×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإسلام في أندونيسيا المعاصرة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الاتجاه الديني للحركة التجديدية

جمعية " محمدية " (١٩١٢)

تاريخ و خلفية تأسيسها

كما ذكرت سالفا ان نوعية التدين الاسلامي في اندونسيا تتأثر قديما وحديثا بشكل مباشر بالمسلمين في البلاد العربية - الحجاز بالخصوص-. فأيّ نوع من التدين الاسلامي تولد ونشأ في البلاد العربية سوف يصوب ويشبّ في اندونسيا. و هذا ما دل على ان العلاقة العلمية والنفسية بين المسلمين في اندونسيا و البلاد العربية وطيدة منذ احقاب من الزمان الى يومنا هذا بحيث يذهب الى مكة المكرمة او القاهرة او اليمن الجنوبية جلة كثيرة من الطلاب الاندونسيين للتفقه في الدين ثم رجعوا الى اندونسيا للتبليغ والتدريس. وبطبيعة الحال، كل ماأخذوه خلال اقامتهم في البلاد العربية من ثقافاتها وانكبابهم في الدرس ومعاشرتهم مع علمائها بلغوه الى أبناء جنسهم من المسلمين في اندونسيا.

وبناء على ذلك،يمكن القول بالتأكيد ان الإتجاهات الاسلامية في اندونسيا نابعة من منبع عربي او لها جذور علمية ثقافية عربية - مباشرة غير مباشرة، وان كان البعض منها قد تشكلّت بأشكال تخصّ بمعالم الشعب الاندونسي.

٤١
ثم يجب ان ننطلق الى الحديث عن جمعية " محمدية " (٢٩) من منطلق العلاقة الوطيدة بين الشعب الاندونسي المسلم و الشعب العربي التي الهمت رائدها ومؤسسها العالم احمد دحلان (١٨٦٨- ١٩٢٣) لتكريس طموحاته، ومن منطلق الحاجة التي مست الشعب الاندونسي المسلم المحتلّ تحت سلطة قوة الهولندا الى تغيير ثقافي واجتماعي(٣٠).

اما من حيث المنطلق الاول فقد اسّس هذه الجمعية العالم الشهير احمد دحلان في ١٢ نوفمبر ١٩١٢ (٨ ذوالحجة ١٣٣٠)(٣١) بعد عودته من الحج ومعاشرته العلماء من الشرق الأوسط. قالت احدى الجرائد الاندونسية في تقرير خاص لها عن شخصية هذا العالم تحت العنوان " العالم احمد دحلان عالم مصفّ للتوحيد " . قال هذا المصدر انه كان منذ عنفوان شبابه مولعا بدراسة العلوم الاسلامية وحضر المحاضرات العلمية في مختلف العلوم عند عدة العلماء البارزين في زمانهم في اندونسيا كما في الفقه عند العالم محمد صالح و في اللغة العربية عند العالم محسن وفي علم الفلك عند العالم رادين دحلان وفي علوم الحديث عند العالم محفوظ و الشيخ الخياط وفي علوم القرآن عند الشيخ امين والسيد بكري

(٢٩) في الواقع ان جمعية " محمدية " ليست اولى جمعية اسلامية قامت في اندونسيا بل قد قامت قبلها جمعية " شركت اسلام اسسها في سنة... ثم تحولت الى حزب سياسي الا انها بمرور الزمان يضعف نفوذها وينقرض اتباعها. H.O.S. Cokroaminoto.

(٣٠) Gerak Politik Muhammadiyah dalam Masyumi , Syaifullah ٢٧.

(٣١) نفس المصدر، مقدمة احمد شافعي معارف.

٤٢
ستوك وفي علم الكلام عند العالم صالح دارت وفي العلوم الطبية عند الشيخ حسن(٣٢).

وفي سنة ١٨٩٠(٣٣) عند ما ناهز من العمر اثنين وعشرين سنة تشرف لأداء فريضة الحج وفي اثنائه استبدل اسمه القديم محمد درويش باسم جديد احمد دحلان(٣٤). ولسفره هذا تأثير فاعل في رغبته لمواصلة دراسته بمكة المكرمة غير انه في هذه السفرة لم يوفق له البقاء في مكة الا لمدة يعتادها الحجاج. ثم في سنة ١٩٠٣ ذهب للحج للمرة الثانية واقام في مكة مايربو السنة الواحدة والنصف (او عشرين شهرا كما ذكر في بعض المصادر). فكان عند اقامته فيها لم يسنح لنفسه عبور وقت الا للاستماع الى دروس العلماء المقيمين بمكة نظائر العالم الحاج محفوظ من Pacitan و العالم محترم من Banyumas والشيخ صالح بافضل والشيخ سعيد اليمني والشيخ علي المهري المكي(٣٥). ولم يكتف بالاستماع فقط بل عطشه الى العلم دفعه الى مطالعة مؤلفات العلماء الكبار في عصرهم ككتب احمد بن تيمية ومقالات للسيد جمال الدين الأفغاني و الشيخ محمد عبده ومحمد رشيد رضا و فريد وجدي ورحمة الله الهندي ثم ناقش افكارهم واتجاهات نظرهم الجديدة مع العلماء

(٣٢) Republika, Kamis ٣١ Januari ٢٠٠٢.

(٣٣) وفي كتاب Gerakan Politik Muhammadiyyah dalam Masyumi ٢٧ انه ذهب للحج سنة ١٨٨٩.

(٣٤) وجدير بالذكر ان الحجاج الاندونسيين في الغالب بعد اداء مناسك الحج يتركون اسما قديما ويأخذون اسما جديدا سيما اذا كان الاسم القديم ليس اسما اسلاميا وذلك للتبرك ولتجديد كيانه الاسلامي.

(٣٥) K.H. Ahmad Dahlan: Amal dan Perdjoangannja hal.٨.

٤٣
الاندونسيين المقيمين في مكة لمدة طويلة كمحمد خطيب من Minangkabau والشيخ نووي البنتاني من Banten والشيخ ماس عبد الله من Surabaya والشيخ فقيه كممبانج من Gresikـ(٣٦) و في اثناء بقاءه في مكة شاهد المشاكسات الدينية بين علماء مكة من مقلدي الامام الشافعي والمالكي وبين الحركة الوهابية التي سندتها قوة آل سعود حيث حسبت الحركة الوهابية وجود الطقوس الدينية السائدة التي خالفت الاسلام و ادعت انها من البدع المستنكرة.

فعند عودته الى وطنه جوكجاكرتا (Jogjakarta)، وقد تأثر احمد دحلان بإتجاهات نظر ابن تيمية والسيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا كما قد تأثر تأثرا بالغا بأفكار محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية التي تهدف مع مواكبة آل السعود بالقوة الى تجديد او - على أصح التعبير- تصفية بعض الطقوس الدينية التي حسبها مخالفة للاسلام، طمح تحقيق ما اقتناه من تلك الاتجاهات والافكار وحاول من أجل الوصول الى طموحاته بأن أسس المدرسة الدينية الإبتدائية في سنة ١٩٠٨-١٩٠٩ (وفي بعض المصادر سنة ١٩١١) في منزله وعلى حساب ماله الشخصي. وكانت هذه المدرسة بمثابة بذرة لتأسيس جمعية " محمدية " .

(٣٦) Gerakan Politik Muhammadiyyah dalam Masyumi hal. ٣٠ dan Republika, Kamis ٣١ Januari ٢٠٠٢.
٤٤
والملفت للنظر ان هذه المدرسة تعتبر جديدة من نوعها لأنها استخدمت الطريقة و الأجهزة غير المألوفة في زمانها عند المسلمين في اندونسيا كطريقة صفّيات (كلاسات) مع المقاعد والسبورة والاستاذ واقف امام الطلاب، مع ان الطريقة المألوفة في ذلك العصر هي ان يجلس الأستاذ على البلاط والطلاب جالسون اطرافه. وهذه الطريقة بصفتها طريقة جديدة استدعت النقض والاستنكار من قبل التقليديين بأنها مأخوذة من الغرب الكافر، ولكنها مع مرور الزمان صارت شيئا مألوفا تتبعه المدارس الاسلامية الأخرى،وان كان هناك ايضا من المدارس ما تحافظ على الطريقة القديمة الى هذا اليوم.وتدرس في هذه المدرسة المعارف العامة مضافا الى الدروس الاسلامية. ورأى احمد دحلان ان ليس كل ما لدى الغرب غير حسن بل فيهم خيرات نافعة للاسلام والمسلمين.

ثم بدا لي ان الخّص من هذا المنطلق ان العديد من اساتذة احمد دحلان كانوا من اصل اندونسيا وصاروا من علماء مكة بعد اقامتهم فيها جيلا بعد جيل ولسنوات طويلة، وان أي فكرة اسلامية نشأت في اندونسيا قبل النصف الأخير من القرن العشرين لابد وان تنتهل من الفكرة المتولدة في الشعب العربي. وهذا ان دل على شيئ فإنما يدل على كثافة العلاقة الثقافية - العلمية بين الشعب المسلم الاندونسي و الشعب العربي - وسكان مكة على وجه خاص- منذ زمان طويل. واما بعد النصف الأخير فالأفكار

٤٥
كتاب الاسلام في اندونسيا المعاصرة لـ حسين محمد الكاف (ص ٤٦ - ص ٦٣)
٤٦
حسب زعمه- مستقاة من تعاليم الهندوس والبوذا كاعتقاد بقاء ارواح الأباء المتصرفة فيتوسلون اليهم لجلب المصالح ودفع المضارّ من خلال رمي رؤوس الابقار الى البحر وماشابه ذلك واعتقاد بوجود العلاقة بينهم بين موتاهم فيزورون مقابرهم(٣٨) ويقرأون التهليل ثلاث ليالي او سبع ليالي بعد موت احدهم. هذه الإعتقادات والطقوس يصطلحها أتباع " محمدية " بثلاث كلمات (تخيل، بدعة، خرافة)(٣٩) ويصف عنهم عبد الكريم ملك أمرالله (Hamka) بأن هؤلاء يمجّدون المقابر والاولياء وغير ذلك(٤٠).

والسبب في ذلك في نظر اتباع " محمدية " يعود الى ان دعاة الاسلام الاولين لما رأوا دين الهندوس والبوذا سائدان على الشعب الاندونسي حاولوا طمس هذا الدين بصورة تدريجية، ولايسعهم طمسه كليا فكانوا يجارون ابناء الشعب بعوائدهم مع تطعيم القيم الاسلامية. وهم في الحقيقة قد أدوا واجباتهم الدينية في نشر الاسلام ونجحوا في ذلك الا ان اتمام التعاليم الاسلامية لدى هذا الشعب فمسؤولية العلماء الذين يأتون من بعدهم.

ولقد ظن بعض اتباع " محمدية " ان السبب في وجود " التخيلات والبدع(٤١) والخرافات " هو ان بعض الدعاة في اندونسيا

(٣٨) نفس المصدر ٣٥ - ٣٦.

(٣٩) Republika, Kamis ٣١ Januari ٢٠٠٢.

(٤٠) Gerakan Politik Muhammadiyah dalam Masyumi, ٤٠.

(٤١) البدعة كل عمل لا يستند الى القرآن والحديث. المسلمون كلهم اعتقدوا بعدم جواز ممارسة اعمال لم يرد فيها القرآن والحديث الا انهم اختلفوا في تشخيص الاعمال المبتدعة، منهم - كجمعية " محمدية " وجمعية " الإتحاد الاسلامي " - من يعتقد ان الزيارة والتوسل بالصالحين وعقد حفلة مولد الرسول ص و ذكرى ايام وفاة الصالحين من المبتدعات المخالفة لأصول الدين.

٤٧
جاءوا من الهند (او الفرس) ولبسوا لباس التصوف الملائم لنفسيّة شعب جاوى المنحاز كثيرا الى الامور المعنوية الغيبية(٤٢).

ومن هذا المنطلق رأى احمد دحلان وجوب إتمام الدين لدى ابناء شعبه وانه من مسؤوليته الدينية فركّز في دعوته الى تصفية عقائد المسلمين من " التخيلات والبدع والخرافات " .

اما العاملة الثانية فطمحه لإحقاق الفكرة التجديدية بعد مكثه في مكة لمدة السنة الواحدة والنصف وتلاحمه بالأفكار والحركات التجديدية في الشرق الأوسط من خلال مطالعته لكتب ورسائل المفكرين المجددين. وليس هو الوحيد الذي سار على هذا المنوال فقد كان قبله وبعده حجاج اندونسيون مقيمون فيها تأثروا بالأفكار السائدة في مكة او الشرق الأوسط، لقد ألف لبعض الحجاج الاندونسيين في السنوات الماضية بعد ان أتموا مناسك الحج ان أقاموا في مكة للوقوف على دراسة العلوم الاسلامية ومعايشة الأجواء الدينية فيها لمدة سنتين او اكثر او اقل ثم بلغوا كل ما حازوه فيها الى ابناء اوطانهم(٤٣).

ان الأفكار التجديدية من امثال السيد جمال الدين الأفغاني للنهوض ضدّ الدول الغربية الحاكمة على الدول الاسلامية قد اثر احمد دحلان الا انه لم يكن تابعا له في التدخل في الأعمال

(٤٢) Muhammadiyah, Kini dan Esok , ٣٦.

(٤٣) نفس المصدر ٣٨.

٤٨
السياسية. فهو -كما نقل في جريدة Republika - اكثر ما تبع الشيخ محمد عبده الذي صبّ اهتمامه بالأمور التثقيفية والتربوية وترك الساحة السياسية ورغّب المسلمين في اندونسيا الى ملاحقة الغرب من خلال الثقافة والتربية(٤٤).

معالم حركات " محمدية "

ان جمعية " محمدية " منذ نشأتها الى هذا اليوم قد مرت عليها سنوات لها سماتها المتنوعة. وقد عاشت سنوات تحت ضغط القوة الاستعمارية الهولندية الى سنة ١٩٤٥ ثم عاصرت رئاسة الرئيس سوكرنو فالرئيس سوهرتو ثم ما بعد سقوط سوهرتو. ولها في هذه السنوات مواقفها المختلفة حسب مااقتضتها الاوضاع والظروف التي واجهتها، بيد أني في هذه الفرصة لم يعجبني الدخول في جميع معالمها غير اثنين منها وهي: فكرتها الدينية و حركتها في الساحة التربوية.

الفكرة الدينية

ان الحديث حول فكرة " محمدية " المتعلقة بالمفاهيم الدينية لا يمكن فصله عن الأفكار التي اثرت واولدها احمد دحلان، ففكرة " محمدية " الدينية الأساسية هي اجتهادات و نظراته.فهو قبل ذهابه الى مكة عاش في بيئة غلب عليها اتباع الامام الشافعي الا انه لم

(٤٤) Republika, Kamis ٣١ Januari ٢٠٠٢.
٤٩
يكن مقيدا بالمذهب الشافعي لأنه ولد وترعرع في عائلة مملكة جوكجاكرتا الاسلامية المعروف بديانتها المقابلة بديانة المدارس الاسلامية التقليدية المتقيدة بالمذهب الشافعي. وطبيعة هذه العائلة غير متعصبة بل تتّسم بنوع من الإنفتاح بالافكار الجديدة. وهو رأى في بعض الطقوس التي مارسها المسلمون في اندونسيا مالا تنطبق بالكتاب والسنة، ولازال هو يفكر في خلده عن هذه المخالفات الى ان وافاه السفر الى الحج ثم قايس العوائد الدينية في اندونسيا بما شاهده في مكة سيما بالأفكار التي روّجتها الحركة الوهابية - السعودية ثم يرى تلك العوائد من خلال وجهات نظر الوهابية فيحكمها بالبدعة والشرك المنافي للتوحيد.

وبناء عليه، ان الفكرة الدينية التي آمنت بها " محمدية " هي الفكرة الوهابية المضادة لأكثرية المسلمين في اندونسيا وهذه الفكرة بمثابة القنبلة التي تفجّر الوضع الديني فيها واستدعت رد الفعل الشديد من قبل المسلمين التقليديين المتقيدين بالمذهب الشافعي المتمثلين فيما بعد بجمعية " نهضة العلماء " التي سيأتي البحث عنها ان شاء الله. فوقع النقاش والنزاع بل العداء المتطاول الى هذا اليوم بين اتباع " محمدية " و غيرهم في مستواهم العامي.

الساحة التربوية

وممايدفع احمد دحلان الى تأسيس " محمدية " هواحساسه المؤاسي بحالة ثقافة وتربية المسلمين في اندونسيا المتخلفة نتيجة

٥٠
الضغوط من القوة الاستعمارية الهولندية، فعندما اطّلع على وضع المسلمين في العالم المشابه بوضع المسلمين في وطنه استفحل إحساسه المؤاسي. لقد كان للسيد جمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده يد طولى في اعطاء شعلة الأمل لنفس احمد دحلان الكؤوب حتى استنهض هو نفسه ونهض المسلمين في اندونسيا من الغفوة والنوم. وبعد عودته الى اندونسيا سرعان ما أسس المدرسة الدينية المتبلورة بمنهاج عصري كما ذكرت سابقا.

لقد احسنت " محمدية " بعد ان تدرس من تجاربها في عدم بذل جهودها في النقاش والجدال عن الامور الخلافية بل صرفت وبذلت كل مالديها الى الامور الثقافية والتربوية ونجحت في ذلك نجاحا مشكورا ومذكورا. وفي هذه الآونة شهدت اندونسيا ما قدّمته " محمدية " من مشاريع الخير في مجال الثقافة والتربية الى الشعب. فكم من مدرسة اسلامية عصرية بنتها وجامعة اسلامية شيّدتها وكلتاهما ترامت في كثير من المدن الاندونسية حتى يمكن القول بالتأكيد ان جامعات " محمدية " من احسن الجامعة الاسلامية في اندونسيا.

كل ذلك - لا شك - ثمار نافعة لطموحات حسنة ركّز عليها مؤسس " محمدية " احمد دحلان و لجهود جبارة مباركة بذلها روادها. وقد تخرّج من جامعاتها المثقفون والأساتذة الكبار في الطليعة الأولى كما قد ترأس بعض كوادرها نظير الحاج معطي علي - رئيس الوزارة الدينية الأسبق - و أمين رئيس - رئيس

٥١
مجلس الشورى الشعبي. مضافا الى ذلك، ان " محمدية " قد خدمت للشعب الاندونسي خدمات اجتماعية مشكورة ومذكورة كتأسيس دور الأيتام و المستشفيات. ولعلها في هذه الناحية، ساحة تربوية و خدمة اجتماعية، تنافس النصارى.

الساحة السياسية

في سنة ١٩١٨ او قبل وفاة احمد دحلان بخمس سنوات دار الحديث في جلسة سنوية عقدتها " محمدية " حول كيانها كجمعية اجتماعية و كحزب سياسي. اصرّ احمد دحلان على ان تبقى " محمدية " كحالها الاولى وهي ان تقوم بخدمات اجتماعية والتربوية وان لا تتجاوز الساحة السياسية، ولكن بعض رؤسائها كأغوس سالم اراد ان يوسّع اطارات دعوتها حتى السياسة. قال بعض الحاضرين في تلك الجلسة ان تبادل الأنظار والنقاش بين الطرفين (احمد دحلان وأغوس سالم) استحرّ واشتدّ الا ان المشتركين في تلك الجلسة اخيرا وافقوا على رأي احمد دحلان بأن تبقى " محمدية " جمعية اجتماعية و ليست حزبا سياسيا. وذلك لأن " محمدية " في تلك الآونة لم تتمكن على ممارسة التعاليم الاسلامية بمفهومها الحقيقي الشامل،مضافا الى ان المسلمين في اندونسيا متخلّفون في مجالات العلم والاقتصاد، فرأى ان الأولى لمحمدية ترقية مستواهم الثقافي والإقتصادي.

٥٢
وفي سنة ١٩٤٥ بعيد استقلال اندونسيا من هولندا شكّل حزب " مجلس شورى اسلام " حيث انضمت اليه " محمدية " وصارت عضوا خاصا له، ولكنها في سنة ١٩٥٠ انسحبت من عضوية الحزب لعدم ارتضائها لانجازات الحزب. فعادت " محمدية " من تلك السنة الى كيانها الأول كجمعية اجتماعية الا ان بعض افرادها الى اليوم منتشرون في الاحزاب وبعضها يتولون بعض المناصب الحكومية(٤٥).

(٤٥) Gerak Politik Muhammadiyah dalam Masyumi, bab ٣ & ٤.
٥٣

الإتحاد الإسلامي {PERSIS}
(١٩٢٣)

تاريخ و خلفية تأسيسها

تأسست هذه الجمعية رسميا في ١٢ سبتمبر ١٩٢٣ في مدينة باندونج (Bandung) عاصمة محافظة جاوة الغربية(٤٦). وقبل قيامها دار الحديث والنقاش المكثف عن وضع الاسلام والمسلمين عند ثلاث عوائل فلمبانية وفي طليعتهم زمزم و محمد يونس. كلاهما تاجران ناجحان الا انهما اهتما كثيرا بما جرى من القضايا الاسلامية في اندونسيا. فابتدر الى ذهنهم تأسيس الجمعية الاسلامية التي تعني الى توحيد المسلمين وتصحيح اعتقاداتهم كما يلوح ذلك في اسمها.

ان هذه الجمعية لاتختلف كثيرا عن جمعية " محمدية " في اتجاهها الديني الذي يفرض اتباعها الى الرجوع الى الكتاب والسنة مباشرة ويحرم التقليد الى الأئمة الأربعة كما تفنّد بشدة الممارسات والطقوس الدينية السائدة في اوساط المسلمين في اندونسيا كاكرام العلماء المفرط بعد وفاتهم بزيارتهم وعقد مناسبات ايام وفاتهم السنوية (او مايعبر عنه بالحول) وغير ذلك كالأمور التي لاتخلو

(٤٦) Hassan Bandung, Pemikir Islam Radikal ٥٣.
٥٤
- حسب زعمهم - من التخيلات والبدع والخرافات الا ان هذه الجمعية تركز اهتمامها الى الامور الخلافية دون مراعاة الامور التي قدّسها المسلمون الأخرون حتي اشتهرت انها الوحيد المولع بالجدال(٤٧). وهذا ما يؤدي الى فتق عصا الوحدة الاسلامية ومخالفة تسميتها بالاتحاد الاسلامي. ويتضح هذا جليا في رئاسة الاستاذ حسن باندونج حيث كان في عصره يشتدّ ويستفحل الجدال بينه بين من لا يساير اتجاهه الديني(٤٨). بخلاف جمعية " محمدية " التي تركت التورط في الامور الخلافية بل ركزت الى الشؤون التربوية والخدمات الاجتماعية.

لذلك، اعتبرت هذه الجمعية و جمعية " محمدية " بالحركة التجديدية " التي تحول دون طمس الطقوس والممارسات الدينية التقليدية المتورثة أبا عن جد غير المسندة الى الكتاب والسنة. وليس من شك ان هذه الحركة مستلهمة من الحركة التجديدية الناشئة في مكة ومصر. وعن وجود هذا التأثير في جمعية " الإتحاد الاسلامي " يقول شفيق مغني،

" ان للمملكة العربية السعودية و مصر الدور الكبير في الإيحاء لتأسيس الحركات الداعية الى الرجوع الى القرآن والسنة. واثار

(٤٧) Partai Islam di Pentas Nasional ١٤, Deliar Noer.

(٤٨) Hassan Bandung, Pemikir Islam Radikal ٥٣.

٥٥
دعوتها تظهر واضحة في " الإتحاد الاسلامي " الرجعي المشابه بالحركة الوهابية " (٤٩).

لمحة عن مبادئ الجمعية

ولاارى بأسا في ان اعرف القارئ بعض مبادئ هذه الجمعية بقدر ما يتعلق بموضوع بحثنا حتى يتبين له ما لهذه الجمعية من طموحات في تصفية اعتقادات المسلمين من البدعة والشرك بالإقتداء بالمملكة العربية السعودية(٥٠). فهذه المبادئ سيقت ضمن القانون الأساسي للجمعية منها:

- احياء واحفاظ روح الجهاد والاجتهاد.

- طمس البدعة والخرافة والتخيل والتقليد والشرك(٥١).

يقول شفيق مغني، ان جمعية " الإتحاد الاسلامي " رأت ان تخلف المسلمين لعدة أسباب منها ممارساتهم الدينية الممزوجة بالبدعة والخرافات، فالسعي وراء طمسها امر لايمكن التغاضي عنه وان طمس البدع والخرافات و دعوة المسلمين الى الرجوع الى اصول الدين وظيفة كل مسلم. وبناء على ذلك، لايمكن الإهمال بمن يمارس البدع كمالا يمكن توجيه النقد الى الساعين لطمسها

(٤٩) نفس المصدر ٥٦.

(٥٠) نفس المصدر ٦١.

(٥١) نفس المصدر ٥٩.

٥٦
لمجرد الوحدة، لأن الوحدة لاتنافي طمس البدع وان اهل السنة لا يمكن ان يتحدوا بأهل البدع الى يوم القيامة(٥٢).

محاولات لنشر المفاهيم الاسلامية الأصيلة

انطلاقا من اعتقاد جمعية " الاتحاد الاسلامي " بوجود بعض التحريفات في فهم التعاليم الاسلامية و الممارسات المبتدعة في اوساط المسلمين الاندونسيين ترى ضرورة اصلاح التحريفات و ازالة البدع، فقامت في ذلك بعدة محاولات تثقيفية وتبليغية.

المحاولات التثقيفية:

- في سنة ١٩٢٧ عقدوا المنتديات العلمية التي يحضرها الشباب المسلمون الغيارى للبحث عن المفاهيم الاسلامية ويرأسها حسن باندونج ويشارك فيها بعض الشخصيات البارزة كمحمد ناصر وفخرالدين القاهري.

- في سنة ١٩٣٦ اسسوا المدرسة الاسلامية في مدينة باندونج ثم تلتها المدرسة الاسلامية في سنة ١٩٤٠ في مدينة بانجيل جاوة الشرقية. ثم ارسلت المتخرجين منها الى الأزهر الشريف و المملكة العربية السعودية الى هذا اليوم.

(٥٢) نفس المصدر ٦١ نقلا عن مجلة " الدفاع عن الاسيلام " عدد ٤١ جنواري ١٩٣٢.
٥٧

المحاولات التبليغية:

اصدار المجلات التي تهم نشر المفاهيم الاسلامية كمجلة Pembela Islam الصادرة في سنة ١٩٢٩، ومجلة " الفتوى " الصادرة في سنة ١٩٣١، ومجلة " اللسان " صدرت عقب وقوف مجلتين سابقتين في سنة ١٩٣٥ وتوقفت في سنة ١٩٤٢ لعددها ٦٥، ومجلة " التقوى " ، ومجلة " المسلمون " من سنة ١٩٥٤ الى سنة ١٩٧٨،و مجلة " صوت اهل السنة والجماعة " في سنة ١٩٥٦.

والملفت للنظر ان هذه الجمعية في سبيل نشر مفاهيمها كانت تعقد المناظرات العامة حيث يدعي فيها للجدال علماء الجمعية و العلماء المناوئون لها وكذا تطرح في مجلاتهم المسائل الخلافية الحسّاسة التي تدعو الى الحوار والنقاش.

واما في مجال السياسة لاتفترق عن " محمدية " بانضمامها الى حزب " مجلس شورى اسلام " وجلس بعض اعضائها في مناصب الحزب الخطيرة كعيسى الأنصاري ومحمد ناصر.

حسن باندونج من ابرز علماء " الاتحاد الاسلامي "

ان حسن باندونج وان لم يكن يشارك في تأسيس جمعية " الإتحاد الاسلامي " ولكن دوره في نشر مفاهيمها كبير جدا، ولعله

٥٨
اكثر من أي شخص في الدفاع عنها و الهجوم على من ناوأها حتى لايمكن الفصل بينه وبين الجمعية، بل المتبادر الى ذهن الشعب المسلم الاندونسي عندما يطلق " الإتحاد الاسلامي " هو هذا العالم. اشتهاره في هذه الجمعية غلب على مؤسّسين لها.

ولإتمام الحديث عن جمعية " الإتحاد الاسلامي " أذكر هنا بعض ما يتعلق بشخصية حسن باندونج. ولد الرجل في سنغافورة سنة ١٨٨٧ من ابوين هنديي الأصل. درس العلوم الاسلامية عند اساتذتها في سنغافورة الى ان ناهز من العمر ثلاثة وعشرين سنة، وله فيما بعد نشاطات تدريسية في مدرسة السقاف و نشاطات اكتسابية يساعد بها والده. وفي سنة ١٩٢١ هاجر الى سورابايا، عاصمة محافظة جاوة الشرقية ليتولى دكانا كان لعمّه واستاذه.

وطيلة بقائه في اندونسيا الى ان وافاه الأجل في سنة ١٩٥٨ تعرف على المفكرين الاندونسيين ذوي اتجاهات دينية تخالف ماهو سائد في اندونسيا امثال فقيه هاشم ومحمد يونس (مؤسس " الإتحاد الاسلامي " ) وعبد الله احمد و عبد الكريم امر الله وزين الدين لبي (علماء        " محمدية " ) و احمد سركتي (اصله من سودان واقام في جاكرتا لدعوة من " جمعية الخير " ثم وقع الاختلاف مع المسؤولين لها فأنشأ جمعية " الإرشاد " ). وتأثر بهم كثيرا حتى

٥٩
عند ما انتقل من سورابايا الى باندونج حيث مركز جمعية " الإتحاد الاسلامي " انضمّ اليها بعد قيامها بثلاث سنوات(٥٣).

بما ان المترجم مولع بمطالعة الكتب الدينية و لديه قدرة جيدة في اقناع الطلاب من خلال الحوار و الكتابة فكان دائما يقدّم على غيره من اساتذة " الإتحاد الاسلامي " عند ما جرى الجدال والحوار مع بقية المسلمين. وقد وقع الجدال بينه وبين كثير من العلماء والمفكرين المناوئين لأفكاره منهم، حاج عبد الخير و وهب حسب الله و مصدوقي و مختار لطفي و ماس منصور و حسين باسويدان و حسين الحبشي و حسبي صديقي(٥٤).

غير هاتين الجمعيتين هناك جمعية اسلامية تنحو الى اتجاه الحركة التجديدية المستلهمة من الحركة الوهابية مثل جمعية " الإرشاد " التي تأسست في سنة ١٩١٣ (او ١٩١٤)(٥٥) قبل " الإ تحاد الاسلامي " برئاسة احمد سوركتي السوداني (١٨٧٢- ١٩٤٤)، الا انها جمعية خصت للمجتمع العربي المقيمين في اندونسيا. وهذه الجمعية الحقيقية قامت كرد فعل من امر تقليدي مارسه السادة العرب من حضرموت حيث لا يزوّجون بناتهم لغير السادة و من اكرام المسلمين لهم بتقبيل ايديهم، فرأى العرب غير السادة ان ذلك عنصري وتفضيل بعض على بعض من غير اساس ديني. وكان قبل وجودها التحم العرب السادة وغير السادة الآتين من

(٥٣) راجع نفس المصدر ١١- ٢٢.

(٥٤) نفس المصدر ٨٢.

(٥٥) Partai Islam di Pentas Nasional ١٣, Deliar Noer.

٦٠