×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نهج المستنير وعصمة المستجير / الصفحات: ٤٦١ - ٤٨٠

وروى مسلم، في صحيحه، في كتاب الطلاق، عن ابن عمر؛ أنّه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله). فسأل عمر بن الخطّاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن ذلك، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): مره فليراجعها. ثمّ ليتركها حتّى تطهر، ثمّ تحيض، ثمّ تطهر، ثمّ إنْ شاء أمسك بعد، وإنْ شاء طلّق قبل أنْ يمسّ، فتلك العدّة التي أمر الله عزّوجلّ أنْ يطلّق لها النساء(١).

وقال الصنعانيّ في سبل السلام: وفي قوله: حتّى تطهر، ثمّ تحيض، ثمّ تطهر، دليل على أنّه لا يطلّق إلا في الطهر الثاني دون الأوّل.

وقد ذهب إلى تحريم الطلاق فيه مالك وهو الأصحّ عند الشافعيّة، مستدلّين بقوله: (وفي رواية لمسلم) أي عن ابن عمر: مُرْهُ فَليُرَاجِعْهَا، ثُمَّ ليُطَلِّقْهَا طَاهِراً أَوْ حَامِلاً...

وفي قوله: قبل أنْ يمسّ دليل على أنّه إذا طلّق في الطهر بعد المسّ فإنّه طلاق بدعي محرّم، وبه صرّح الجمهور.

وقال بعض المالكيّة: إنّه يجبر على الرجعة فيه، كما إذا طلّق وهي حائض(٢).

وروى الشوكاني في نيل الأوطار، عن ابن عمر: "أنّه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبيّ(صلى الله عليه وآله) فقال: مره فليراجعها، ثمّ ليطلّقها طاهراً أو حاملاً. رواه الجماعة إلا البخاري، وفي رواية عنه: "أنّه طلّق امرأة له وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبيّ(صلى الله عليه وآله) ، فتغيظّ فيه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) ، ثمّ قال: ليراجعها ثمّ يمسكها حتّى تطهر، ثمّ تحيض، فتطهر، فإنْ بدا له أنْ يطلّقها فليطلّقها قبل أن يمسّها فتلك العدّة كما أمر اللّه تعالى" وفي لفظ: "فتلك العدّة

١- صحيح مسلم ٤ : :١٧٩.

٢- سبل السلام ٣ : ١٦٩.

٤٦١

التي أمر اللّه أنْ يطلّق لها النساء" رواه الجماعة إلا الترمذي، فإنّ له منه إلى الأمر بالرجعة. ولمسلم والنسائي نحوه، وفي آخره قال ابن عمر: وقرأ النبيّ(صلى الله عليه وآله) { يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } (١).

وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور : أخرج مالك، والشافعي، وعبد الرزاق في المصنّف، وأحمد،، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو يعلى، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر: أنّه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، فتغيّظ فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثم قال: ليراجعها، ثمّ يمسكها حتّى تطهر، ثمّ تحيض فتطهر، فإنْ بدا له أنْ يطلقّها فليطلقها طاهراً قبل أنْ يمسّها، فتلك العدّة التي أمر الله أنْ يطلّق لها النساء، وقرأ النبيّ(صلى الله عليه وآله) ( يا أيّها النبيّ إذا طلقتم النساء فطلقّوهنّ في قبل عدتهنّ) (٢).

زواج المتعة:

من الأحكام الشرعيّة، والتي يطعن فيها خصوم الشيعة الزواج المؤقّت (المتعة). ومع أنّ الأدلّة على جواز هذا النوع من الزواج بل فعله من قبِل الصحابة بعد أنْ شرّعه الله تعالى رحمة للمؤمنين والمؤمنات.

ولقد أكدّت الروايات الصحيحة على العمل في هذا الحكم في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وفي عهد أبي بكر، ونصفاً من خلافة عمر، حتّى منعه عمر بن الخطّاب، ممّا يدلّ دلالة قاطعة على أنّ هذا الزواج بقي مباحاً بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وعُمل به في عهد أبي بكر وعمر، فلم ينزل فيه تحريم،

١- نيل الأوطار ٧ : ٤.

٢- الدرّ المنثور ٦ : ٢٢٩.

٤٦٢

وهذا ما تقرّره الأدلّة من عند خصوم الشيعة، وإنّما عمر هو الذي نهى عنه وعاقب عليه.

قال تعالى في سورة النساء: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } (١).

روى القرطبي في تفسيره قال: قال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام. وقرأ ابن عبّاس، وأبي، وابن جبير] إلى أجل مسمّى[ { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } (٢).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور: أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصحّحه، من طرق عن أبي نضرة قال: قرأت على ابن عبّاس: { وَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } قال ابن عبّاس: ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى ) . فقلت: ما نقرؤها كذلك! فقال ابن عبّاس: والله لأنزلها الله كذلك(٣).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور: أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: في قراءة أبي بن كعب ( فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى ) (٤).

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف، عن سعيد بن جبير قال: في قراءة أبي ابن كعب (فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى) (٥).

١- النساء : ٢٤.

٢- تفسير القرطبي ٥ : ١٣٠.

٣- الدر المنثور ٢ : ١٤٠.

٤- الدرّ المنثور ٢ : ١٤٠.

٥- نفس المصدر السابق .

٤٦٣

وأخرج عبد الرزاق، عن عطاء: أنّه سمع ابن عبّاس يقرؤها ( فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى فآتوهن أجورهنّ ) وقال ابن عبّاس: في حرف أبي ( إلى أجل مسمى ) (١).

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد: { فما استمتعتم به منهن} قال: يعني نكاح المتعة(٢).

وأخرج ابن المنذر من طريق عمّار مولى الشريد قال: سألت ابن عبّاس عن المتعة: أسفاح هي أم نكاح؟ فقال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟! قال: هي المتعة كما قال الله. قلت: هل لها من عدّة؟ قال: نعم. عدّتها حيضة. قلت: هل يتوارثان؟ قال: لا(٣).

وروى الطبري في تفسيره عن السدّي: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الفَرِيضَةِ } . فهذه المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمّى، ويشهد شاهدين، وينكح بإذن وليّها، وإذا انقضت المدّة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريّة، وعليها أنْ تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، ليس يرث واحد منهما صاحبه(٤).‏

وروى الطبري في تفسيره عن مجاهد: { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } قال: يعني نكاح المتعة(٥).‏

روى أحمد في مسنده، عن عمران بن حصين أنّه قال: تمتّعنا مع

١- نفس المصدر السابق .

٢- نفس المصدر السابق .

٣- الدرّ المنثور ٢ : ١٤١.

٤- تفسير الطبري ٥ : ١٨.

٥- نفس المصدر السابق .

٤٦٤

رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلم ينهنا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بعد ذلك عنها، ولم ينزل من الله عزّوجلّ فيها نهي(١).‏

وروى مسلم في صحيحه، عن غنيم بن قيس قال: سألت سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه عن المتعة ؟ فقال: فعلناه. وهذا يومئذ كافر بالعرش. يعني بيوت مكّة(٢).

وممّا يدلّ على أنّها كانت حلالاً، ولم تزل كذلك، حتّى قام عمر بن الخطاب بعد نصفاً من مدّة خلافته، الروايات الواردة، وكذلك كلام أئمّة الفقه عند العامّة، وإليك بعضٌ منها.

قال في بداية المجتهد ونهاية المقتصد: اشتهر عن ابن عباس تحليلها، وتبع ابن عبّاس على القول بها أصحابه من أهل مكّة، وأهل اليمن، ورووا أنّ ابن عبّاس كان يحتجّ لذلك لقوله تعالى { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ } وفي حرف عنه إلى أجل مسمّى، وروى عنه أنّه قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله عزّوجلّ رحم بها أمّة محمّد(صلى الله عليه وآله)، ولولا نهي عمر عنها ما اضطرّ إلى الزنا إلا شقي. وهذا الذي روي عن ابن عبّاس رواه عنه ابن جريح وعمرو بن دينار. وعن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: تمتّعنا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأبي بكر ونصفاً من خلافة عمر. ثمّ نهى عنها عمر الناس(٣).

وقال السيوطي في الدرّ المنثور : أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، من طريق عطاء، عن ابن عبّاس قال: يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله

١- مسند أحمد ٤ : ٤٣٨.

٢- صحيح مسلم ٤ : ٤٧.

٣- بداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢ : ٤٧.

٤٦٥

رحم بها أمّة محمّد، ولولا نهيه عنها، ما احتاج إلى الزنا إلا شقيّ، قال: وهي التي في سورة النساء { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } إلى كذا وكذا من الأجل، على كذا وكذا، قال: وليس بينهما وراثة، فإنْ بدا لهما أنْ يتراضيا بعد الأجل فنعم، وإنْ تفرقا فنعم، وليس بينهما نكاح. وأخبر أنّه سمع ابن عبّاس يراها الآن حلالا(١).

وروى مسلم في صحيحه، عن أبي نضرة قال:كان ابن عبّاس يأمر بالمتعة. وكان ابن الزبير ينهى عنها. قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله. فقال: على يدَيَّ دارَ الحديثُ. تمتعنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله). فلمّا قام عمر قال: إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء وإنّ القرآن قد نزل منازله، فأتمّوا الحجّ والعمرة لله، كما أمركم الله، وأبتّوا نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل، إلا رجمته بالحجارة(٢).

وروى البخاري في صحيحه، عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: تمتّعنا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فنزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء(٣).

وروى في كنز العمال عن جابر قال: تمتّعنا متعة الحجّ، ومتعة النساء على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلمّا كان عمر نهانا فانتهينا(٤).

وروى أحمد في مسنده،عن أبي نضرة قال: قلت لجابر بن عبدالله: إنّ : ابن الزبير ينهى عن المتعة، وإنّ ابن عبّاس يأمر بها، قال: فقال لي: على يدي جرى الحديث، تمتّعنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قال عفّان: ومع أبي بكر، فلمّا ولي عمر،

١- الدرّ المنثور ٢ : ١٤١.

٢- صحيح مسلم ٤ : ٣٨.

٣- صحيح البخاري ٢ : ١٥٣، وأنظر صحيح مسلم ٤ : ٤٨.

٤- كنز العمّال ١٦ : ٥٢٠ عن ابن جرير.

٤٦٦

خطب الناس فقال: إنّ القرآن هو القرآن، وإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو الرسول، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، إحداهما متعة الحجّ، والأخرى متعة النساء(١).‏

وروى أحمد في المسند، عن جابر بن عبد الله قال: تمتّعنا متعتين على عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله)، الحجّ والنساء، فنهانا عمر عنها فانتهينا(٢).‏

وروى أحمد في المسند عن بهز وعفّان قالا: ثنا همّام، عن قتادة، عن مطرف قال: قال عمران بن حصين: تمتّعنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنزل فيها القرآن قال عفّان: ونزل فيه القرآن، فمات رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولم ينه عنها ولم ينسخها شيء، قال رجل برأيه ما شاء(٣).‏

وروى في كنز العمال، عن عمر بن الخطّاب قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحجّ(٤).

وروى في كنز العمال، عن أبي قلابة: أنّ عمر قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أنا أنهى عنهما، وأضرب فيهما(٥).

وقال السرخسيّ في المبسوط: وقد صحّ أنّ عمر نهى الناس عن المتعة، فقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنا أنهي الناس عنهما، متعة النساء، ومتعة الحج(٦).

وبهذا العرض المختصر يتبيّن أنّ الشيعة، أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، لم يبيحوا

١- مسند أحمد ١ : ٥٢.

٢- مسند أحمد ٤ : ٤٢٩.

٣- مسند أحمد ٤ : ٤٢٩.

٤- كنز العمّال ١٦ : ٥١٩، عن أبي الصالح كاتب الليث في نسخته، والطحاوي.

٥- كنز العمّال ١٦ : ٥٢١، عن ابن جرير وغيره.

٦- المبسوط ٤ : ٢٧.

٤٦٧

المتعة إلا لأنّ الله تعالى شرّعها، وأقرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بفعلها.

فالمتعة هي حكم شرعيّ له عشرات الأدلّة من عند من يطعنون على الشيعة، فمذهب الخصوم أدلّ على صحّة ما عليه الشيعة كما استعرضنا.

وأمّا الروايات التي تقول بتحريمها، فهي روايات متناقضة ومختلفة ولا تصلح للاستدلال على التحريم خصوصاً بعد دلالة القرآن القطعية على حلية المتعة وكذا فإنّ الروايات التي تؤكّد أنّ المنع جاء من عمر بن الخطاب، أيضاً قطعيّة، فلا يمكن أنْ يحتجّ بتلك المتناقضات المضطربة، ولا يمكن تقديمها على القطعيّ من الأدلّة.

حجّ التمتعّ:

إنّ ما ذكرنا بالنسبة إلى زواج المتعة، يصحّ أنْ يقال هنا أيضاً، فحجّ التمتّع كان أيضاً مشروعا زمن النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) ، ولكنّ عمر بن الخطاب في مدّة خلافته، هو الذي منع حجّ التمتع وعاقب عليه، وتبعه في ذلك عثمان.

روى في كنز العمال، عن عمر بن الخطّاب قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحجّ(١).

وروى في كنز العمال، عن أبي قلابة: أنّ عمر قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أنا أنهى عنهما وأضرب فيهما(٢).

ولأنّ منع زواج المتعة وحجّ التمتّع كان برأي عمر، ولا يستند إلى دليل، بل إنّ المنع مخالف لأمر الله تعالى، فقد كان عدداً كبيراً من الصحابة

١- كنز العمّال ١٦ : ٥١٩، عن أبي صالح كاتب الليث في نسخته، والطحاوي.

٢- كنز العمّال ١٦ : ٥٢١، عن ابن جرير وغيره.

٤٦٨

يستنكرون ذلك المنع ويرفضونه ويتمردّون عليه، ومنهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

روى مسلم في صحيحه، عن جابر بن عبد الله قال: تمتّعنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلمّا قام عمر قال: إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء، وإنّ القرآن قد نزل منازله، فأتمّوا الحجّ والعمرة لله كما أمركم الله. وأبتّوا نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل، إلا رجمته بالحجارة(١).

وروى مسلم في صحيحه في كتاب الحجّ، باب حجّ التمتّع عن عبدالله ابن شقيق قال: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان عليّ يأمر بها. فقال عثمان لعليّ كلمة. ثمّ قال علي: لقد علمت إنّا قد تمتّعنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله). فقال : أجل، ولكنّا كنّا خائفين. ورواه أحمد في مسنده(٢).

وروى النسائي، عن مروان: أنّ عثمان نهى عن المتعة وأنْ يجمع الرجل بين الحجّ والعمرة، فقال عليّ: لبيك بحجّة وعمرة معاً. فقال عثمان: أتفعلها وأنا أنهى عنها فقال علي: لم أكن لأدع سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لأحد من الناس(٣).

ورواه أحمد في المسند بلفظ آخر عن مروان بن الحكم قال : كنّا نسير مع عثمان، فإذا رجل يلبـّي بهما جميعا، فقال عثمان: من هذا؟ فقالوا: عليّ فقال: ألم تعلم أنّي قد نهيت عن هذا. قال: بلى، ولكن لم أكن لأدع قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) لقولك(٤).‏

وبهذا البحث والذي قبله، يتبيّن أنّ متعة الحجّ ومتعة النساء كانتا على عهد

١- صحيح مسلم ٤ : ٣٨.

٢- صحيح مسلم ٤ : ٤٦، مسند أحمد ١ : ٦١.

٣- سنن النسائي ٥ : ١٤٨، وأنظر سنن البيهقي ٥ : ٢٢.

٤- مسند أحمد ١ : ٩٥.

٤٦٩

رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، ولم يكن هناك تحريم أو منع من ذلك، حتّى منع ذلك عمر، ولكنّ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) قالوا كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لم نكن لندع سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لقول أحد، وهذه الأدلّة من عند الخصوم هي أقوى لما نحن عليه من الحقّ فطاعة الله ورسوله مقدّمة على كلّ طاعة.

الجمع في الصلاة:

لقد أجاز الشرع الحنيف الجمع في صلاة الظهر والعصر، وكذلك المغرب والعشاء، وفعل ذلك رسولنا الأكرم محمّد(صلى الله عليه وآله) ، وكذلك الصحابة، إلا أنّه وبعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) اختلف المسلمون في ذلك، وذلك بعد أنْ برزت مسألة الجمع عند أهل البيت وأتباعهم، فقد أخذ خصوم أهل البيت بمحاربة كلّ ما يظهر ويميّز مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فكانت السلطة الحاكمة تفرض على المسلمين ما فيه مخالفة لشيعة أهل البيت (عليهم السلام)، حتّى صارت المخالفات بعد تثبيتها وتزويدها بروايات موضوعة، صارت حقيقة عند العامّة، ولذلك يسمو غالبا عند العامّة اتّباع أولئك المخالفين على حساب الحكم الشرعي والقرآن والسنّة.

ومن تتبّع ما ذكرت من مسائل وأبحاث في كتابنا هذا، فإنّه سوف يتبيّن له أنّ الطاعة والاتّباع عند أولئك ليس للقرآن وآياته، وليس للرسول وتشريعاته، ولكنّه طاعة أشخاص لم يأمر الله تعالى بطاعتهم، وهذا هو جوهر الخلاف بين المذهب الحقّ، وبين المذاهب الأخرى.

ومسألة الجمع في الصلوات من تلك المسائل التي يعترّض عليها العامّة ويشنعون فيها على الشيعة، مع أنّ كلّ مذاهبهم تجيز الجمع وكتبهم ممتلئة

٤٧٠

بالأدلّة على أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد شرّع الجمع وفعله، فلماذا الإنكار والجحود؟.

فالمسألة ليست مختصّة بالشيعة، بل إنّها من المسائل المقرّرة عند كلّ المذاهب الأخرى، وإليك بعض من الأحاديث الصحيحة، وبعض من أقوال علماء العامّة واجتهاداتهم.

روى مسلم في صحيحه، في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة، في غير خوف ولا مطر(١).

( في حديث وكيع) قال: قلت لابن عبّاس: لمَ فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمّته.

وفي حديث أبي معاوية، قيل لابن عبّاس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمّته.‏ ورواه أبو داود والترمذي وغيرهم كثير، والحديث بأسانيده المتعدّدة، ومتونه المختلفة، مجمع على صحّته ولم ينكره أحد، ولكنّ بعضهم يقول: إنّه لا يعمل به، ولا أدري على أيّة قاعدة جرى عدم العمل به.

وروى الترمذي، عن ابن عبّاس قال: جمع رسول الله(صلى الله عليه وآله) بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. فقيل لابن عبّاس: ما أراد بذلك؟. قال أراد أن لا يحرج أمّته. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِن غَيرِ وَجْهٍ: رَوَاهُ جَابِرُ بنُ زَيدٍ، وَسَعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وَعَبدُاللهِ ابن شَقِيقٍ العُقَيْلِيُّ (٢).

وروي في كنز العمال، عن عمرو بن شعيب قال: قال عبدالله: جمع لنا

١- صحيح مسلم ٢: ١٥٢، سنن أبي داود ١: ٢٧٢، سسن الترمذي ١ : ١٢١، مسند أحمد ١: ٢٢٣.

٢- سنن الترمذي ١ : ١٢١.

٤٧١

رسول الله(صلى الله عليه وآله) مقيماً غير مسافر بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء فقال رجل لابن عمر: لمَ ترى النبيّ(صلى الله عليه وآله) فعل ذلك؟ قال: لأنْ لا يحرج أمّته إنْ جمع رجل(١).

وروى أحمد في مسنده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: صلّيت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثمانياً جميعاً، وسبعاً جميعا، قلت لابن عبّاس: لمَ فعل ذاك قال: أراد أنْ لا يحرج أمّته(٢).‏

وروى مسلم في صحيحه، عن عبدالله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عبّاس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس، وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة، الصلاة. قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة، الصلاة. فقال ابن عبّاس: أتعلّمني بالسنّة لا أمّ لك! ثمّ قال: رأيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبدالله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء. فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدّق مقالته(٣).

وروى مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثمّ قال: الصلاة، فسكت، ثمّ قال: الصلاة، فسكت، ثمّ قال: لا أمّ لك! أتعلّمنا بالصلاة؟ وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) (٤) .‏

وقال النوويّ في شرح صحيح مسلم قال: وذهب جماعة من الأئمَّة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتَّخذه عادة، وهو قول ابن سيرين،

١- كنز العمّال ٨ : ٢٤٦.

٢- مسند أحمد ١ : ٣٤٩.

٣- صحيح مسلم ٢ : ١٥٢ - ١٥٣.

٤- صحيح مسلم ٢ : ١٥٣.

٤٧٢

وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطَّابيُّ عن القفَّال، والشاشيّ الكبير من أصحاب الشافعيّ، عن أبي إسحاق المروزيّ، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيِّده ظاهر قول ابن عبَّاس: "أَرَادَ أَنْ لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ" فلم يعلِّله بمرض ولا غيره(١).

وقال في عون المعبود شرح سنن أبي داود عند كلامه "أراد أن لا يحرج أمّته" وقال ابن المنذر: ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار، لأنّ ابن عبّاس قد أخبر بالعلّة فيه، وهو قوله: "أراد أن لا يحرج أمته" (٢).

وقال في نيل الأوطار: وقد استدلّ بحديث الباب، القائلون بجواز الجمع مطلقاً، بشرط أن لا يتّخذ ذلك خلقاً وعادةً. قال في الفتح: وممّن قال به ابن سيرين وربيعة وابن المنذر والقفّال الكبير، وحكاه الخطّابي عن جماعة من أصحاب الحديث(٣).

وكما ترى، فإنّ كلّ الروايات مطلقة غير مقيّدة لا بسفر ولا بخوف ولا مطر ولا مرض، وكلّ من حاول تقييد تلك الروايات أو تأويلها بما لا تحتمل، فإنّ كلّ تلك التقييدات والتأويلات باطلة؛ لأنّها بدون تخصيص أو تعليل، وكلّ من فعل ذلك، فإنّه يجتهد بالرأي مقابل النصّ الواضح، وهذا لا يجوز؛ لأنّه تَرْكٌ للسنّة ولفعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) وتقريره.

فهل من أنكر الجمع بدون عذر يحاول أنْ يقول لنا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق ولا يشرّع عن الهوى، قد فعل الجمع خطأً أو عن الهوى؟.

وهل الواجب علينا أنْ نلتزم بتلك التأويلات الخاطئة المنبثقة عن الرأي

١- شرح صحيح مسلم ٥ : ٢١٩.

٢- عون المعبود ٤ : ٥٦.

٣- نيل الأوطار ٣ : ٢٦٤.

٤٧٣

والهوى، أُم الواجب علينا أنْ نلتزم بفعل رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟. فالمسألة واضحة جليّة، وهذه الروايات الصحيحة الواضحة من عند من ينكر الجمع في الحضر من غير عذر أكثر من أنْ تحصى، وكلّها صحيحة، وليست بحاجة لأيّ تأويل أو تقييد.

التكبيرات في صلاة الجنازة:

يقول الشيعة الإماميّة بأنّ عدد التكبيرات في صلاة الجنازة هو خمس تكبيرات وهو الوارد في السنّة الصحيحة، وعن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، في حين أنّ العامّة يكبّرون أربعاً، مع أنّ كتبهم ممتلئة بالأدلّة على صحّة ما عليه الشيعة أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وهم يقرّون أيضاً بأنّ أوّل من ألغى التكبيرة الخامسة هو عمر بن الخطاب، أي أنّ العمل كان على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان على خمس تكبيرات، حتّى جاء عمر وجعلهنّ أربعا.

وأمّا من يقول بإنّ الإجماع قد انعقد على أربع تكبيرات، فإنّ هذا غير صحيح، وذلك أنّ المسألة ليست بحسب رأي الناس، وإنّما بحسب ما يقرّره الشارع المقدّس، فلا يجوز أنْ يجتمع الناس على مخالفة ما يقرّره الشرع الحنيف.

ثمّ إنّ عدداً كبيراً من الصحابة خالف عمر في عدد التكبيرات، فمنهم من خمّس، ومنهم من قال بست تكبيرات، ومنهم من قال بسبع، ومنهم من قال بتسع كما ورد في روايات عديدة، فكيف يقال: إنّ الإجماع انعقد على أربع، لا يمكن أنْ يقال ذلك.

وأمّا بالنسبة لما ذكر في كتب العامّة من أدلّة وروايات بخصوص ما عليه الشيعة الإماميّة، فإليك بعض مما روي في ذلك، مع بيان أنّ عمر بن الخطّاب

٤٧٤

هو الذي خالف تلك الروايات، وجمع الناس على أربع تكبيرات، فمن كان يأخذ بما حدّد الله ورسوله، فإنّه يدعم اعتقاده بما سنقدّم من روايات، وأمّا من كان يقدّم الرأي على الشرع، فليتقيدّ بما فرضه الرجال بالرأي، ولو خالف الكتاب والسنة.

روى الترمذي، وابن ماجة، عَن عَبْدُ الرحمن ابن أبي ليلى قَالَ: كان زيد بن أرقم يكبّر على جنائزنا أربعاً. وإنّه كبّر على جنازة خمساً. فسألته، فقال: كان رَسُول اللَّهِ(صلى الله عليه وآله) يكبّرها(١) .‏ وقال في نيل الأوطار: رواه الجماعة - يعني الخمسة - إلا البخاري(٢).

وروى المتّقي الهندي في كنز العمال، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: نزل جبريل (عليه السلام) ، على النبيّ(صلى الله عليه وآله) يعلّمه السلام على الناس والصلاة على الجنازة، فقال: يا محمّد، إنّ الله عزّوجلّ فرض الصلاة على عباده خمس صلوات، في كلّ يوم وليلة، فإن مرض الرجل، فلم يقدر يصلّي قائماً صلّى جالسا، فإنْ ضعف عن ذلك، جاءه وليّه فقال له: يكبّر عن وقت كلّ صلاة خمس تكبيرات، فإذا مات، صلّى عليه وليّه، وكبّر عليه خمس تكبيرات، مكان كلّ صلاة تكبيرة، حتّى يوفّيه صلاة يومه وليلته(٣).

وروى الطبرانيّ في المعجم الكبير، قال حدّثنا عليّ بن عبد العزيز، ثنا أبو نعيم، ثنا العلاء بن صالح، ثنا أبو سلمان: أنّه صلّى مع زيد بن أرقم على جنازة، فكبّر عليها خمس تكبيرات، فقلت: أوهمت أم عمداً، فقال: بل عمداً، إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) كان يصلّيها(٤)‏.

١- سنن الترمذي ٢ : ٢٤٤، سنن ابن ماجة ١ : ٤٨٢.

٢- نيل الأوطار ٤ : ٩٨.

٣- كنز العمّال ٣ : ٧٥٢ - ٧٥٣.

٤- المعجم الكبير ٥ : ١٧٤.

٤٧٥

قال أبو عيسى الترمذي: حديثُ زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلمِ إلى هذا مِنْ أصْحَابِ النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وغَيْرِهِم رأوْا التّكبِيرَ على الجَنَازَةِ خَمْساً، وقالَ أحمدُ وإسْحَاقُ: إذَا كَبّرَ الإمَامُ على الجَنازَةِ خَمْساً، فإِنّهُ يَتبَعُ الإمَامَ(١).

وروى مالك في الموطّأ قال: وروي عن ابن مسعود، وزيد بن أرقم، وحذيفة، خمس تكبيرات(٢).

وقال في المبسوط: والصلاة على الجنازة أربع تكبيرات، وكان ابن أبي ليلى يقول: خمس تكبيرات، وهو رواية عن أبي يوسف(٣).

وقال في تحفة الأحوذي: وقد اختلف السلف في ذلك، فروى مسلم عن زيد بن أرقم أنّه يكبّر خمساً، ورفع ذلك إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنّه صلّى على جنازة رجل من بني أسد فكبّر خمساً. وروى ابن المنذر وغيره عن عليّ أنّه كان يكبّر على أهل بدر ستّاً، وعلى الصحابة خمساً، وعلى سائر الناس أربعاً، وروى أيضاً بإسناد صحيح عن أبي معبد قال: صلّيت خلف ابن عبّاس على جنازة فكبّر ثلاثاً. قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع، وفيه أقوال أخر، فذكر ما تقدّم، قال: والذي نختار ما ثبت عن عمر. ثمّ ساق بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيّب قال: كان التكبير أربعاً وخمساً، فجمع عمر الناس على أربع. وروى البيهقي بإسناد حسن، إلى أبي وائل قال: كانوا يكبّرون على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) سبعاً وستّاً وخمساً وأربعاً، فجمع عمر الناس على أربع(٤).

١- سنن الترمذي ٢ : ٢٤٤.

٢- الموطأ ٢ : ١٠٩.

٣- المبسوط ٢ : ٦٣.

٤- تحفة الأحوذي ٤ : ٨٩.

٤٧٦

وروى مالك في الموطّأ، عن النخعيّ أنّ الناس كانوا يصلّون على الجنائز خمساً وستّاً وأربعاً، حتّى قُبض النبيّ، ثمّ كبَّروا كذلك في ولاية أبي بكر، ثمّ وُلِّي عمر فقال لهم: إنّكم معشرَ أصحاب محمّد، متى تختلفون يختلف الناس بعدكم، والناس حديثو عهد بالجاهليّة، فأجمع رأيهم أنْ ينظروا آخر جنازةٍ كبَّر عليها النبيّ(صلى الله عليه وآله) فيأخذون به، ويرفضون ما سواه، فنظروا فوجدوا آخر ما كبّر أربعاً(١).

وقال الصنعاني في سبل السلام: وقد اختلفت الروايات في عدّة تكبيرات الجنازة، فأخرج البيهقي، عن سعيد بن المسيّب: أنّ عمر قال: كلّ ذلك قد كان، أربعاً وخمساً، فاجتمعنا على الأربع. ورواه ابن المنذر من وجه آخر عن سعيد، ورواه البيهقي أيضاً، عن أبي وائل قال: كانوا يكبّرون على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أربعاً، وخمساً وستّاً، وسبعاً، فجمع عمر أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فأخبر كلٌّ بما رأى، فجمعهم عمر على أربع تكبيرات. وروى ابن عبد البرّ في الاستذكار بإسناده: كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) يكبّر على الجنائز أربعاً، وخمساً، وستاً، وثمانياً، حتّى جاء موت النجاشي، فخرج إلى المصلّى، وصفّ الناس وراءه، وكبّر عليه أربعاً، ثمّ ثبت النبيّ(صلى الله عليه وآله)، على أربع، حتّى توفاه الله؛ فإنْ صحّ هذا فكأنّ عمر ومن معه لم يعرفوا استقرار الأمر على الأربع، حتّى جمعهم وتشاوروا في ذلك(٢).

وقال الشوكاني في نيل الأوطار، في قوله "كان رسول اللَّه(صلى الله عليه وآله) يكبّرها " استدلّ به من قال: إنّ تكبير الجنازة خمس، وقد حكاه في البحر عن العترة جميعاً، وأبي ذرّ، وزيد بن أرقم، وحذيفة، وابن عبّاس، ومحمّد بن الحنفيّة،

١- الموطأ ٢ : ١٠٩.

٢- سبل السلام ٢ : ١٠٣.

٤٧٧

وابن أبي ليلى، وحكاه في المبسوط عن أبي يوسف(١).

وقال السيوطيّ في تاريخ الخلفاء قال العسكري- في الحديث عن أوليات عمر - : وأوّل من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات(٢).

وهكذا يتبيّن أنّ عند العامّة أصل صحيح وصريح، بأنّ ما عليه الشيعة الإماميّة هو الحقّ، وأنّهم لم يأتوا بأحكامهم من فراغ، وإنّما هم يستندون في كلّ شيء إلى دليل صحيح، حتّى من كتب خصومهم، وهو ما بيّناه لك أخي الكريم في أغلب أبحاثنا. وقد رأيت كيف أنّهم في هذا الحديث يتخبطون في عدد التكبيرات، ولا يوجد عندهم دليل واضح يتمسكون به ويستدلّون على تكبيراتهم الأربع، وقد نقلنا لك قارئي العزيز كلماتهم من دون تعليق، لتحكم بنفسك عليها، وتعرف أنّ ما عليه أتباع أهل البيت هو الحقّ.

خلاصة إثبات المذهب الحقّ من أدلة الخصوم:

وخلاصة هذه النقطة، وبعد أنْ طرحنا عدّة أمور بارزة من مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، والتي يعتبرها الخصوم من أكثر المسائل بروزاً في مذهب الشيعة، ويعترضون عليها ويطعنون فيها وفي صحّتها، ومنهم من يكفّر الشيعة بسببها، وهذه المسائل من أكثر المسائل التي يواجهها المستبصرون عندما يطعن العامّة على الشيعة.

ولقد وضعت تلك المسائل وأسندتها بأدلّة دامغة من نفس كتب ومصادر الطاعنين في حقيقتها، فتبيّن لنا أنّها عقائد وأحكام إسلاميّة حقيقيّة مستندة إلى أدلّة قويّة ومتعدّدة من مصادر التشريع الإسلامي، ممّا يقطع أمام كلّ الناس أنّ

١- نيل الأوطار ٤ : ٩٩.

٢- تاريخ الخلفاء : ١٢٣.

٤٧٨

الشيعة مسلمون ملتزمون بالنصّ، لا يأتون بالأحكام والعقائد إلا بما يرضي الله تعالى، ويوافق الشريعة ومصادرها الحقيقيّة.

ولقد كان إثبات عقائد وأحكام مذهب الشيعة الجعفريّة أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من أدلّة الخصوم، ومن أدلّة العامّة وكتبهم ومصادرهم سبباً هامّاً ومؤثّراً في استبصار العديد من المؤمنين، وكما ذكرت، فإنّ هذه الميزة، وهي إثبات ما عند الشيعة من أدلّة الخصوم، ميزة رئيسيّة في المذهب الحقّ تميّزه عن غيره، وتعتبر هذه الميزة إعجازا إلهيّاً من أجل إقامة الحجّة الدامغة على الناس، فلله الحجّة البالغة التي تقطع عذر المحجوج، وتزيل الشكّ عمّن نظر فيها.

كلمة لا بد منها:

وهكذا أخي الكريم، فلقد ذكرت من أحوال المستبصرين ما يشير إلى كيفيّة سيرهم وسلوكهم من البداية، ثمّ التدرج في الترقّي في المذهب الحقّ، وذكرت أنّ الاستبصار يدلّ على الطهارة النفسيّة والمعنويّة عند المستبصر، وأنّه لابدّ وأنْ يستجيب لنداء الحقيقة القلبي، ويمزجه بالعقليّ، حتّى تنتهي إلى الحقيقة الإيمانيّة الخالدة.

كما وأنّ هناك نداءات أخرى كثيرة وقويّة يعايشها المستبصر قبل استبصاره، ومنها: كثرة التناقضات في كتب العامّة، وفي كلّ المجالات، كأنْ يأتي حديث يثبت البسملة وفي نفس الصفحة حديث آخر يمنعها، وكأنْ يكون هناك حديث ينهى عن استقبال القبلة في الخلاء وفي نفس الصفحة حديث يشير إلى أنْ ابن عمر رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله) يستقبل القبلة في الخلاء، وغيرها المئات من التناقضات التي أوجبت من أحبّ حقيقة الإيمان وعشقها أنْ يبحث في تفاصيلها، فقد تبيّن للمستبصر من خلال التناقضات أنّ هناك خللاً مخفيّاً لابدّ من التوصل إليه، وأهم ملاحظة يستنتجها المستبصر من خلال دراسة التناقضات تلك أنّ دين الله القويم

٤٧٩
 كتاب نهج المستنير وعصمة المستجير الدكتور السيد صلاح الدين الحسيني (ص ٤٨٠ - ص ٤٩٣)
٤٨٠