×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نهج المستنير وعصمة المستجير / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

قال الترمذي: ورأى قوم من أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله) والتابعين وغيرهم تسليمة واحدة في المكتوبة(١).

التأمين بعد الفاتحة في الصلاة:

التأمين: وهو قول آمين بعد قراءة الفاتحة في الصلاة، وهو عند الإماميّة مبطل؛ للصلاة لأنّه من كلام الناس الذي لا يجوز في الصلاة، ولأنّه لم يرد نصّ صحيح عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه فعل ذلك.

وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وقد استدلّ صاحب البحر على أنّ التأمين بدعة، بحديث معاوية بن الحكم السلمي: أنّ هذه صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس(٢).

وذكر النووي في شرح مسلم، عند قوله(صلى الله عليه وآله): إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس...، قال: فيه تحريم الكلام في الصّلاة، سواء كان لحاجة أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصّلاة أو غيرها، فإنْ احتاج إلى تنبيه أو إذن لداخل ونحوه، سبَّح إنْ كان رجلاً، وصفَّقت إنْ كانت امرأة، هذا مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- والجمهور من السَّلف والخلف(٣).

وأمّا بالنسبة للعامّة، فقد اختلفوا فيها، فمنهم من أوجبها، ومنهم من جعلها مندوبة، ومنهم من قال بالجهر بها، ومنهم من قال بالإسرار، ومنهم من شرطه إذا قالها الإمام، ومنهم من لم يشترط ذلك، وغير ذلك من الاختلافات، والتي

١- نيل الأوطار ٢ : ٣٤٢ - ٣٤٣.

٢- نيل الأوطار ٢ : ٢٤٦.

٣- شرح صحيح مسلم ٥ : ٢٠ - ٢١.

٤٤١

تؤكّد أنّ عدم وضوح الأمر بالتأمين والاختلاف فيه، هو عملية متناقضة، كالمسائل الأخرى المتناقضة والمتضاربة، وهذا يدلّ على أنّها ليست من نبع النبوة ومعدن الرسالة.

إنّ التأمين بعد قراءة الفاتحة في الصلاة لم يكن معروفا في العهد النبويّ، ولا أمر رسول الله به، بل إنّها مسألة استحدثت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) في عهد عمر بن الخطّاب، والراجح أنّها استحدثت في عهد معاوية، وكان المُنَظِّرَ الأوّل لها أبوهريرة، كما سيتبيّن من خلال الروايات التي تدعو إلى التأمين، فإنّها في أغلبها واردة عنه.

فقد روى ابن ماجة في سننه، عَن أبي هُرَيْرَة؛ قَالَ: ترك الناس التأمين، وكان رَسُول اللَّهِ(صلى الله عليه وآله) إذا قال {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} (١) قال: آمين، حتّى يسمعها أهل الصفّ الأوّل. فيرتجّ بها المسجد(٢).

فهل من الممكن أن يترك كلّ الصحابة التأمين، إذا كان هو المأمور به في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، حتّى يأتي أبو هريرة بعد عقد أو عقود حتّى يذكر الناس به، ويشدّد عليه، ويأمر به؟.

وممّا يؤكد أنّ التأمين كان أمراً مستحدثا، رواية البخاري التالية:

فقد روى في صحيحه، في كتاب صفة الصلاة قال: أمّن ابن الزبير ومن وراءه، حتّى أنّ للمسجد للجّة، وكان أبو هريرة ينادي الإمام: لا تفتنّي بآمين. وقال نافع: كان ابن عمر لا يدعه، ويحضهم، وسمعت منه في ذلك خيرا(٣).

لاحظوا عندما يقول أمّن ابن الزبير، فلو كان التأمين بعد الفاتحة في الصلاة

١- الفاتحة : ٧.

٢- سنن ابن ماجة ١ : ٢٧٨.

٣- فتح الباري ٢ : ٢١٨.

٤٤٢

معروفا أو مشهورا في العهد النبويّ لما قال: إنّ ابن الزبير أمن، وتشديد أبي هريرة أيضاً في الحديث، يدلّ على أنّه كما قلنا أمراً مستحدثا، وكذلك قول نافع في الرواية يؤيّد ما ذهبنا إليه.

وإليك أخي الكريم طائفة من أقوال علماء العامة وما فيها من تناقضات، ولكنّ المدقّق في تلك الآراء يتبيّن له صحّة ما ذهبنا إليه.

قال ابن حجر في فتح الباري: وخالف مالك في إحدى الروايتين عنه، وهي رواية ابن القاسم فقال: لا يؤمّن الإمام في الجهريّة، وفي رواية عنه: لا يؤمّن مطلقا(١).

وقال الجزيري في الفقه على المذاهب الأربعة:... قالوا: التأمين يكون سرّاً في الجهريّة والسريّة، سواء كان ذلك عقب فراغه من قراءة الفاتحة، أو بسبب سماعه ختام الفاتحة من الإمام، أو من جاره، ولو كانت قراءتهما سرّية(٢).

وقال في بداية المجتهد ونهاية المقتصد: فأمّا هل يؤمّن الإمام إذا فرغ من قراءة أمّ الكتاب، فإنّ مالكا ذهب في رواية ابن القاسم عنه، والمصريين، أنّه لا يؤمّن، وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يؤمن كالمأموم سواء، وهي رواية المدنيين عن مالك، وسبب اختلافهم أنّ في ذلك حديثين متعارضي الظاهر: أحدهما: حديث أبي هريرة المتّفق عليه في الصحيح أنّه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): إذا أمّن الإمام فأمّنوا. والحديث الثاني ما خرّجه مالك، عن أبي هريرة أيضاً أنّه قال عليه الصلاة والسلام: إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا آمين. فأمّا الحديث الأول، فهو نصّ في تأمين الإمام. وأمّا الحديث الثاني، فيستدلّ منه على أنّ الإمام لا يؤمّن، وذلك أنّه لو كان يؤمّن

١- فتح الباري ٢ : ٢١٨.

٢- الفقه على المذاهب الأربعة ١ : ٢٥٠.

٤٤٣

لما أمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أمّ الكتاب قبل أن يؤمّن الإمام؛ لأنّ الإمام كما قال عليه الصلاة والسلام: إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به. إلا أن يخصّ هذا من أقوال الإمام، أعني أنْ يكون للمأموم أنْ يؤمّن معه أو قبله، فلا يكون فيه دليل على حكم الإمام في التأمين، ويكون إنّما تضمّن حكم المأموم فقط، لكنّ الذي يظهر أنّ مالكا ذهب مذهب الترجيح للحديث الذي رواه؛ لكون السامع هو المؤمّن لا الداعي، وذهب الجمهور لترجيح الحديث الأوّل؛ لكونه نصّا؛ ولأنّه ليس فيه شيء من حكم الإمام، وإنّما الخلاف بينه وبين الحديث الآخر في موضع تأمين المأموم فقط، لا في هل يؤمّن الإمام أو لا يؤمّن، فتأمّل هذا. ويمكن أيضا أنْ يتأوّل الحديث الأول بأنْ يقال: إنّ معنى قوله:فإذا أمّن فأمّنوا، أي إذا بلغ موضع التأمين، وقد قيل: إنّ التأمين هو الدعاء، وهذا عدول عن الظاهر لشيء غير مفهوم من الحديث إلا بقياس: أعني أنْ يفهم من قوله: فإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأمّنوا. أنّه لا يؤمّن الإمام(١).

الجهر بالبسملة من علائم الإيمان:

يعتبر الشيعة الإماميّة البسملة آية من آيات القرآن الكريم، وأنّ الجهر بها في الصلوات الجهريّة والسريّة من علامات الإيمان، وأيضاً فإن هذا الحكم كغيره من الأحكام له أصول ودلائل كثيرة من عند العامّة، وبه قال العديد من علمائهم.

ولقد كانت البسملة في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) آية من القرآن الكريم، بل من أعظم آياته الشريفة، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقرؤها ويجهر بها، وكذلك الصحابة من بعده، حيث لم يشكّ أحد بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله).

١- بداية المجتهد ونهاية المقتصد ١ : ١١٩.

٤٤٤

واستمرّ الوضع على الإقرار بأنّها آية عظيمة من القرآن الكريم، حتّى جاء عمرو بن العاص، وبأمر من معاوية بن أبي سفيان وعمد إلى أعظم آية في القرآن الكريم فأنكرها ووضع قواعد إزالتها من الفاتحة، بل من القرآن وسوره.

فقد قال السيوطي في الدرّ المنثور: أخرج البيهقي، عن الزهري قال: من سنّة الصلاة أن يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} وإنّ أوّل مَنْ أسرّ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} عمرو بن العاص بالمدينة.

ولقد كان معاوية بن أبي سفيان قد قرّر ترك البسملة، حقداً وبغضا لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، ولقد قام بعدّة محاولات قبل أنْ يعلن أنّ البسملة ليست من آيات القرآن الكريم، ولكنّه في كلّ مرّة كان المهاجرون والأنصار يتصدّون له.

روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين، عن أنس بن مالك قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة، فقرأ فيها: بسم الله الرحمن الرحيم لأمّ القرآن، ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعدها حتّى قضى تلك القراءة، فلمّا سلّم، ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كلّ مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة، أم نسيت؟(١).

وقال السرخسيّ في المبسوط: ولمّا صلّى معاوية بالمدينة، ولم يجهر بالتسمية، أنكروا عليه وقالوا: أسرقت من الصلاة، أين التسمية، فدلّ أنّ الجهر بها كان معروفاً عندهم(٢).

١- المستدرك على الصحيحين ١ : ٢٣٣.

٢- المبسوط ١ : ١٥.

٤٤٥

ثمّ جاء بعد ذلك وضّاعوا الحديث، وبأموال حكومة بني أميّة، وأوامر معاوية ليثبتوا هذا التحريف الخطير في القرآن الكريم وآياته، ووضعوا أحاديث مزوّرة من أجل تأييد ذلك التحريف الخطير، ولكن يأبى الله إلا أنْ يتمّ نوره ولو كره المبغضون والحاقدون، فلقد امتلأت كتب الحديث عند العامّة بالروايات الصحيحة، والتي تقرّر بأنّ البسملة آية من الفاتحة، وأيضا بالروايات التي تقرّر الجهر بها، وإليك بعض من تلك الروايات:

روى الدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح، عن عبد خير قال: سُئل عليّ رضي الله عنه عن السبع المثاني فقال: { الحَمْدُ لِلَّهِ} فقيل له: إنّما هي ستّ آيات! فقال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} آية(١).

قال السيوطي في الدر المنثور : أخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه في تفسيره، والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) { الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ } سبع آيات { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } إحداهن، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم، وهي أمّ القرآن، وهي فاتحة الكتاب(٢).

فإخرج الدارقطني، والبيهقي عن أبي هريرة: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان إذا قرأ وهو يؤمّ الناس افتتح بسم الله الرحمن الرحيم، قال أبو هريرة: آية من كتاب الله، اقرؤا إنْ شئتم فاتحة الكتاب، فإنّها الآية السابعة(٣).

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، عن أمّ سلمة قالت: "قرأ رسول الله(صلى الله عليه وآله) { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ? الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ? الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ? مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ? إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ? اهْدِنَا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ

١- سنن الدارقطني ١ : ٣١١، السنن الكبرى ٢ : ٤٥. وأورده في ا لدرّ المنثور ١ : ٣.

٢- الدرّ المنثور ١ : ٣ - ٤.

٣- نفس المصدر السابق .

٤٤٦

صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } وقال : " هي سبع يا أمّ سلمة " (١).

وروى ابن الضريس، عن ابن عبّاس قال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} آية(٢).

وروى الحاكم في المستدرك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في السبع المثاني قال: هنّ فاتحة الكتاب، قرأها ابن عبّاس: بسم الله الرحمن الرحيم سبعاً.

قال ابن جريح: فقلت لأبي: أخبرك سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس أنّه قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية من كتاب الله؟ قال: نعم، ثمّ قال: قرأها ابن عبّاس: بسم الله الرحمن الرحيم في الركعتين جميعا(٣).

وروى الثعلبي، عن أبي هريرة قال: كنت مع النبيّ(صلى الله عليه وآله) في المسجد إذ دخل رجل يصلّي، فافتتح الصلاة، وتعوذ ثمّ قال: { الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ } فسمع النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقال: يا رجل قطعت على نفسك الصلاة، أما علمت أنّ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } من الحمد. فمن تركها فقد ترك آية، ومن ترك آية فقد أفسد عليه صلاته(٤).

قال السيوطيّ : وأخرج أبو داود، والترمذي، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عبّاس قال: كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) يفتتح صلاته بـ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } (٥).

وروى الثعلبي، عن عليّ أنّه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ { بِسْمِ

١- نفس المصدر السابق .

٢- أنظر الدر المنثور ١ : ٧.

٣- المستدرك على الصحيحين ١ : ٥٥١.

٤- تفسير الثعلبي ١ : ١٠٤، وعنه في الدر المنثور ١ : ٧، واللفظ للثاني.

٥- الدرّ المنثور ١ : ٨.

٤٤٧

اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص. وكان يقول: هي تمام السبع المثاني(١).

وروى الثعلبي، عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) "من ترك { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } فقد ترك آية من كتاب الله(٢).

هذه مجموعة مختصرة من روايات العامة تقرر ما أقره الله تعالى ورسوله من أن البسملة آية من الفاتحة بل هي أعظم آية من آيات القرآن الكريم، وأما فيما يتعلق بالجهر بها فإليك مجموعة أخرى من الروايات تدعم ما عليه الشيعة الإمامية أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

قال السيوطيّ : وأخرج البزار، والدارقطني، والبيهقي، في شعب الإيمان، من طريق أبي الطفيل قال: سمعت عليّ بن أبي طالب، وعماراً يقولان: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يجهر في المكتوبات بـ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } في فاتحة الكتاب(٣).

وروى الدارقطني، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): علّمني جبرئيل الصلاة فقام فكبّر لنا، ثمّ قرأ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } فيما يجهر به في كلّ ركعة(٤).

وروى الثعلبي عن عليّ بن زيد بن جدعان أنّ العبادلة كانوا يستفتحون القراءة بـ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } يجهرون بها. عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبدالله بن صفوان(٥).

١- تفسير الثعلبي ١ : ١٠٣.

٢- المصدر نفسه ١ : ١٠٤.

٣- الدرّ المنثور ١ : ٨.

٤- سنن الدارقطني ١ : ٣٠٥.

٥- تفسير الثعلبي ١ : ١٠٦.

٤٤٨

قال السيوطي: وأخرج الطبرانيّ في الأوسط، والدارقطني، والبيهقي عن نافع. أنّ ابن عمر إذا افتتح الصلاة يقرأ بـ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } في أمّ القرآن وفي السورة التي تليها، ويذكر أنّه سمع ذلك من رسول الله(١).

وأخرج الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يجهر بـ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } في الصلاة(٢).

وروى الدارقطني، عن ابن عمر قال: صلّيت خلف النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وأبي بكر، وعمر، فكانوا يجهرون بـ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } (٣).

وروى الدارقطني، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): أمني جبريل (عليه السلام) عند الكعبة، فجهر بـ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } (٤).

وأخرج الدارقطني، عن الحكم بن عمير، وكان بدريا، قال: صلّيت خلف النبيّ، فجهر في الصلاة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في صلاة الليل، وصلاة الغداة، وصلاة الجمعة(٥).

وأخرج الدارقطني عن عائشة: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان يجهر بـ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } (٦).

وقال الشوكاني في نيل الأوطار: قال الخطيب: وأمّا التابعون ومن بعدهم ممّن قال بالجهر بها فهم أكثر من أن يذكروا، وأوسع من أن يحصروا، منهم: سعيد بن المسيّب، وطاووس، وعطاء، ومجاهد، وأبو وائل، وسعيد بن جبير،

١- الدرّ المنثور ١ : ٨.

٢- نفس المصدر السابق .

٣- سنن الدارقطني ١ : ٣٠٤.

٤- المصدر نفسه ١ : ٣٠٧.

٥- المصدر نفسه ١ : ٣٠٨.

٦- المصدر نفسه .

٤٤٩
 كتاب نهج المستنير وعصمة المستجير الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني (ص ٤٥٠ - ص ٤٧٩)
٤٥٠

أشهد أنّ عليّاً وليّ الله:

الشهادة خبر قاطع، وشهده شهوداً: سمعه وحضره، وشهد لفلان، أي: أدّى ما عنده من شهادة، وأشهد بكذا، أي: أحلف بكذا، والشهادة هي الحضور والإخبار بما شاهد وشهد، والشهادة هي الإقرار والاعتراف.

والشهادة التي نريدها في البحث: هي الإقرار والاعتراف والإيمان بولاية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام.

ومن المعروف أنّ الإقرار والاعتراف بشيء يكون بناءً على حضور ومشاهده، أو من مصدر موثوق قطعيّ، بحيث إنّك لو شهدت بشيء بناءً على قول الموثوق تكون الشهادة هنا كالحضور، وهذه كشهادة الصحابيّ الجليل ذو الشهادتين، الذي شهد بما لم يرَ، ولكن لثقته وإيمانه بصدق النبيّ(صلى الله عليه وآله) شهد، فكانت تلك الشهادة دليلاً على مصداقيّة الإيمان بنبوّة محمّد(صلى الله عليه وآله)، فمنحه الله تعالى ورسوله لقب ذي الشهادتين، أي أنّ الإقرار بالإيمانيّات التي أمر الله تعالى بها، وأمر بها رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو أقوى من الحضور الماديّ بضعفين.

روى عبدالرزاق عن الزهريّ أو قتادة أو كليهما: أنّ يهوديّا جاء يتقاضى النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقال النبي(صلى الله عليه وآله) : قد قضيتك فقال اليهودي: بينتك! قال فجاء خزيمة الأنصاري فقال: أنا أشهد أنّه قد قضاك، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله): ما يدريك؟ فقال: إنّي أصدّقك بأعظم من ذلك، أصدّقك بخبر السماء، فأجاز رسول الله(صلى الله عليه وآله) شهادته بشهادة رجلين(١).

وروى العجلوني في كشف الخفاء، عن النعمان بن بشير: أنّ رسول اللَّه(صلى الله عليه وآله)

١- المصنّف ٨ : ٣٦٧، ١١ : ٢٣٦ وأورده في كنز العمّال ١٣ : ٣٨٠.

٤٥١

اشترى من أعرابي فرساً فجحده الأعرابي، فجاء خزيمة فقال: يا أعرابي أتجحد؟ أنا أشهد عليك أنّك بعته، فقال الأعرابي: إنْ شهد عليّ خزيمة فأعطني الثمن، فقال رسول اللَّه(صلى الله عليه وآله): يا خزيمة، إنّا لم نشهدك، كيف تشهد؟ قال: أنا أصدّقك على خبر السماء، ألا أصدقك على ذا الأعرابي، فجعل رسول اللَّه(صلى الله عليه وآله) شهادته بشهادة رجلين(١).

وروى الحاكم في المستدرك، عن محمّد بن إسحاق قال: شهد خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، مع عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه صفين، وقتل يومئذ سنة سبع وثلاثين من الهجرة(٢).

ونأتي إلى موضوع الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب(عليه السلام)، والتي طالما شنّع خصوم الشيعة على أتباع أهل البيت (عليهم السلام) بسببها كثيراً، مع أنّها حقيقة واضحة في دين الإسلام، وفي تاريخ المسلمين، وأحاديث كلّ طوائف المسلمين.

إنّنا عندما نعلم بأنّ فلانا عالما، فإنّنا نقول نشهد أنّ فلانا عالم، ونشهد على عشرات القضايا صباح مساء من دون أي اعتراض من أحد، فلماذا عندما نشهد بالولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام) تقوم الدنيا ولا تقعد؟ مع أنّ الشهادة بالولاية هي أمر إلهي واضح جليّ لكلّ المسلمين، ولطالما نطق بولاية أمير المؤمنين نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله)، الذي لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحي يوحى، ولقد اعترف بولاية أمير المؤمنين أيضاً جلّ الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وسنأتي على الروايات بخصوص الأمر.

قال تعالى في سورة المائدة: { إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ

١- كشف الخفاء ٢ : ١٤.

٢- المستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٩٧.

٤٥٢

يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ } (١).

روى القرطبي في تفسيره، عن ابن عبّاس قال: نزلت في علىّ بن أبي طالب. وقاله مجاهد والسدي... وذلك أنّ سائلاً سأل في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلم يعطه أحد شيئاً، وكان عليّ في الصلاة في الركوع، وفي يمينه خاتم، فأشار إلى السائل بيده حتّى أخذه، فنزلت الآية(٢).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور: أخرج عبدالرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، في قوله: { إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ } الآية، قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب(٣).

أخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن عمّار بن ياسر قال: وقف بعليّ سائل وهو راكع في صلاة تطوّع، فنزع خاتمه، فأعطاه السائل، فأتى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فاعلمه ذلك، فنزلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله) هذه الآية{ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ } فقرأها رسول الله(صلى الله عليه وآله) على أصحابه، ثمّ قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه(٤). ورواه أبو الشيخ، وابن مردويه، عن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) (٥).

روت صحاح ومسانيد المسلمين الحديث المتواتر عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال في عدّة مواقف: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد

١- المائدة : ٥٥.

٢- تفسير القرطبي ٦ : ٢٢١.

٣- راجع الدرّ المنثور ٢ : ٢٩٣.

٤- نفس المصدر السابق .

٥- نفس المصدر السابق .

٤٥٣

من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله(١).

وروى أحمد في مسنده، والنسائي، والحاكم، عن بريدة: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: من كنت وليه فعليّ وليّه(٢).

وروى الحاكم في المستدرك، عن ابن عبّاس : أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال لعليّ بن أبي طالب: يا عليّ، أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي ومؤمنة(٣).

وروى الترمذيّ، عن عمران بن حصين: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال: إنّ عليّاً منّي وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن من بعدي. ورواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك، وكنز العمال، وغيرهم عن ابن عبّاس وعن البرّاء بن عازب(٤).

فهذه روايات، وهناك غيرها كثير، كلّها تأمر بولاية أمير المؤمنين عليّاً(عليه السلام)، وتعيّنه (عليه السلام) وليّاً ومولى للمؤمنين في كلّ مكان وزمان، وهذا التعيين والتنصيب الربّانّي يستحقّ منّا أنْ نقرّ ونشهد بولايته (عليه السلام) ، فنقول أشهد وأقرّ وأعترف أنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وليّ الله وحجّته ووصيّ رسوله.

أمّا بالنسبة لأضافتها في الأذان، فإنّ الشيعة لا يعتبرونها جزءاً من الأذان، وبأنّ عموم المسلمين يعتبرون الأذان سنّة، فلا مانع من التحدّث بين ألفاظ الأذان بشيء، وهذا ما يفعله غالب المسلمين، ولا مانع بعد الشهادة الثانية في الأذان أن نستحضر الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام).

١- أنظر مسند أحمد ١ : ١١٨، ١١٩/ ٤ : ٢٨١، ٣٧٠، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٠٩، سنن النسائي الكبرى ٥ : ١٣٢، وغيرها كثير جداً.

٢- مسند أحمد ٥: ٣٥٠، ٣٥٨، ٣٦١، السنن الكبرى ٥: ٤٥، ١١٣، ١٣٠، المستدرك ٢: ١٣٠.

٣- المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٣٤.

٤- سنن الترمذي ٥ : ٢٩٦ - ٢٩٧، مسند أحمد ٤ : ٤٣٨، ٥ : ٣٥٦، المستدرك ٣ : ١١١، مسند أبي داود : ٣٦٠.

٤٥٤

عيد الولاية، عيد الغدير:

يوم الغدير وعيد الغدير هو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة على المسلمين والمؤمنين بتنصيب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وهو يوم عظيم يحتفل فيه المؤمنون، ويفرحون فيه، وذلك للأدلّة التي وردت في فضله وعظمته وأهميّته.

وبالرغم من وضوح أهميّة ذلك اليوم، والآيات النازلة فيه، والأحاديث الواردة بخصوصه، فإنّ العامّة يشنّعون على أحباب أهل البيت وشيعتهم احتفالهم بذلك اليوم، غافلين عن كلّ ما ورد بخصوص ذلك اليوم من آيات وأحاديث، ويأخذون بتعليمات من حرف وحظر عليهم معرفة فضيلة هذا اليوم، حتّى صار ذلك العيد نسياً منسيّاً، إلا ما كان من الشيعة الذين حافظوا على الاحتفاء به، لأهميّته وعظيم قدره.

روى الخطيب البغدادي بأكثر من سند عن أبي هريرة قال: من صام يوم ثماني عشر من ذي الحجّة كتب له صيام ستّين شهراً، وهو يوم غدير خمّ، لمّا أخذ النبيّ(صلى الله عليه وآله) بيد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: ألست وليّ المؤمنين؟ قالوا: بلى، يارسول الله، قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فقال عمر بن الخطّاب: بخٍّ بخٍّ لك يابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم، فأنزل الله { اليَوْمَ أَكْمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ... } (١). ورواه ابن عساكر وابن المغازلي(٢).

ومن ذلك نستدلّ أنّ عيد الغدير كان معروفاً في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وكذلك في العصور التي تلت، إلى أنْ جاء عصر التحريف والتدوين بحسب

١- المائدة : ٣.

٢- تاريخ بغداد ٨ : ٢٨٤ - ٢٨٥، تاريخ دمشق ٤٢ : ٢٣٣ - ٢٣٤، مناقب الإمام عليّ: ٦٩.

٤٥٥

رغبات السلطة الحاقدة المبغضة لعليّ وأهل بيته (عليهم السلام)، ولا يعني إنكارهم لفضيلة هذا اليوم شيئاً، فالأحاديث الواردة في هذا اليوم والآيات النازلة فيه تدللّ على فضله، وإليك بعضٌ من تلك الروايات من عند العامّة، ومن عند من ينكر فضيلة وبركات يوم الغدير.

قال تعالى في سورة المائدة: { يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ } (١).

هذه الآية الشريفة نزلت في أواخر عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) عند عودته من ما يعرف بحجّة الوداع بين مكّة والمدينة عند غدير خمّ، وقد مضى من دعوته(صلى الله عليه وآله) أكثر من عشرين عاماً، كان فيها رسول الله قد بلّغ كلّ أمور الشريعة وعرّفها للمسلمين من صلاة وصوم وحجّ وأحكام الزكاة وغيرها من أحكام الشريعة، ولم يبق شيء إلا وبلغه، فماذا يعني هذا الأمر الإلهي بتبليغ ما أنزل إليه؟ وما هو الأمر الذي أمر بتبليغه للناس وأمام عشرات الألوف من المسلمين.

قال السيوطيّ في الدرّ المنثور: أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي سعيد الخدريّ قال: نزلت هذه الآية: { يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } على رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ، في عليّ بن أبي طالب(٢).

وقال السيوطي: أخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) { يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } إنّ عليّاً مولى

١- المائدة : ٦٧.

٢- الدر المنثور ٢: ٢٩٨.

٤٥٦

المؤمنين { وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } (١).

وبعد أنْ أعلن رسول الله(صلى الله عليه وآله) تنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) أمام كلّ تلك الحشود في غدير خمّ، وبذلك تمّت النعمة، وكمل الدين بولاية سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، نزلت بعد ذلك آية إكمال الدين وتمام النعمة، لتعلن ذلك اليوم عيداً للولاية.

قال تعالى في سورة المائدة : { اليَوْمَ أَكْمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً } (٢).

وقد قال السيوطيّ في الدرّ المنثور: أخرج ابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر، عن أبي هريرة قال: لمّا كان يوم غدير خمّ، وهو يوم ثماني عشر من ذي الحجّة، قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فعليّ مولاه. فأنزل الله { اليَوْمَ أَكْمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } (٣) .

الطلاق وحكمه:

يشترط الشيعة الإماميّة أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في حال الطلاق، طهارة المرأة من الحيض والنفاس، فلا يصحّ الطلاق والمرأة حائض، ولا يصحّ في طهر فيه جماع.

وهذا الحكم الشرعيّ يستدل عليه من القرآن الكريم، وكذلك من عشرات الروايات عند كلّ طوائف المسلمين، ومن العجيب أنّ كتب الحديث والصحاح وكتب التفسير تنظر إلى الحكم كما هو عند الشيعة ولكنّهم لا

١- نفس المصدر السابق .

٢- المائدة: ٣.

٣- الدر المنثور ٢: ٢٩٥ .

٤٥٧

يعملون به، فتطلّق المرأة دون مراعاة تلك الشروط، وكذلك تطلّق ثلاثا دفعة واحدة، وهو ممّا لم يقم عليه أيّ دليل، بل إنّه كما قلنا: أنّ الأدلّة عند أهل السنّة هي في الحقيقة داعمة ومؤيّدة لما عليه أهل المذهب الحقّ الشيعة أتباع أهل البيت (عليهم السلام). وإليك بعض ممّا عند العامّة فيما يتعلّق بمسألة الطلاق، وموافقتهم لما عليه الشيعة.

قال تعالى في سورة الطلاق: { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ } (١).

روى القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند قوله تعالى فطلقوهنّ لعدتهنّ قال: ولا خلاف أنّه يؤمر بالطلاق وقت الطهر، فيجب أنْ يكون هو المعتبر في العدّة، فإنّه قال: { فَطَلِّقُوهُنَّ } يعني وقتا تعتدّ به، ثمّ قال تعالى{ وأحصوا العدّة } يريد ما تعتدّ به المطلقة وهو الطهر الذي تطلّق فيه، وقال(صلى الله عليه وآله) لعمر: "مره فليراجعها، ثمّ ليمسكها حتّى تطهر، ثمّ تحيض، ثمّ تطهر، فتلك العدّة التي أمر الله أنْ تطلّق لها النساء". أخرجه مسلم وغيره. وهو نصّ في أنّ زمن الطهر، هو الذي يسمّى عدّة، وهو الذي تطلّق فيه النساء(٢).

وروى القرطبي في الجامع قال: قال السدّي نزلت الآية في عبدالله بن عمر، طلّق امرأته حائضا تطليقة واحدة، فأمره رسول الله(صلى الله عليه وآله) بأنْ يراجعها، ثمّ يمسكها حتّى تطهر وتحيض ثمّ تطهر، فإذا أراد أنْ يطلّقها، فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها. فتلك العدّة التي أمر الله تعالى أنْ يطلّق لها النساء(٣).

١- الطلاق : ١.

٢- تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ٣ : ١١٥.

٣- المصدر نفسه ١٨: ١٤٨.

٤٥٨

وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور: أخرج البيهقي، عن ابن عبّاس قال: طلّق ركانة أمرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول الله(صلى الله عليه وآله): كيف طلّقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا في مجلس واحد. قال: نعم، فإنّما تلك واحدة، فأرجعها إنْ شئت. فراجعها. فكان ابن عبّاس يرى إنّما الطلاق عند كلّ طهر، فتلك السنّة التي كان عليها الناس والتي أمر الله بها { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (١).

وأخرج أبو داود، عن ابن عبّاس قال: إذا قال أنت طالق ثلاثاً بفم واحد فهي واحدة(٢).

وروى الطبريّ في جامع البيان القول في تأويل قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}: يعني تعالى ذكره بقوله: { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } يقول: إذا طلقّتم نساءكم فطلقّوهنّ لطهرهنّ الذي يحصينه من عدتهنّ، طاهراً من غير جماع، ولا تطلقّوهنّ بحيضهنّ الذي لا يعتددن به من قرئهنّ(٣).

وروى الطبري عن قتادة، قوله: { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } والعدّة: أنْ يطلّقها طاهراً من غير جماع تطليقة واحدة(٤).‏

وروى الطبري عن قتادة، في قوله: { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } قال: إذا طهرت من الحيض في غير جماع، قلت: كيف؟ قال: إذا طهرت فطلّقها من قبل أنْ تمسّها، فإن بدا لك أنْ تطلّقها أخرى، تركتها حتّى تحيض حيضة أخرى، ثمّ

١- الدرّ المنثور ١ : ٢٧٩.

٢- سنن أبي داود ١ : ٤٨٩.

٣- تفسير الطبري (جامع البيان) ٢٨ : ١٦٤.

٤- المصدر نفسه ٢٨ : ١٦٦.

٤٥٩

طلّقها إذا طهرت الثانية، فإذا أردت طلاقها الثالثة أمهلتها حتّى تحيض(١).

وروى الطبري عن ابن عباس في قوله: { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } يقول: لا يطلّقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتّى إذا حاضت وطهرت طلّقها تطليقة(٢).

وروى النسائي، عن نافع، عن ابن عمر... أنّ ابن عمر طلّق امرأته وهي حائض، فذكر عمر رضي الله عنه للنبيّ(صلى الله عليه وآله) فقال: مره فليراجعها حتى تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت، فإنْ شاء طلّقها وإن شاء أمسكها، فإنّه الطلاق الذي أمر الله عزّوجلّ به، قال تعالى: فطلقّوهنّ لعدتهنّ(٣).‏

روى البخاري، في صحيحه، في كتاب التفسير، باب تفسير سورة الطلاق، عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم: أنّ عبدالله بن عمر أخبره أنّه طلّق امرأته وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، فتغيّظ فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ثمّ قال: ليراجعها، ثمّ يمسكها حتّى تطهر، ثمّ تحيض فتطهر، فإنْ بدا له أنْ يطلّقها فليطلّقها طاهراً قبل أنْ يمسّها، فتلك العدّة كما أمره الله(٤).

وقال في فتح الباري شرح صحيح البخاري: وطلاق السنّة أنْ يطلّقها طاهراً من غير جماع، روى الطبري بسند صحيح، عن ابن مسعود في قوله تعالى { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } قال: في الطهر من غير جماع، وأخرجه عن جمع من الصحابة ومن بعدهم كذلك، وهو عند الترمذيّ أيضاً(٥).

١- المصدر نفسه ٢٨ : ١٦٦.

٢- المصدر نفسه ٢٨ : ١٦٨.

٣- سنن النسائي ٦ : ٢١٢.

٤- صحيح البخاري ٦ : ٦٧.

٥- فتح الباري ٩ : ٣٠١.

٤٦٠