×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النبي ومستقبل الدعوة / الصفحات: ١ - ٢٠

 النبي و مستقبل الدعوة لـ مروان خليفات
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

إيران ـ قم المقدسة ـ صفائية ـ ممتاز ـ رقم ٣٤

ص . ب : ٣٣٣١ / ٣٧١٨٥

الهاتف : ٧٧٤٢٠٨٨ (٢٥١) (٠٠٩٨)

الفاكس : ٧٧٤٢٠٥٦ (٢٥١) (٠٠٩٨)

العراق ـ النجف الأشرف ـ شارع الرسول (صلى الله عليه وآله)

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : ٧٢٩

الهاتف : ٣٣٢٦٧٩ (٣٣) (٠٠٩٦٤)

الموقع على الإنترنيت : www.aqaed.com

البريد الإلكتروني : [email protected]


شابِك ( ردمك ) :٧-١٩٠-٣١٩-٩٦٤

ISBN: ٩٦٤-٣١٩-١٩٠-٧

النبي و مستقبل الدعوة

مروان خليفات

الطبعة الاُولى - سنة ١٤٢٠هـ

* جميع الحقوق محفوظة للمركز *

١
بسم الله الرحمن الرحميم
الحمد لله رب العالمين والصلاة على خاتم
المرسلين محمد وآله الغرّ الميامين
مقدّمة المركز:

من الثوابت المسلّمة في عملية البناء الحضاري القويم استناد الاُمّة إلى قيمها السليمة ومبادئها الاصلية، الامر الذي يمنحها الارادة الصلبة والعزم الاكيد في التصدّي لمختلف التحديات والتهديدات التى تروم نخر كيانها وزلزلة وجودها عبر سلسلة من الافكار المنحرفة والاثار الضالة باستخدام أرقى وسائل التقنية الحديثة.

وإن أنصفنا المقام حقّه بعد مزيد من الدقّة والتأمّل نلحظ أن المرجعية الدينية المباركة كانت ولا زالت هي المنبع الاصيل والملاذ المطمئن لقاصدي الحقيقة ومراتبها الرفيعة، كيف؟! وهي التي تعكس تعاليم الدين الحنيف وقيمه المقدّسة المستقاة من مدرسة آل العصمة والطهارة(عليهم السلام) بأبهى صورها وأجلى مصاديقها.

هذا، وكانت مرجعية سماحة آية الله العظمى السيّد علي السيستاني ـ مد ظله ـ هي السبّاقة دوماً في مضمار الذبّ عن حمى العقيدة ومفاهيمها الرصينة، فخطت بذلك خطوات مؤثّرة والتزمت برامج ومشاريع قطفت وستقطف أينع الثمار بحوله تعالى.

ومركز الابحاث العقائدية هو واحد من المشاريع المباركة الذي اُسس لاجل نصرة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)وتعاليمه الرفيعة.

ولهذا المركز قسم خاص يهتم بمعتنقي مذهب أهل البيت(عليهم السلام)على مختلف الجهات، التي منها ترجمة ما تجود به أقلامهم وأفكارهم من نتاجات وآثار ـ حيث تحكي بوضوح عظمة نعمة الولاء التي مَنّ الله سبحانه وتعالى بها

٢
الصفحات: ٣ - ٦ فارغة
عليهم ـ إلى مطبوعات توزع في شتى أرجاء العالم.

وهذا المؤلَّف «النبي و مستقبل اللدعوة» الذي يصدر ضمن «سلسلة الرحلة إلى الثقلين» مصداق حي وأثر عملي بارز يؤكّد صحة هذا المدعى.

على انّ الجهود مستمرة في تقديم يد العون والدعم قدر المكنة لكل معتنقي المذهب الحقّ بشتى الطرق والاساليب، مضافاً إلى استقراء واستقصاء سيرة الماضين منهم والمعاصرين كي يتسنى جمعها في كتاب تحت عنوان «التعريف بمعتنقي مذهب أهل البيت».

سائلينه تبارك وتعالى أن يتقبل هذا القليل
بوافر لطفه وعنايته

مركز الابحاث العقائدية
فارس الحسون   

٧

مقدّمة المؤلّف

رحلتي

كانت انطلاقتي مع رزيّة الخميس، وهي ليست رزيّة يوم يسمّى الخميس لان أثرها مازال للان، ولن يزول إلى أن يرث الله الارض ومن عليها.

كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على فراش مرضه، وفي لحظات الوداع الاخيرة يتوجّه إلى أصحابه الذين امتلات غرفته بهم ويقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «ا ئتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده ابداً»(١) ومن الذي لا يرضى بكلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ ومن لا يحب هذه الهدية من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ أنّه الامان من الضلال والتيه، ولكن ماذا جرى ؟ فها هي الامة منذ ذلك اليوم تائهة ومنقسمة إلى فرق ومذاهب، وقد صارت لعبة بيد الاعداء. فماذا حدث ياترى حتى ضلت الامة ؟ ومن الذي حال دون كتابة ذلك الكتاب ؟

في صحيح البخاري، تكلم عمر بن الخطاب، فقال: «إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد

١) «صحيح البخاري» كتاب المغازي، باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ووفاته.

٨
غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله»(١) وفي رواية أخرى: «فقالوا: ماشأنه أهجر ؟ ! استفهموه فذهبوا يردون عليه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه»(٢) .

وهكذا ضلّت الامة، وبدأ الانحراف فيها من يوم الخميس ذاك حين رفض عمر وبعض الصحابة طلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وبالرغم من أنني كنت متعلقاً ببعض الشخصيات إلا أنّ هذه الحادثة أوقفتني، وصُدمت عند ما بحثت عنها في صحيح البخاري ووجدتها وقد دفعتني لاراجع موروثاتي، وفعلاً كان حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلاّ واحدة في الجنة»(٣) يدور

١) «صحيح البخاري» كتاب المرض، باب قول المريض قوموا عني.

لقد فهم عمر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان سيكتب لهم وصية بكتاب الله وشيء آخر اقترن معه دائماً في توصياته (صلى الله عليه وآله وسلم)، لهذا قال فوراً: «حسبنا كتاب الله» ومعناه يكفينا كتاب الله ولا نريد ذاك الشيء المقارن له، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقرن كتاب الله مع أهل بيته دائماً ويوصي الامة باتباعهما معاً وسيمر علينا هذا خلال البحث، ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتابنا: «وركبت السفينة».

٢) «صحيح البخاري» كتاب المغازي، باب مرض النبي ووفاته.

٣) راجع الحديث مثلاً في «مستدرك الحاكم» ١ / ١٢٨، «مسند أحمد» ٢ / ٣٣٢.

٩
بانتباهة عنيفة في خلدي.

وهذه الواحدة الناجية أشار لها (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون»(١) .

وحين ضممت حديث «إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض»(٢) .

وحديث: «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك»(٣) .

انكشف لي الامر واضحاً كالشمس. وكان لي صديقٌ متبعٌ لاهل البيت (عليهم السلام)يشعر بأمري، وكنت قد خجلت من مواجهته، فلي كانت معه جولات وجولات في البحث والنقاش، وكثيراً ما أبت نفسي المعاندة الاعتراف له، ولكن في النهاية وبعد صراع مرير مع ذاتي انضممتُ لصديقي دون أن اشعره بذلك، وعند ما صارحته بما صرت إليه ـ وبنفس منكسرة ـ فرح ولم يبدِ أية شماتة أو سخرية كنت أتوقعهما، وقال: لقد كنت أدعو لك في كل صلاة.

١) «صحيح البخاري» كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ح ٧٣١١.

٢) وهذا ما يعرف بحديث الثقلين وله ألفاظ أخرى، سيأتي بعضها، والرواية السابقة صححها الالباني.

٣) هذا الحديث صحيح وسيأتي في ثنايا البحث.

١٠
وهكذا استمرت أمطار رحمة الله بالانهمار عليّ حتى غمرتني، وشعرت بأنني في عالم آخر، في وسط سفينة نوح، تلك السفينة التي مازالت تسير في أبحر الحياة محصَّنةً بالنجاة والامان.

ومن وسط هذه السفينه اُطلُّ عليك قارىء العزيز بهذا البحث لعلنا نرى قسماً من وجه الحقيقة.

١ / رمضان / ١٤١٩ هـ
اربد ـ الاردن     
مروان خليفات     

١١

توطئة

لقد امتازت رسالة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سائر الرسالات السماوية بميزات عدة.

فهي خاتمة الرسالات، قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحد مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُوْلَ الله وَخاَتَمَ النَّبِيينَ)(١) .

وامتازت بأنّها عامة وموجَّهة لجميع الناس، قال تعالى: (يَا أَيُهَا النَّاس إِنِّي رَسولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيْعاً)(٢) و (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(٣) وباقية إلى يوم القيامة.

ومن الطبيعي فإنّ رسالة كهذه لا بدّ أن تنظر لها السماء نظرة خاصة، فتُعِدُّ مشروعاً يحفظ بقاءها وسلامتها من التحريف النصّي والدلالي بعد موت صاحبها (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويمكن التعرّف على طبيعة هذا المشروع الالهي وتكوين مفرداته من خلال الرجوع إلى سنة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)الفعليّة والقوليّة.

١) الليل: ١٢.

٢) الاعراف: ١٥٨.

٣) الانبياء: ١٠٧.

١٢
لا شك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ميت لكن رسالته باقية، إذن فمن يديم مسيرته المباركة ؟ كيف يقيم الله حجته على الناس ويأخذ بيدهم نحو الكمال ؟

وبعبارة أوضح: ما هي حقيقة المشروع الالهي الذي اُعدَّ لهداية الانسان بعد ختم النبوة ؟

ما موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مستقبل الاسلام ؟ فهل اتَّخذ (صلى الله عليه وآله وسلم) الترتيبات اللازمة لحفظ رسالته وضمان انتشارها ؟

ما موقفه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الكتاب والسنة وهما عهد الله إلى خلقه ؟

إنّ الاجابة على هذه الاسئلة وغيرها قد يكون لها تأثير كبير على حياة الانسان.

و لو عرضت هذه الاسئلة على المدارس والفرق الاسلامية لكانت أجوبتها متوافقة مع انتماءاتها المذهبيّة، وهذه إحدى مشاكلنا، فنحن ننتمي ثم نجيب ولو على حساب الحقيقة.

ولا أطيل عليك عزيزي القارئ فقد حاولنا قدر الامكان تجلية تلك الصورة وإبراز حقيقتها المستوحاة من القرآن الكريم والسنة الشريفة.

أجل إنّ هناك نظريات مختلفة حول موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مستقبل دعوته، وأشهر هذه النظريات اثنتان.

١٣

النظرية الاولى:

وهذه النظرية تمثل رأي شريحة كبيرة من المسلمين وهم أهل السنة ـ أشاعرة وسلفية ـ ويتضح موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مستقبل دعوته في الاسطر التالية.

موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من القرآن

القرآن دستور الله ومعجزة نبيه الخالدة، فهل جمعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتاب خاص ليحفظه من الضياع ؟

إنّ الناظر في كتب الحديث يرى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوكل أمر القرآن إلى حفظ الصحابة وجمعهم له، فقد كان البعض يحفظ ما نزل منه، وكان آخرون يكتبون بعض سوره في الصحف، ولا تذكر المصادر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اتخذ موقفاً حاسماً بشأن القرآن فقام بجمعه حسب ترتيب نزوله في كتاب خاص.

أجل، هناك قسم من العلماء يذهب إلى أنّ القرآن جُمع على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنهم: الزرقاني، الزركشي، الباقلاني وغيرهم.

إلاّ أنّ هذا القول يصطدم بروايات جمع القرآن في عهد أبي بكر، فإذا كان

١٤
القرآن مجموعاً عند بعض الصحابة فلماذا يأمر أبو بكر زيد بن ثابت بجمعه ؟

أخرج البخاري عن زيد بن ثابت، قال: «أرسل إلىَّ أبو بكر، مقتل(١) أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر (رضي الله عنه): إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإنيّ أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى: أن تأمر بجمع القرآن.

قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ !

قال عمر: هذا والله خير.

فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر...

قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علىَّ مما أمرني به من جمع القرآن.

قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟

قال: هو والله خير.

فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب،

١) أي: بعد مقتلهم.
١٥
واللخاف(١) ، وصدور الرجال..، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الانصاري لم أجدها مع أحد غيره ! لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حتى خاتمة براءة.. فكانت الصحف عند أبي بكر، حتّى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر(رضي الله عنه)»(٢) .

إنّ المتأمل في قول أبي بكر لعمر: «كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)»، وقول زيد لهما: «كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله» يتبين له بوضوح أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يجمع القرآن وإنما جمعه زيد بن ثابت بأمر أبي بكر الذي أقنعه عمر بذلك، وقد جمعه زيد من الصدور والسطور.

قال ابن جزي: «وكان القرآن على عهد رسول الله متفرقاً في الصحف

١) العسب: جمع عسيب وهو جريدة من النخل مستقيمة.

واللخاف: حجارة بيض عريضة رقاق، واحدتها لخفة، راجع «لسان العرب» ٩/١٩٧ و١٢/٢٦١.

٢) «صحيح البخاري» كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن ٦ / ٣١٤.

إنّ هذه الرواية وروايات أُخرى تدّعي أنّ القرآن قد كتب بشهادة شاهدين، وهذه والله أكبر ضربة للقرآن، ومعنى ذلك أنّ القرآن أخبار آحاد.

١٦
وفي صدور الرجال»(١) .

موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من السنة

إنّ الروايات متضاربة حول موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من سنته، وأشهر نص يطالعنا رواية النهي عن الكتابة:

أخرج مسلم: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن، فمن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه»(٢) .

هذا نص عام في النهي ووردت روايات في الاذن بالكتابة للبعض كابن عمر(٣) وأبي شاة(٤) .

وعلماء القوم مختلفون حول نسخ النهي في الحديث السابق، فمنهم من يقول بالنسخ، ومنهم من لا يلتزم بذلك(٥) .

١) «التسهيل» ١٠ / ٦.

٢) «صحيح مسلم» كتاب الزهد، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم.

٣) راجع «مستدرك الحاكم» ١/١٠٥ ـ ١٠٦، «مسند أحمد» ٢/١٦٢.

٤) «صحيح البخاري» ١/٤٠ ـ ٤١.

٥) كالمحدث رشيد رضا حيث قال: «لو فرضنا أن بين أحاديث النهي عن الكتابة والاذن بها تعارضاً يصح أن يكون به أحدهما ناسخاً للاخر، لكان لنا أن نستدل على كون النهي هو المتأخر بأمرين...» راجع «المنار» ١٠/٧٦٦.

١٧
وبناءاً على ما سبق فإنّ موقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من سنته أنّه تركها مفرّقة في الصدور دون جمع إن لم نقل أنّه نهى عن تدوينها، وهو موقف بطبيعة الحال سلبيٌّ.

وممّا سبق يظهر لنا تأكيد أهل السنّة على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك القرآن مفرقاً في الصدور والسطور ولم يجمعه في كتاب واحد، ونهى عن تدوين سنته أو تركها في صدور الرجال دون جمع أيضاً.

أمّا عن الحوادث المستقبلية المستجدة التي لا حكم لها في الكتاب والسنة، فلا نجد أيَّ نص ـ عندهم ـ يشير إلى كيفية التعامل معها.

١٨

مناقشة النظرية الاُولى

إنّ الناظر للوهلة الاولى في هذه النظرية يضع حولها مجموعة أسئلة واشكالات، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مبعوث للعالمين، والاسلام هو خاتم الاديان، وظهوره على باقي الاديان أمر حتمي لا مفر منه، قال تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)(١) ، والقرآن باق إلى يوم القيامة فهو أبدي ولكل الناس، فكيف يترك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معجزته الخالدة في صدور صحابته وفي العسب واللخاف ؟

إنّ الصحابة راحلون عمّا قريب، وستأتي الاجيال تترى وتترى، فأين ستجد معجزة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لتؤمن به ولتعمل بقرآنه ؟ هل يبحثون عنه في صدور الصحابة ؟ فالصحابة أموات، ولا يمكن القول أنّه كان في ذهن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوم كل جيل بنقل القرآن عن الجيل الذي سبقه مشافهةً، إذ لا دليل على هذا، وهو يؤدي إلى ضياع القرآن واندراس آياته، وقد وجدنا عبدالله بن مسعود ينكر المعوذتين من القرآن(٢) .

١) الفتح: ٢٨.

٢) «فتح الباري» ٨ / ٦٠٤ وصحّح ابن حجر ذلك.

١٩
ولو افترضنا بقاء أمر القرآن كما هو عليه من عدم الجمع، لجاء التابعون وأنكروا بعض السور، تبعاً لابن مسعود، وهذا الانكار قد يحدث في كل جيل، وقد يثور خلاف بين العلماء حول سور القرآن، بعد فقدان الذوق الادبي لدى الكثير منهم وعدم الادراك الحقيقي لاعجاز القرآن البياني.

وهكذا سيكون مصير السنّة النبوية التي تبيّن مجمل القرآن وتخصّص عامه وتقيّد مطلقه، بل إنّ أمر السنّة في هذه النظرية أخطر من القرآن، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تصوّرهم لم يكتفِ بعدم كتابة السنة بل نهى ـ على رأي البعض منهم ـ عن تدوينها، وعلى هذا فإنّ تخطيط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)المستقبلي هو أن تروى السنّة مشافهةً ولا تكتب، ولا يمكن تصوّر هذا، فإذا تصوّرناه في جيل التابعين وتابعي التابعين والجيل الذي بعدهم... فكيف نتصوره الان ؟ عمّن نأخذ السنة ؟ كم سيبلغ طول السند ؟ هل سيتصل السند بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خلال هذه القرون الاربعة عشر أم لا ؟ كيف سيتم الوثوق بهذا العدد الهائل من الرواة ؟ وأيُّ كتاب سيتكفّل ببيان أحوالهم لنعرف صدقهم من كذبهم؟...

وقد تأتي بعدنا أجيال وأجيال وتتضاعف المسافة بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهنا ألا تزداد المشكلة تعقيداً على تعقيد ؟ ! ومن المعلوم أنّ أنهار الوضع في الحديث النبوي قد فاضت في القرنين الاولين، ولقد وصف الدارقطني هذه الحالة الرهيبة بقوله: «إنّ الحديث الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الاسود»! !

وقال حماد بن زيد: «وضعت الزنادقة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أربعة عشر

٢٠