساء فإنما هن سقيا الله (٢) وقول عمر: لا تغالوا في مهور النساء (٣) والغلو ممقوت لا محالة أينما كان وحيثما كان في أي أمر كان، ولا سيما في الدين وعليه ينزل قوله تعالى في موضعين (٤) من الذكر الحكيم: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم. ويعني في ذلك كما ذكره المفسرون (٥) غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا. فالافراط والتقصير كله سيئة. والحسنة بين السيئتين كما قاله مطرف بن عبد الله، وقال الشاعر:

وأوف ولا تستوف حقك كله * وصافح فلم يستوف قط كريم
ولا تغل في شئ من الأمر واقتصد * كلا طرفي قصد الأمور ذميم

(١) كابن تيمية وابن كثير، والقصيمي وموسى جار الله. ومن لف لفهم.

(٢) البيان والتبيين ٢ ص ٢١.

(٣) راجع الجزء السادس من الكتاب ص ٩٦ ط ٢.

(٤) النساء: ١٧١، المائدة: ٧٧.

(٥) تفسير القرطبي ٦ ص ٢١.

٢
وقال آخر:

عليك بأوساط الأمور فإنها * نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا

وقال مولانا أمير المؤمنين: إن دين الله بين المقصر والغالي فعليكم بالنمرقة الوسطى فيها يلحق المقصر، ويرجع إليها الغالي (١) غير أن من الواجب تعيين الحد الذي لا يجوز في الدين أن يتجاوزه الانسان لاستلزام الغلو الكذب تارة، والاغراء بالجهل أخرى، وبخس الحقوق الواجبة آونة، لا ما دأبت عليه أمة من الرمي بالغلو كل قائل ما لا يروقها، وتحدوها العصبية العمياء إلى التجهم أمام القول بما لا يلائم ذوقها، ومن هذا الباب أكثر ما ترمى به الشيعة الإمامية من الغلو لاعتقادهم أو روايتهم فضائل لأئمة أهل البيت عليهم السلام، وقد طفحت بها الصحاح والمسانيد، وتدفقت بنقلها الكتب والمؤلفات، حيث لم يقم من نبزهم به لأئمة الهدى وزنا تقيمه الحقيقة ويقتضيه مقامهم الأسمى، ذلك المقام الشامخ المستنبط من الكتاب والسنة والاعتبار الصحيح والقضايا الخارجية الصادقة المتسالم عليها بين الأمة، لولا أن هناك من يتعامى أو يتصامم عن رؤية هذه وسماع هاتك، أو تقصر منته العلمية عن تحليل الفلسفة الصحيحة، أو يقصر باعه عن الإحاطة بالكائنات التاريخية، من الذين استأسرهم الهوى وتدهور بهم الجهل إلى هوة التيه والضلال، فعدوا من الغلو الفاحش القول بعلم الغيب فيهم أو إخبارهم عما في الضمير، أو تكلم الموتى معهم، أو علمهم بمنطق الطير والحيوانات، أو إحياء الله الموتى بدعائهم، أو استجابة دعواتهم في برء الأكمه والأبرص، وبل كل ذي عاهة، أو القول بالرجعة لهم، أو ظهور كرامة لهم تخرق العادة، أو الشخوص إلى زيارة قبورهم والتوسل بهم، والتبرك بتربتهم، والدعاء والصلاة عند مراقدهم، أو التلهف والتأسف على ما انتابهم من المصائب، إلى كثير من أمثال هذه من مبادئ تراها الشيعة في العترة الهادية من فضائلهم المدعومة بالبرهنة الصحيحة والحجج القوية مما أنكرته أبناء حزم وجوزي وتيمية وقيم وكثير ومن حذا حذوهم ولف لفهم.

ولعل لهم العذر في ذلك بأن الذي يرتأونه في الخليفة لا يزيد على أنه رجل يقطع

(١) ربيع الأبرار للزمخشري.
٣
السارق ويقتص من القاتل، ويحفظ الثغور، ويدحر الهرج في الأوساط، ويجمع الفئ ويقسم، إلى أمثال هذه مما هو شأن الملوك والأمراء في الأمم والأجيال، وتعرب عنه خطب أبي بكر وعمر لما استخلفا (١) واستخلاف عثمان ومعاوية وابنه الطاغي، وهلم جرا، وحديث عبد الله بن عمر وحميد بن عبد الرحمن كما يأتي بيانه.

وهم لا يوجبون في الخليفة قوة في النفس منبعثة عن نزاهة وقداسة وعصمة يتصرف بها صاحبها في الكائنات كيفما اقتضته المصلحة، ويبصر المغيب بعين بصيرته، أو بنور بصره الذي لا يقل عن أشعة (رنتجن) التي يبصر صاحبها الأمعاء من وراء الجلد الغليظ وتري ما في قبضة المسك بيده من ظهر اليد، وبلغت بها القوة حتى أخذت بها الصورة الشمسية من وراء سياج الصندوق الحديدي.

والذي يخبت في القوى النفسية إلى مثل التنويم المغناطيسي الصناعي أو استحضار الأرواح واستخدامها للجواب عن كل مسألة يريدها الانسان مما في وراء عالم الشهود بقوة نفسه كيف يسعه إنكار رد الأرواح إلى الأجسام بإذن ربها لدعاء ولي، أو مقدرة صديق موهوبة له من بارئ كيانه؟ وليس على الله بعزيز، هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.

وكذلك من يشهد: إن الطائرات الجوية تطوي مئات من الفراسخ في آونة قصيرة، وكان يستدعي ذلك إشغال أشهر من الزمن يوم كانوا يطوونها على الظهور، أنى يسيغ له حجاه أن ينكر طي الأرض لمن يحمل بين جنبيه قوى مفاضة من المبدء الحق سبحانه؟ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب (٢).

ومثله: الذي يبصر المذياع وهو ينقل الأصوات من أبعد المسافات فيسمعها كأنه يتلو القرآن الكريم، أو يلقي خطابته، أو يسرد أخباره، أو يغني بأهازيجه إلى جنبه فهو لا يسعه إنكار ما يشابه ذلك في إمام حق مؤيد من عند الله، إن الله يسمع من يشاء وما أنت بسمع من في القبور (٣).

(١) راجع الجزء السادس من الكتاب ص ١٩١ ط ٢ وهذا الجزء فيما يأتي.

(٢) سورة النمل آية ٨٨.

(٣) سورة فاطر آية ٢٢

٤
ونظيره: المتكلم الذي تمثل له بالقوى الممثلة صورة من يخاطبه ويتكلم معه (في الهاتف) من صقع شاسع كأنه يراه وينظر إليه من كثب. وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض (١).

وأمثال هذه في المكتشفات الحديثة من آثار الكهرباء وغيره كثيرة ذللت فيهم المعضلات التي كانت تقصر عنها العقول السذج قبل هذا اليوم، ولعل في المستقبل الكشاف يكون ما هو أعظم وأعظم من هذه كلها، فإن العلم لم يقف على حد، ولا دلت البرهنة على وصول الكشف إلى غايته المحدودة، فمن الجائز أن يتدرج إلى الإمام كما تدرج في هذه القرون الأخيرة جلت قدرة بارئها.

أنا لا أحاول جعل تلكم المعاجز وكرامات الأولياء من قبيل ما ذكرته من مجاري الناموس الطبيعي، ولو أنها لا يعدوها الاعجاز حتى لو كانت على تلك المجاري، لأنها حدثت يوم لم تكن هذه الآثار مكتشفة، ولا عرفها أحد من الناس، حتى أنه لو فاه بها أحد لما كانوا يحفلون به إلا بالهزء والسخرية معتقدين بأنه يلهج بالمحال فصدورها من إنسان هذا ظرفه وتلك أحوال أمته، ولم يعهد أنه دخل كلية أو تخرج على يد أستاذ لا يعدوه أن تكون معجزة، لكنا نعتقد أن أولئك الأئمة بما أنهم مقيضون لإصلاح الأمة ولا يكون إلا بخضوعها لهم، وأقوى الحجج لاستلانة جماحها لذلك الخضوع هو صدور المعجزات والخوارق - لهم صلة بالمبدء الأقدس يسددهم بها من فوق عالم الطبيعة، وهو لازم اللطف الواجب على الله سبحانه من تقريب البعيد إلى ما ذكرناه من الاكتشافات الحديثة لتقريب الأذهان وتشحيذها، وإيقاف المنصف على الحقايق. وقد فصلنا القول في بعض الموضوع في الجزء الخامس ٥٢، ٦٥ ط ٢.

فهلم معي إلى أناس يشنعون على الشيعة باثبات تلكم النسب ويقذفونهم بالغلو والكفر والشرك وهم يثبتونها لغير واحد من أولياءهم، وذكروا أضعاف ما عند الشيعة من تلكم الفضائل المرمية بالغلو في تراجم العاديين من رجالهم، ونشروها في الملأ واتخذوها تاريخا صحيحا من دون أي غمز وإنكار في السند، ومن غير مناقشة و نظرة صحيحة في المتون، كل ذلك حبا وكرامة لأولئك الرجال، وحب الشيئ يعمي

(١) سوره الأنعام آية ٧٥.
٥
ويصم، وهذه السيرة مطردة فيهم منذ القرن الأول حتى اليوم، ولا يسع لأي باحث رمي أولئك المؤلفين الحفاظ بالضلال والشرك والغلو وخروجهم عما أجمعت عليه الأمة الإسلامية كما هم رموا الشيعة بذلك، على أن الباحث يجد فيما لفقته يد الدعاية والنشر، ونسجته أكف المخرقة والغلو في الفضائل، عجائب وغرائب أو قل: سفاسف وسفسطات، تبعد عن نطاق العقل السليم، فضلا عن أن تكون مشروعة أو غير مشروعة وإليك البيان:

(الغلو في أبي بكر)

ليس من العسير الشديد عرفان حدود أي فرد شئت من الصحابة، إذ التاريخ - مع ما فيه من الخبط والخلط، مع ما نسجت عليه أيدي المعرة الأثيمة، مع ما طمس صحيحه بالفتن المظلمة في أدوارها وقرونها الخالية، مع ما لعبت به الأهواء المضلة بالتحريف والاختلاق، مع ما دس فيه عباقية الإفك والافتعال، مع ما سودت صفحاته بآراء تافهة، و نظريات سخيفة، ومبادئ فاسدة، ونعرات طائفية، ومخاريق قومية، وجنايات شعوبية - فيه رمز من الحقيقة، لا يختلط للناقد البصير زبده بخاثره، وصحيحه بسقيمه، ويسع له أن يستخرج المحض بالمخض، يتخذ منه دروس الحقايق، ويعرف به حدود الرجال، ومقاييس السلف، ومقادير الأمم الغابرة.

ومن اللازم المحتوم علينا النظرة في تراجم الشخصيات البارزة من رجال الاسلام سلفا وخلفا بعين الإكبار دون عين رمصة، ولا سيما من عرف منهم بالخلافة الراشدة بين الملأ الديني ولو بالانتخاب الدستوري الذي ليس له أي قيمة وكرامة في سوق الاعتبار، وميزان العدل، ربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة (١) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم (٢) ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهو وليهم بما كانوا يعملون، وكذبوا وأتبعوا أهوائهم وكل أمر مستقر.

(١) سورة القصص آية ٦٨.

(٢) سورة الأحزاب آية ٣٦.

٦
فصاحب النبي الأعظم في الغار، والمهاجر الوحيد معه في الرعيل الأول من المهاجرين السابقين يهمنا إكباره وإعظامه، ويعد من الجنايات الفاحشة بخس حقه، والتقصير في تحديد نفسياته، والخروج عن قضاء العدل فيها، والنزول على حكم العاطفة.

ونحن لا نحوم حول موضوع الخلافة وإنها كيف تمت؟ كيف صارت؟ كيف قامت؟ كيف دامت؟ وإن الآراء فيها هل كانت حرة؟ ووصايا المشرع الأعظم هل كانت متبعة؟ أو كانت للأهواء والشهوات يوم ذاك حكومة جبارة هي تبطش وتقبض، وهي ترفع وتخفض، وهي ترتق وتفتق، وهي تنقض وتبرم، وهي تحل وتعقد.

لا يهمنا البحث عن هذه كلها بعد ما سمعت أذن الدنيا حديث السقيفة مجتمع الثويلة، وقرطت بنبأ تلك الصاخة الكبرى، والتحارش العظيم بين المهاجرين والأنصار، إذا وقعت الواقعة، ليس لوقعتها كاذبة، خافضة رافعة.

ما عساني أن أقول؟ والتاريخ بين يدي الباحث يدرسه بأن كل رجل من سواد الناس يوم ذاك كان يرى الفوز والسلامة لنفسه في عدم التحزب بأحد من تلكم الأحزاب المتكثرة، وترك الاقتحام في تلك الثورات النائرة، وكانت الخواطر تهدده بالقتل مهما أبدى الشقاق، أو التحيز إلى فئة دون فئة، بعد ما رأت عيناه فرند الصارم المسلول، وسمعت أذناه نداء محز (١) يتوعد بالقتل كل قائل بموت رسول الله ويقول: لا أسمع رجلا يقول: مات رسول الله. إلا ضربته بسيفي. أو يقول: من قال: إنه مات. علوت رأسه بسيفي، وإنما ارتفع إلى السماء (٢).

يصيح: من قال نفس المصطفى قبضت * علوت هامته بالسيف أبريها (٣)

بعد ما تشازرت الأمة وتلاكمت وتكالمت وقام الشيخان يعرض كل منهما البيعة

(١) المحز: الرجل الغليظ الكلام.

(٢) تأريخ الطبري ٣: ١٩٨، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٢٨، تاريخ ابن كثير ٥:

٢٤٢، تأريخ أبي الفدا ج ١: ١٥٦، المواهب اللدنية للقسطلاني، روضة المناظر لابن شحنة هامش الكامل ٧: ١٦٤، شرح المواهب للزرقاني ٨: ٢٨٠، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية ٣: ٣٧١ - ٣٧٤، ذكرى حافظ للدمياطي ص ٣٦ نقلا عن الغزالي.

(٣) من أبيات القصيدة العمرية لحافظ إبراهيم شاعر النيل.

٧
لصاحبه قبل أخذ الرأي عن أي أحد، كأن الأمر دبر بليل، فيقول هذا لصاحبه: أبسط يدك فلا بايعك. ويقول آخر: بل أنت. وكل منهما يريد أن يفتح يد صاحبه ويبايعه، ومعهما أبو عبيدة الجراح حفار القبور بالمدينة (١) يدعو الناس إليهما (٢) والوصي الأقدس والعترة الهادية وبنو هاشم ألهاهم النبي الأعظم وهو مسجى بين يديهم وقد أغلق دونه الباب أهله (٣) وخلى أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين أهله فولوا إجنانه (٤) و مكث ثلاثة أيام لا يدفن (٥) أو من يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء أو ليلته (٦) فدفنه أهله ولم يله إلا أقاربه (٧) دفنوه في الليل أو في آخره (٨) ولم يعلم به القوم إلا بعد سماع صريف المساحي وهم في بيوتهم من جوف الليل (٩) ولم يشهد الشيخان دفنه صلى الله عليه وآله وسلم (١٠).

بعد ما رأى الرجل عمر بن الخطاب محتجرا يهرول بين يدي أبي بكر وقد نبر حتى أزبد شدقاه (١١).

بعد ما قرعت سمعه عقيرة صحابي بدري عظيم - الحباب بن المنذر - وقد انتضى سيفه على أبي بكر ويقول: والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف،

(١) راجع الجزء الخامس من هذا الكتاب ص ٣١٤، ٣١٥ ط ٢.

(٢) تأريخ الطبري ٣: ١٩٩.

(٣) سيرة ابن هشام ٤: ٣٣٦، الرياض النضرة ١: ١٦٣.

(٤) طبقات ابن سعد ص ٨٢١ ط ليدن ج ٢ من القسم الثاني ص ٧٦.

(٥) تاريخ ابن كثير ٥ ص ٢٧١، تاريخ أبي الفدا ج ١: ١٥٢.

(٦) طبقات ابن سعد ط ليدن ج ٢ ص ٥٨، ٧٩، سيرة ابن هشام ٤ ص ٣٤٣، ٣٤٤، مسند أحمد ٦: ٢٧٤، سنن ابن ماجة ١ ص ٤٩٩، سيرة ابن سيد الناس ٢ ص ٣٤٠، تأريخ أبي الفداء ١: ١٥٢ وقال: الأصح دفنه ليلة الأربعاء، تاريخ ابن كثير ٥ ص ١٧١ وقال: هو المشهور عن الجمهور. وقال: والصحيح أنه دفن ليلة الأربعاء، السيرة الحلبية ٣ ص ٣٩٤، شرح المواهب للزرقاني ٨ ص ٢٨٤، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية ٣ ص ٣٨٠.

(٧) طبقات ابن سعد ص ٨٢٤، ط ليدن ٢ من القسم الثاني ص ٧٨.

(٨) سنن ابن ماجة ١ ص ٤٩٩، مسند أحمد ٦: ٢٧٤.

(٩) الطبقات لابن سعد ص ٨٢٤ ط ليدن ٢ من القسم الثاني ص ٧٨، مسند أحمد ٦: ٢٧٤، سيرة ابن هشام ٤ ص ٣٤٤، تأريخ ابن كثير ٥ ص ٢٧٠.

(١٠) أخرجه ابن أبي شيبة كما في كنز العمال ٣ ص ١٤٠.

(١١) طبقات ابن سعد ص ٧٨٧، ط ليدن ج ٢ من القسم الثاني ص ٥٣، شرح ابن أبي الحديد ١ ص ١٣٣.

٨
أنا جذيلها المحكك (١) وعذيقها المرجب، أنا أبو شبل في عرينة الأسد يعزى إلى الأسد، فيقال عليه: إذن يقتلك الله. فيقول: بل إياك يقتل. أو: بل أراك تقتل (٢) فأخذ ووطئ في بطنه، ودس في فيه التراب (٣).

بعد ما شاهد ثالثا يخالف البيعة لأبي بكر وينادي: أما والله أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل. وأخضب منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم مع من معي من أهلي وعشيرتي (٤).

بعد ما رأى رابعا يتذمر على البيعة، ويشب نار الحرب بقوله: إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم (٥).

بعد ما نظر إلى مثل سعد بن عبادة أمير الخزرج وقد وقع في ورطة الهون ينزى عليه، وينادى عليه بغضب: اقتلوا سعدا قتله الله إنه منافق. أو: صاحب فتنة. وقد قام الرجل على رأسه ويقول: لقد هممت أن أطئك حتى تندر عضوك. أو تندر عيونك (٦).

بعد ما شاهد قيس بن سعد قد أخذ بلحية عمر قائلا: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة. أو: لو خفضت منه شعرة ما رجعت وفيك جارحة (٧)

(١) الجذل بالكسر والفتح: أصل الشجرة والعود الذي ينصب للإبل الجربى لتحتك به فتستشفى به، فالقول مثل يضرب لمن يستشفى برأيه ويعتمد عليه، والتصغير للتعظيم.

وكذلك عذيقها المرجب. والعذق: النخلة بحملها والترجيب أن تدعم الشجرة إذ أكثر حملها لئلا تنكسر أغصانها.

(٢) صحيح البخاري ١٠ ص ٤٥، مسند أحمد ١ ص ٥٦، البيان والتبيين ٣ ص ١٨١.

سيرة ابن هشام ٤ ص ٣٣٩ العقد الفريد ٢ ص ٢٤٨، الإمامة والسياسة ١ ص ٩، تأريخ الطبري ٣ ص ٢٠٩، ٢١٠، تاريخ ابن الأثير ٢ ص ١٣٦، ١٣٧، الرياض النضرة ١ ص ١٦٢، ١٦٤، تاريخ ابن كثير ٥ ص ٢٤٦ ج ٧ ص ١٤٢، الصفوة ١ ص ٩٧، تيسير الوصول ٢ ص ٤٥، شرح ابن أبي الحديد ١ ص ١٢٨ و ج ٢ ص ٤، السيرة الحلبية ٣ ص ٣٨٧، أبو بكر الصديق للأستاذ محمد رضا المصري ص ٢٥.

(٣) شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ١٦.

(٤) الإمامة والسياسة ١ ص ١١، تاريخ الطبري ٣ ص ٢١٠، تاريخ ابن الأثير ٢ ص ١٣٧، شرح ابن أبي الحديد ١ ص ١٢٨، السيرة الحلبية ٣ ص ٣٨٧.

(٥) راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا صفحة ٢٥٣ ط ٢.

(٦) مسند أحمد ١ ص ٥٦، العقد الفريد ٢ ص ٢٤٩، تاريخ الطبري ٣ ص ٢١٠، سيرة ابن هشام ٤ ص ٣٣٩، الرياض النضرة ١: ١٦٢، ١٦٤، السيرة الحلبية ٣ ص ٣٨٧.

(٧) تاريخ الطبري ٣ ص ٢١٠، السيرة الحلبية ٣ ص ٣٨٧.

٩
بعد ما عاين الزبير وقد اخترط سيفه ويقول: لا أغمده حتى يبايع علي فيقول عمر:

عليكم الكلب، فيؤخذ سيفه من يده ويضرب به الحجر ويكسر (١).

بعد ما بصر مقدادا ذلك الرجل العظيم وهو يدافع في صدره أو نظر إلى الحباب ابن المنذر وهو يحطم أنفه، وتضرب يده. أو إلي اللائذين بدار النبوة، مأمن الأمة، وبيت شرفها، بيت فاطمة وعلي سلام الله عليهما وقد لحقهم الارهاب والترعيد (٢) وبعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب وقال لهم: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت: يا بن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخل فيه الأمة (٣).

بعد ما رأى هجوم رجال الحزب السياسي دار أهل الوحي وكشف بيت فاطمة (٤) وقد علت عقيرة قائدهم بعد ما دعا بالحطب: والله لتحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة. أو لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقنها على من فيها، فيقال للرجل: إن فيها فاطمة فيقول: وإن (٥).

بعد قول ابن شحنة: إن عمر جاء إلى بيت علي ليحرقه على من فيه فلقيته فاطمة فقال: ادخلوا فيما دخلت فيه الأمة " تاريخ ابن شحنة هامش الكامل ٧ ص ١٦٤ ".

بعد ما سمع أنة وحنة من حزينة كئيبة - بضعة المصطفى - وقد خرجت عن خدرها وهي تبكي وتنادي بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة؟ (٦).

(١) الإمامة والسياسة ١ ص ١١، تاريخ الطبري ٣ ص ١٩٩، الرياض النضرة ١ ص ١٦٧، شرح ابن أبي الحديد ١ ص ٥٨، ١٣٢، ج ٢ ص ٥، ١٩.

(٢) تاريخ الطبري ٣: ٢١٠، شرح ابن أبي الحديد ١: ٥٨.

(٣) العقد الفريد ٢: ٢٥٠ تاريخ أبي الفدا ج ١: ١٥٦، أعلام النساء ٣: ١٢٠٧.

(٤) الأموال لأبي عبيد ص ١٣١، الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١: ١٨، تاريخ الطبري ٤: ٥٢ مروج الذهب ١: ٤١٤، العقد الفريد ٢: ٢٥٤، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٠٥.

(٥) تاريخ الطبري ٣: ١٩٨، الإمامة والسياسة ١: ١٣، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٣٤.

ج ٢: ١٩ أعلام النساء ٣: ١٢٠٥.

(٦) الإمامة والسياسة ١: ١٣ أعلام النساء ٣: ١٢٠٦. الإمام على لعبد الفتاح عبد المقصود ١: ٢٢٥

١٠
بعد ما رآها وهي تصرخ وتولول ومعها نسوة من الهاشميات تنادي: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله.

" شرح ابن أبي الحديد ١ ص ١٣٤ ج ٢ ص ١٩ "

بعد ما شاهد هيكل القداسة والعظمة أمير المؤمنين يقاد إلى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش (١) ويدفع ويساق سوقا عنيفا واجتمع الناس ينظرون ويقال له: بايع: فيقول: إن أنا لم أفعل فمه؟ فيقال: إذن والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك فيقول: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله (٢).

بعد ما رأى صنو المصطفى عليا لاذ بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصيح ويبكي و يقول: يا ابن أم! إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني (٣).

بعد نداء أبي عبيدة الجراح لعلي عليه السلام يوم سيق إلى البيعة: يا بن عم إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالا واستطلالا، فسلم لأبي بكر هذا الأمر فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في حصلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك (٤).

بعد رفع الأنصار عقيرتهم في ذلك اليوم العصبصب بقولهم: لا نبايع إلا عليا. و بعد صياح بدريهم: منا أمير ومنكم أمير، وقول عمر له: إذ كان ذلك فمت إن استطعت (٥).

بعد قول أبي بكر للأنصار: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم

(١) العقد الفريد ٢ ص ٢٨٥، صبح الأعشى ١ ص ٢٢٨. شرح ابن أبي الحديد ٣ ص ٤٠٧.

(٢) الإمامة السياسة ١ ص ١٣، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٨ و ١٩، أعلام النساء ٣ ص ١٢٠٦.

(٣) الإمامة والسياسة ١: ١٤.

(٤) الإمامة والسياسة ١ ص ١٣، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٥.

(٥) صحيح البخاري في مناقب أبي بكر وفي باب رجم الحبلى ج ١٠ ص ٤٥، طبقات ابن سعد ٢ ص ٥٥ و ج ٣ ص ١٢٩، البيان والتبيين للجاحظ ٣ ص ١٨١، سيرة ابن هشام ٤ ص ٣٣٩.

التمهيد للباقلاني ص ١٩٧، تاريخ الطبري ٣ ص ٢٠٦ و ٢٠٩، مستدرك الحاكم ٣ ص ٦٧، الرياض النضرة ١ ص ١٦٢، ١٦٣، ١٦٤، تاريخ ابن كثير ٥ ص ١٤٦، تيسير الوصول ٢ ص ٤١، ٤٥،

١١
نصفان كشق الأبلمة - يعني الخوصة - (١)

مدت لها الاوس كفاكي تناولها * فمدت الخزرج الأيدي تباريها
وظن كل فريق أن صاحبه * أولى بها وأتى الشحناء آتيها (٢)

بعد قول أم مسطح بن أثاثة واقفة عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وهي تنادي: يا رسول الله!

قد كان بعدك أنباء وهنبثة (٣) * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب (٤)

هذه كلها كانت تهدد السواد، وتروع عامة الناس وما كان لأحد في إصلاح القوم مطمع، ولا لأي من الأمة بعد ما شاهد الحل يوم ذاك حسبان حرمة ولا كرامة لنفسه يقوم بها تجاه ذلك التيار المتدفق.

وكانت هناك أمة تراها سكارى - وما هي بسكارى - من حراجة الموقف تسارها هواجسها بالتربص إلى حين، حتى تضع الغائلة أوزارها، ويتضح مآل أمر دبر بليل، ويتبين الرشد من الغي، وهواجس تجعل جماعة كالنزيعة تجهش وتحن وتقرع سن الأسف، وكم حنون لا يجديه حنينه.

وما عساني أن قول في تلك الخلافة؟ بعد ما رآها أبو بكر وعمر بن الخطاب فلتة كفلتة الجاهلية وقى الله شرها (٥).

بعد ما حكم عمر بقتل من عاد إلى مثل تلك البيعة (٦).

بعد قوله يوم السقيفة: من بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا

(١) صحيح البخاري في مناقب أبي بكر البيان والتبيين ١ ص ١٨١، عيون الأخبار لابن قتيبة ٢ ص ٢٣٤، طبقات ابن سعد ٢ ص ٥٥، ج ٣ ص ١٢٩، العقد الفريد ٢ ص ١٥٨، تيسير الوصول ٢ ص ٤٥٢، السيرة الحلبية ٣ ص ٣٨٦، نهاية ابن الأثير ١ ص ١٣ فيه: كقد الأبلمة. تاج العروس ٨ ص ٢٠٥.

(٢) من أبيات القصيدة العمرية الحافظ إبراهيم شاعر النيل.

(٣) الهنبثة: الأمر الشديد والاختلاط في القول.

(٤) طبقات ابن سعد ص ٨٥٣، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ١٧، و ج ١ ص ١٣٢، وقد يعزى البيتان مع أبيات أخرى إلى الصديقة فاطمة سلام الله عليها.

(٥) التمهيد للباقلاني ص ١٩٦، شرح ابن أبي الحديد ٢: ١٩، الغدير لنا ج ٥: ٣٧٠.

(٦) التمهيد ص ١٩٦ شرح ابن أبي الحديد ١: ١٢٣، ١٢٤، الصواعق لابن حجر ص ٢١.

١٢
بيعة للذي بايعه تغرة أن يقتلا (١).

بعد قوله لابن عباس: لقد كان علي فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر (٢) بعد قوله: إنا والله ما فعلناه عن عداوة ولكن استصغرناه، وحسبنا أن لا يجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها.

بعد قول ابن عباس له في جوابه: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره، أفتستصغره أنت وصاحبك؟ (٣).

بعد قول عمر لابن عباس: يا بن عباس! ما أظن صاحبك إلا مظلوما. وقول ابن عباس له: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر،

(شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ١٨)

بعد قول أبي السبطين أمير المؤمنين: أنا عبد الله وأخو رسول الله، أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، فيقول عمر: لست متروكا حتى تبايع.

فيقول علي: احلب يا عمر! حلبا لك شطره (٤).

بعد قوله عليه السلام: الله الله يا معشر المهاجرين! ألا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره، وقعر بيته إلى دوركم، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين فنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، العالم بسنن الله، المتطلع لأمر الرعية الدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا (٥)

بعد قوله عليه السلام: لما مضى - المصطفى - لسبيله تنازع المسلمون الأمر بعده، فوالله ما كان يلقى في روعى، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذ الأمر بعد محمد

(١) صحيح البخاري ١٠: ٤٤ باب رجم الحبلى من الزنا، مسند أحمد ١: ٥٦، سيرة ابن هشام ٤: ٣٣٨ نهاية ابن الأثير ٣: ١٧٥، تيسير الوصول ٢: ٤٥ شرح ابن أبي الحديد ١: ١٢٨، تاريخ ابن كثير ٥: ٢٤٦.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١: ١٣٤ و ج ٢: ٢٠، الغدير كتابنا هذا ج ١: ٣٨٩.

(٣) راجع الجزء الأول من كتابنا هذا ص ٣٨٩ ط ٢، كنز العمال ٦ ص ٣٩١.

(٤) الإمامة والسياسة ١ ص ١٢، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٥.

(٥) الإمامة والسياسة ١ ص ١٢، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٥.

١٣
عن أهل بيته، ولا إنهم منحوه عني من بعده فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر، وإجفالهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي ورأيت أني أحق بمقام محمد في الناس ممن تولى الأمر من بعده (١).

بعد ما خرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله! قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي كرم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع سلطانه؟

فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم (٢).

بعد قوله عليه السلام: أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده.

((ثم تمثل بقول الأعشى)).

شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر

فيا عجبا يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشد ما تشطرا ضرعيها، فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن اشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلون واعتراض، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، لكني أسففت إذا سفوا، وطرت إذا طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره مع هن وهن، إلى أن قام ثالث القوم نافجا

(١) الإمامة والسياسة ١ ص ١٢.

(٢) الإمامة والسياسة ١: ١٢، شرح ابن أبي الحديد ١: ١٣١، ج ٢: ٥.

١٤
كتاب من حياة الخليفة أبي بكر للعلامة الأميني (ص ١٥ - ص ٢٩)
١٥

١٠ - أبو جعفر ابن بابويه القمي المتوفى ٣٨١ في كتابيه: علل الشرايع ومعاني الأخبار.

١١ - أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري المتوفى ٣٨٢. حكى عنه شيخنا الصدوق شرح الخطبة في معاني الأخبار والعلل.

* (لفت نظر) *

عده السيد العلامة الشهرستاني في (ما هو نهج البلاغة) ص ٢٢ ممن روى الشقشقية فأرخ وفاته بسنة ٣٩٥، وذكره في ص ٢٣ فقال: من أبناء القرن الثالث. لا يتم هذا ولا يصح ذاك، وقد خفي عليه أن الحسن بن عبد الله العسكري راوي الشقشقية هو أبو أحمد صاحب كتاب الزواجر وقد توفي سنة ٣٨٢ وولد ٢٩٣، وحسبه أبا هلال الحسن بن عبد الله العسكري صاحب كتاب " الأوائل " تلميذ أبي أحمد العسكري والتاريخ الذي ذكره تاريخ فراغه من كتابه الأوائل لا تاريخ وفاته. توجد ترجمة كلا الحسنين العسكريين فمعجم الأدباء ٨: ٢٣٣ - ٢٦٨، وبغية الوعاة ص ٢٢١.

١٢ - أبو عبد الله المفيد المتوفى ٤١٢، أستاذ الشريف الرضي رواها في كتابه (الارشاد) ص ١٣٥.

١٣ - القاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى ٤١٥: ذكر في كتابه " المغني " تأويل بعض جمل الخطبة ومنع دلالتها على الطعن في خلافة من تقدم على أمير المؤمنين من دون أي إيعاز إلى الغمز في إسنادها.

١٤ - الحافظ أبو بكر ابن مردويه المتوفى ٤١٦، كما في طريق الراوندي في شرح النهج.

١٥ - الوزير أبو سعيد الآبي المتوفى ٤٢٢ في كتابه (نثر الدرر ونزهة الأديب.

١٦ - الشريف المرتضى أخو الشريف الرضي الأكبر توفي سنة ٤٣٦ ذكر جملة منها في الشافي ص ٢٠٣ فقال: مشهور: وذكر صدرها في ص ٢٠٤ فقال: معروف.

١٧ - شيخ الطائفة الطوسي المتوفى ٤٦٠ رواها في أماليه ص ٣٢٧ عن السيد أبي الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار المترجم في مستدرك العلامة النوري ٣: ٥٠٩ من طريق الخزاعيين. وفي تلخيص الشافي.

م ١٨ - أبو الفضل الميداني المتوفى ٥١٨ في مجمع الأمثال ص ٣٨٣ قال: و

١٦
لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه خطبة تعرف بالشقشقية لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال له حين قطع كلامه: يا أمير المؤمنين! لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت فقال:

هيهات يا ابن عباس! تلك شقشقة هدرت ثم قرت ].

١٩ - أبو محمد عبد الله بن أحمد البغدادي الشهير بابن الخشاب المتوفى ٥٦٧ قرأها عليه أبو الخبر مصدق الواسطي النحوي، وسيوافيك بعيد هذا كلامه فيها.

٢٠ - أبو الحسن قطب الدين الراوندي المتوفى ٥٧٣ رواها في شرح نهج البلاغة من طريق الحافظين: ابن مردويه والطبراني وقال: أقول: وجدتها في موضعين تاريخهما قبل مولد الرضي بمدة، أحدهما: أنها مضمنة كتاب " الانصاف " لأبي جعفر ابن قبة تلميذ أبي القاسم الكعبي أحد شيوخ المعتزلة وكانت وفاته قبل مولد الرضي. الثاني: وجدتها بنسخة عليها خط الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات وكان وزير المقتدر بالله، وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة، والذي يغلب على ظني أن تلك النسخة كانت كتبت قبل وجود ابن الفرات بمدة.

٢١ - أبو منصور الطبرسي أحد مشايخ ابن شهر آشوب المتوفى ٥٨٨ في كتابه " الاحتجاج " ص ٩٥ فقال: روى جماعة من أهل النقل من طرق مختلفة عن ابن عباس.

٢٢ - أبو الخير مصدق بن شبيب الصلحي النحوي المتوفى ٦٠٥ قرأها على أبي محمد ابن الخشاب وقال: لما قرأت هذه الخطبة على شيخي أبي محمد ابن الخشاب ووصلت إلى قول ابن عباس: ما أسفت على شئ قط كأسفي على هذا الكلام. قال: لو كنت حاضرا لقلت لابن عباس: وهل ترك ابن عمك في نفسه شيئا لم يقله في هذه الخطبة؟ فإنه ما ترك لا الأولين ولا الآخرين. قال مصدق: وكانت فيه دعابة فقلت له: يا سيدي؟ فلعلها منحولة إليه. فقال: لا والله إني أعرف أنها من كلامه كما أعرف أنك مصدق، قال فقلت: إن الناس ينسبونها إلى الشريف الرضي فقال: لا والله، ومن أين للرضي هذا الكلام وهذا الأسلوب؟ فقد رأينا كلامه في نظمه ونثره لا يقرب من هذا الكلام ولا ينتظم في سلكه ثم قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنف قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي " راجع

١٧
شرح ابن ميثم. وشرح ابن أبي الحديد ١: ٦٩ ".

٢٣ - مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير الجزري المتوفى ٦٠٦، أوعز إليها في كلمة " شقشق " في النهاية ج ٢: ٢٩٤ فقال: ومنه حديث علي في خطبة له: تلك شقشقة هدرت ثم قرت.

٢٤ - أبو المظفر سبط ابن الجوزي المتوفى ٦٥٤ في تذكرته ص ٧٣ من طريق شيخه أبي القاسم النفيس الأنباري بإسناده عن ابن عباس فقال: تعرف بالشقشقية ذكر بعضها صاحب نهج البلاغة وأخل بالبعض وقد أتيت بها مستوفاة ثم ذكرها مع اختلاف ألفاظها.

٢٥ - عز الدين ابن أبي الحديد المعتزلي المتوفى ٦٥٥ قال في شرح النهج ١: ٦٩.

قلت: وقد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة. ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر ابن قبة أحد متكلمي الإمامية وهو الكتاب المشهور بكتاب " الانصاف " وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه الله تعالى ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي رحمه الله تعالى موجودا.

٢٦ - كمال الدين ابن ميثم البحراني المتوفى ٦٧٩، حكاها عن نسخة قديمة عليها خط الوزير علي بن الفرات المتوفى ٣١٢، وعن كتاب " الانصاف " لابن قبة، وذكر كلمة ابن الخشاب المذكورة وقراءة أبي الخير إياها عليه.

٢٧ - أبو الفضل جمال الدين ابن منظور الأفريقي المصري المتوفى ٧١١ قال في مادة (شقشق) من كتابه (لسان العرب) ج ١٢: ٥٣: وفي حديث علي رضوان الله عليه في خطبة له: تلك شقشقة هدرت ثم قرت.

٢٨ - مجد الدين الفيروز آبادي المتوفى ٨١٦ / ١٧ أوعز إليها في القاموس ج ٣: ٢٥١ قال: والخطبة الشقشقية العلوية لقوله لابن عباس لما قال له: لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت: يا بن عباس! هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت.

ثم ما عساني أن أقول بعد ما يعربد شاعر النيل (١) اليوم، ويأجج النيران الخامدة

(١) محمد حافظ إبراهيم المتوفى سنة ١٩٣٣ م ١٣٥١ ه‍.
١٨
ويجدد تلكم الجنايات المنسية (لاها الله لا تنسى مع الأبد) ويعدها ثناء على السلف، ويرفع عقيرته بعد مضي قرون على تلكم المعرات، ويتبهج ويتبجح بقوله في القصيدة (العمرية) تحت عنوان: عمر وعلي:

وقولة لعلي قالها عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها
: حرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمام فارس عدنان وحاميها

ماذا أقول بعد ما تحتفل الأمة المصرية في حفلة جامعة في أوائل سنة ١٩١٨ بإنشاد هذه القصيدة العمرية التي تتضمن ما ذكر من الأبيات؟ وتنشرها الجرائد في أرجاء العالم، ويأتي رجال مصر نظراء أحمد أمين. وأحمد الزين. وإبراهيم الأبياري (١) و علي جارم. وعلي أمين (٢) وخليل مطران (٣) ومصطفى الدمياطي بك (٤) وغيرهم (٥) ويعتنون بنشر ديوان هذا شعره، وبتقدير شاعر هذا شعوره، ويخدشون العواطف في هذه الأزمة في هذا اليوم العصبصب، ويعكرون بهذه النعرات الطائفية صوف السلام الوئام في جامعة الاسلام ويشتتون بها شمل المسلمين، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا.

وتراهم يجددون طبع ديوان الشاعر وقصيدته العمرية خاصة مرة بعد أخرى ويعلق عليها شارحها الدمياطي قوله في البيت الثاني: المراد أن عليا لا يعصمه عن عمر سكنى بنت المصطفى في هذه الدار.

وقال في ص ٣٩ من الشرح: وفي رواية لابن جرير الطبري قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وبه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة فخرج عليه

(١) ضبط وصحح وشرح هؤلاء الثلاث الديوان طبعة سنة ١٩٣٧ م بدار الكتب في جزئين والأبيات المذكورة توجد فيها ج ١ ص ٨٢.

(٢) هما ومعهما ثالث التزموا تصحيح الديوان في طبعة أخرى.

(٣) له مقدمة لديوان الحافظ في طبعة مكتبة الهلال سنة ١٩٣٥ م ١٣٥٣ ه‍ والأبيات فيها ص ١٨٤ غير أن الشطر الثاني من البيت الثاني محرف: إن لم تبالغ وبنت المصطفى فيها.

(٤) شارح القصيدة العمرية طبع بمطبعة السعادة في مصر في ٩٠ صفحة. توجد الأبيات فيه مشروحة ص ٣٨.

(٥) في عدة طبعات أخرى.

١٩
الزبير مصلتا بالسيف فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه. فإن كان زياد هذا هو الحنظلي أبو معشر الكوفي فهو موثق. والظاهر أن حافظا رحمه الله عول على هذه الرواية ه‍.

وتراهم بالغوا في الثناء على الشاعر وقصيدته هذه كأنه جاء للأمة بعلم جم، أو رأي صالح جديد، أو أتى لعمر بفضيلة رابية تسر بها الأمة ونبيها المقدس، فبشرى بل بشريان لنبي الأعظم بأن بضعته الصديقة لم تكن لها أي حرمة وكرامة عند من يلهج بهذا القول، ولم يكن سكناها في دار طهر الله أهلها يعصمهم منه ومن حرق الدار عليهم فزه زه بانتخاب هذا شأنه وبخ بخ ببيعة تمت بذلك الإرهاب قضت بتلك الوصمات.

لا تهمنا هذه كلها وإنما يهمنا الساعة " بعد أن درسنا تاريخ حياة الخليفة الأول فوجدناه لدة غيره من الناس العاديين في نفسياته قبل إسلامه وبعده، وإنما سنمه عرش الخلافة الانتخاب فحسب " البحث في موضوعين ألا وهما: فضائله المأثورة. وملكاته النفسية.

- ١ -
(فضائله المأثورة)

هل صح عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله فيه حديث فضيلة؟ وهل صحيح ما رووه فيه من الثناء الكثير الحافل؟ نحن هيهنا نقف موقف المستشف للحقيقة، ولا ننبس في القضاء ببنت شفة، غير ما ننقله عن أئمة فن الحديث المميزين بين صحيحه وسقيمه، ثم نردفه بالاعتبار الذي يساعده.

قال الفيروز آبادي في خاتمة كتابه " سفر السعادة المطبوع: خاتمة الكتاب في الإشارة إلى أبواب روي فيها أحاديث وليس منها شيئ صحيح، ولم يثبت منها عند جهابذة علماء الحديث شيئ. ثم عد أبوابا إلى أن قال:

باب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه. أشهر المشهورات من الموضوعات أن الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة. وحديث: ما صب الله في صدري شيئا

٢٠