×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نهج المستنير وعصمة المستجير / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

 كتاب نهج المستنير وعصمة المستجير الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني (ص ٤٢١ - ص ٤٤٩)
٤٢١

٣- وإليك مجموعة من الروايات الصحيحة من كتب العامّة وصحاحهم، تشير إلى وجوب أنْ يكون السجود على الأرض ومباشرتها، وهذه الروايات تقرّر ماعليه أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

أ- روى مسلم في صحيحه عن خبّاب؛ قال: شكونا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) الصلاة في الرمضاء، فلم يشكّنا. ورواه عدد كبير من أهل الحديث عند العامّة(١).

قال في ‏فتح الباري شرح صحيح البخاري: حديث خباب: شكونا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكّنا. أي فلم يُزِل شكوانا، وهو حديث صحيح رواه مسلم(٢).

‏وروى في معجم الطبراني الكبير: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا إبراهيم بن الحجّاج السامي، ثنا وهيب، عن محمّد بن جحادة، عن سليمان بن أبي هند، عن خباب قال: شكونا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) شدّة الحرّ في جباهنا وأكفّنا فلم يشكّنا(٣).‏

وقال في سبل السلام: وعورض حديث الابراد بحديث خباب: شكونا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكّنا أي: لم يزل شكوانا، وهو حديث صحيح رواه مسلم(٤).

‏قال في مغني المحتاج، للخطيب الشربيني : شرعا أقلّه (أي السجود) مباشرة بعض جبهته مصلاّه، أي: ما يصلّي عليه من أرض أو غيرها، لخبر:

١- صحيح مسلم ٢ : ١٠٩، المصنّف لابن أبي شيبة ١ : ٣٥٨، المعجم الكبير ٤ : ٧٢.

٢- فتح الباري ٣ : ٦٨.

٣- المعجم الكبير ٤ : ٨٠ وعنه في كنز العمّال ٨ : ٢٢٠.

٤- نيل الأوطار ١ : ٣٨٥.

٤٢٢

إذا سجدت فمكّن جبهتك، ولا تنقر نقراً، رواه ابن حبّان في صحيحه. ولخبر خبّاب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكّنا، أي لم يزل شكوانا، رواه البيهقيّ بسند صحيح، ورواه مسلم بغير جباهنا وأكفّنا. فلو لم تجب مباشرة المصلّي بالجبهة لأرشدهم إلى سترها(١).

‏وقال في نيل الأوطار، للشوكاني: وفي حديث خبّاب عند مسلم قال: "شكونا إلى رسول اللَّه(صلى الله عليه وآله) حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكّنا، أي لم يعذرنا ولم يزل شكوانا" (٢).

وروى في صحيح مسلم بشرح النووي قال: "فأمّا الجبهة، فيجب وضعها مكشوفة على الأرض، ويكفي بعضها، والأنف مستحبّ، فلو تركه جاز، ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز، هذا مذهب الشافعيّ ومالك والأكثرين.

وقال أبو حنيفة، وابن القاسم، من أصحاب مالك: له أنْ يقتصر على أيّهما شاء.

وقال أحمد، وابن حبيب، من أصحاب مالك: يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعاً لظاهر الحديث.

وأمّا اليدان والركبتان والقدمان، فهل يجب السجود عليهما؟ فيه قولان للشافعي:

أحدهما: لا يجب، لكن يستحب استحباباً متأكداً.

والثاني: يجب، وهو الأصحّ، وهو الذي رجّحه الشافعي، فلو أخلّ بعضو

١- مغني المحتاج ١ : ١٦٨.

٢- نيل الأوطار ١ : ٣٨٥.

٤٢٣

منها، لم تصحّ صلاته، وإذا أوجبناه، لم يجب كشف القدمين والركبتين، وفي الكفّين قولان للشافعي

أحدهما: يجب كشفهما كالجبهة، وأصحّهما لا يجب(١).

من هذه الرواية والتعليقات عليها يتبيّن أنّ السجود الواجب في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان بمباشرة الجبهة الأرض، وذلك بقرينة أنّ الصحابة شكوا شدّة حرّ الأرض على جباههم، ولكنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يستجب لشكواهم، وهذه قرينة الوجوب.

ثمّ إنّ الرواية قد وردت في صحاحٍ ومسانيدٍ، غير صحيح مسلم، وكذلك كلّ التعليقات والشروحات على الرواية تذكر عبارة "حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفّنا". وكلّهم يؤكّدون أنّ الرواية في صحيح مسلم، مع أنّ رواية مسلم في هذه الأيّام محذوف منها عبارة جباهنا وأكفّنا، وهذا يدلّ على أنّ يد التحريف والتزوير تصل إلى كلّ ما يريد أعداء أهل البيت إخفاءه.

ب- روى السيوطيّ في الجامع الصغير، عن ابن سعد في طبقاته عن صالح بن خيران: كان رسول الله إذا سجد رفع العمامة عن جبهته(٢).

وفي فيض القدير، شرح الجامع الصغير: "كان رسول الله إذا سجد رفع العمامة عن جبهته" وسجد على جبهته وأنفه دون كور عمامته. قال ابن القيّم: لم يثبت عنه سجود على كور عمامته في خبر صحيح ولا حسن وأما خبر عبد الرزاق كان يسجد على كور عمامته ففيه متروك(٣).

١- شرح صحيح مسلم للنووي ٤ : ٢٠٨.

٢- الجامع الصغير ٢ : ٣٣٨، عن الطبقات الكبرى ١ : ٤٥٥، وفيها أن للرواي المباشر هو صالح ابن خيران.

٣- فيض القدير شرح الجامع الصغير ٥ : ١٨١.

٤٢٤

وروى في كنز العمال للمتقي الهندي عن عليّ قال: إذا كان أحدكم يصلّي، فليحسر العمامة عن جبهته(١).

وروى في نصب الراية للزيعلي: أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) رأى رجلاً يسجد إلى جنبه، وقد اعتمّ على جبهته، فحسر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) عن جبهته(٢).

وروى في نيل الأوطار للشوكاني، عن صالح بن خيوان السبائي: أنّ رسول اللَّه(صلى الله عليه وآله) رأى رجلاً يسجد إلى جنبه، وقد اعتمّ على جبهته فحسر عن جبهته(٣).

وروى ابن أبي شيبة، عن عياض بن عبد اللَّه قال: رأى النبيّ اللَّه(صلى الله عليه وآله) رجلاً يسجد على كور العمامة، فأومأ بيده أنْ ارفع عمامتك(٤).

قال الخطابي: فيه دليل على أنّ السجود لا يجزئ على غير الجبهة، وأنّ من سجد على كور العمامة لم يسجد معها على شيء من جبهته لم تجزه صلاته(٥).

ج- روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين، عن جابر بن عبد الله قال: كنت أصلّي الظهر مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فآخذ قبضة من الحصى ليبرد في كفّي، أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدّة الحر. هذا حديث صحيح على شرط مسلم.‏ ورواه البيهقي وأبو داوود(٦).

د- روى الترمذي في سننه عنْ أمّ سلمَةَ قالَتْ: رأى النّبيّ(صلى الله عليه وآله) غُلاَماً لنَا يُقالُ

١- كنز العمّال ٨ : ١٣١.

٢- نصب الراية ١ : ٥١٤، السنن الكبرى للبيهقي ٢ : ١٠٥.

٣- نيل الأوطار ٢ : ٢٩٠.

٤- المصنّف ١ : ٣٠٠.

٥- نقله العظيم آبادي في عون المعبود ٣ : ٧١.

٦- المستدرك ١ : ١٩٥، سنن البيهقي ١ : ٤٣٩، سنن أبي داود ١ : ١٠٠.

٤٢٥

لَه أفلحُ، إذا سجدَ نفخَ فقالَ: يا أفلحُ تَرّبَ وجهكَ(١).

‏وروى في معجم الطبراني الكبير، عن أمّ سلمة: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) رأى غلاما لها يصلّي، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): ترّب وجهك يا رباح‏(٢).

وروى الحاكم في المستدرك على الصحيحين، عن أبي صالح قال: كنت عند أمّ سلمة فدخل عليها ذو قرابة لها شاب ذو جمة، فقام يصلّي، فنفخ، فقالت: يا بنيّ لا تنفخ، فإنّه سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعبد لنا أسود: أي رباح ترّب وجهك(٣).

وفي كنز العمال: عن مصنف عبدالرزاق أنّ رسول الله قال لصهيب : ترّب وجهك يا صهيب(٤).

هـ- قال في نصب الراية روى الأئمّة الستّة في كتبهم، عن مُعَيقيب: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال : لا تمسح الحصى وأنت تصلّي، فإنْ كنتَ لا بدّ فاعلاً فواحدة(٥).

وروى ابن أبي شيبة، عن جابر قال: سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن مسح الحصى، قال واحدة، ولئن تمسك عنها خير لك من مائة ناقة كلّها سود الحدقة(٦).

وروى عبد الرزاق، عن أبي ذرّ قال: سألت النبيّ(صلى الله عليه وآله) عن كلّ شيء، حتّى سألته عن مسح الحصى، فقال: واحدة أو دعْ. ورواه أحمد في المسند(٧).

١- سنن الترمذي١ : ٢٣٦، كنز العمّال ٨ : ١٣١..

٢- المعجم الكبير ٢٣ : ٣٢٤، مسند أحمد ٦ : ٣٢٣.

٣- المستدرك على الصحيحين ١ : ٢٧١، صحيح ابن حبّان ٥ : ٢٤١.

٤- كنز العمّال ٧ : ٤٦٥، عن المصنّف ١ : ٣٩١ - ٣٩٢.

٥- نصب الراية ٢ : ٩٩,

٦- المصنّف ٢ : ٣٠٢.

٧- المصنّف لعبدالرزاق ٢ : ٣٩، مسند أحمد ٥ : ١٦٣.

٤٢٦

وروى الترمذي، عن أبي ذرّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: إذَا قامَ أحدُكُمْ إلى الصلاةِ فلاَ يَمْسَح الحصَى فإنّ الرحمةَ تواجههُ(١).

و- قال في فتح الباري شرح صحيح البخاري: روى سعيد بن منصور، عن سعيد بن المسيّب وغيره، أنّ الصلاة على الطنفسة محدث. وإسناده صحيح(٢).

‏وقال في نيل الأوطار للشوكاني: روى ابن أبي شيبة في المصنّف، عن سعيد بن المسيّب ومحمّد بن سيرين، أنّهما قالا: الصلاة على الطنفسة وهي البساط الذي تحته خمل محدثة. وعن جابر بن زيد أنه كان يكره الصلاة على كل شيء من الحيوان(٣).

‏وروي في الطبقات الكبرى، عن أَبَانُ بنُ يَزِيْدَ قال: حَدّثنَا قتادة قال: سَأَلتُ سَعِيْداً عَنِ الصَّلاَةِ عَلَى الطَّنْفِسَةِ، فَقَالَ: مُحْدَثٌ(٤). (الطنافس هي البسط التي لها خمل خفيف) .

ز- روي في سنن الترمذي عَن أَبِي سَعيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ(صلى الله عليه وآله) صَلَّى عَلَى حَصِيرٍ(٥).

وروى أبو داود في سننه، عن أنس بن مالك، أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يزور أمّ سليم، فتدركه الصلاة أحياناً، فيصلّي على بساط لنا، وهو حصير تنضحه بالماء(٦).

قال الأحوذي في تحفته : قال العراقي في شرح الترمذي: فرّق المصنّف،

١- سنن الترمذي ١ : ٢٣٥، سنن النسائي ٣ : ٦.

٢- فتح الباري ١ : ٢٨٩.

٣- نيل الأوطار ٢ : ١٢٨.

٤- الطبقات الكبرى ٥ : ١٣٤.

٥- سنن الترمذي ١ : ٢٠٨.

٦- سنن أبي داود ١ : ١٥٥.

٤٢٧

يعني الترمذي، بين حديث أنس في الصلاة على البساط، وبين حديث أنس في الصلاة على الحصير، وعقد لكلّ منهما باباً. وقد روى ابن أبي شيبة في سننه ما يدلّ على أنّ المراد بالبساط الحصير بلفظ: فيصلّي أحياناً على بساط لنا وهو حصير فننضحه بالماء. قال العراقي: فتبيّن أنّ مراد أنس بالبساط، الحصير، ولا شكّ أنّه صادق على الحصير؛ لكونه يبسط على الأرض، أي يفرش(١).

‏وروي في سنن النسائي، عن أنس بن مالك: أنّ أمّ سليم سألت رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يأتيها فيصلّى في بيتها، فتّتخذه مصلّى، فأتاها، فعمدت إلى حصير فنضحته بماء، فصلّى عليه وصلّوا معه(٢).

ح- روى البخاري عن ميمونة قالت: كان رسول الله يصلّي على الخمرة. وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ميمونة، ورواه الترمذي عن ابن عبّاس وقال: وفي الباب عن أمّ حبيبة وابن عمر وأمّ سلمة وعائشة وميمونة، وأم كلثوم(٣).

‏وروى في ‏مجمع الزوائد عن ابن عمر قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يصلّي على الخمرة. وقال : رواه أحمد، والبزّار، والطبراني في الكبير، والأوسط وزاد فيه: ويسجد عليها، ورجال أحمد رجال الصحيح، ورواه أحمد أيضاً بإسناد رجاله رجال الصحيح(٤).

ط- روى أحمد في مسنده عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يسجد على الأرض، واضعاً جبهته وأنفه في سجوده(٥).

١- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ٢ : ٢٥٠.

٢- سنن النسائي ٢ : ٥٧.

٣- سنن الترمذي ١ : ٢٠٧.

٤- مجمع الزوائد ٢: ٥٦.

٥- مسند أحمد ٤ : ٣١٧.

٤٢٨

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد، وفيه: فصلّى بنا النبيّ(صلى الله عليه وآله) حتّى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأرنبته(١).

وروى مسلم في صحيحه، عَنْ أبي سعيد، قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) حِينَ انْصَرَفَ وعَلَىَ جَبْهَتِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرُ الطِّينِ(٢).

وروى في المعجم الأوسط، عن أبي هريرة قال: سجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) في يوم مطير حتّى إنّي لأنظر أثر ذلك في جبهته وأرنبته(٣).

وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور: أخرج مالك، وابن أبي شيبة، والطيالسي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجة، وابن جرير، والبيهقي، عن أبي سعيد الخدريّ قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من اعتكافه فقال: من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد رأيت هذه الليلة، ثمّ أنسيتها، وقد رأيتني أسجد من صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كلّ وتر. قال أبو سعيد: فمطرت السماء من تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد. قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين(٤).

وهكذا أخي الكريم، وبعد كلّ ما ذكرنا بالنسبة للسجود، يتبيّن أنّ السجود على الأرض مباشرة هو الواجب، أو على ما نبت من الأرض ممّا لا يؤكل ولا

١- صحيح البخاري ١ : ١٩٨، صحيح مسلم ٣ : ١٧٢ واللفظ للأول.

٢- صحيح مسلم ٣ : ١٧٢.

٣- المعجم الأوسط ١ : ٣٦.

٤- الدرّ المنثور ٦ : ٣٧٣.

٤٢٩

يلبس، وهو ما عليه الشيعة الإماميّة، وهو الحقّ الذي أكّده كلّ علماء المسلمين، فلماذا يشنّع الجاهلون على أتباع أهل البيت (عليهم السلام) مباشرتهم الأرض في سجودهم؟ إنّه الجهل والمكابرة والحسد.

أمّا لماذا يحمل الشيعيّ معه قطعة من أرض كربلاء من تربة الحسين (عليه السلام) إذا أراد الصلاة؟ فالجواب من عدّة وجوه وهي: أنّ الواجب هو السجود على الأرض مباشرة، وهذا لا يتوفر اليوم في بيوتنا ومساجدنا المغطّاة بالطنافس وأنواع السجّاد، فوجب أن تتحقّق شروط مباشرة الأرض بالسجود، ولا يتمّ ذلك إلا إذا كان مع المصلّى قطعة من التراب الطاهر، أو الحصير، حتّى يتحقّق الحكم الشرعي، وذلك أنّ السجود على هذه الأنواع من السجاد مبطل للسجود، كما ذكر عشرات العلماء من أهل السنّة قبل الشيعة، والوجه الثاني: أنْ يكون مكان السجود طاهراً، وطهارة مكان السجود تتحقّق بالتأكّد من طهارة الموضع، ولضمان الطهارة تهيّأ قطعة من الأرض أو الحصير من أجل السجود عليها.

ومن أفضل الأماكن في الأرض هي تربة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) ، سيّد الشهداء، وسيّد شباب أهل الجنّة، وحبيب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، الذي دعا لمن أحبّ الحسين عندما قال: حسين منّى وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسينا(١).

كما أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان هو أول من حمل وقبّل تربة الحسين، وأوّل من بكى عليها، وهذا يعطي لتربة الحسين (عليه السلام) الأولويّة، مع أنّ الأرض كلّ الأرض جُعلت مسجداً وطهوراً، ولكن دائماً هناك أفضلية وأولويات وهذه هي سنّة الحياة.

١- سنن الترمذي ٥ : ٣٢٤، مسند أحمد ٤ : ١٧٢.

٤٣٠

روي في مجمع الزوائد، عن أنس بن مالك: أنّ ملك القطر استأذن أنْ يأتي النبيّ(صلى الله عليه وآله) فأذن له، فقال لأمّ سلمة: إملكي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد. قال: وجاء الحسين بن عليّ ليدخل، فمنعته، فوثب فدخل، فجعل يقعد على ظهر النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وعلى منكبه، وعلى عاتقه، قال: فقال الملك للنبيّ(صلى الله عليه وآله): أتحبّه؟ قال: نعم. قال: إنّ أمّتك ستقتله، وإنْ شئت أريتك المكان الذي يقتل به. فضرب بيده، فجاء بطينة حمراء فأخذتها أمّ سلمة فصرّتها في خمارها. قال ثابت: بلغنا أنّها كربلاء. قال الهيثمي ورواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني بأسانيد(١).

التكتّف في الصلاة:

من المسائل البارزة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إسبال اليدين في الصلاة، فلا يجوز التكتّف، بل إنّه من المبطلات لها إذا صار جزءاً منها.

وإسبال اليدين في الصلاة من القضايا التي يعاني منها المستبصرون، خصوصاً إذا رآهم أحد العامّة، مع أنّ إسبال اليدين هو الواجب في المذهب المالكيّ، ولكنّ العامّة لا يعجبهم هذا الأمر، ويبدؤون بالطعن والتشكيك فيمن يطبّق حكم الله تعالى في الصلاة.

والحقيقة أنّ قضيّة التكفير، وهي وضع اليدين على الصدر، ليس لها أصل في الشريعة، بل إنّها مستحدثة في خلافة عمر بن الخطاب عندما زاره وفد من العجم، فلمّا وقفوا أمامه ليؤدّوا له التحيّة، وضعوا أيديهم على صدورهم احتراما، فأعجبه ذلك الفعل، فأمر الناس بعدها بتلك الكيفيّة؛ ولذلك فإنّ من دقّق في الروايات يتبيّن له أنّ الأمر بالتكفير جاء مستحدثاً بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله).

١- مجمع الزوائد ٩ : ١٨٧.

٤٣١

فقد روى البخاري في صحيحه، في كتاب صفة الصلاة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أنْ يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: لا أعلمه، إلا ينمي ذلك إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله) (١).

والحديث معلول؛ لأنّه ظنّ من أبي حازم، وليس من كلام رسول الله، وهذا ما ذكره العديد من علماء العامّة.

ولمّا أنْ جاء عصر وضع الحديث في العصر الأمويّ، حتّى قام الوضّاعون بتثبيت تلك الهيئة من خلال إسناد الفعل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله).

والدليل على ذلك كثرة، الاختلاف في تلك المسألة بين المذاهب الإسلاميّة، وحتّى بين علماء المذهب الواحد عند العامّة، فمسألة التكفير- أي وضع اليدين على الصدر - لها في كتب الفقه أحكام كثيرة، وهيئات متعدّدة، وكلّ صاحب هيئة من تلك الهيئات يطعن في روايات أصحاب الهيئات الأخرى، فمن قال بأنّ وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت السرّة مثلاً، فإنّه يضعّف كلّ ما ورد من روايات تأمر بوضع اليدين على السرّة، أو فوقها، أو بشدّهما على الصدر، وكذلك بالنسبة للآخرين، فإنّهم يطعنون بروايات بعضهم، ويختلفون بهيئات وضع اليدين كثيراً، وهذا الاختلاف بحدّ ذاته دليل على أنّ تلك الهيئة لم ترد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فما كان من الوحي، ومن نبع النبوّة والرسالة، فإنّه لا يختلف ولا يتناقض.

وعلاوة على كلّ ذلك، فإنّ حكم التكفير عندهم، أنّه سنة، فلماذا الاختلاف في تلك المسألة بشكل يخرج عن حدود المعقول؟ والجواب: كما

١- صحيح البخاري ١ : ١٨٠.

٤٣٢

ذكرت في عدّة أبحاث، أنّ كلّ مسألة تبرز في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، هي التي تكون غالبا عرضة للطعن والتشكيك والتأويل دوما من قبل خصوم أهل البيت وأتباعهم، وأيضاً فإنّ كلّ مسألة تمّ اختراعها بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم تكن من سنّته قاموا بتثبيتها ووضع الأحاديث، ممّا يحوّلها من قول أو فعل مستحدث إلى سنّة نبويّة، وهذه المسألة هي من نوعيّة ما ذكرنا، ولذلك كثر الاختلاف فيها.

ولكنّ الحقّ دائماً لابدّ وأنْ ينتصر، ولابدّ أنْ يكون هناك آراء فقهيّة عند العامّة تعترف وتقرّر ما كانت عليه الهيئة المطلوبة للصلاة وغيرها، فكما بيّنا وسنبين أنّ العديد من علماء العامّة، كالإمام مالك وأصحابه وغيرهم، قالوا بإسبال اليدين، وإنّ التكفير منهيٌّ عنه، وأنّه ليس من سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وإليكم بعض من آراء العلماء واختلافهم، ثمّ نلحق بعد ذلك مجموعة من الروايات من عند العامّة، حتّى يتبيّن لك الحقّ، وأنّ ماعليه الشيعة الإماميّة هو الحقّ الثابت عن رسول الله(صلى الله عليه وآله).

قال في تحفة الأحوذي: وقال المالكيّة بإرسال اليدين في الصلاة. قال الحافظ ابن القيّم في الأعلام بعد ذكر أحاديث وضع اليدين في الصلاة ما لفظه: فهذه الآثار قد وردت برواية القاسم عن مالك قال: تركُه أحبّ إليّ، ولا أعلم شيئاً قد ردّت به سواه انتهى. والعجب من المالكيّة أنّهم كيف آثروا رواية القاسم عن مالك، مع أنّه ليس في إرسال اليدين حديث صحيح، وتركوا أحاديث وضع اليدين في الصلاة، وقد أخرج مالك حديث سهل بن سعد المذكور، وقد عقد له باباً بلفظ: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، فذكر أولاً: أثر عبد الكريم بن أبي المخارق أنّه قال: من كلام النبوّة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة،

٤٣٣

يضع اليمنى على اليسرى وتعجيل الفطر والاستيناس بالسحور. ثمّ ذكر حديث سهل بن سعد المذكور (ورأى بعضهم أن يضعهما فوق السرّة، ورأى بعضهم أن يضع تحت السرّة) قد أجمل الترمذي الكلام في هذا المقام، فلنا أنْ نفصله.

فاعلم أنّ مذهب الإمام أبي حنيفة: أنّ الرجل يضع اليدين في الصلاة تحت السرّة، والمرأة تضعهما على الصدر، ولم يرو عنه ولا عن أصحابه شيء خلاف ذلك، وأمّا الإمام مالك فعنه ثلاث روايات: إحداها وهي المشهورة عنه، أنّه يرسل يديه كما نقله صاحب الهداية، والسرخسي في محيطه، وغيرهما، عن مالك. وقد ذكر العلامّة أبو محمّد عبد الله الشاسي المالكيّ في كتابة المسمّى بعقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، والزرقاني في شرح الموطّأ: أنّ إرسال اليد رواية ابن القاسم عن مالك وزاد الزرقاني أنّ هذا هو الذي صار إليه أكثر أصحابه. الثانية: أنْ يضع يديه تحت الصدر فوق السرّة، كذا ذكره العيني في شرح الهداية عن مالك، وفي عقد الجواهر أنّ هذه رواية مطرف والماجشون عن مالك. الثالثة: أنّه تخيّر بين الموضع والإرسال، وذكر في عقد الجواهر وشرح الموطّأ أنّه قول أصحاب مالك المدنيين.

وأمّا الإمام الشافعيّ فعنه أيضاً ثلاث روايات: إحداها: أنّه يضعهما تحت الصدر فوق السرّة، وهي التي ذكرها الشافعي في الأمّ، وهي المختارة المشهورة عند أصحابه المذكورة في أكثر متونهم وشروحهم. الثانية: وضعهما على الصدر، وهي الرواية التي نقلها صاحب الهداية من الشافعي، وقال العيني: إنّها المذكورة في الحاوي من كتبهم. الثالثة: وضعهما تحت السرّة، وقد ذكر هذه الرواية في شرح المنهاج بلفظ: قيل: وقال في المواهب اللدنيّة: إنّها رواية عن بعض أصحاب الشافعي.

٤٣٤

وأمّا الإمام أحمد فعنه أيضاً ثلاث روايات: إحداها: وضعهما تحت السرّة، والثانية: وضعهما تحت الصدر، والثالثة: التخيير بينهما، وأشهر الروايات عنه الرواية الأولى، وعليه جماهير الحنابلة، هذا كلّه مأخوذ من فوز الكرام للشيخ محمد قائم السنديّ، ودراهم الصرّة لمحمّد هاشم السندي(١).

وقال في بداية المجتهد ونهاية المقتصد: اختلف العلماء في وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، فكره ذلك مالك في الفرض، وأجازه في النفل. ورأى قوم أنّ هذا الفعل من سنن الصلاة، وهم الجمهور. والسبب في اختلافهم أنّه قد جاءت آثار ثابتة نقلت فيها صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، ولم ينقل فيها أنّه كان يضع يده اليمنى على اليسرى، وثبت أيضا أنّ الناس كانوا يؤمرون بذلك. وورد ذلك أيضاً من صفة صلاته عليه الصلاة والسلام في حديث أبي حميد، فرأى قوم أنّ الآثار التي أثبتت ذلك اقتضت زيادة على الآثار التي لم تنقل فيها هذه الزيادة، وأنّ الزيادة يجب أنْ يصار إليها. ورأى قوم أنّ الأوجب المصير إلى الآثار التي ليس فيها هذه الزيادة، لأنّها أكثر، ولكون هذه ليست مناسبة لأفعال الصلاة، وإنّما هي من باب الاستعانة، ولذلك أجازها مالك في النفل ولم يجزها في الفرض(٢).

وممّا يؤكّد على أنّ التكفير في الصلاة منهيٌّ عنه وأنّه أمر مستحدث،وأنّ الإسبال هو الصحيح،ما سأذكره من روايات قرّر علماء العامّة صحّتها،وإنْ حاولوا تأويلها كعادتهم بما يتلاءم مع آرائهم وأحكامهم.

فقد روى في نصب الراية أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) نهى عن التكفير في الصلاة، ورواه ابن خزيمة.

١- تحفة الأحوذي ٢ : ٧٣ - ٧٤.

٢- بداية المجتهد ونهاية المقتصد ١ : ١١٢.

٤٣٥

وممّا يدلّ على أنّ التكفير والتكتّف في الصلاة كان أمراً غير موجود في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وكان مستهجناً أيضا من قبل العديد من الصحابة، الروايات التالية، ولكنّها ومع وضوحها، فإنّهم حاولوا صرفها عن معناها بمعان أخرى، حتّى لا يطعنوا بما كانوا يؤمرون به بوضع اليد اليمنى على اليسرى.

فقد أورد السيوطي في الجامع الصغير عن ابن عبّاس قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: إنّما مثل الذي يصلّي ورأسه معقوص مثل الذي يصلّي وهو مكتوف. رواه أحمد والطبراني وغيرهم(١).

وروى مسلم في صحيحه أنّ عبد الله بنَ عَبّاسٍ رَأَى عَبْدَالله بنَ الحَارِثِ يُصَلّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلهُ، فَلمّا انْصَرَفَ، أَقْبَلَ إِلَى ابنِ عَبّاسٍ فقال: مَالَكَ وَرَأْسِي؟ فقال: إِنّي سَمِعْتُ رسولَ الله(صلى الله عليه وآله) يقولُ: إِنّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الّذِي يُصَلّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ. والنسائي وأبو داوود وغيرهمُ(٢).

هذه الروايات واضحة في مفهومها، وصريحة في منطوق معنى كلمة مكتوف، وليقل المؤوّلون ما يقولون، وليفسّروها بما يشاؤون، فهذا ديدنهم في كلّ ما يخالف فتاواهم وتفسيراتهم.

ولكنّ المهمّ هو أنّ ما يقوله الشيعة، أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، هو حكم إسلاميّ، وله أدلّة قويّة عند كلّ مذاهب المسلمين.

التسليم والخروج من الصلاة:

من أحكام الصلاة عند الشيعة الإماميّة، أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، هو التسليمة الواحدة للخروج من الصلاة، ثمّ التكبير بعدها ثلاثاً، وهذا حكم ثابت

١- الجامع الصغير ١ : ٣٩٨، مسند أحمد ١ : ٣١٦، المعجم الكبير ١١ : ٣٣٤.

٢- صحيح مسلم ٢ : ٥٣، سنن النسائي ٢ : ٢١٥ - ٢١٦، سنن أبي داود ١ : ١٥٣.

٤٣٦

ومعروف، ولكنّنا لا نستطيع إبرازه أمام الجاهلين بمذاهبهم قبل مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فكان لابدّ أنْ نبيّن صحّة ما عليه الشيعة من أدلّة العامّة، وأنّ غالبيّة أحكام الإماميّة لها أصول ثابتة عند أهل السنّة، ويستدلّ عليها بقوّة من عندهم.

فأمّا بالنسبة للتسليمة الواحدة، فقد وردت روايات عديدة تقرّر هذا المعنى، نكتفي منها بما يلي:

فقد أورد السيوطي في الجامع الصغير، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): في كلّ ركعتين تسليمة. ورواه ابن ماجة(١).

وأمّا فيما يتعلّق بالتسليمة الواحدة واتّجاهها، فإليك الروايات:

روى الحاكم في المستدرك، عن عائشة: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يسلّم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه، يميل إلى الشقّ الأيمن قليلاً شيئاً. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقد رواه وهيب بن خالد، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة: أنّها كانت تسلّم تسليمة واحدة(٢).

وروى ابن ماجة، في سننه، في باب من يسلّم تسليمة واحدة، عن سهل بن سعد الساعدي، عَن أبيه، عَن جدّه: أنّ رَسُول اللَّهِ(صلى الله عليه وآله) سلّم تسليمة واحدة تلقاء وجهه. ورواه أيضا عن عائشة(٣).

وروي في كنز العمال، عن الحسن البصري قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأبو بكر وعمر يسلّمون تسليمة واحدة(٤).

١- الجامع الصغير ٢ : ٢٢٨، سنن ابن ماجة ١ : ٤١٩.

٢- المستدرك على الصحيحين ١ : ٢٣ - ٢٣١.

٣- سنن ابن ماجة ١ : ٢٩٧.

٤- كنز العمّال ٨ : ١٥٩، وأخرجه عبدالرزاق في المصنّف ٢ : ٢٢٢ واللفظ للأول .

٤٣٧

وروى الطبراني في الكبير، عن سمرة، أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يسلّم تسليمة حيال وجهه(١)‏.

وأمّا بالنسبة إلى التكبير بعد التسليم فإليك الروايات:

فقد روى البخاري في صحيحه، في كتاب صفة الصلاة، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: كنت أعرف انقضاء صلاة النبيّ(صلى الله عليه وآله) بالتكبير(٢).

وروى مسلم في صحيحه، في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، عن ابن عبّاس، قال: كنّا نعرف انقضاء صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالتكبير(٣).‏

وروى النسائي في سننه، عن ابن عبّاس قال: إنّما كنت أعلم انقضاء صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالتكبير(٤).

وروى أبو داود في سننه، عن ابن عبّاس قال: كان يُعلم انقضاء صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالتكبير(٥).

وروى أبو داود في سننه: أنّ أبا معبد، مولى ابن عبّاس، أخبره أنّ ابن عبّاس أخبره:

أنّ رفع الصوت للذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة، كان ذلك على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنّ ابن عبّاس قال: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك وأسمعه(٦).‏

وإليك بعض من أقوال العلماء وآرائهم فيما يتعلّق بالتسليم، والذي في

١- المعجم الكبير ٧ : ٢٢٥.

٢- صحيح البخاري ١ : ٢٠٤.

٣- صحيح مسلم ٢ : ٩١.

٤- سنن النسائي ٣ : ٦٧.

٥- سنن أبي داود ١ : ٢٢٦.

٦- سنن أبي داود ١ : ٢٢٦.

٤٣٨

جملتهم يؤكدون على التسليمة الواحدة:

قال النووي في الأذكار النووية: والواجب تسليمة واحدة، وأما الثانية فسنّة لو تركها لم يضرّه(١).

قال الترمذي: وَرَأيُ قومٌ من أصحابِ النبيّ(صلى الله عليه وآله) وغيرِهم تَسْلِيمَةً واحدةً في المكتوبة. قال الشافِعيّ: إنْ شَاءَ سَلّمَ تسليمَةً واحدةً، وإنْ شَاءَ سَلّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ(٢).

وقال في حاشية السندي على النسائي: "ثمّ سلّم واحدة" أي: تسليمة واحدة، والاكتفاء بالواحدة وارد(٣).

وروى الكتّاني في نظم المتناثر من الحديث المتواتر قال: قال ابن القيّم روى البيهقيّ في المعرفة، من طريق حميد، عن أنس: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يسلّم تسليمة واحدة، ورجاله ثقات اهـ. ومن حجج من يقول بها، وهم المالكيّة، عمل أهل المدينة، وما روى مرسلاً عن الحسن: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأبا بكر وعمر كانوا يسلّمون تسليمة واحدة(٤).‏

وقال الجزيري في الفقه على المذاهب الأربعة عند تطرّقه لرأي المالكيّة: وأمّا الفذ والإمام، فلا يسلّم كلّ منهما إلا تسليمة واحدة، هي تسليمة التحليل، ويندب لهما أنْ يبدآها لجهة القبلة(٥).

وقال السرخسيّ في المبسوط: وكان مالك يقول: يسلّم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، وهكذا روت عائشة، وسهل ابن سعد الساعديّ، عن رسول الله٢(٦).

١- الأذكار النووية : ٧٠.

٢- سنن الترمذي ١ : ١٨٢.

٣- حاشية السندي على النسائي : ٢٨٩.

٤- نظم المتناثر من الحديث المتواتر : ٩٨.

٥- الفقه على المذاهب الأربعة ١ : ٢٦٥.

٦- المبسوط ١ : ٣٠.

٤٣٩

وقال في بداية المجتهد ونهاية المقتصد: اختلفوا في التسليم من الصلاة، فقال الجمهور بوجوبه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس بواجب، والذين أوجبوه، منهم من قال: الواجب على المنفرد والإمام تسليمة واحدة، ومنهم من قال: اثنتان(١).

وقال الصنعاني في سبل السلام: وذهب الشافعي إلى أنّ الواجب تسليمة واحدة، والثانية مسنونة. وقال النووي: أجمع العلماء الذين يعتد بهم: أنّه لا يجب إلا تسليمة واحدة، فإنْ اقتصر عليها استحبّ له أنْ يسلّم تلقاء وجهه، فإنْ سلّم تسليمتين، جعل الأولى عن يمينه، والثانية عن يساره(٢).

وقال الصنعاني في سبل السلام: واستدلّ المالكيّة على كفاية التسليمة الواحدة بعمل أهل المدينة، وهو عمل توارثوه كابراً عن كابر(٣).

وقال الشوكاني في نيل الأوطار : وعن أنس عن ابن أبي شيبة: "أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) سلّم تسليمة واحدة" وعن الحسن مرسلاً: "أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأبا بكر وعمر كانوا يسلّمون تسليمة واحدة" ذكره ابن أبي شيبة، وقال: حدّثنا أبو خالد، عن حميد قال: "كان أنس يسلّم واحدة" وحدّثنا أبو خالد، عن سعيد ابن مرزبان قال: صلّيت خلف ابن أبي ليلى، فسلّم واحدة، ثمّ صلّيت خلف عليّ فسلّم واحدة، وذكر مثله عن أبي وائل، ويحيى بن وثاب، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين، والقاسم بن محمّد، وعائشة، وأنس، وأبي العالية، وأبي رجاء، وابن أبي أوفى، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وسويد، وقيس ابن أبي حازم، بأسانيده إليهم، وذكر ذلك عبد الرزاق عن الزهري.

١- بداية المجتهد ونهاية المقتصد ١ : ١٠٧.

٢- سبل السلام ١ : ١٩٦.

٣- سبل السلام ١ : ١٩٧.

٤٤٠