×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

منهج الرشاد لمن أراد السداد / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

إليهم منهم، وليقربوا إلى الله زلفى.

وأمّا ما ذكرته من (النذر لغير الله تعالى) و(الذبح لغير الله)، وهذا أيضاً إن أريد أنهم يذبحون مهلّين باسم غير الله، أو ينذرون تعبداً لغير الله. فذلك لم يصدر من أحد من المسلمين، وكل من فعل ذلك، فهم منه براء، سواء كان ذلك عبادةً لغير الله، أو كان لأجل أن يقرب إلى الله.

وأمّا لو كان من باب إهداء ثواب المذبوح والمنحور والمنذور إلى أولياء الله وعباده الصالحين، فهو من أعظم الطاعات، وأفضل القربات، وقد بيّنا ذلك في بعض المقامات.

قولك: إن ذلك حقيقة دين المشركين أعداء رسل رب العالمين، كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم إبراهيم، فأخبر الله عنهم بذلك في كتابه المبين، حيث يقول وهو أصدق القائلين (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله)(١) فأخبر الله أنهم ما عبدوهم إلا ليقربوهم الى الله زلفى، وقال سبحانه وتعالى: (ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا الى الله زلفى)(٢) .

فتأمل كيف أخبر الله سبحانه عنهم أنهم ما قصدوا بعبادتهم غير الله إلاّ التقرب الى الله والشفاعة عنده، وإلاّ فهم مقرّون أنّ الله هو المدبّر لأمر هذا العالم العلوي والسفلي، كما أخبر الله عنهم أنهم أقروا بذلك، قال الله تعالى: (قل من يرزقكم من السّماء والأرض أمّن يملك السّمع والبصر ومن يخرج الحّي من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ ومن يدبّر الأمر فسيقولون الله قل أفلا تتّقون)(٣) .

أقول: إنّ لكلّ حقّ حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، إنّ عبدة غير الله قد اتخذوا آلهة دون الله تعالى أو مع الله وجعلوا لهم أنداداً وأمثالاً لله، قال الله تعالى: (أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم نفعاً ولا ضرّاً)(٤) ، وقال: (فلا تجعلوا لله أنداداً)(٥) ، وقال: (وجعلوا لله شركاء الجنّ)(٦) ، وقال: (لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة)(٧) ، وقال:

(١) القرآن الكريم: ١٠/١٨ (سورة يونس).

(٢) القرآن الكريم: ٣٩/٣ (سورة الزمر).

(٣) القرآن الكريم: ١٠/٣١ (سورة يونس).

(٤) القرآن الكريم: ٥/٧٦ (سورة المائدة).

(٥) القرآن الكريم: ٢/٢٢ (سورة البقرة).

(٦) القرآن الكريم: ٦/١٠٠ (سورة الأنعام).

(٧) القرآن الكريم: ٥/٧٣ (سورة المائدة).

٨١
(يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله)(١) ، وقال: (أئنّكم لتشهدون أنّ مع الله آلهة أخرى)(٢) ، وقال: (لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح بن مريم)(٣) .

ثم المذمة لم تكن على اعتقاد الشفاعة، أو التقرب زلفى، بل على العبادة بهذا القصد، والمراد بالعبادة أعمال خاصة كما بيّناه.

وقولك ((إن ذلك حقيقة دين المشركين، كقوم نوح وعاد وثمود)) كيف ذلك، وقد أخبر الله عنهم بقوله: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود) ، إلى قوله: (فردّوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به)(٤) وأخبر عن قوم (عاد) أنهم قالوا لهود: (وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك)(٥) وعن قوم صالح أنهم قالوا له: (أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا)(٦) وعن قوم شعيب أنهم قالوا له: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا)(٧) ، وعن قوم إبراهيم أنهم كذّبوا الرسل.

فهؤلاء الطوائف بصريح القرآن كذبوا الرسل، وردوا قولهم، وعاندوهم، فلو كانوا مقرّين لكانوا كفاراً لكفر العناد ككفر إبليس.

فيا أخي أقسمت عليك بمن خلقنا من تراب، ثم أودعنا الأصلاب أن تترك الجدال، وتتأمل في حقيقة الحال، كيف تشبّه أعمال المسلمين بأعمال عبدة الأصنام وغيرها مع أنهم أنكروا نبوّة الأنبياء، وردّوا عليهم بعد أن أمروهم، ولم يسمعوا لهم قولاً، ولا قبلوا لهم فعلاً.

ثم أنهم عبدوا طواغيتهم بالعبادة الحقيقية، لاعتقاد أنّ لهم تصرفاً في الأكوان، أو في إرضاء الملك الديان، وإلاّ لم يذمهم الرحمن، ولا أنكر عليهم كل فعل كان.

ثم تعللوا بأنا لا نقدر على عبادة الله سبحانه، فنعبدهم ونكتفي بعبادتهم وهم يقربونا، كما أوردنا بذلك بعض الروايات في بعض المقامات.

(١) القرآن الكريم: ٥/١١٦ (سورة المائدة).

(٢) القرآن الكريم: ٦/١٩ (سورة الأنعام).

(٣) القرآن الكريم: ٥/١٧ (سورة المائدة).

(٤) القرآن الكريم: ١٤/٩ (سورة إبراهيم).

(٥) القرآن الكريم: ١١/٥٣ (سورة هود).

(٦) القرآن الكريم: ١١/٦٢ (سورة هود).

(٧) القرآن الكريم: ١١/٧٨ (سورة هود).

٨٢

وعلى كلّ حال لا يتأمل مسلم في أنّ العبادة الحقيقية من الصلاة والصيام وغيرهما لا تكون لغير الله، فأن كان التصديق عن الأولياء والذبح لهم والنذر لهم عبادة، فنحن عبيد آبائنا وأمهاتنا وأمواتنا الذين نتصدق عنهم، أو ننذر لهم، ونذبح لهم.

‌ وإن كان طلب الدعاء منهم وندبتهم على الدعاء والشفاعة كفراً، فعلى الأسلام السلام، فانه ليس في الوجود أحد لا يلتمس الدعاء من إخوانه، أو يستغيث بهم في طلب نجاته، وإن دعاء المؤمن للمؤمن أسرع للأجابة لأنه دعاء بلسان لم يعص به. ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌

فيا أخي، المقاصد متفاوتة، وإنّما الأعمال بالنيات ولكلّ امرىءٍ ما نوى (١)، فربّ كلمة ظاهرها الأسلام، تصير بالنية كلمة كفر، وبالعكس.

وأما قولك: فأنّ الذي يفعل عندنا في مشهد علي رضى الله عنه من دعوة، واستغاثة، ورجاء، وخوف، وخشية. انه ليس بعبادة، فأنهم ما قصدوا بدعوتهم (علياً) وغيره إلاّ ليشفع لهم عند الله.

فأن قلت: أولئك يدعون الأصنام، ونحن لا ندعو إلاّ الصالحين.

قلنا: وكذلك المشركون منهم يدعون الصالحين ويعبدونهم مع الله، كعيسى ومريم والملائكة.

فأن قلتم: إنّ الدعوة لا تسمّى عبادة.

قلنا: بل هي عبادة وأي عبادة، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الدعاء هو العبادة. ويلي قوله تعالى: (ادعوني أستجب لكم)(٢) .

وأصل دين الأسلام هو إخلاص العبادة بجميع انواعها من الذبح والدعوة، والنذر، والتوكل، والخشية، والرغبة، والأنابة، ولا يقبل الله من الأعمال إلاّ ما اجتمع فيه شرطان:

الأول: ألاّ يعبد إلا الله وحده.

الثاني: ألا يعبد إلاّ بما شرع على لسان رسوله، كما قال الله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً)(٣) .

(١) البخاري (بدء الوحي)، باب ١؛ وصحيح مسلم (كتاب الأمارة)، باب ١٥٥؛ والنسائي (كتاب الطهارة)، باب٥٩؛ وابن ماجه (كتاب الزهد)، باب ٢٦.

(٢) القرآن الكريم: ٤٠/٦٠ (سورة غافر).

(٣) القرآن الكريم: ١٨/١١٠ (سورة الكهف).

٨٣

أقول: إن كان المدار على الصور دون الحقائق، فسجود الملائكة لآدم، وسجود يعقوب ليوسف، قاض بأنهما عبدا غير الله.

وإن قلت: بأن تعلق ارادة الشرع دفعت المنع. فقد أوردنا من الأخبار وكلام الصحابة ما يفيد عدم المنع، من أمثال الصور التي ذكرت.

ثم بالله عليك أنصف، ما الفرق بين قول الصديق لصاحبه في السجن (أذكرني عند ربك)(١) وبين قولنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذكرني عند ربك)).

ثم كيف باستغاثة ولي موسى(٢) ولم يحكم عليه بالكفر؟! ثم كيف باستطعام موسى والخضر أهل القرية(٣) ؟ ثم كيف يقول أصحاب موسى (لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربّك)(٤) ثم ما معنى قول الأسباط ليعقوب (إستغفر لنا ذنوبنا) فقال: (سوف أستغفر لكم ربّي)(٥) ؟!

وعلى كل حال إن أريدت الحقائق في الأستغاثات والدعوات وغيرها، ففي ذلك خروج عن طريقة الأسلام، وإلاّ فلا بأس، وإلاّ للزم ألاّ يخرج من الكفر أحد من العالم، ولا يمكنك والله ولا يسعك إلاّ أن تقول إنّما يراد دعاء خاص، واستغاثة خاصة ونحو ذلك، فيرتفع المحذور.

وأما من قصد حقيقة العبادة مع غير الله، ليتقرب إلى الله زلفى، أو لغير ذلك، فهو خارج عن ربقة الأسلام.

وما ذكرتم من أنّا نفرّق بين الصالحين وغيرهم، فمعاذ الله أن نفرق بين من يعبد موسى أو محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، أو يناديهم ويدعوهم، أو يستغيث بهم أحياءً وأمواتاً، ويلجأ اليهم على أنّ لهم الأمر أو ليقربوه زلفى، وبين من يعبد فرعون، وهامان، وإبليس.

أين النفوس المقرونة بالأبدان التي تتغير من أدنى حوادث الزمان، ولا زالت مورداً للأمراض، ومحلاً للأغراض، لا تدفع شيئاً من حوادث الدهور، وليس لها في كل الأمور من أمر من رتبة المعبود. ومن لا يصلح لغيره الركوع والسجود، إنما هم عبيد زادت علينا

(١) القرآن الكريم: ١٢/٤٢ (سورة يوسف).

(٢) إشارة إلى الآية (١٥) من سورة القصص: (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) .

(٣) إشارة إلى قوله تعالة في سورة الكهف، الآية ٧٧: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما) .

(٤) القرآن الكريم: ٢/٦١ (سورة البقرة).

(٥) القرآن الكريم: ١٢/٩٧ (سورة يوسف).

٨٤
عبوديتهم، وخدام سبقت خدمتنا خدمتهم.

فأن أمرنا بتقبيل بنائهم، أو تعظيم أبنائهم، أو التماس دعائهم، فعلنا إمتثالاً لأمر ربنا، كما صنعنا ذلك في أحجار الكعبة وأركانها. وإن نهانا تركنا، إذ لا خوف إلاّ من الله، ولا رجاء إلاّ له.

وأما قولك: إنه قد ورد في الحديث عن الصادق الصدوق، قال: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فأنّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))(١) .

وفي الحديث الثاني، قال: إفترقت اليهود والنصارى عن اثنين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة عن ثلاثة وسبعين فرقة، كلها في النار إلاّ واحدة. وسئل عن الواحدة، فقال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي(٢) (انتهى).

أقول: اللهم إني رضيت بسنّة الخلفاء الراشدين حكماً، وما عليه أصحاب محمّد متمسكاً وملتزماً، فأحلّ ما أحلوه، وأفعل ما فعلوه. وهذه أقوالهم وسيرتهم في هذه الرسالة أوضحتها، فلا أزيغ عنها، ولا أبعد مسافةً منها، فتتبع ما رويت من أخبارهم، وما نقلت من آثارهم، رزقني الله وإياكم حلاوة الأنصاف، وجنّبنا مرارة الجدال والأعتساف.

وأما قولك: ((فلا تغتر بالكثرة وهذا الثابت عن نبيك، والله يقول: (وقليل من عبادي الشّكور)(٣) وقال: ((إن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله)(٤) . وفي الحديث: إنّ بعث الجنة من الألف واحد، فأنت اختر لنفسك، والمهدي من هاده الله))، إنتهى.

أقول: يا أخي، الوصية مشتركة بيني وبينك، فالذي عليّ ألاّ تأخذني حميّة الآباء والأجداد، وحب الطريقة المأنوسة بين العباد، بل أنظر بعين البصيرة وإخلاص السريرة.

وأما أنت فأني أخشى عليك من حب الانفراد، حتى لا تكون كبعض الآحاد، فأن الأصابع لم تزل ممدودة إلى من ركب جادة غير معهودة، وقد ورد في المثل: (خالف تعرف).

(١) سنن الترمذي: ٥/٢٦٧٦، وسنن أبي داود: ٤/٤٦٠٧، وسنن ابن ماجه: ١/٤٢.

(٢) كنز العمال: ١/١٠٦٠.

(٣) القرآن الكريم: ٣٤/١٣ (سورة سبأ).

(٤) القرآن الكريم: ٦/١١٦ (سورة الأنعام).

٨٥