×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نهج المستنير وعصمة المستجير / الصفحات: ٤١ - ٦٠

النفسيّة المريضة، من أجل التشهير بالمؤمنين، وإشاعة الشائعات الكاذبة، والافتراءات المضلّلة للبسطاء من المسلمين، أو تقوم هذه الفئة بتلك الأعمال، عمالة لمن يؤزهم من الجهات الاستخباراتيّة الشيطانية، حتّى تكون تلك الجهات على معرفة بالمؤمنين من أجل استغلال أوضاعهم، لإثارة الفتن بين المسلمين، ومن أجل تحقيق مآرب سياسيّة معيّنة لصالح أعداء الله ورسوله وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وهناك هدف آخر لهذه الفئة، وهو امتصاص عواطف الناس إذا ما توجّهت نحو الحقيقة، ثمّ وفي اللحظة المناسبة يقومون بتوجيه مسار عواطف الناس إلى حيث يشاء هؤلاء الموجّهون، إرضاءً لدوافعهم الشيطانيّة والنفسيّة الخبيثة الموجّهة. قال تعالى في سورة البقرة: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصامِ ? وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ } (١).

وهذه الفئة لا تقلّ خطورة عن فئة التكفيرين والنواصب، بل إنّ التكفيرين حالهم مكشوف ومعروف للقاصي والداني، ولكنّ هذه الفئة أكثر خطورة منهم لأنّهم يعملون تحت ستار الإيمان، ومعلوم أنّ المؤمن المستبصر الحقيقي، قلبه رهيف سريع التعاطف مع إخوانه المؤمنين، فلربّما يقع في المخاطر،وهو يظن أنّه في خدمة الله تعالى ورسوله وأئمّته عليهم الصلاة والسلام، فالحذر الحذر إخواني المؤمنين، خصوصا أنّ المنطقة مقبلة على تغيير شامل نحو الخير والعدل، وأعلام التغيّر واضحة للعيان، ودلائل قرب الفرج كثيرة، والتقيّة واجبة حتّى يظهر الإمام المهدي (عليه السلام) وعجلّ الله تعالى فرجه الشريف.

١- البقرة : ٢٠٤ - ٢٠٥.

٤١

قال تعالى في سورة الحجرات : {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} (١).

قال تعالى في سورة النور : { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ? وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ? يعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ? وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ? إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ? يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ وَالمُنْكَر} (٢).

وقال تعالى في سورة الأحزاب : { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً } (٣).

وقال تعالى في سورة الأحزاب: { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً ? مَلعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ? سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} (٤).

وهناك فئة تاسعة وهم قلّة من الناس متعطّشون لمعرفة الحقّ واتّباعه؛ لأنّهم

١- الحجرات : ١٢.

٢- النور : ١٥ - ٢١.

٣- الأحزاب : ٥٨.

٤- الأحزاب : ٦٠ - ٦٢.

٤٢

أدركوا أنّ هذه الحياة الدنيا قصيرة وفانية، وهي دار ممر، مطيّة للمؤمن يسعى من خلالها للوصول الى رضوان الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الله سوف يسألهم عن أعمالهم وتصرّفاتهم وسلوكهم ، فهم دائما يبحثون عن الحقّ، وإذا ما وجدوه فإنّهم يسارعون لاتّباعه والاقتداء بهديه بصدق وإخلاص وإرادة حقيقيّة.

قال تعالى في سورة المائدة : { وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (١).

وفئة عاشرة من الناس هي فئة المتذبذبين الذين يتنقّلون بين كلّ ما ذكرنا من الفئات، ولا يستقرّ لهم قرار، تارة مع هؤلاء وتارة مع أولئك، يميلون مع الواقع حيث يميل، ليس لهم شخصيّة واضحة، بل في الحقيقة شخصية ضعيفة ذليلة لا تملك موقفاً، وربّما تتقلّب في الدقيقة الواحدة في أكثر من موقف، ولشدّة ضلالهم ليس لهم سبيل واضح، وهم كما قال الله تعالى فيهم في سورة النساء: { مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} (٢).

هذا بالإضافة إلى فئة المؤمنين الصادقين الصابرين الذين عرفوا الله فعرفهم وصدقوا في حبّهم وإخلاصهم، فأكرمهم الله تعالى بمعرفة نبيّهم وأئمّتهم، فاتّبعوهم بإرادة قويّة وعزيمة صادقة، فأعزّهم الله تعالى بكرامته لهم، يوالون من والى الله تعالى ونبيه والأئمّة المعصومين، ويعادون أعداءهم، فهم تحت الأمر الإلهي يتوجّهون إلى حيث يوجههم بصدق وثبات وعزّة منيعة، فلله العزّة ولرسوله وللمؤمنين.

١- المائدة : ٨٣.

٢- النساء : ١٤٣.

٤٣

هكذا رأيت الواقع الذي يحيط بالمؤمن المستبصر، يجد نفسه وحيداً فريداً، وحالة غريبة بين كل تلك الفئات المذكورة، يتألّم ممّا يراه حوله من دفن وطمس للحقيقة، ومن إنكار وتشكيك فيها وفي أتباعها، ويتألّم لأولئك الذين يبحثون عنها دون جدوى وعلى غير هدى، وهو لا يستطيع أنْ يجيب عن اشكالاتهم وتساؤلاتهم ، مع أنّه يعرفها ويعرف الإجابة عليها، خوفاً من ردود الفعل اللامسؤولة، والتي يندفع بها أغلب الناس في أغلب المناسبات.

التناقض بين الشريعة والمألوف:

بعد كلّ ذلك، فإنّ المستبصر يتعامل وبشكل عام مع واقع نفسي تحكمه عادات وتقاليد ومألوفات تتناقض مع الشريعة المقدّسة، ومع تعاليمها وأخلاقياتها، من خلال مجتمع يسهل فيه تكفير المسلم للمسلم، ويهون فيه دم المؤمن وماله وعرضه، ويكثر فيه الحسد والحسّاد، والكبر والرياء، وحبّ الدنيا وشهواتها على حساب الآخرة، مجتمع تطغى عليه العصبيّات والضغائن، وحبّ الشائعات والافتراءات، وحبّ الفاحشة والرذيلة، وطغيان المادة، مجتمع ألف النفاق والرذيلة، وطُمست فيه الحقيقة والفضيلة، وطغى فيه الحكم بالرأي النفسي والشهوي، وحسب المصلحة المادية والدنيوية الفانية، مجتمع لم يبقَ فيه من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه.

إنّ كلّ ما ذكرت، وأكثر من ذلك يعيشه المؤمن المستبصر مع ثلّة قليلة جدّاً من المؤمنين الثابتين على عهد الله تعالى، والمستيقنين بعزّ الله ونصره، والمطمئنين بوفاء الله لوعده، ولذلك وبالرغم من كلّ ما يواجهه المؤمن المستبصر، فإنّه دائماً يستشعر العزّة بالله تعالى والسكينة بذكر الله وطاعته، والقوّة بتمسّكه بالحقّ، والإقرار الدائم والمستمر بولاية أهل البيت وإمامتهم.

٤٤

أورد المتقي الهندي في كنز العمّال عن أبي أمامة أنّ رسول الله٢ قال: "لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ لعدوّهم قاهرين، لا يضرّهم من خالفهم إلا أصابهم من لأواء، وهم كالإناء بين الأكلة، حتّى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله! وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس" (١). والحديث عزاه المتقي إلى جرير الطبري، كما رواه أحمد في مسنده(٢) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد(٣)

ومن الضروري جدّاً في هذا المقام تذّكر وصيّة لأمير المؤمنين (عليه السلام) ، أوصى بها المؤمنين الذين يعايشون واقعاً كواقع المستبصرين، فيها توجيه جميل لكيفيّة التعامل مع كلّ الظروف التي تحيط بالمؤمنين المستبصرين.

فقد روي في كتاب وسائل الشيعة،عن الأصبغ بن نباتة قال : قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : " كانت الحكماء فيما مضى من الدهر تقول : ينبغي أنْ يكون الاختلاف إلى الأبواب لعشرة أوجه :

أولها: بيت الله عزّ وجّل، لقضاء نسكه، والقيام بحقّه وأداء فرضه .

والثاني: أبواب الملوك الذين طاعتهم متّصلة بطاعة الله وحقّهم واجب ، ونفعهم عظيم ، وضررهم شديد .

والثالث: أبواب العلماء الذين يستفاد منهم علم الدين والدنيا .

والرابع: أبواب أهل الجود والبذل، الذين ينفقون أموالهم التماس الحمد ورجاء الآخرة.

١- كنز العمّال ١٤ : ٤٦.

٢- مسند أحمد ٥ : ٢٦٩.

٣- مجمع الزوائد ٧ : ٢٨٨.

٤٥

والخامس: أبواب السفهاء الذين يحتاج إليهم في الحوادث، ويفزغ إليهم في الحوائج .

والسادس: أبواب من يتقرّب إليه من الأشراف لالتماس الهبة والمروّة والحاجة.

والسابع: أبواب من يرتجى عندهم النفع في الرأي والمشورة وتقوية الحزم وأخذ الأهبة لما يحتاج إليه.

والثامن: أبواب الإخوان لما يجب من مواصلتهم ويلزم من حقوقهم.

والتاسع: أبواب الأعداء، الذين تسكن بالمداراة غوائلهم، وتدفع بالحيل والرفق واللطف والزيارة عداوتهم.

والعاشر: أبواب من ينتفع بغشيانهم ويستفاد منهم حسن الأدب ويؤنس بمحادثتهم" (١).

من معاناة المستبصرين، رفض المسلمين تطبيق أحكام الشريعة:

وأحبّ أنْ أصف للقارئ العزيز بعض الحالات ممّا حصل معنا أو مع بعض الإخوة المؤمنين المستبصرين التي نراها كلّ يوم عندنا، وأظنّ أنّها تحصل كثيراً مع المؤمنين في مناطق كثيرة من العالم، ومنذ الزمن الغابر وحتّى اليوم، حيث إنّ الفقه الإسلامي عند أهل السنّة والجماعة يحتوي على مئات الأحكام التي خالفوا فيها أوامر الله ورسوله، وتركوها مقابل رأي لفلان أو فلان من الناس، وما سأذكره من حالات هو مجرد أمثلة لبيان حقيقة ما يواجهه المؤمن المستبصر، لكنّ الحقيقة أنّها ليست محصورة في مثال أو مثالين، بل إنّ أغلب

١- وسائل الشيعة ١٢ : ٨٣.

٤٦

المواضيع عندهم تنطبق على طبيعة ما جمدت عليه عقولهم وأحبّته نفوسهم ومالت إليه.

فإذا ما وقع سؤال أو إشكال بين العامّة، ووجدوا جواباً عند المؤمنين المستبصرين على إشكالاتهم أو أسئلتهم، فإنّهم يطربون ويسرّون لذلك الجواب خصوصاً إذا كان مع الجواب ذكراً لأحد رموزهم، فيسلّمون للإجابة تسليماّ مطلقاً. ولكن عند معرفتهم أنّ الجواب من طريق العترة الطاهرة وأتباعهم وشيعتهم، عندها يبدأ التشكيك والخوف من الصدوع بالحقّ الواضح البيّن، ثمّ يبدأ التأويل ويكثر، وذلك لدفع الحقّ وفرض الباطل، وإقصاء المعاني الحقيقيّة للدليل المعروض، من خلال التشكيك في المعنى، والتلوّن في الأخذ والردّ وتحريف الكلم عن مواضعه، وهذا من أشدّ ما يعانيه المستبصر في معاملته مع كلّ تلك الفئات.

بينما لو قيل أنّ ذلك الأمر فرضه الصحابيّ الفلاني وخالف فيه رسول الله، فإنّ طربهم وسرورهم سيستمرّ ويستمر؛ لأنّ فيه اقتداء واتّباع لمن عصى الله ورسوله، وكأنّ فطرة البعض على غير الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وسأضرب عدة أمثلة لتوثيق رأيي هذا الذي طرحته الآن.

حي على خير العمل:

خذ مثلاً عبارة (حيّ على خير العمل) في الأذان الشرعي، والتي قرّرها الله سبحانه يوم أسري برسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وعمل بها المسلمون حيناً من الدهر حتّى استبدلها الخليفة الثاني، ووضع بدلا منها عبارة (الصلاة خير من النوم).

ذكر الشوكاني في نيل الأوطار قال: قال في الأحكام: "وقد صحّ لنا أنّ حيَّ على خير العمل كانت على عهد رسول اللَّه(صلى الله عليه وآله) يؤذّن بها ولم تطرح إلا في

٤٧

زمن عمر. وهكذا قال الحسن بن يحيى، روي ذلك عنه في جامع آل محمّد وبما أخرج البيهقي في سننه الكبرى بإسناد صحيح عن عبد اللَّه بن عمر أنّه كان يؤذّن بحيَّ على خير العمل" (١).

وروى القوشجي في شرح التجريد أنّ عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: "ثلاث كنّ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأنا أنهى عنهنّ وأحرمهنّ وأعاقب عليهنّ وهي: متعة النساء ومتعة الحج وحيّ على خير العمل" (٢).

وروى الترمذيّ وغيره عن مجاهد قال: "دخلت مع عبد الله بن عمر مسجداً وقد أذّن فيه، ونحن نريد أنْ نصلّي فيه، فثوّب المؤذّن ( أي قال الصلاة خير من النوم) فخرج عبد الله بن عمر من المسجد وقال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع، ولم يصلّ فيه" (٣).

وبالتالي صارت عبارة الصلاة خير من النوم عند القوم تشريعاً محترماً ومتبعاً أكثر من التشريع الإلهي،والعبارة التي فرضها الله تعالى في الأذان، وهي حي على خير العمل صارت أثراً بعد عين. والدليل أنّه اليوم لا يجرؤ أحد على حذف عبارة الصلاة خير من النوم، وكذلك لا يجرؤ أحد على إعادة الجملة الأصيلة الأصليّة وهي عبارة حيّ على خير العمل، بالرغم من وجود الأدلّة الواضحة البيّنة في صحيح حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وكذلك من خلال تطبيقات عشرات الصحابة والتابعين، إلا أنّ كلّ ذلك لا قيمة له مقابل فعل عمر بن الخطاب، طبعاً في المجتمعات السنيّة وليس عند المجتمعات الشيعيّة والتي لا تتبع غير أمر الله الذي فرضه.

١- نيل الأوطار ٢ : ١٩.

٢- شرح التجريد : ٣٧٤.

٣- سنن الترمذي ١ : ١٢٨.

٤٨

صلاة التراويح:

وخذ مثلا أيضاً صلاة التراويح، والتي فرضها وأوجبها الخليفة الثاني، واعتبرها بدعة كما هو مذكور في صحيح البخاري(١) وغيره من صحاح وأسانيد أهل السنة(٢).

روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنّه قال : "خرجت مع عمر بن الخطّاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون، يُصلّي الرجل لنفسه، ويُصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط، فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على أبيّ بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوّله" (٣).

فصلاة التروايح إذن لم يقرّرها رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، والتزم بذلك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأبو بكر وأغلب صحابة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لكنّه بعد أنْ شرّعها عمر التزم بتلك البدعة كثير من محبّي اتّباع الآراء والأهواء المخالفة للشرع الحنيف، وعندما بويع لأمير المؤمنين (عليه السلام) ، منع المسلمين من أداء تلك البدعة في فترة خلافته، فخرج المسلمون من المسجد وهم يصرخون واعمراه واعمراه، فقد روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "لمّا قدم أميرالمؤمنين (عليه السلام) الكوفة، أمر الحسن

١- صحيح البخاري ٢ : ٢٥٢.

٢- أنظر مثلاً السنن الكبرى للبيهقي ٢ : ٤٩٣. والمصنّف لعبدالرزاق الصنعاني ٤ : ٢٥٨ - ٢٥٩.

٣- صحيح البخاري ٢ : ٢٥٢.

٤٩

ابن علي (عليهما السلام)، أنْ ينادي في الناس لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة، فنادى في الناس الحسن بن عليّ(عليهما السلام) بما أمره به أمير المؤمنين(عليه السلام)، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، صاحوا واعمراه واعمراه، فلمّا رجع الحسن إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال له: ما هذا الصوت ؟ فقال: يا أمير المؤمنين الناس يصيحون واعمراه واعمراه" (١).

أتخشون الناس فالله أحقّ أنْ تخشوه إنْ كنتم مؤمنين:

فهل يجرؤ المسلمون اليوم على الاعتراف بذلك ، مع أنّ كلّ علماء أهل السنّة الذين عاصرتهم يقرّون بأنّها بدعة، وأنّها لم تكن في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولا في زمن أبي بكر، لكنّها العقول الجامدة المتحجرّة التي لا يهمّها سوى اتّباع الهوى والشهوات، فقد جعلوا حكم عمر مقدّما دائما على حكم الله، بل إذا تعارض حكم الله مع حكم أحدهم، فإنّ حكمهم مقدّم على حكم الله، ولطالما فعل المسلمون ذلك منذ بداية التاريخ الإسلامي، واستفحل في أيّامنا هذه بشكل لا يتصوّر.

روى البخاري في صحيحه في كتاب الحجّ وأحمد في مسنده عن مروان ابن الحكم قال: "شهدت عليّاً وعثمان بين مكّة والمدينة وعثمان ينهى عن المتعة وأنْ يجمع بينهما، فلمّا رأى ذلك عليّ أهلّ بهما، فقال: لبيك بعمرة وحجّ معاً، فقال عثمان : تراني أنهى الناس عنه وأنت تفعله؟ قال : لم أكن أدع سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لقول أحد من الناس" (٢).

وروى ابن كثير في البداية والنهاية أنّه يقال لابن عمر: "إنّ أباك كان ينهى

١- تهذيب الأحكام ٣ : ٧٠، وأنظر ما أورده المعنزلي عن أميرالمؤمنين B في شرح نهج البلاغة ١٢: ٢٨٣.

٢- صحيح البخاري ٢ : ١٥١، مسند أحمد ١ : ١٣٦، واللفظ لأحمد.

٥٠

عنها (أي متعة الحج)، فقول: لقد خشيت أن يقع عليكم حجارة من السماء، قد فعلها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أفسنة رسول الله تتّبع أم سنّة عمر بن الخطّاب" (١).

وروى الذهبي في سير أعلام النبلاء عن ابن عبّاس، قال: "تمتّع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال عروة: نهى أبوبكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عبّاس: فما يقول عريّة! قال: نهى أبوبكر وعمر عن المتعة، قال: أراهم سيهلكون، أقول: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ويقولون: قال أبوبكر وعمر" (٢). ورواه أحمد في المسند(٣).

روى المتقي الهندي في كنز العمال والهيثمي في مجمع الزوائد عن موّرق العجلي قال: "سُئل ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال: ركعتين ركعتين، من خالف السنة كفر" (٤).

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح(٥).

روي في المحلى من طريق سفيان بن عيينة قال: "اعتلّ عثمان بن عفان وهو بمنى، فأتى الناس إلى عليّ (عليه السلام) ، فقيل له : صلّ بالناس، فقال عليّ (عليه السلام): إنْ شئتم صلّيت لكم صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، يعني ركعتين؛ قالوا لا، إلا صلاة أميرالمؤمنين يعنون عثمان، أربعاً فأبى عثمان" (٦).

هذه بعض الكيفيّات في التعامل مع كتاب الله وسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) من قبل المسلمين، وليست المسألة محصورة في المثالين المذكورين فقط، والتي ترك المسلمون فيها حكم الله ورسوله، واتّبعوا حكم وتشريع الأشخاص فيها،

١- البداية والنهاية ٥ : ١٥٩.

٢- سيرة أعلام النبلاء ١٥ : ٢٤٣.

٣- مسند أحمد ١ : ٣٢٧.

٤- كنز العمّال ٨ : ٢٤٠، مجمع الزوائد ٢ : ١٥٤ - ١٥٥.

٥- مجمع الزوائد ٢ : ١٥٥.

٦- المحلى ٤ : ١٧٧.

٥١

فهناك مئات الأحكام في العقائد والتشريعات تمّ تركها أو تمّ استبدالها بأحكام وآراء وضعيّة لا زالت حتّى يومنا هذا مقدّسة عند أغلب المسلمين.

فقد كان يسهل عليهم ترك أمر رسول الله وسنّته، مقابل اتّباع الرأي الذي يخالف أمر رسول الله وسنّته، بل إنّ اتّباع سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو المستغرب والمستهجن من قبل أولئك، فما بالك بسنّة رسول الله اليوم خصوصاً في بلاد مثل بلادنا وفي بلاد المسلمين عموماً والتي يكثر فيها أغلب الأصناف من الناس الذين أوضحت معالم نفسياتهم وعقلياتهم.

إنّ المؤمن المستبصر المقتدي برسول الله(صلى الله عليه وآله)، المطيع لسنّته، يعتبر في نظر المجتمع الجامد على عاداته وتقاليده التي في مجملها مخالفة للشارع المقدس خارجا عن المألوف، فهم يعتبرون الدين ما تناقلوه بالوراثة عن آبائهم من دون بحث أو تقصٍّ وحتّى لو كان خطأ، فعندما توّضح لهم عن حكم شرعيّ أو سنّة معيّنة أو حقيقة مغيّبة، فبدلاً من تتبّعها والبحث فيها ينظرون إليك نظرة الشاذّ المخالف للمجتمع المتمرّد على المألوف من العادات والتقاليد الدينيّة المخالفة لشرع الله تعالى.

العقليّات المنغلقة:

إنّ هذا الاعتقاد الجامد على المألوف من دون بحثٍ وتقصٍ عن الحقيقة يوجب وجود العصبيّة والتعصب عند العامّة عموما، ممّا يضع المسلم في دائرة مغلقة ، يقوقع نفسه في داخلها، ولا يوجد عنده الاستعداد لتجاوز خطوطها وحدودها، فليس لديه الاستعداد النفسي ولا الاستعداد العقليّ لذلك، بل إنّ الفكر الجامد الجاف الذي يعتقد به هو عامل أساسيّ في تركيبة شخصيّته، ومن المهم هنا أن نتحدّث عن علاج هذا الجمود والانغلاق، فإذا ما تمّ كسر

٥٢

بعض معالم دائرة الانغلاق تلك، فإنّه بالإمكان للمسلم أنْ يتجاوز المألوف، وبذلك يتمكن من رؤية دائرة أوسع من التي ألِفها، فيتّسع أفق المعرفة لديه، ويتحرّر من تركيبة الشخصيّة السفيانيّة التي وضعت إحداثياتها منذ العصر الأول للإسلام، فكان أنْ بُني عليها الانحراف عن الحقّ والحقيقة حتّى صار شيئاً طبيعيّاً ومألوفاً عند المسلمين، بل إنّك إذا ما طرحت موضوعها بين الناس المنغلقين صرت أنت الخارج عن المألوف المارق عن طريق الآباء والأجداد.

كيفيّة العلاج من أجل التغيير:

وعلاجُ هذه الشخصيّة يبدأ من ذاتها، فإذا أدرك المسلم أنّه عبدٌ لله تعالى، وأنّ عمله وسلوكه يجب أنْ يكون لله تعالى ويصبّ في مرضاته، وأنّه عبد عاجز وضعيف يجهل حقائق الإيمان والعقيدة، ولا يمكن أنْ يتعلّمها من إنسان جاهل مثله، ولكنْ من خلال مَنْ عصمهم الله تعالى، وجعلهم للناس أئمّة يقتدون بهم وبهديهم.

وإذا أدرك أنّ هذه الدنيا مرحلة بناء وأعداد لما بعدها، وأدرك حقيقة الموت وسؤال القبر والوقوف بين يدي الله تعالى، وأدرك حقيقة الثواب والعقاب والجنّة والنار، وأنّ الله تعالى سوف يسأله عن عمره وعلمه واعتقاده وسلوكه، فإذا أدرك كلّ ذلك مع وجود الإخلاص لله تعالى في البحث والطلب والعمل، ومع ضرورة وجود الاستعداد النفسيّ والعقليّ والروحيّ لقبول الحقّ أينما وجد، والاعتراف بالحقيقة مهما كلّفت، فإنّ دائرة الانغلاق لشخصيّة المسلم سوف يخترقها الفكر، وتتوسّع مع ذلك دائرة البحث، وتزداد إمكانيّة الوصول للحقّ والحقيقة، وبذلك يكون الإدراك والإخلاص والاستعداد هو المرحلة الأولى من العلاج للتحرّر من الانغلاق والجمود

٥٣

والتناقض في الشخصيّة السلبيّة التي ذكرنا معالمها.

ثمّ إنّه لابدّ من وجود الاستعداد للحوار ومعرفة الآخر وقبوله، والبحث فيما عنده قبل الحكم عليه، فلربّما كانت الحقيقة مع الآخر وكان الحقّ معه، فمع الجمود الفكريّ والنفسيّ لا يمكن الوصول إلى ما فيه رضى الله تعالى، فمن العلاج ما يقتضي نسيان الذات والتنازل عن الأنانيّة وترك العجب والفخر والكبر واجتناب الرياء، لأنّها كلّها موانع قاتلة، وأمراض خبيثة، تعزّز مصائد ومكائد إبليس اللعين على الصراط المستقيم. قال تعالى في سورة الأعراف: { قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ? ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ} (١).

وأمّا مَنْ كان عنده الاستعداد للحوار وقبول الحقّ والحقيقة، وكان متسلّحا بالتواضع والإخلاص، والبعد عن الأنانيّة واجتناب كلّ تلك الأمراض النفسيّة الخبيثة، فإنّه لا سلطان للهوى أو لإبليس عليه يمنعه من الوصول إلى سبل التوفيق وسلوك طريق الحقّ القويم. قال تعالى في سورة الإسراء : {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً} (٢).

وبناءً على ما تقدّم، فإنّ علاج الشخصيّة المتناقضة المنغلقة يكمن في الاستعداد القلبيّ والعقليّ لتلك الشخصيّة، ويكمن في وجود بذرة الإيمان في قلب صاحب تلك الشخصيّة أو عدم وجودها، ويكمن في حب الشخصيّة للحقّ والحقيقة، أوعدم حبّه لهما، ويكمن في اجتناب العديد من أمراض النفس الخبيثة والتي تزيد من انغلاق الشخصيّة وتناقضها مع الفطرة الإنسانيّة

١- الأعراف : ١٦ - ١٧.

٢- الإسراء : ٦٥.

٥٤

الأصيلة، ولكنّ أهمّ عامل علاجيّ في كلّ ما ذكرت هو وجود بذرة الإيمان، ورواسب الإيمان، وأسس حقائق الإيمان عند الإنسان، فمتى توفّرت، كان حبّ الحقيقة وعشقها من أهم ما يمّيزها في الظاهر، ولذلك ورد في الأحاديث ما يؤيّد هذه النظرة العلاجيّة الصحيحة للتناقضات والمتناقضات.

روى في صحيح مسلم عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: "والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبيّ الأمّيّ(صلى الله عليه وآله) إليّ، أنْ لا يحبّني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق" (١).

وروي عن عليّ (عليه السلام) أيضاً أنّه قال : "لو ضربت خياشيم المؤمن بالسيف ما أبغضني، ولو نثرت على المنافق ذهباً وفضّة ما أحبّني، إنّ الله أخذ ميثاق المؤمنين بحبّي، وميثاق المنافقين ببغضي، فلا يبغضني مؤمن، ولا يحبّني منافق أبداً" (٢).

لكن، وبالرغم من كلّ تلك الظروف المحيطة، فإنّه لابدّ من تبيان الحقيقة وإيصالها للناس، فإنْ كانوا من الفئة المشكّكة الناصبة العداء لأهل البيت وأتباعهم، كان ذلك البيان حجّة جليّة واضحة، فلله الحجّة البالغة، فإنّ في البيان إظهار الحجّة والقوة والأحقيّة لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، وفي ذلك ردّ كاف، ونور ساطع، وحجّة بالغة تحرق كلّ ماحولها من زيغ وباطل وضلال.

وأمّا إنْ كانوا من الفئة الباحثة عن الحقيقة، فلعلّ في إظهارها سبب من أسباب الهداية، وتبيان لنور الحقّ المبين، والصراط المستقيم، وفي ذلك يكون

١- صحيح مسلم ١ : ٨٦.

٢- شرح نهج البلاغة، ٤ : ٨٣.

٥٥

الثواب العظيم، والخير العميم.

زيادة المعرفة لزيادة اليقين:

ثمّ إنّه من الضروريّ على المؤمن المستبصر بعد معرفة المجتمع الذي يعيش فيه ومعرفة فئاته كلها، أنْ يزداد معرفة وعلماً بمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ويسلك بذلك طريقين.

الأوّل: فرديّ وعلى مستوى المؤمنين فقط، من خلال مذاكرة علم الأئمّة (عليهم السلام)، ومن خلال الدراسة المستمرّة لعقائد وأحكام المذهب، والتعمّق في دراستها حتّى درجة التمكّن، ومن خلال مطالعة ما كتبه علماؤنا الأجلاء، وهذا يوسّع آفاق المعرفة، ويثبّت معالم الدين في قلب المؤمن وعقله، وأيضاً (وهو على درجة عالية من الأهميّة) الالتزام بكثرة الدعاء وذكر الله تعالى وتطبيق علم السلوك والأخلاق من خلال علم التحلية والتخلية، تحلية النفس بالفضائل والأخلاق واجتناب الرذائل والمذمومات، والمداومة على قراءة القرآن وكثرة النوافل، كلّ ذلك بحسب ما جاء عن أئمّتنا الأطهار عليهم الصلاة والسلام، وأيضاً بمتابعة أفراح أهل البيت وأحزانهم، وتذكرهم في كلّ الأحوال ودوام التوسّل بهم إلى الله تعالى، فكلّ ذلك يجلب التوفيق من الله تعالى، ويجعل إيمان المستبصر مستقرّاً وليس مستودعا.

وأمّا الطريق الثاني: فهو من خلال إقامة الدليل على عقائد وأحكام مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من أدلّة أهل السنّة والجماعة، فكلّما كانت معرفة المستبصر بهذا المجال أكبر، كلّما كان يقينه أقوى، فبالإضافة إلى الأدلّة الصادقة الواضحة من عند أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّه يضيف إليها أدلّة من عند خصوم المذهب، وهذا يعزّز الثقة ويزيد في اليقين ويقوّي الحجّة، وبذلك يكون

٥٦

موقفه أشدّ وأثبت أمام العامّة الذين يريدون أدلّة على مصداقية وأحقيّة أهل البيت وشيعتهم من خلال كتبهم ومصادرهم، والتي هي في إثبات ما عليه أهل البيت وشيعتهم أقوى وأدلّ وأوضح منها على ما عندهم، فلابدّ من المداومة على ذلك والمراجعة المستمرّة له.

ولذلك كان هذا البحث الذي أتناول فيه عدّة مواضيع تطرح ضدّ الشيعة الإماميّة في كلّ يوم، وهو ما يتعلّق بالشرك، والتوسّل، والبكاء وقول (عليه السلام) للأئمّة، ووجوب الصلاة على أهل البيت (عليهم السلام) عند الصلاة على النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله)، وموضوع الأئمّة وعددهم، وغيرها من المواضيع التي وبحسب تجربة المؤمن المستبصر تعتبر مقدّمة للمسلم المؤمن، ومفتاحاً لمغاليق القلوب الغافلة عن الحقيقة، عساها أنْ تنفع المؤمن المستبصر في غربته التي يعيشها، من أجل أنْ تُهَيئَهُ للتوسع في معرفة الحقيقة بعد معرفة الأساسيّات عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وهي ردود على طعنات وتشكيكات ترد علينا دائماً من العامّة، وكذلك أجوبة على بعض ما يواجهه المستبصر في بداية استبصاره وسلوكه الصراط المستقيم، معتمداً على الاختصار المفيد، وبأسلوب سهل وبسيط يفهمه حتّى الأقلّ ثقافة بين الناس، مستدلاً كما في كتابنا سبيل المستبصرين، وبقيّة كتبنا على ما في كتب وصحاح ومسانيد أهل السنّة.

حقائق عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام):

إنّ مذهب الشيعة الإماميّة الجعفريّة الاثنى عشرية أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فيه ميزات كثيرة لا تُحصى، فهو المذهب الحقّ، وهو المذهب الذي لا يحتوي على دخائل وأباطيل، بل هو صادر من عين النبوّة ونبع الرسالة المحمديّة الصافي، وهو مذهب الفرقة الناجية الذي فيه رضى الله تعالى،

٥٧

ورضى رسوله محمّد(صلى الله عليه وآله)، وهو المذهب البعيد عن التناقضات والاختلافات ، وهو المذهب الموافق للفطرة، وهو المذهب الذي يُؤتمن فيه من الزلل والضلال، كيف لا وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي(١)، وهو أيضاً سفينة النجاة التي من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهلك، كما ذكر رسول الله(صلى الله عليه وآله) في حديث السفينة : مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهلك(٢) .

وهو مذهب من أمر الله ورسوله بالاهتداء بهديهم والاقتداء بهم، وطريق أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام الله تعالى عليه، باب مدينة العلم ودارالحكمة،الصدّيق الأكبر، وفاروق هذه الأمّة، كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): " عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ "(٣). وقال أيضا: " عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ "(٤).

وهو المذهب الموافق لكتاب الله تعالى، ففيه كلّ الحلول لكل ما يستجدّ من أمور، وجواب لكلّ سؤال أوإشكال بحيث يكون موافق لكتاب الله تعالى وإرادته، وليس للرأي أو القياس أو الهوى، فقد قال الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) بعدما نزلت آية { إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هاد} (٥) : "أنا المنذر ولكلّ هاد وأومأ

١- أنظر حديث الثقلين في سنن الترمذي ٥ : ٣٢٩، سنن النسائي ٥ : ٤٥، ١٣٠ مسند أحمد ٣ : ٢٦ ، ٥٩، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٠٩، ١٤٨ وغيرها الكثير الكثير.

٢- أنظر حديث السفينة في المصنّف ٧ : ٥٠٣، المعجم الأوسط ٥ : ٣٠٦ ٣٥٥، المعجم الكبير ٣ : ٤٦، المستدرك على الصحيحين ٢ : ٣٤٣، ٣ : ١٥١ وغيرها من المصادر.

٣- تاريخ بغداد ١٤ : ٣٢٢، تاريخ دمشق ٤٢ : ٤٤٩.

٤- المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٤، المعجم الأوسط ٥ : ١٣٥.

٥- الرعد : ٧.

٥٨

بيده إلى منكب علي فقال : أنت الهادي، بك يهتدي المهتدون بعدي"(١).

لكنّ الميزة الأهم والتي تهمّنا في هذا البحث ، والتي لاتوجد في أيّ مذهب آخرعلى الإطلاق إلا في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ألا وهي أنّه يستطيع أنْ يثبت نفسه من أدلّة خصومه، وهذه الميزة كان فيها مذهب أهل البيت، المذهب الأوحد، كيف لا وهو الصراط المستقيم، والنور الساطع، والحقّ الذي ليس معه ضلال، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال.

ولقد اطلعتُ على أغلب أحكام وعقائد مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ووجدتُ أنّ أغلب ما عند الشيعة لابدّ وأنْ تجد له أصلاً في كلّ مذاهب أهل السنّة، وفي كلّ كتبهم وصحاحهم ومسانيدهم .

ومن العجيب أنّه في أغلب الأحيان نجد أنّ أدلّة أهل السنة تثبت وتدعم وبشكل قويّ جدّاً ما عليه أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أكثر وأقوى من دعمها لما هم عليه، وهذا والله شيء عجيب وميزة نادرة لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) تستحقّ من كل باحث منصف أن يقف عندها ويمعن النظر؛ لأنّ الحقّ دائماً يدمغ الباطل، وأمّا الباطل فيذهب جفاء، وأمّا ما ينفع الناس وهو من عند الله تعالى فيمكث ويثبت وله الغلبة دائماً في كلّ زمان ومكان.

قال تعالى : {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ} (٢).

١- تفسير الطبري ١٣: ١٤٢، تفسير الثعلبي ٥: ٢٧٢، فتح الباري ٨: ٢٨٥، تفسير الرازي ٧: ١٤ ح١٩، الدر المنثور ٤: ٤٥ وغيرها كثير .

٢- الصف : ٨.

٥٩

موقف العامّة من الحقائق:

وبالرغم من كلّ تلك الميزات الواضحة والدلائل القويّة الساطعة والتي دائما تفحم كلّ مناظر بأحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وصدقه وصفائه ونقائه، وبالرغم من كلّ الشواهد والقرائن والتي تؤكّد أنّ أتباعه هم أتباع الفرقة الناجية، فإنّ الكثيرين لايعتبرونه مذهباً خامساً، ولا يعدّون أصحابه من المسلمين خصوصاً فئة المشككين المكفّرين للمسلمين من السلفيين والوهابيين وأتباعهم من خوارج العصر الحديث، الذين ديدنهم تكفير أغلب طوائف المسلمين، وهذا هو البلاء العظيم . بينما ظهر الكثيرون من العلماء المنصفين من أهل السنة من الأزهر وغيره من المؤسّسات الإسلاميّة أفتوا فتاوى مشرّفة في حقّ الشيعة وقالوا صراحة باعتبار مذهب أهل البيت مذهباً خامساً وأنّه مذهب إسلامي صحيح يجوز للمسلم أنْ يتعبّد به، ومنها فتوى الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر رحمه الله تعالى الذي أفتى بجواز التعبّد بالمذهب الجعفري وإليك نص الفتوى: "إنّ الإسلام لا يوجب على أحد اتّباع مذهب معيّن، بل نقول: إنّ لكلّ مسلم الحقّ في أنْ يقلّد بادئ ذي بدء أيّ مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً، والمدّونة أحكامها في كتبها الخاصّة، ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره أيّ مذهب كان، ولا حرج عليه في شيء.

إنّ مذهب الجعفريّة، المعروف بمذهب الشيعة الإماميّة الاثنا عشريّة، مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة، فينبغي للمسلمين أنْ يعرفوا ذلك، وأن يتخلّصوا من العصبيّة بغير الحقّ لمذاهب معيّنة، فما كان دين الله وما كانت شريعته تابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب، فالكلّ مجتهدون مقبولون عند الله تعالى، ويجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم

٦٠