×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

نعم لقد تشيّعت وهذا هو السبب / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

وإذا جاهره بالعصيان ستر عليه وغطّاه ، وإذا توكّل عليه أحسبه وكفاه ، إلهي من الذي نزل بك ملتمساً قراك فما قريته ، ومن الذي أناخ ببابك مرتجيا نداك فما أوليته ، أيحسن أن أرجع عن بابك بالخيبة مصروفا ، ولست أعرف سواك مولى بالإحسان موصوفا ، كيف أرجو غيرك ؟ والخير كلّه بيدك ، وكيف أؤمل سواك ؟ والخلق والأمر لك ، أأقطع رجائي منك ، وقد أوليتني ما لم أسأله من فضلك؟ أم تفقرني إلى مثلي ، وأنا اعتصم بحبلك؟ يا من سعد برحمته القاصدون ، ولم يشق بنقمته المستغفرون ، كيف أنساك ولم تزل ذاكري؟ وكيف ألهو عنك وأنت مراقبي؟ إلهي بذيل كرمك أعلقت يدي ، ولنيل عطاياك بسطت أملي ، فأخلصني بخالصة توحيدك ، واجعلني من صفوة عبيدك ، يا من كل هارب إليه يلتجىء ، وكلّ طالب إيّاه يرتجي ، يا خير مرجوّ ، ويا أكرم مدعوّ ، ويا من لا يردّ سائله ، ولا يخيّب آمله ، يا من بابه مفتوح لداعيه ، وحجابه مرفوع لراجيه ، أسألك بكرمك أن تمنّ عليّ من عطائك بما تقرّ به عيني ، ومن رجائك بما تطمئنّ به نفسي ، ومن اليقين بما تهوّن به عليّ مصيبات الدنيا ، وتجلو به عن بصيرتي غشوات العمى ، برحمتك يا أرحم الراحمين"(١) .

لم أكن أعرف عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في ذلك الوقت شيئاً يستحقّ الذكر ، فقد غاب أثرهم في خضمّ الصحابة ، وذهل المسلمون عن مقامهم ، لاعتقاد أسّسه الغاصبون للحكم الإسلامي .

اقتربت من صاحب المكتبة ، وكان لبنانيّاً وقلت له : أصحيح نسبة هذه الأدعية إلى أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله)؟

فقال : هذا شيء مؤكّد وتداولته الأجيال ، وتقبلته بالتصديق والعمل ، لكن لماذا سألتني هذا السؤال الغريب؟

قلت له : لأنّنا لا نجد شيئاً من هذه الكنوز العظيمة ، والخيرات العميمة ، في

١-بحار الأنوار ٩١ : ١٤٥ .

٢٨١

تراثنا ، رغم أنّه منسوب إلى سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله)؟

فقال : لعلّ ذلك راجع إلى الإهمال الذي لاقاه فكر أهل البيت(عليهم السلام) ، من أتباع خطّ الأنظمة التي حمت رقاب أسلافنا .

وأومأت إليه برأسي موافقاً على عزوه ، وواصلت البحث عن الكتب من خلال ما توحي به عناوينها ، ومن خلال تصفّحي لتلك المؤلّفات ، وقفت على شدة اهتمام أصحابها بتدوين كلّ الأدعية التي سُمعت من بيت مهبط الوحي ومختلف الملائكة .

ولقد تتبّع ، هؤلاء العلماء الأفذاذ وغيرهم كلّ تلك الكنوز العظيمة ، واستطاعوا أنْ يخرجوا ذلك كلّه في كتب تحتوي على أعمال وعبادات وآداب حَوْل كامل ، من مسنونات ومستحبات وتعقيبات ، تسهيلا وتمكيناً للراغبين في اتّباع آثار النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) .

قفز إلى ذاكرتي حديث النبيّ(صلى الله عليه وآله) : "الدعاء مخّ العبادة" . ووقفت على حقيقة أطلّت عليّ من خلال صفحات الأدعية التي كنت أتأمّل فيها تقول : إنّني كنتُ أعبدُ الله سبحانه وتعالى بلا مخّ وبلا روح أيضا .

والتفتّ إلى كتاب آخر استدرجني عنوانه ، كأنّما ينادي أعماق روحي : للإمام الخميني الراحل(رضي الله عنه) وطيّب ثراه ، تركتُ ما في يدي وانهمكت فيه تصفّحا وقراءة سريعة في فهرسه وبعض أبوابه ، فتملّكتني حيرة ، وأخذتني دهشة ، ربّاه .. ما هذا؟ أيّ دين هذا؟ وأيّ نوع من الناس هؤلاء..؟ ولماذا حال حائل بيننا وبين هذه الخيرات والنعم العميمة؟

أهكذا كان يصلّي النبي(صلى الله عليه وآله) ، وأهل بيته الكرام؟ أهذه هي فعلا أدعية أئمة أهل البيت(عليهم السلام) لا شكّ أنّ الذي دعاه النبيّ(صلى الله عليه وآله) بباب مدينة علومه وأهل بيته(عليهم السلام) ، أقدر على استيعاب الدين الإسلاميّ ، وتقديم شعائره بالشكل الصحيح

٢٨٢

من غيرهم ، وانتقلت تلك المعارف ، والتطبيقات إلى ذريتهم وشيعتهم من بعدهم .

سألت عن اللغة التي كتب بها الإمام الخميني كتابه . فقيل لي : إنّها لغة العرفان ، ومنطق العارفين ، وكلامه هو تعبير عن تجلّيات للروح من مقام القرب ، ليست متاحة إلاّ للذين أناخوا رحالهم في فناء الزهد والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى ، وقد رأيت أنْ أنقل إليكم نبذة من كلامه ، (ثمّ أخرج من بين طيّات ثيابه ورقة) ، يقول(قدس سره)في بيان المعاني الروحيّة والأسرار العرفانيّة لسنن التكبيرات الست التي تسبق تكبيرة الإحرام عند سفر العبد إلى ملكوت العزة وفناء الطاعة :

"فأنت يا أيّها السالك إلى الله ، والمجاهد في سبيل الله ، إذا أقمت الصلب في محضر القرب ، وأخلصت النيّة في جانب العزلة ، وصفيّت قلبك ودخلت زمرة أهل الوفاء ، فهيىء نفسك لدخول الباب ، واطلب إجازة فتح الأبواب ، وتحرّك من منزل الطبيعة ، وارفع حجابها الغليظ ، بالتمسّك بمقام الكبرياء ، وارمه وراء ظهرك ، وكبّر وادخل الحجاب ، وارفعه إلى الوراء ، وارفع الحجاب الثالث ، فقد وصلت إلى منزل القلب ، فقف واقرأ الدعاء المأثور "اللهمّ أنت الملك الحقّ المبين ، لا إله إلاّ أنت ، سبحانك وبحمدك ، عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي ، إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت"(١) ، واسلب المالكيّة عن غير الحقّ ، واحصر مطلق التصرّفات بتلك الآيات المقدّسة ، كي لا تحسب نفسك رافعا للحجاب ، ولائقا لتكبير الحقّ ، فإنّه أكبر منْ أن يوصف .

ثمّ اقصر الألوهيّة على الحقّ ، واطلب غفران ذنوبك ، ثمّ ارفع الحجاب الرابع والخامس وارمه إلى الخلف ، وكرّر التكبير ، وافتح عين قلبك حتّى تسمع النداء ، فإنْ ظهر في قلبك حلاوة المحضر ، ولذّة الورود أو هيبة الحضور وعظمته ، فاعلم أنّه قد صدرت رخصة الورود من جانب الغيب ، فقل في مجال الخوف والرجاء

١-من لا يحضره الفقيه ١ : ٣٠٤ .

٢٨٣

والابتهال والتبتل والتذرّع "لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، والشر ليس إليك ، والمهديّ من هديت ، عبدك وابن عبدك بين يديك ، منك وبك ولك وإليك ، لا ملجأ ولامنجاً ولا مفرّ منك إلاّ إليك ، تباركت وتعاليت ، سبحانك وحنانيك سبحانك ربّ البيت الحرام"(١) . وتفكّر في حقائق هذه الأذكار الشريفة ، فإنّ فيها أبوابا من المعارف ، وفي نفس الوقت فيها أدب الحضور . وبعد تسبيح الحقّ ، وتنزيه مقامه المقدّس ، عن جواز التوصيف ، ارفع الحجاب السادس وكبّر ، فإنّ رأيتك لائقاً ، فارفع الحجاب السابع ، وهو اللطيفة السابعة ، وإلاّ فقف واقرع باب إحسان الحقّ ، واعترف عن القلب بإساءتك وقل "يا محسن قد أتاك المسىء" وتوجه بأن تكون صادقا حقيقة ، وإلاّ فكن حذرا وخائفا من النفاق في محضر ذي الجلال ، ثمّ بعد ذلك ارفع الحجاب السابع ، وارمه وراءك برفع اليد ، وقل تكبيرة الإحرام ، واعرف نفسك محرومة عن الغير ، فقد دخلت حرم الكبرياء ، فقل : "وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض..."(٢) واعلم بأنّك على خطر عظيم ، وهو النفاق في أوّل العبادة ، في محضر عالم السرّ والخفيّات . وإذا رأيت نفسك عارياً عن هذه المقامات ، فالكاتب المحجوب عن كلّ كمال ومعرفة ، والمقيّد بعلائق الدنيا ، وحبّ النفس والمشغول بالشهوة والغضب ، فلا تفضح نفسك في محضر الحقّ والملائكة المقرّبين ، واعترف بنقصك وعجزك ، وكن على خجل من قصورك واحتجابك ، وادخل بانكسار القلب والانفعال والخجلة واقرأ الأذكار على لسان الأولياء فإنّك لست لائقاً لها ، لأنّه ما لم تترك نفسك والعالمين ، لم تكن صادقاً في هذه الأقوال ، وما لم تُسلّم تسليماً حقيقيّاً بين يدي الله ، لم تكن مسلماً ، وما دمت رائياً نفسك ، لم تخرج عن حدود الشرك ، وما لم تكن فانياً مطلقاً في جناب الحقّ

١-من لا يحضره الفقيه ١ : ٣٠٤ .

٢-من لا يحضره الفقيه ١ : ٣٠٤ .

٢٨٤

لم تستطع أنْ تقول : "إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين"(١) ، فإن لم تجد نفسك بطل هذا الميدان ، فلا تدخل في صفّ أهل المعرفة أصلا ، ولا توجب خجلتك عند الأحرار ، فعن الصادق(عليه السلام)قال : "فإذا كبّرت فاستصغر ما بين السموات العلا والثرى دون كبريائه ، فإنّ الله تعالى إذا اطّلع على قلب العبد وهو يكبّر ، وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره ، قال : يا كاذب أتخدعني؟ وعزّتي وجلالي لأحرمنّك حلاوة ذكري ، ولأحجبنّك عن قربي ، والمسارّة بمناجاتي"(٢) .

اختبر أنت قلبك حين صلاتك ، فإنْ كنت تجد حلاوتها ، وفي نفسك سرورها وبهجتها ، وقلبك مسرور بمناجاته ، وملتذّ بمخاطباته ، فاعلم أنّه قد صدقك في تكبيرك له ، وإلاّ فقد عرفت من سلب لذّة المناجاة ، وحرمان حلاوة العبادة ، إنّه دليل على تكذيب الله لك وطردك من بابه"(٣) . وهكذا أخذت أتتبع الدرر التي حرمنا منها سنين عديدة فكانت تهزّ أعماقي واستوقفني كلام بليغ ، قاله الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين(عليه السلام) ، لرجل حجّ البيت الحرام ، رأى منه عُجباً في نفسه ، ويقيناً بقبول حجّه فسأله الإمام(عليه السلام) : "أحججت يا شبلي؟.

قال : نعم ، يا ابن رسول الله .

فقال(عليه السلام) : أنزلت الميقات وتجرّدت عن مخيط الثياب واغتسلت؟

قال : نعم .

قال(عليه السلام) : فحين نزلت الميقات ، نويت أنّك خلعت ثوب المعصية ، ولبست ثوب الطاعة؟

١-من لا يحضره الفقيه ١ : ٣٠٤ .

٢-مستدرك الوسائل ٤ : ٩٦ .

٣-سرّ الصلاة : ١٢٣ ـ ١٢٧ .

٢٨٥

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فحين تجرّدت عن مخيط ثيابك ، نويت أنّك تجرّدت من الرياء والنفاق والدخول في الشبهات؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فحين اغتسلت ، نويت أنّك اغتسلت من الخطايا والذنوب؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فما نزلت الميقات ، ولا تجرّدت عن مخيط الثياب ، ولا اغتسلت .

ثمّ قال(عليه السلام) : تنظفت وأحرمت ، وعقدت بالحجّ؟

قال : نعم .

قال : فحين تنظّفت وأحرمت ، وعقدت الحجّ، نويت أنّك تنظفت بنور التوبة الخالصة لله تعالى؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فحين أحرمت ، نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ محرّم حرّمه الله عزّ وجلّ .

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فحين عقدت الحجّ ، نويت أنّك قد حللت كلّ عقد لغير الله؟

قال : لا .

قال له(عليه السلام) : ما تنظفت ، ولا أحرمت ولا عقدت الحجّ .

قال(عليه السلام) له : أَدَخلت الميقات ، وصلّيت ركعتي الإحرام ولبّيت؟؟

قال : نعم .

قال(عليه السلام) : فحين دخلت الميقات ، نويت أنّك بنيّة الزيارة؟

قال : لا .

٢٨٦

قال(عليه السلام) : فحين صليت الركعتين ، نويت أنّك تقرّبت إلى الله بخير الأعمال من الصلاة ، وأكبر حسنات العباد؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فحين لبّيت ، نويت أنّك نطقت لله سبحانه بكلّ طاعة ، وصمتَ عن كلّ معصية؟

قال : لا .

قال له(عليه السلام) : ما دخلت الميقات ، ولا لبّيت ، ثمّ قال(عليه السلام) له : أَدخلت الحرم ، ورأيت الكعبة وصلّيت؟ .

قال : نعم .

قال(عليه السلام) : فحين دخلت الحرم ، نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ غيبة تستغيبها المسلمين ، من أهل ملّة الإسلام؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فحين وصلت مكّة ، نويت بقلبك أنّك قصدت الله؟ .

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فما دخلت الحرم ، ولا رأيت الكعبة ، ولا صليت .

ثمّ قال(عليه السلام) : طفت بالبيت ، ومسست الأركان وسعيت؟

قال : نعم .

قال(عليه السلام) : فحين سعيت نويت أنّك هربت إلى الله ، وعرف منك ذلك علاّم الغيوب؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فما طفت بالبيت ، ولا مسست الأركان ، ولا سعيت .

ثمّ قال(عليه السلام) له : صافحت الحجر ، ووقفت بمقام إبراهيم(عليه السلام) ، وصلّيت به ركعتين؟

٢٨٧

قال : نعم .

فصاح(عليه السلام) صيحة كاد يفارق الدنيا ، ثمّ قال : آه ، آه . ثمّ قال(عليه السلام) : من صافح الحجر الأسود فقد صافح الله تعالى ، فانظر يا مسكين ، ولا تضيّع أجر ما عظم حرمته ، وتنقض المصافحة بالمخالفة ، وقبض الحرام ، نظير أهل الآثام .

ثمّ قال(عليه السلام) : نويت حين وقفت عند مقام إبراهيم(عليه السلام) ، أنّك وقفت على كلّ طاعة ، وتخلّفت عن كلّ معصية؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فحين صلّيت ركعتين ، نويت أنّك بصلاة إبراهيم(عليه السلام) ، وأرغمت بصوتك أنف الشيطان؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فما صافحت الحجر الأسود ، ولا وقفت عند المقام ، ولا صلّيت فيه الركعتين .

ثمّ قال(عليه السلام) له : أأشرفت على بئر زمزم ، وشربت من مائها؟

قال : نعم .

قال(عليه السلام) : نويت أنّك أشرفت على الطاعة ، وغضضت طرفك عن المعصية؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فما أشرفت عليها ، ولا شربت مائها .

قال : أسعيت بين الصفا والمروة ، ومشيت وتردّدت بينهما؟

قال : نعم .

قال(عليه السلام) : نويت أنّك بين الرجاء والخوف؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فما سعيت ولا مشيت ، ولا تردّدت بين الصفا والمروة .

٢٨٨

ثمّ قال(عليه السلام) : خرجت إلى منى؟

قال : نعم .

قال(عليه السلام) : نويت أنّك أمنت الناس من لسانك وقلبك ويدك؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فما خرجت إلى منى .

ثمّ قال له : أوقفت الوقفة بعرفة؟ وطلعت جبل الرحمة ، وعرفت وادي نمرة ، ودعوت الله سبحانه عند الميل والحجرات؟

قال : نعم .

قال(عليه السلام) : هل عرفت بموقفك بعرفة ، معرفة الله سبحانه أمر العارف والعلوم ، وعرفت قبض الله على صحيفتك ، واطّلاعه على سريرتك وقلبك؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : نويت بطلوعك جبل الرحمة ، أن الله يرحم كلّ مؤمن ومؤمنة ، ويتولى كلّ مسلم ومسلمة؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فنويت عند نمرة أنّك لا تأمر حتّى تأتمر ، ولا تزجر حتّى تنزجر ، قال : لا .

قال(عليه السلام) : فعندما وقفت عند العلم والنمرات نويت أنّها شاهدة لك على الطاعات ، حافظة لك مع الحفظة بأمر السماوات؟.

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فما وقفت بعرفة ، ولا طلعت جبل الرحمة ، ولا عرفت نمرة ، ولا دعوت ، ولا وقفت عند النمرات .

ثمّ قال(عليه السلام) : مررت بين العلمين ، وصلّيت قبل مرورك ركعتين ، ومشيت

٢٨٩

بمزدلفة ، ولقطت فيها الحصى ، ومررت بالمشعر الحرام؟

قال : نعم .

قال(عليه السلام) : فحين صلّيت ركعتين ، نويت أنّها صلاة شكر في ليلة عشر تنفي كلّ عسر ، وتيسّر كلّ يسر؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فعندما مشيت بين العلمين ، ولم تعدل عنهما يميناً وشمالا ، نويت أن لاتعدل عن دين الحقّ يميناً وشمالا ، لا بقلبك ، ولا بلسانك ، ولا بجوارحك؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فعندما مشيت بمزدلفة ، ولقطت منها الحصى ، نويت أنّك رفعت عنك كلّ معصية وجهل ، وثبت كلّ علم وعمل؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فعندما مررت بالمشعر الحرام ، نويت أنّك أشعرت قلبك إشعار أهل التقوى ، والخوف لله عزّ وجلّ؟

قال : لا .

قال(عليهما السلام) : فما مررت بالعلمين ، ولا صلّيت ركعتين ، ولا مشيت بالمزدلفة ، ولا رفعت منها الحصى ، ولا مررت بالمشعر الحرام .

ثمّ قال(عليه السلام) : وصلت منى ورميت الجمرة ، وحلقت رأسك ، وذبحت هديك ، وصلّيت في مسجد الخيف ، ورجعت إلى مكّة ، وطفت طواف الإفاضة؟

قال : نعم .

قال(عليه السلام) : فنويت عندما وصلت منى ، ورميت الجمار ، أنّك بلغت إلى مطلبك ، وقد قضى ربّك لك كلّ حاجتك؟

قال : لا .

٢٩٠

قال : فعندما رميت الجمار نويت أنّك رميت عدوّك إبليس ، وغضبته بتمام حجّك النفيس؟

قال : لا.

قال(عليه السلام) : فعندما حلقت رأسك ، نويت أنّك تطهّرت من الأدناس ، ومن تبعة بني آدم ، وخرجت من الذنوب كما ولدتك أمّك؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فعندما صلّيت في مسجد الخيف ، نويت أنّك لا تخاف إلاّ الله عزّ وجلّ وذنبك ، ولا ترجو إلاّ رحمة الله تعالى؟

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فعندما ذبحت هديك ، نويت أنّك ذبحت حنجرة الطمع ، بما تمسّكت به من حقيقة الورع ، وأنّك اتّبعت سنّة إبراهيم(عليه السلام) ، بذبح ولده ، وثمرة فؤاده ، وريحانة قلبه .

قال : لا .

قال(عليه السلام) : فعندما رجعت إلى مكّة ، وطفت طواف الإفاضة ، نويت أنّك أفضت من رحمة الله تعالى ، ورجعت إلى طاعته ، وتمسّكت بودّه ، وأدّيت فرائضه ، وتقرّبت إلى الله تعالى؟

قال : لا .

قال له زين العابدين(عليه السلام) : فما وصلت منى ، ولا رميت الجمار ، ولا حلقت رأسك ، ولا أدّيت نسكك ، ولا صلّيت في مسجد الخيف ، ولا طفت طواف الإفاضة ، ولا تقرّبت ، فإنّك لم تحجّ ، فطفق الشبليّ يبكي على ما فرّطه في حجّه ، وما زال يتعلم حتّى حجّ من قابل بمعرفة ويقين"(١) .

١-مستدرك الوسائل ١٠ : ١٦٧ .

٢٩١

فالعبادة عند صفوة الله وأحبّائه ، ليست وسيلة للتواصل مع الخالق ، وأداء شكره على نِعَمه فقط ، بل هي جوهر وجودهم وأساس خلقتهم ; لذلك يستحيل علينا تقليد الأطهار تقليداً باطنياً ، بل قد يصعب علينا تقليدهم حتّى في الظاهر ; لأنّهم أرواح زكيّة وطينة طيّبة ، تفوقنا تلبية واستجابة .

وتوجّه أهل البيت(عليهم السلام) وأدعيتهم وصلواتهم في محاريب العبادة إلى الله تعالى لم يكن مسبوقاً من أحد ، سوى معلّمهم الأكبر ، سيّد بيتهم ، وعلم هداهم ، النبيّ محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله) ، فتح لهم الباري تعالى باب رحمته في خمس صلوات مفروضة ، جملة ركعاتها ١٧ ركعة ، فعظّموه بضعفها نوافل ، جملة ركعاتها ٣٤ ركعة ، وإذا مجموع عدد ركعات صلواتهم المفروضة والمسنونة قد أربى على ٥١ ركعة ، زادتها رونقاً وتقوى ، تأملاتهم ، واعتكافاتهم ، وتوجّهاتهم ، ومناجاتهم للباري تعالى ، خالقهم والمنعم عليهم .

قررت أنْ اشتري كلّ تلك العناوين وآخذها معي ، ولمّا لم يكن معي المال الكافي ، استقرضت صديقي ، فأقرضني لإتمام بقيّة حساب كتبي المقتناة .

وعدت إلى بيتي بتلك الكنوز التي لا تقدّر بثمن ، ثمّ عكفت عليها قراءة وتمحيصاً ، ولم يمرّ يوم وأنا بين تلك الكتب الثمينة التي اقتنيتها ، أتنقل من كتاب إلى آخر من معين إلى سلسبيل ، ومن ماء روي إلى ماء فرات ، تبيّنت حقيقة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، ومقامهم ومكانتهم وعلومهم ، فوجدت أنّ العبادة قد أناخت برحلهم ، وحطّت في رباطهم ، ووطّنت نفسها على التسليم لهم ببلوغ منتهى رضا الربّ تبارك وتعالى فيها ، ووقفت على أنّ الإسلام الذي قدّمه أهل البيت(عليهم السلام)للأمّة الإسلاميّة ، نقلا عن جدّهم الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، هو الإسلام الصافي الذي لم تشبه شائبة التحريف ، ولا مسّته أيدي المزوّرين ، الدين الخاتم الحقّ الذي جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين(صلى الله عليه وآله) ، وتركه لأهل بيته الطاهرين ، باعتبارهم وعاته

٢٩٢

وحفظته والقائمين به صدقاً وعدلا ، فلم أتردّد في موالاتهم ، واتّباعهم ، ومحبّتهم ، والإيمان إيماناً جازماً بأنّهم الأئمّة الهداة ، الذين بفضلهم حافظ الدين على نقاوته ، وتواصل عطائه رغم كلّ المحاولات التي أرادت القضاء عليه ، وذلك دليل آخر على ربّانيّة هؤلاء الأطهار ، وشيطانيّة محاربيهم ، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربّ العالمين.

٢٩٣

الحلقة الثامنة والعشرون والأخيرة

شيّعتني فطرتي وكتاب المراجعات

ما إن أتمّ عمار إفادته ، وأدلى بشهادته ، حتّى أخذت الكلمة ، فشكرت جميع من حضر من الإخوة ، على ما أبدوه من شهادات لله تعالى ، ولرسوله(صلى الله عليه وآله) ، ولأهل البيت(عليهم السلام) ، وللمسلمين الذين ما يزالون بعيدين عن منهاج أهل البيت(عليهم السلام) ، وللتاريخ الذي لم يرق إليه الدنس ، متوّجاً جملة الإفادات بإفادتي أنا أيضاً فقلت :

عرفت الإسلام صغيراً في كنف عائلتي المحافظة ، القادمة من تخوم شطّ الجريد ، ومن فطناسة ، إحدى القرى الصحراويّة النائية من ولاية قبلي ، فكنت أُصلّي وأصوم بأمر وإرشاد وتوجيه من أبي وأمّي .

منذ أنْ بدأتُ أدرك ، وفي سنواتي الأولى في المدرسة الابتدائيّة ، كنت أتردّد على بيت أحد رفاق الدراسة ، الذي كانت تشدّني إلى بيت أسرته ، صورة ملكت عليّ جميع أحاسيسي ، وشدّتني إلى عالم من الخيال والتأمّل ، فكنت أسرح معها بعيداً في عالم ذلك الفارس العظيم الذي كُتب إلى جانب صورته ، عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، على فرس أبيض قد نطّ برجليه الأماميّتين في الفضاء وهو يوجّه ضربته القاضية إلى فارس آخر ، كتب عليه رأس الغول ، وقد سالت الدماء منه .

انطبعت تلك الصورة في أعماق نفسي ; لأنّني قد وجدت أخيراً ما يلامس الحكايات التي كانت جدّتي لأمّي رحمها الله تحكيها لي ، ولأخوتي ، عن سيّدنا عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ومعاركه الحاسمة مع رأس الغول ـ وقد علمت فيما بعد أنّه عمرو بن ودّ ، وأن المعركة كانت غزوة الخندق ـ

٢٩٤

جدّتي كانت تُكبر الإمام(عليه السلام) وتصفه بحيدرة الأحمر ـ نسبة إلى ندرة مثيله ، كندرة الكبريت الأحمر ـ وحكاياتها كلّ ليلة من ليالي الصيف أو الشتاء لا تنتهي ، وكنّا نأوي إليها بعد العشاء ، فتحكي لنا عن ذلك الرجل العظيم ، وتروي قصصاً من بطولاته ، فنرهف لها السمع ، ونسكن حولها كأنّنا كبار عاقلون ، وكأنّ البيت لم يعد يحوي أطفالا لا يهدؤون من اللهو واللعب والعبث .

يمكن اعتبار أنّ جدتي هي التي عرّفتني بالإمام عليّ(عليه السلام) ، وتحديداً عرّفتني بجانب الرجولة والبطولة فيه ، وكانت الصورة التي شاهدتها متزامنة مع فترة الحكايات عنه ، فكنت أستغلّ الفرصة كلّما قصدت بيت رفيق الدراسة ، لأمكث أكبر وقت ممكن أمام تلك الصورة المعبّرة .

كبرتُ وكبرت معي أحلامي وآمالي ، ولم يكبر تديّني لسبب لم أفهمه إلاّ بعد أنْ تشيّعت لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، واعتنقت إسلامهم ، وهو أنّ التديّن الوراثي قاصر عن تقديم الحجج والأدلّة والبراهين المؤيّدة لهذه العقيدة ، أو تلك الشعيرة ، ممّا أثّر سلباً على المتدينين بالوراثة ، فعجزوا عن الدفاع عن عقائدهم أمام ادّعاءات خصومهم من أتباع الأفكار الماديّة والعلمانيّة .

ومع انتمائي العقائديّ الذي غلب عليه الطابع الوراثيّ ، أخذت عن والدي الكريم ، أعزّه الله وأبقاه ، روحيّة الثورة والحماسة والشجاعة والرجولة والكرم ، وهي خصال شهد له بها القريب والبعيد ، حتّى أصبح مضرب مثل من عايشه عن قرب .

وقد كانت تلك الخصال دافعاً لوالدي ـ الذي ترّبى يتيماً ـ في مقاومة الاستعمار الفرنسي ، والانخراط في سلك الثوّار ، وحمل السلاح دفاعاً عن البلاد والقيم والمبادىء التي تربى عليها ، فعن والدي أخذت تلك الخصال ، وبه اقتديت ، وكانت بذرة رفض الظلم وعدم الخضوع والاستكانة له ، هي التي ميّزت

٢٩٥

شخصيّتي ، وهي التي كان لها الأثر البالغ في نموّ الحس الإنساني في داخلي ، وتحوّلت البذرة إلى شجرة مورقة ضاربة العروق في أعماق عقلي وقلبي وكياني ، وأينعت ثمارها في ضميري قناعة لا تتزحزح أبداً من أنّ الظلم والظالمين ليس لهم مكان في شخصي وفي حياتي ; لذلك فإنّني أتقرّب إلى الله تعالى بكرههم وبغضهم والبراءة منهم ، ومقارعتهم لو أجد لهم قوّة .

ومرّت الأيام وفارقت مدينة قابس سنين طويلة ، وعصفت بي ظروف عديدة ، يطول المقام بذكرها وشرحها ; إذا إنّها كانت تتعلّق برفض الظلم ، ومقارعة الظالمين .

عدت إلى مدينة قابس سنة ١٩٨٠ بعد أن فارقتها سنة ١٩٦٣ ، كأنّما قُدّر لي أنْ أعود إلى أجواء الصورة التي كنت شاهدتها في صغري ، وأجواء حكايات جدّتي رحمها الله عن الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، وكأنّما قدّر لتلك البقعة أنْ تكون ، منطلق الرؤية والتصوّر الجديد عن الإمام(عليه السلام) .

كنتُ أعرف جيّداً أنّ لي بها ابن عمّ ، وكان أوّل عمل قمت به عند وصولي ، التوجّه إليه ، فاستقبلني ورحّب بي ، وأعلمته بأنّني جئت أبحث عن عمل يناسب اختصاصي ، ولم يدم بحثي طويلا ، إذ سرعان ما وجدت عملا في إحدى شركاتها الكبرى .

باشرت عملي بحمد الله تعالى ، وكان عليّ أن أتزوّج سريعاً ، فقد بلغت من العمر ٢٧ سنة ، وتزوّجت في صيف تلك السنة مودّعاً العزوبيّة ، واستقررت في بيت مستقلّ أنا وزوجتي ، تقاسمت فيه معها تقلّبات الزمن وابتلاءات قضاء وقدر الله تعالى ، ورزقنا ذرية طيبة ، والحمد له على نعمائه التي لا تحصى .

في أحد الأيّام ، قصدت بيت ابن عمّي ، ولمّا انتهيت إليه ، حدّثني قائلا : هل تعرف شيئاً عن الشيعة؟ فأجبته بالنفي . فقال : لقد كنت ذهبت منذ مدة إلى مدينة

٢٩٦

قفصة (مدينة تقع غرب مدينة قابس ، وتبعد عنها ١٤٦ كلم ، تمتاز بمناخ جبليّ صحراويّ يغلب عليه البرد الشديد في الشتاء ، والحرارة المرتفعة في الصيف) لمقابلة الشيخ التيجاني السماوي ، والتعرّف على المذهب الشيعيّ الذي اعتنقه منذ سنوات ، عن طريق أحد الإخوة العراقيين ، وعاد إلى تونس وهو يدعو الناس إليه .

فقلت له : وهل أخذت فكرة جيّدة عن التشيّع منه؟

فقال : لقد تناقشت معه حول عدد من المسائل ، ولكنّني لم أقتنع بكلامه ، فعدت منه مشوّش الفكر متشكّكاً ، على أمل البحث .

قلت : وكيف يتسنّى لك ذلك وكتب الشيعة غير موجودة عندنا؟

قال : القضيّة ليست متعلّقة بكتب الشيعة ; لأنّ ما احتجّ به الشيخ التيجاني عليّ لم يخرج من دائرة السنّة التي أنتمي إليها ، فكتب الصحاح والمدوّنات الروائية السنيّة الأخرى هي المصادر التي كان يحتجّ بها عليّ (سكت قليلا ثمّ قال) : لقد أرسل إليّ الشيخ التيجاني السماوي منذ أيام كتابين ، الأوّل : هو كتاب المراجعات للسيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي(رضي الله عنه) ، والثاني : كتاب دلائل الصدق للشيخ المظفر(رضي الله عنه) ، ولدي الآن رغبة في مطالعتهما ، فهل ترافقني في التعرّف على هذا الفكر؟ فوافقته على الفور ، وجرت إجابتي على لساني كأنّما هناك شيء يدفعها إلى الموافقة دفعاً .

بدأت جلسات مطالعة كتاب المراجعات ، فإذا هو كتاب يحتوي على لقاءات ومراسلات جرت بين السيّد عبد الحسين وشيخ جامع الأزهر في تلك الفترة ، والمدعو بالشيخ سليم البشري ، يعني أنّه حوار ونقاش بين عالمين : الأوّل : شيعيّ عراقيّ المولد ، لبناني النشأة ، ينحدر نسبه إلى الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق(عليهما السلام) ، والثاني : مصريُّ النشأة والمولد ، قُلّد مشيخة الأزهر الشريف في

٢٩٧

تلك الفترة من الزمن ، كان لقاءهما الأوّل في القاهرة ، وتعدّدت للودّ الذي نشأ بينهما ، والرابطة التي اتفقت رغبتهما على إنشائها فيما بعد للتقريب بين المدارس الفقهيّة الإسلاميّة ; والتأسيس لروح الأخوّة الإسلاميّة في شكل رابطة التقريب بين المذاهب الإسلاميّة ، هذه التي نتمنى أنْ تعمّ كافّة علماء الأمّة الإسلاميّة ; لتجني من ورائها وحدة الكلمة والصف .

كان الحوار علميّاً إلى أبعد الحدود ، وكان الشرط الذي وضعه شيخ الأزهر ، هو الاستدلال على أحقيّة الإمام عليّ(عليه السلام) على إمامته العامّة ، وولايته لأمور المسلمين التي قلّده النبيّ(صلى الله عليه وآله) إياها ، من خلال اعتماد النصوص الصحيحة المدوّنة عند أهل السنّة في كتبهم المشهورة ، باعتبار أنّ قراءة نفس تلك النصوص من المنظور السنّي ، لم تسفر إلاّ على نتيجة مخالفة تماماً لما وصل إليه أهل البيت(عليهم السلام)وشيعتهم .

بدأنا في قراءة المراجعات ، مراجعة مراجعة ، فكنت كلّما انقضى الزمن المخصّص للمطالعة ، إلاّ وغادرت بيت ابن عمّي متلهّفاً إلى الموعد القادم ، ورأيتني في تلك الأيّام أكثر تحفّزاً وأشدّ حماسة ، وأدقّ موعداً ، وأرهف حسّاً من قبل ، ولم نأتِ على آخر صفحات كتاب المراجعات ، إلاّ وتيقنت تمام اليقين ، بأحقيّة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في قيادة الأمّة الإسلاميّة ، بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله) .

استطاع صاحب كتاب المراجعات ، أنْ يثبت من خلال النصوص التي استدلّ عليها من مصادر أهل السنّة ، أحقيّة الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في الإمامة العامّة ، باعتباره المؤهّل الأوحد لقيادة الأمّة الإسلاميّة ، وليكون المرجع للأول ، في ما يتعلق بالأحكام الشرعيّة ، ممّا دفع بشيخ جامع الأزهر ، إلى الاعتراف بتوضيحات السيّد ، والإقرار بنتيجة البحث المتداول بينهما في مسألة الإمامة ، من حيث كون الإمامة رديف النبوّة ، ودورها يتجاوز إطار الحكومة ، ليشمل مقام

٢٩٨

حفظ التشريع الإسلاميّ ، ووجوب التعيين فيها على الله تعالى ، ضرورة تطلبتها مرحلة ما بعد النبوّة ، وبيان ذلك على النبيّ(صلى الله عليه وآله)واجب ، يندرج في إطار التبليغ الموكّل به ، وقد نصّ المولى على ذلك ، وبلّغ نبيّه(صلى الله عليه وآله) الأمّة ، ونصّب عليّاً(عليه السلام) في منصرفه من حجّته المعروفة بحجّة الوداع ، يوم الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة من الهجرة ، في موضع يسمّى غدير خمّ ، قبل أسابيع قليلة من وفاته(صلى الله عليه وآله) ، وقد قام قبل ذلك بنفسه بتهيئة وإعداد الإمام عليّ(عليه السلام)لتلك المهمّة الجسيمة ، فربّاه وعلّمه ورعاه وأحاطه بعنايته الفائقة ، ممّا أثار حفيظة المناوئين ، وأشعل حسد وبغض عدد من الصحابة لعليّ(عليه السلام) ، ولمّا رأى النبيّ(صلى الله عليه وآله) على وجوه الناس ومن خلال أفعالهم ما قذف به صدأ قلوبهم من كراهيّة وحسد وحقد على عليّ وأهل بيته(عليهم السلام) ، حذّرهم تحذيراً شديداً في أكثر من مناسبة ، وبعد كلّ ظهور لذلك الإحساس البغيض ، من ذلك أنّه قال لبريدة الأسلمي : "لا تقع في عليّ ، فإنّه منّي وأنا منه ، وهو وليّكم بعدي ، وإنّه منّي وأنا منه ، وهو وليّكم بعدي"(١)وزوّجه سيّدة نساء العالمين(عليها السلام) ، بعد أنْ ردّ كلّ من طلبها للزواج ، عندما جاءه أمر الوحي بذلك ، وقال(صلى الله عليه وآله) : "لو لم يكن عليّ ، لما كان لفاطمة كفؤ"(٢) وهو الوحيد الذي لم يتأمّر عليه أحد عدا النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، بينما تأمّر هو(عليه السلام) على البقيّة من الصحابة في مواطن عديدة ، وأمر(صلى الله عليه وآله) بغلق كافّة الأبواب المشرّعة على المسجد إلاّ بابه وباب عليّ وفاطمة ، وقد احتجّ منهم من احتجّ على ذلك القرار لكنّه أجابهم بأن الله سبحانه وتعالى أمره بذلك(٣) ، وعزل ابن أبي قحافة من إمارة الحجّ وإرسال عليّ(عليه السلام) بدله أميراً دليل على أنّ مسألة الإمارة لا يصلح لها أحد

١-مسند أحمد ٥ : ٣٥٦ ، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥ : ٢٦٢ .

٢-مقتل الحسين للخوارزمي : ١٠٧ ، ينابيع المودّة ٢ : ٢٨٦ ، واللفظ للأوّل .

٣-سنن النسائي ٥ : ١١٨ ، مسند أحمد ١ : ١٧٥ و٤ : ٣٦٩ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٥ .

٢٩٩

وعليّ(عليه السلام) موجود(١) ، فكانت كلّ تلك الأعمال والإشارات والبيانات ، تعريفاً بمقام عليّ(عليه السلام) ، وتهيئة للمسلمين بقبوله إماماً وقائداً وعَلَماً عليهم ، يسلك بهم طريق الرشاد ، ويهديهم سواء السبيل .

ومهّد(صلى الله عليه وآله) لعملية تسليم السلطة لعلّي(عليه السلام) من بعده ، بشكل يُهيىء الأمة لتقبل ذلك ، بالنصّ على أفضليته ، وأحقيّته بمنصب الإمامة ، ولياقته بموضع القيادة ، على رأس هرم السلطة ، وخصائصه التي يتميز بها عن غيره ، في عدد من الأحاديث المتّفق على صحّتها ، ومنها قوله(صلى الله عليه وآله) لعليّ(عليه السلام) : "أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، غير أنّه لا نبيّ بعدي" لمّا تركه خليفة له على المدينة ، وخرج لغزوة تبوك ، تحسّباً من مؤامرة المنافقين .

لكنّ الأمّة أبت أن تسمع وتطيع ، وحصل لها ما حصل لبني إسرائيل ، عندما تجاهلوا تعيين موسى لهارون أخاه خليفة له عليهم ، واستضعفوه وكادوا يقتلونه كما صرّح بذلك القرآن الكريم .

ومن المراجعات انتقلنا إلى مطالعة كتاب دلائل الصدق ، للشيخ المظفر(قدس سره) ، فترسّخت قناعاتي ، وتجذّر إيماني بحقيقة أهل البيت(عليهم السلام) ، وصحّة عقيدتهم ، ونقاوة أركانها ، وسلامة بناءها ، ودقّة تحليلها للمسائل ، وإجاباتها المنطقيّة على الإشكالات المطروحة ، وردودها المفحمة على الطاعنين ، فأعلنت تشيّعي ، وأظهرت عقيدتي في الوسط الذي كنت أعيش فيه ، وتحملت المسؤوليّة في نشر الإسلام المحمّدي ، الذي نقله أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) الاثني عشر ، عن جدّهم النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) ، فكان ذلك منطلقاً فعليّاً وبداية مثمرة للدعوة إلى التشيّع الإمامي الاثني عشري ، فلم تمرّ سنوات قليلة حتّى أصبح التشيّع متواجداً داخل أسوار الجامعة التونسيّة ، ومنه إلى الأُسر والقرى والمدن ، رغم قلّة الموارد ، وضيق ذات

١-انظر سنن الترمذي ٤ : ٣٣٩ ، سنن النسائي ٥ : ١٢٨ ، مسند أحمد ١ : ١٥١ .

٣٠٠