×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نهج المستنير وعصمة المستجير / الصفحات: ٢١ - ٤٠

تفكيراً جامداً، ومن مشاعره مشاعر العصبيّة النتنة المنفصلة تماماً عن العقل والفكر.

إنّ المستبصر الذي يبصر حقيقة أهل البيت (عليهم السلام) وأحقيّتهم في الولاية والإمامة، ويبصر عشرات الحقائق ومن خلال ما عند العامّة من مصادر تاريخيّة، ومن خلال الأحاديث وكتب السير الممتلئة بالحقائق المغيّبة، يظنّ أنّه يستطيع أنْ يبيّن كلّ الحقيقة للناس والمجتمع، فكما سهّل الله له معرفة الحقيقة ووفّقه لها، من خلال وضوحها وتجليها الذي لا يمكن أنْ يخفى على أحد، ومن خلال موافقتها للعقل والفطرة، وتوافقها مع الإرادة الإلهيّة والأوامر النبويّة، يظن أنّ طرح الحقيقة للناس والمجتمع، سوف يؤدي إلى أنْ يخضع الناس لتلك الإرادة الإلهيّة، والأوامر النبويّة الشريفة، فيقوم وبشكل اندفاعي كبير وتهوّر شديد في أغلب الأحيان بطرح الحقيقة بعنف شديد، فيؤدّي ذلك إلى ردّات فعل عكسيّة شديدة، والتي تكون قاسية جدّاً عليه ولا يتوقعها من إخوانه في الإسلام، فكلّ ما يريده، هو تقديم الحقيقة لهم رجاء تبصيرهم بها، والأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، وإلى برّ الأمان والهدى، وتجنيبهم مهاوي الضلال والزلل.

من هنا تبدأ نقطة الاصطدام بشكل غير مُتوّقع مع المجتمع والناس، ومع العادات والتقاليد، ومع ما ألفه الناس وجمدوا عليه من أفكار وعقائد، وكذلك مع عقليات ونفسيات لم يكن يظن أنّها موجودة في الأفراد، من عقول متحجّرة، ونفسيات مريضة، وحسّاد وذوي ضغائن (فطروا أنفسهم عليها) وأهل الدنيا، والمتكبرين والمرائين، والمكفّرين، وندرة نادرة جدّاً من أهل العقول السليمة والمشاعر الصادقة النبيلة.

٢١

الشعور بالغربة:

في هذا الوقت يشعر المستبصر بالغربة في مجتمعه وبين أهله وعشيرته، ويشعر بالحزن والأسى لكثرة ما يعاين من عقليّات ونفسيّات غريبة، متناقضة مع ما يعرفه عن حبّ المسلم للحقيقة، واستسلامه لأوامر الله تعالى وانقياده لها، ومتناقضة مع ما يعرفه عن المسلمين من حبهم لرسول الله وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام، والتزامهم بطاعتهم، بل على العكس من ذلك، فإنّه يبصر أنّ الحقيقة ليست هي الحقيقة، فكلّ تلك الشعارات من حبّ لله ولرسوله، وشعارات طاعة الله ورسوله، وشعارات الإخلاص وابتغاء ما فيه رضاً لله ولرسوله، لا قيمة لها نهائياً عندهم، بل إنّ الموازين هي الأخرى متناقضة لأمر الله تعالى ونهيه، ومغايرة لنهج رسوله(صلى الله عليه وآله)، ومتضاربة مع العقل والفطرة، فيبدأ الإحساس الشديد بالغربة مع المجتمع والناس، وليس للمؤمن المستبصر في هذه اللحظات إلا إيمانه الشديد، وعزيمته الصادقة، بالإضافة إلى ما يسري عنه في غربته من نصوص شرعيّة تجعله مطمئنّاً عزيزاً شامخاً راسخاً.

روى الترمذيّ والسيوطيّ والطبريّ والقرطبيّ وغيرهم كثير أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: "إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء يوم القيامة. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين إذا فسد الناس صلحوا ، ثمّ قال: ألا لا غربة على مؤمن، وما مات مؤمن في غربة غائباً عنه بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض، ثمّ قرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله): { فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ} (١)، ثمّ قال: ألا إنّهما لا يبكيان على الكافر" (٢).

١- الدخان : ٢٩.

٢- سنن الترمذي ٤ : ١٢٩، الدر المنثور ٦ : ٣٠، تفسير الطبري ٢٥ : ١٦٢، تفسير القرطبي ١٦ : ١٤٠ - ١٤١ واللفظ للأخير.

٢٢

وروى في كنز العمال عن أنس قال: "قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): متى ألقى أحبابي، فقال بعض الصحابة: أوليس نحن أحباؤك؟ قال: أنتم أصحابي، ولكن أحبابي قوم لم يروني وآمنوا بي أنا إليهم بالأشواق" (١).

وروى السيوطي في الجامع الصغير عن أنس أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: "يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من شاته" (٢). ورواه ابن عساكر عن أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام) ، في تاريخ دمشق والمتّقي الهندي في كنز العمّال.

وروى السيوطي في الجامع الصغير عن أنس أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: "يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر" (٣).

وروى في كنز العمال عن ابن مسعود أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: "المتمسك بسنّتي عند اختلاف أمّتي كالقابض على الجمر" (٤).

هذا حال المؤمنين في زمن الضلال والجهل، وهذا هو حال المؤمن المستبصر في زمن قلّ فيه الناصر وكثر فيه النفاق والضلال، ولكنّ المؤمن المستبصر وبالرغم من كلّ ما يواجهه من ظروف ومن تقلّبات الزمان والأحوال، يبقى عزيزاً بالله قويّاً شامخاً، مؤمناً بالله تعالى ووعده ونصره للمؤمنين، صابراّ على الأذى، متحملاً في سبيل الله كلّ ذلك، مقتدياً برسول الله(صلى الله عليه وآله) والأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، مستشعراً حال أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ، موقناً أنّ العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين.

فإذا ما بيّن المستبصر حقيقة معيّنة وأقام عليها الدليل الشرعي والعقلي، فإنّ

١- كنز العمّال ١٤ : ٥١.

٢- الجامع الصغير ٢ : ٧٥٩، تاريخ دمشق ٥٤ : ٤١٤، كنز العمّال ١١ : ١٣٧.

٣- الجامع الصغير ٢ : ٧٥٩.

٤- كنز العمّال ١ : ١٨٤.

٢٣

النتيجة عند أغلب الناس هي المراوغة والتشكيك والإنكار، وربّما التأويل النفسي والشهواني، أو رفض كلام الله تعالى، وحديث رسول الله، ورفض القواعد العقليّة البديهية، مقابل رأي أو هوى لشخص ممّن يسمّونهم علماء يستسلمون له ولكلامه واجتهاده، تاركين كلام الله تعالى، وأحاديث الرسول الكريم، ضاربين بها عرض الحائط، وبعد البيان وعند إفلاسهم يوجّهون لك سؤالاً ينبع من مقاييس جاهليّة لطالما حذّر الشارع المقدّس منها ومن نتائجها، وهي الاحتكام إلى ما ألفوا ووجدوا عليه آباءهم، وليس تحكيم الشرع والعقل، ويكون السؤال على الشكل التالي وبشكل استهزائي وبسخرية واستكبار:

هل أنت على صواب، وكلّ تلك الجموع من العلماء والناس على خطأ؟. أو يكون السؤال بصيغ مختلفة، لكنّها تحمل نفس مضمون السؤال المذكور. المهم أنّه يبيّن المقياس العددي الذي يحتكمون إليه، فإذا رفض أغلبيّة المجتمع مبادئ الإسلام وأحكامه فبحسب مقياسهم الديمقراطي المذكور، فإنّ النتيجة يجب أنْ تكون مقبولة وطبيعية. ثمّ بعد ذلك يواجه المستبصر التكفير والتشهير والمقاطعة، والنظرة الغريبة المريبة، وفي كثير من الأحوال يصبح العدو الأوّل للإسلام والمسلمين.

قال تعالى في سورة يونس: { بَل كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلمِهِ} (١).

ضرورة التعمّق في فكر وتراث أهل البيت (عليهم السلام):

إنّ طبيعة التعامل مع المجتمع والناس من خلال مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، تتطلّب المزيد من الدراسة والمعرفة لأحكامه وعقائده الإسلاميّة الأصيلة من

١- يونس، ٣٩.

٢٤

قبل المستبصر، وتتطلّب أيضاً التعمّق بدراسة أخلاق وسلوكيّات الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ثمّ تعلّم تطبيقها، قبل التسرّع في نقل كلّ ما يعرف وإذاعته بين العوام بشكل ربّما لا يرضي الله تعالى، ولا يرضي رسول الله ولا أئمّة الهدى من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

ولذلك حثّ الأئمّة (عليهم السلام) أتباعهم وشيعتهم على تعلّم كيفيّة معرفة واستنباط فئات المجتمع، وكيفيّة التعامل معها. وكذلك شدّدوا على موضوع ومضمون التقيّة، وعلى معرفة مفهومها وكيفية تطبيقها، كما أكدّوا (عليهم السلام) على كتمان سرّ أهل البيت، وصونه عن كلّ من لا يستحقّه، ونهوا شيعتهم أنْ يكونوا بذراً مذاييع، وأمروهم بأنْ يكونوا زيناً لهم لا شيناً عليهم، وأنْ يكونوا دعاة لهم بغير ألسنتهم، وأنْ يلتزموا بالتطبيق الصحيح المطابق لقول رسول الله وفعله وتقريره والأئمّة من أهل بيته عليهم الصلاة والسلام.

رويَ في بحار الأنوار، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال لكميل بن زياد في وصيّة طويلة :

"يا كميل، إذا جادلت في الله تعالى فلا تخاطب إلا من يشبه العقلاء.

يا كميل هم على كلّ حال سفهاء كما قال الله تعالى : {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ} (١).

يا كميل، في كلّ صنف قوم أرفع من قوم، وإيّاك ومناظرة الخسيس منهم، وإنْ أسمعوك فاحتمل وكن من الذين وصفهم الله تعالى بقوله : { وَإِذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً} (٢).

يا كميل، قل الحقّ على كلّ حال ، ووازر المتّقين ، واهجر الفاسقين .

١- البقرة، ١٣.

٢- الفرقان، ٦٣.

٢٥

يا كميل، جانب المنافقين ، ولا تصاحب الخائنين .

يا كميل، إيّاك إيّاك والتطرّق إلى أبواب الظالمين، والاختلاط بهم والاكتساب منهم، وإيّاك أنْ تطيعهم، وأنْ تشهد في مجالسهم بما يسخط الله عليك .

يا كميل، إذا اضطررت إلى حضورهم، فداوم ذكر الله تعالى والتوكل عليه و استعذ بالله من شرّهم ، واطرق عنهم وانكر بقلبك فعلهم ، واجهر بتعظيم الله تعالى لِتُسمعهم، فإنّهم يهابوك، وتكفى شرّهم .

يا كميل، إنّ أحبّ ما امتثله العباد إلى الله، بعد الإقرار به وبأوليائه ، التجمّل والتعفّف والإصطبار .

يا كميل، لا بأس بأنْ لا يعلم سرّك.

يا كميل، لا ترينّ الناس افتقارك واضطرارك، واصطبر عليه احتسابا بعزّ وتستّر.

يا كميل، لا بأس بأنْ تُعلم أخاك سرّك.

يا كميل، ومَن أخوك ؟. أخوك الذي لا يخذلك عند الشدّة، ولا يغفل عنك عند الجريرة، ولا يخدعك حين تسأله، ولا يتركك وأمرك حتّى تعلمه، فإنْ كان مميلاً أصلحه.

يا كميل، المؤمن مرآة المؤمن يتأمّله، ويسدّ فاقته، ويجمل حالته.

يا كميل، المؤمنون إخوة ، ولا شيء آثر عند كلّ أخ من أخيه.

يا كميل، إذا لم تحب أخاك فلست أخاه .

يا كميل إنّما المؤمن من قال بقولنا ، فمن تخلّف عنّا قصر عنّا ، ومن قصر

٢٦

عنّا لم يلحق بنا ، ومن لم يكن معنا ففي الدرك الأسفل من النار…" (١).

وروي في الكافي قال: خرجتْ هذه الرسالة من أبي عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابه:

"بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد: فاسألوا ربّكم العافية، وعليكم بالدعة والوقار والسكينة، وعليكم بالحياء والتنزّه عمّا تنزّه عنه الصالحون قبلكم، وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحمّلوا الضيم منهم، وإيّاكم ومماظتهم، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام، فإنّه لا بدّ لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقيّة التي أمركم الله أنْ تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم، فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنّهم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر، ولولا أنّ الله تعالى يدفعهم عنكم، لسطوا بكم، وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر ممّا يبدون لكم، مجالسكم ومجالسهم واحدة، وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف، لا تُحبّونهم أبداً ولا يُحبّونكم، غير أنّ الله تعالى أكرمكم بالحقّ وبصّركموه ولم يجعلهم من أهله، فتجاملونهم وتصبرون عليهم، وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شيء، وحيلهم وسواس بعضهم إلى بعض، فإنّ أعداء الله إنْ استطاعوا صدوكم عن الحقّ، فيعصمكم الله من ذلك، فاتّقوا الله وكفّوا ألسنتكم إلا من خير" إلى أن قال :

"فاتقوا الله أيّتها العصابة الناجية إنْ أتمّ الله لكم ما أعطاكم به، فإنّه لا يتمّ الأمر حتّى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم، وحتّى تبتلوا في أنفسكم وأموالكم، وحتّى تسمعوا من أعداء الله أذى كثيرا فتصبروا وتعركوا بجنوبكم، وحتّى يستذلّوكم ويبغضوكم، وحتّى يحملوا عليكم

١- بحار الأنوار، ٧٤ : ٢٦٩.

٢٧

الضيم فتحملوا منهم، تلتمسون بذلك وجه الله والدار الآخرة، وحتّى تكظموا الغيظ الشديد في الأذى في الله عزّ وجلّ يجترمونه إليكم، وحتّى يُكذّبوكم بالحقّ ويعادوكم فيه ويبغضوكم عليه، فتصبروا على ذلك منهم، ومصداق ذلك كلّه في كتاب الله الذي أنزله جبرئيل (عليه السلام) على نبيّكم(صلى الله عليه وآله)، سمعتم قول الله عزّ وجلّ لنبيّكم(صلى الله عليه وآله): { اصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَهُمْ } (١). ثمّ قال: { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا } (٢). فقد كُذّب نبيّ الله والرسل من قبله، وأوذوا مع التكذيب بالحقّ، فإنّ سرّكم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الأصل ، أصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله أنْ يخلقهم له في الأصل، ومن الذين سمّاهم الله في كتابه في قوله: {وَجَعَلناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} (٣). فتدبّروا هذا، واعقلوه ولا تجهلوه، فإنّه من يجهل هذا وأشباهه ممّا افترض الله عليه في كتابه ممّا أمر الله به ونهى عنه، ترك دين الله وركب معاصيه، فاستوجب سخط الله، فأكبّه الله على وجهه في النار" (٤).

وروي عن ميسرة قال، قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): "يا ميسرة، ألا أخبرك بشيعتنا، قلت: بلى جعلت فداك. قال: إنّهم حصون حصينة في صدور أمينة، وأحلام رزينة، ليسوا بالمذاييع البذر(٥)، ولا بالجفاة المرائين، رهبان بالليل، أسد بالنهار" (٦).

١- الأحقاف، ٣٥.

٢- الأنعام، ٣٤.

٣- القصص، ٤١.

٤- الكافي ٨ : ٢ - ٥.

٥- البذر : القوم الذين لا يكتمون الكلام.

٦- مشكاة الأنوار : ١٢٦.

٢٨

وروي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) قال: "إنّما الشيعة من لا يعدو سمعه صوته، ولا شجنه بدنه، ولا يحبّ لنا مبغضاً، ولا يبغض لنا محبّاً، ولا يجالس لنا غالياً ولا يهرّ هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس وإنْ مات جوعاً، المتنحّي عن الناس، الخفيّ عليهم، وإنْ اختلفت بهم الدار لم تختلف أقاويلهم، إنْ غابوا لم يفقدوا، وإنْ حضروا لم يؤبه بهم، و إنْ خطبوا لم يزوّجوا، يخرجون من الدنيا و حوائجهم في صدورهم، إنْ لقوا مؤمناً أكرموه، وإنْ لقوا كافراً هجروه، وإنْ أتاهم ذو حاجة رحموه، وفي أموالهم يتواسون. ثمّ قال: يا مهزم، قال جدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام) ، يا علي، كذب من زعم أنّه يحبني ولا يحبّك أنا المدينة و أنت الباب و من أين تؤتى المدينة إلا من بابها" (١).

وروي في التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام) أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله) قال: "إِنَّ شيعتنا مَنْ شَيَّعَنَا، وَاتَّبَعَ آثَارَنا، واقتدى بِأَعْمَالِنا" (٢).

وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال : "امتَحِنُوا شيعتنا عِنْدَ مَواقِيتِ الصَّلاة، كَيْفَ مُحَافَظَتُهُمْ عليهَا؟ وَإِلَى أَسْرَارِنَا، كَيْفَ حِفْظُهُمْ لَهَا عِنْدَ عَدُوِّنَا؟، وَإِلَى أَمْوَالِهِمْ، كَيْفَ مُواساتُهُمْ لإخْوَانِهِمْ فِيهَا"؟(٣).

وروى سليمان بن مهران أنـّه قال : دَخَلتُ عل? الصَّادقِ جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنَ الشِّيعَةِ وَهُوَ يَقُولُ: "مَعَاشِرَ الشِّيعَةِ، كُونُوا لَنَا زَيْناً وَلا تَكُونُوا علينا شَيْناً، قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، وَاحْفَظُوا أَلسِنَتَكُمْ وَكُفّوها عَنِ الفُضُولِ وَقُبْحِ القَوْلِ" (٤).

١- مشكاة الأنوار، ١٢٥.

٢- تفسير الامام العسكري : ٣٠٧.

٣- قرب الاسناد : ٧٨.

٤- الأمالي، الشيخ الصدوق، ٤٨٤.

٢٩

وروي في الكافي عن عمرو بن أبي مقدام أنـّه قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عبد الله الصادق (عليه السلام) يَقُولُ"خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حتّى إِذَا كُنَّا بَيْنَ القَبْرِ وَالمِنبَرِ، إِذَا هُوَ بِأُنَاسٍ مِنَ الشِّيعَةِّ، فَسَلَّمَ عليهِمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي وَاللهِ لأحبّ رِياحَكُمْ وَأَرْوَاحَكُمْ، فَأَعِينُونِي عل? ذَلِكَ بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّ وِلاَيَتِنَا لاَ تُنَالُ إِلاَّ بِالوَرَعِ وَالاجْتِهَادِ، مَنِ ائتمّ مِنْكُمْ بِعَبدٍ فَليَعْمَل بِعَمَلَهِ، أَنْتُم شِيعَةُ اللهِ، وَأَنْتُم أَنصَارُ اللهِ، وَأَنْتُمُ السَّابِقُونَ الأولون، وَالسَّابِقُونَ الآخِرُونَ، وَالسَّابِقُونَ في ‌الدُّنْيَا وَالسَّابِقُونَ فِي الآخِرَةِ ، قَدْ ضَمِنَّا لَكُمُ الجَنَّةَ بِضَمَانِ اللهِ عَزَّوَجَلَّ، وَضَمانِ رَسُولِ اللهِ ، وَاللهِ ما عل?‌ دَرَجَةِ الجَنَّةِ أَكْثَرُ أَرْواحاً مِنْكُمْ، فَتَنافَسُوا فِي‌ فَضَائِلِ الدَّرَجَاتِ، أَنْتُم الطَّيِّبُونَ، وَنِسَاؤُكُمُ الطَّيِّباتُ ، كُلُّ مُؤمِنَةٍ حَوْراءُ عَيْنَاءُ ، كُلُّ مُؤمِنٍ صِدّيقُّ. وَلَقَدْ قَالَ أَميرُ المؤمِنِينَ لِقَنبرٍ: يَا قَنبرُ ؛ أَبْشِرْ وَبِشِّرْ وَاستَبْشِرْ، فَوَاللهِ لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللهِ وَهُوَ عل? أُمَّتِهِ سَاخِطٌ إِلاَّ الشِّيعَةَ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شيء عِزاً وَعِزُّ الإسلامِ الشِّيعَةُ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَيءٍ دِعَامَةً وَدِعامَةُ الإسلامِ الشِّيعَةُ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَي‌ءٍ ذِرْوَةٌ و ذِروَةُ الإسلامِ الشِّيعَةُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَيءٍ سَيِّداً وسَيِّدُ المَجَالِسِ مَجَالِسُ الشِّيعَةِ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَي‌ءٍ شَرَفاً وَشَرَفُ الإسلاَمِ الشِّيعَةُ ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ شَي‌ءٍ إماما وَإِمَامُ الأرض أَرْضٌ تَسكُنُهَا الشِّيعَةُ" (١).

وجوب إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام):

بالمقابل فإنّ الواجب على المستبصر أنْ يحيي أمر أهل البيت (عليهم السلام)، ويفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، ويربّي نفسه ومن معه على أخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، وعلى عقائدهم وأحكامهم، مع المحافظة على عدم تجاوز المحاذير التي حثّ على الحذر منها واجتنبها أئمتنا (عليهم السلام)، فيعيش مع واقعه وأفراد مجتمعه كواحد

١- الكافي، ٨ : ٢١٢ - ٢١٣.

٣٠

منهم، بينما في داخله بركان يغلي حبّاً وولاءً وصدقاً وإخلاصاً ومتابعة واقتداءً لأهل البيت (عليهم السلام)، وكذلك حزناً وألماً عند ذكر مظلوميات أهل البيت (عليهم السلام)، أو عند رؤية ما يعانيه المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها من ظلم وبطش وتقتيل وتكفير.

ولذلك فإنّ المؤمن المستبصر يحاول دوما أن يجمع بين شخصيّتين، وهذا يوجب عليه التدقيق في أحوال الناس الذين يعايشهم، حتّى يطّلع على فئاتهم ويتعرّف على أصنافهم وأقسامهم، ويتعلّم كيف يتفاعل مع واقعه من خلال تطبيق ما أمر به الأئمّة الأطهار من أهل بيت العصمة والرسالة (عليهم السلام)، حتّى يعيش في أمن وأمان وراحة بال وطمأنينة، وهو العنوان الذي وعد الله تعالى به أولياءه المؤمنين المتّقين، المطيعين للرسول الكريم، والموالين لأولياء الله تعالى الأئمّة المعصومين عليهم جميعا أفضل الصلوات وأتمّ التسليم.

قال تعالى في سورة يونس : { أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ? الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ? لَهُمُ البُشْرى فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} (١).

وقال تعالى في سورة الزمر : { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ? الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلبابِ} (٢).

فئات المجتمع وأصناف الناس:

وبناء على ذلك، فإنّ المؤمن المستبصر المدقّق في أحوال المسلمين الذين

١- يونس : ٦٢ - ٦٤.

٢- الزمر : ١٧ - ١٨.

٣١

يعيش معهم وبينهم، يستطيع أنْ يصنّفهم ويقسّمهم إلى عدّة أصناف وأقسام، لابدّ للمستبصرين من معرفتهم، ولابدّ لكلّ منصف محبّ للحقّ أنْ يميّزهم، حتّى يعرف كيفيّة التعامل معهم في غربته ووحدته، وحتّى يستطيع المحافظة على عقيدته وإيمانه، وحتّى يعرف متى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومتى تتحقّق شروطه ومتى لا تتحقّق، حتّى تكون أفعاله وتصرّفاته مقبولة، وسلوكه متوافق مع ما فيه رضا لله تعالى ورسوله والأئمّة من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام أمام كلّ تلك الفئات.

ومن تلك الفئات، فئة المكفّرين النواصب من العلماء، وكثير من العوام، والذين يطعنون في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وينصبون العداء لهم عن علم أو بسبب الضلال والجهل الذي أخذوه عن ضلال وجهّال ممّن سبقهم، ويدّعون أنّهم عن البدع يترفّعون، لكنّهم بينها يضطجعون كما قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

يقول الإمام عليّ (عليه السلام) في خطبة له من نهج البلاغة: "... وآخر قد تسمّى عالماً وليس به، فاقتبس جهائل من جهّال، وأضاليل من ضُلاّل، ونصب للناس شركاً من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحقّ على أهوائه، يؤمن من العظائم، ويُهوّن كبير الجرائم، يقول : أقفُ عند الشبهات وفيها وقع، واعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة إنسان، والقلب قلب حيوان، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، ولا باب العمى فيصدّ عنه، فذلك ميت الأحياء، فأين تذهبون" (١)؟.

وهؤلاء هم خوارج العصر الحديث، الذين يُصلّون ويصومون ويقرؤون

١- نهج البلاغة بشرح الشيخ محمّد عبده ١ : ١٥٣.

٣٢

القرآن ويدعون إلى الإسلام، وكلّ همهم هو تكفير المسلمين، خصوصاً أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فهم دوماّ يكفّرونهم ويستهزؤون بهم ويثيرون حولهم الشبهات، ويكيلون لهم التهم، بل تجاوز الأمر إلى أكثر من ذلك بأنْ أباحوا دماء المؤمنين من أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وما ذنبهم إلا أنْ آمنوا بالله وأطاعوا رسول الله(صلى الله عليه وآله)، والتزموا بالشريعة السمحاء، وعملوا على تطهير أنفسهم باتّباع أهل البيت (عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

قال تعالى في سورة البروج : { وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيد ? الَّذِي لَهُ مُلكُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ} (١).

وقال تعالى في سورة الأعراف : { وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (٢).

وهؤلاء المكفّرون والتكفيريون النواصب (الذين يعادون الله ورسوله، ويحاربون أحباب الله من المؤمنين الموقنين بوعد الله ونصره) قد وصفهم القرآن الكريم وحذّر منهم الرسول الكريم، حتّى لا ينخدع الناس بهم وبكذبهم وفتنتهم، فالله متمّ نوره ولو كره المبغضون والمكفّرون الحاقدون؛ لأنّهم وللأسف الشديد استطاعوا بمظاهرهم وغرورهم أنْ يخدعوا ويضلّلوا كثيراً من الناس، ويضعوهم في دائرة المجرمين لكي يلاحقوا المؤمنين ويستهزؤوا بهم، ويتّهمونهم بالضلال، وحتّى لا يبصروا الحقّ وإن أبصروه تكرهه نفوسهم، فيدخلون في قائمة من يحارب الله ورسوله.

قال تعالى في سورة المطففين: { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ? وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ? وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ?

١- البروج : ٨ - ٩.

٢- الأعراف : ٨٢.

٣٣

وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ? وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ} (١).

وقال تعالى في سورة الزخرف : { لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلحَقِّ كارِهُونَ} (٢).

وقال تعالى في سورة المجادلة : { إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (٣).

وقال تعالى في سورة المائدة : { إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ} (٤).

وقال تعالى في سورة الأحزاب : { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً} (٥).

وروى الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: "سيكون في أمّتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل، ويسيئون الفعل، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجع حتّى يرد السهم على فوقه، وهم شرار الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، قالوا:

١- المطففين : ٢٩ - ٣٣.

٢- الزخرف : ٧٨.

٣- المجادلة : ٢٠ - ٢١.

٤- المائدة : ٣٣.

٥- الأحزاب : ٥٧.

٣٤
 كتاب نهج المستنير وعصمة المستجير الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني (ص ٣٥ - ص ٦١)
٣٥

وعمر عن المتعة، فقال ابن عبّاس: فما يقول عرية؟ قال: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. قال: أراهم سيهلكون، أقول : قال رسول الله، ويقولون : قال أبو بكر وعمر" (١).

ولقد حذّر القرآن الكريم والحديث الشريف من هذه المحاكاة العمياء للآباء والأجداد، والجمود عليها، ورفض وإنكار ما سواها، كما أنّ الشارع المقدّس قد حذّر ونهى عن التقليد في المعتقدات.

قال تعالى في سورة البقرة : { وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَل نَتَّبِعُ ما أَلفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} (٢).

وقال تعالى في سورة المائدة { وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} (٣).

وقال سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: { وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُل إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ} (٤).

وفئة رابعة قد استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة، وشغلهم طول الأمل، فهم يعتبرون الدنيا دار خلود وبقاء، حتّى أنّهم يرفضون كلّ ما يذكّرهم بحقيقة دنياهم الفانية، ويتمسكون بكلّ ما يذكّرهم بها، ويملكون من الاستعداد لبيع القيم والمبادئ بعرض من الدنيا قليل، وهؤلاء تجد منهم من يبيع الدين

١- سير أعلام النبلاء ١٥ : ٢٤٣.

٢- البقرة : ١٧٠.

٣- المائدة : ١٠٤.

٤- الأعراف : ٢٨.

٣٦

بالدنيا، وتجد منهم أيضاً من يتّخذ الدين مطيّة لتحقيق مآربهم الدنيويّة، فيُصلّون في الصفوف الأولى، ويقومون بالعبادات وأعمال البرّ والتقوى أمام الناس، ويطلقون اللحى، يراؤون فيها من أجل الشهرة والسمعة، حتّى تتحقّق لهم من وراء ذلك عمليات النصب والاحتيال على عباد الله تعالى. وفي الحقيقة فإنّ هذا الصنف من الناس يعمل على الصدّ عن سبيل الله، ولا يمكن له أنْ يحبّ الحقيقة لأنّها تضر بمصالحه، وبسبب حبّهم للدنيا وزينتها، فإنّ ديدنهم السخرية من المؤمنين، والعمل على إبقاء العادات والتقاليد الفاسدة، وصدّ الناس عن رؤية فساد الواقع، حتّى تبقى مجريات الأمور تصبّ في صالحهم ومصلحتهم، فهم على حسب اعتقادهم عليّة القوم والمجتمع بسبب أموالهم ودنياهم، فلا يجوز أنْ يوجد بينهم من هو أفقه منهم.

قال تعالى في سورة إبراهيم: { الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} (١).

وقال تعالى في سورة البقرة : { أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} (٢).

وقال تعالى في سورة البقرة : { زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ} (٣).

وقال تعالى في سورة آل عمران : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالبَنِينَ وَالقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعامِ

١- إبراهيم : ٣.

٢- البقرة : ٨٦.

٣- البقرة : ٢١٢.

٣٧

وَالحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ} (١).

وفئة خامسة لا يدرون ماهم عليه، ولا يوجد عندهم استعداد لمعرفة ماغاب عنهم من الحقيقة، بل أكثر من ذلك، إذ إنّهم لا يريدون أنْ يعرفوا حقيقة ماهم عليه أصلاً، بل إنّهم لا يستطيعون إعمال عقولهم وحواسّهم إلا لخدمة شهواتهم الحيوانيّة، وهؤلاء لا يهمّهم دينهم فضلاً عن أهل البيت (عليهم السلام)، وإذا ما حاولت أنْ تستفزّ عقولهم وحواسّهم أو تستنهضها، فإنّهم لا يسمعون ولا يعقلون ويولّون مدبرين، قد طغت عليهم قوى الشهوة، فأظلمت عقولهم وقلوبهم فصاروا دون البهائم.

قال تعالى في سورة الأعراف: { وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالأَنْعامِ بَل هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الغافِلُونَ} (٢).

وقال تعالى في سورة الفرقان: { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعامِ بَل هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} (٣).

وقال تعالى في سورة الروم : { إِنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَما أَنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} (٤).

وفئة سادسة يعرفون الحقيقة والأحقيّة، ويدركونها بل إنّهم مستيقنون منها ولكنهم لخوفهم على أنفسهم وعلى مناصبهم ومصالحهم الدنيوية ومراكزهم فيها، فإنّهم يجحدون الحقيقة وينكرونها ويعادونها ابتغاء مرضاة أسيادهم،

١- آل عمران : ١٤.

٢- الأعراف : ١٧٩.

٣- الفرقان : ٤٤.

٤- الروم : ٥٢ - ٥٣.

٣٨

ومناصبهم ومصالحهم، وخشية أنْ تصيبهم دائرة، ولأجل المناصب والمصالح الدنيوية، فإنّهم يصبّون غضبهم على الحقيقة وأتباعها، بل ويعتبرونهم العدو الأوّل للإسلام والمسلمين، وبالتالي تستشري فيهم وبينهم الأمراض وعوارضها، وأهمّها جحد الحقيقة وإنكارها وبغضها والعداوة والبغضاء لحملتها.

قال تعالى في سورة النمل : { وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ} (١).

وقال تعالى في سورة المائدة : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ} (٢).

وفئة سابعة من الناس يحبّون أهل البيت ويطربون عند سماع أخبارهم وفضائلهم، ولكنّهم لا يريدون دراسة التاريخ والبحث فيه، ولا ينتمون إلى مذهب معيّن، بل يقولون بكل ما يسمعون، ويأخذون من كلّ عالم، ويفضلون فصل الشريعة عن الحقيقة، ولذلك تجدهم إلى التصوّف أقرب، فيحبّون أهل البيت(عليهم السلام)، وفي نفس الوقت يترضّون على أعدائهم، أي أنّهم يدّعون محبّة أهل البيت (عليهم السلام)، وفي نفس الوقت يوالون أعداءهم، وهذا الواقع غير مقبول شرعاً وعقلاً، لأنّ الأصل في المحبّة هو الاتباع والاقتداء، والولاية لأولياء الله والبراءة من أعدائهم، ولا يمكن للمحبّة أنْ تكون إلا بعد المعرفة، فمن ادّعى المحبّة من دون معرفة فهو كاذب، كما أنّه لا يمكن للمحبّة أنْ تتجسّد إلا بالاتّباع والاقتداء والسلوك، وعنوان تجسّدها الولاء والبراءة، فمن ادّعى المحبّة من غير اقتداء فهو كاذب.

١- النمل : ١٤.

٢- المائدة : ٥٢.

٣٩

قال سبحانه وتعالى في سورة المجادلة : { لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} (١).

وقال تعالى في سورة آل عمران : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} (٢).

وقال تعالى في سورة التوبة : {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (٣).

وقال تعالى في سورة الممتحنة : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ} (٤).

وفئة ثامنة هي من أهل الدوافع، وليس الدوافع النفسيّة المريضة فقط، بل من دافع الفضول الشخصيّ أو الدافع الاخباراتي لحساب أعداء الله ورسوله وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، فهؤلاء يسعون وراء المؤمنين المستبصرين ويتبنون أفكارهم، بل وربّما يجعلون أنفسهم في المقدّمة ويظهرون الانفعالات الشديدة المتعاطفة مع المؤمنين، ويتقرّبون منهم، من أجل أنْ يكونوا على قرب شديد من المؤمنين، حتّى يكشفوا أحوالهم وأعدادهم وأماكن تواجدهم، ويعملون على معرفة كلّ صغيرة وكبيرة عنهم، خدمة لدوافعهم

١- المجادلة : ٢٢.

٢- آل عمران : ١١٨.

٣- التوبة : ٢٣.

٤- الممتحنة : ١.

٤٠