×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم / الصفحات: ٢١ - ٤٠

روى البخاري في صحيحه: عن أبي سعد رضي الله عنه: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "لتتبعنّ سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتّى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه". قلنا: "يا رسول الله، اليهود والنصارى"؟ قال "فمن"؟(١).

وروى مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "لتتبعنّ سنن الذين من قبلكم. شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتّى لودخلوا في جحر ضبّ لا تبعتموهم"، قلنا: "يا رسول الله اليهود والنصارى"؟ قال "فمن"؟(٢)

وروى ابن كثير في تفسيره: وفي الحديث الصحيح: "لتركبنّ سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة" قالوا: "اليهود والنصارى"؟ قال: "فمن الناس إلا هؤلاء"؟(٣)

أخرج أحمد، عن عبد الله بن ثابت قال: "جاء عمر إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله، إنّي مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ فتغيّر وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)...(٤)

وعن جابر، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنّهم لن يهدوكم وقد ضلّوا، إنكم إمّا أنْ تصدّقوا بباطل، وإمّا أن تكذّبوا بحقّ، وإنّه والله لو كان موسى حيّاً بين أظهركم ما حلّ له إلا أنْ يتبعني" ( رواه الحافظ أبو يعلى)(٥)، وفي بعض الأحاديث: "لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعها إلا اتّباعي"(٦).

هذه الأحاديث تؤكّد على أنّ الأمّة الإسلاميّة منذ بداية عصرها وحتّى في

١- صحيح البخاري ٤: ١٤٤.

٢- صحيح مسلم ٨: ٥٧ .

٣- تفسير ابن كثير ٢: ٣٦٤.

٤- مسند أحمد ٣: ٤٧٠، ٤: ٢٦٥.

٥- مسند أبي يعلى ٤: ١٠٢.

٦- اُنظر: تفسير ابن كثير ١: ٣٨٦.

٢١

زمن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) سوف تتّبع طرق ووسائل الأمم السابقة من اليهود والنصارى في كيفية تعاملها مع عقيدتها وأحكامها، وكذلك في كيفيّة علاقتها وتعاملاتها مع الأنبياء وأوصياء الأنبياء، سواء كان من الناحية الايجابية أومن الناحية السلبية.

هذه الأحاديث تشكّل ضرورة إقامة دراسة كاملة للأمم السابقة، خصوصاً اليهود والنصارى، وكيف تعاملوا مع أنبيائهم وأوصياء أنبيائهم، وكذلك ماذا فعلوا بعقيدتهم وكتبهم السماوية والأحكام الشرعيّة المنزلة على أنبيائهم وسنن أنبيائهم، كيف تعاملوا مع كلّ هذه الأمور؟

هل اتّبعوا أنبيائهم أو لم يتّبعوهم أو بل ربّما قتلوهم، كيف تعاملوا مع أوصياء أنبيائهم، هل قبلوهم أو لم يقبلوهم؟ هل اتبّعوا سنّة أنبيائهم أو تركوها واتّبعوا الهوى؟ وغير ذلك من الأمور التي لابدّ من دراستها وبحثها.

ثُمّ بعد ذلك نعيد دراسة تاريخنا الإسلامي من العهد النبويّ والعصور الأولى والعصور التي تلتها، يجب دراسة كلّ ذلك بدقّة ونزاهة وبدون تعصّب أو ميل أو هوى من أجل أن نستطيع القيام بتلك المقارنة، بين ما حصل عند الأمم السابقة وبين الحوادث التاريخية التي حصلت لأمّتنا، وبالتالي نستطيع أن نستخلص العبر ونعيد النظر في سلوكنا وأفعالنا وتطبيقاتنا، فإننّا إذا لم نعد دراسة التاريخ وإجراء المقارنة فلربّما نكون متوجّهين نحو الهلاك والضلالة، ونحن نظنّ أنّنا على الصراط المستقيم.

بالتالي فإنّني أدعو نفسي والجميع إلى ضرورة إعادة دراسة التاريخ والأحداث التاريخيّة، ولا نلتفت إلى الآراء والأقوال التي تحرّم علينا ذلك، وتحاول أنْ تبعدنا عن الصراط المستقيم، وتبقينا في دياجير الجهل والظلمة بحجّة أنّ تلك الأحداث والفتن التي حصلت عصمنا الله منها ومن المشاركة فيها فلنعصم

٢٢

ألسنتنا عنها.

إنّ هذا أمر خطير جدّاً، وأكتفي بالتنبيه على أنّنا غداً سنُسأل في القبر وفي يوم الحساب عن كلّ أفعالنا واعتقاداتنا، وبالتالي فإنّ هذا الأمر حقّا يشكّل ضرورة معرفة سبيل النجاة.

في الحديث الشريف، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "عُملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها"(١).

إن جميع المسلمين يعرفون أنّ بني إسرائيل قتلوا أنبيائهم، وأوصياء أنبيائهم، لم يتّبعوهم، وغيروا وبدّلوا في اعتقاداتهم، وجسّموا ربّهم، وحرّفوا كتبهم، وتركوا سنن أنبيائهم، وقلّوا حيائهم وأدبهم مع ربّهم وأنبيائهم، وعبدوا العجل، واتّبعوا أهواءهم وضلّوا والعياذ بالله وكذلك النصارى اتّبعوهم في أغلب تلك الأمور.

هنالك العشرات من الآيات في القرآن الكريم وكذلك العشرات من الأحاديث النبوية باستقرائها فإنّنا سوف نطلّع على العديد من الأفعال والكثير من السلوكيّات المشينة، والتي قام بها اليهود والنصارى، نذكر بعضاً من تلك الآيات على سبيل المثال لا الحصر، وإلاّ فالبحث يحتاج إلى مجلّد خاصّ به، وإنْ شاء الله يعيننا على القيام به ; لأنّه يستحقّ التدقيق فيه.

عندما طلبوا من سيّدنا موسى(عليه السلام) أنْ يريهم الله جهرة فعاقبهم الله على ذلك السلوك المشين بالصاعقة، قال تعالى في سورة البقرة: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}(٢).

١- سنن أبي داود ٢: ٣٢٥، الجامع الصغير ١: ١١٨.

٢- البقرة: ٥٥ .

٢٣

ثُمّ اُنظر رحمك الله كيف أنّهم بعد أنْ أنجاهم الله من عدوهم فرعون، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، كيف أنّهم نسوا الله وعبدوا العجل، قال تعالى في سورة البقرة: {وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ}(١).

واُنظر إلى التبديل وعدم الاتّباع والاقتداء والتولّي عن طريق الحقّ والاحتيال، عندما أمرهم الله أنْ يدخلوا بيت المقدس فرفضوا ولم يطيعوا: قال تعالى في سورة البقرة: { وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}(٢).

وقال تعالى في سورة البقرة: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ}(٣).

وقال تعالى في سورة البقرة: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}(٤).

لاحظوا كيف تربط الآية بين هذا المسخ نكالاً لاعتدائهم، وإنّ في ذلك عبرة وموعظة للمتقين من أمّة محمّد.

ثُمّ هناك قضيّة الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، واتّباع ما يوافق أهوائهم وترك ما يخالف ذلك، أيّ أنّهم ما يريدون من الكتاب أو من نبيّهم ويوافق

١- البقرة: ٩٢.

٢- البقرة: ٥٨ ـ ٥٩ .

٣- البقرة: ٦٤.

٤- البقرة: ٦٥ ـ ٦٦.

٢٤

أهوائهم يؤيّدونه، وما لا يريدون من ذلك يعارضونه ويرفضونه، قال تعالى في سورة البقرة: {ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ...}(١).

وعندما أمرهم الله سبحانه وتعالى أنْ يسمعوا ويطيعوا، قالوا: سمعنا وعصينا، قال تعالى في سورة البقرة: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّة وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}(٢).

كذلك اُنظر إلى قضيّة نبذهم الكتاب وراء ظهورهم قال تعالى في سورة البقرة: {وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}(٣).

وأيضاً ذلك الأمر الخطير الذي عادة يكون سببا لإفساد المجتمع في أيّة أمّة، وهو كتمان الحقّ وكتمان الشهادة، قال تعالى في سورة البقرة: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(٤).

وقال في سورة البقرة: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ}(٥).

١- البقرة: ٨٥.

٢- البقرة: ٩٣.

٣- البقرة: ١٠١.

٤- البقرة: ١٤٦.

٥- البقرة: ١٥٩.

٢٥

وأيضاً قضيّة تحريف الكتاب عن موضعه، قال تعالى في سور البقرة: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(١)، وفي سورة النساء قال تعالى: {مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}(٢).

أمّا القضيّة الأخطر، فهي قتل الأنبياء وأوصياء الأنبياء بغير حقّ، قال تعالى في سورة آل عمران: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَاب أَلِيم * أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ}(٣).

وكذلك قضية اتّخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، قال تعالى في سورة التوبة: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}(٤).

هذا غيض من فيض، والمتتبّعون للآيات والأحاديث يرون مئات المشاهد والمواقف والسلوكيات التي خالفت أوامر الله وأوامر أنبيائه التي قام بفعلها اليهود والنصارى.

فهل يا ترى عندما نقارن بين الأمّة الإسلاميّة وبين اليهود والنصارى، نجد بأنّنا اتّبعناهم حذو القذّة بالقذّة ودخلنا جحر الضب الذي دخلوه؟

١- البقرة: ٧٥.

٢- النساء: ٤٦.

٣- آل عمران: ٢١ ـ ٢٢.

٤- التوبة: ٣١.

٢٦

للإجابة على هذا السؤال، لابدّ من طرح عدّة أسئلة أوّلاً، ثُمّ إعادة دراسة التاريخ وكتب الحديث على ضوء ذلك، ثُمّ نخلص إلى النتيجة، وهي قول النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ الأمّة سوف تتبع خطى اليهود والنصارى.

وإليك عزيزي القارئ بعض الأسئلة والتي سنحاول الإجابة عليها بشكل مختصر، حتّى أترك لك المجال للبحث والتقصّي والقراءة، وسيتبيّن لك من الأدلّة التاريخية الصريحة في كتب أهل السنّة الصحيحة، أنّ كلّ ذلك قد حصل لنبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم)وأوصيائه(عليهم السلام) من أصحابه وأمّته، وأنّ ما فعلته الأمم السابقة من اليهود والنصارى قد فعلته الأمّة الإسلاميّة كلّه بحذافيره، بل وربّما في بعض الأحداث كانت أشنع وأفظع كحادثة الطف مثلاً، والتي قتل فيها ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سيّدنا ومولانا الإمام الحسين(عليه السلام) ريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وسيّد شباب أهل الجنّة، قتلوه وأهل بيته وأصحابه، وغيرها من الأحداث المفجعة في تاريخ أمّتنا.

لا تعجب عزيزي القارئ من أنّ كلّ تلك السلوكيّات والأفعال المشينة التي فعلها اليهود والنصارى قد حصلت عند أمّتنا، وأطلب منك أنْ لا تعادي ما تجهل، فإنّ الإنسان عدو ما يجهل، لكن عليك أنْ تعرف أنّ أمّة إقرأ لا تقرأ.فللأسف الشديد بالرغم من أنّ أول سورة أنزلت على نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ابتدأت بعد البسملة بإقرأ، تبيّن لي أنّنا لا نقرأ، واذا قرأنا لا نفهم، وإذا فهمنا لا ننصف، بل نتعصّب ونجهل.

وهذا أيضاً لا تعجب إذا قلت لك أنّ معظم الأجوبة للأسئلة التي سوف نطرحها سوف تجد الإجابة عليها واضحة جليّة في كتب الصحاح والسنن للحديث النبويّ، خصوصاً في كتابي صحيح البخاري وصحيح مسلم، واللذان يعتبرهما البعض أصحّ الكتب بعد كتاب الله.

لا تستغرب ذلك، فكما قلت لك: فإنّ أمّة اقرأ لا تقرأ، حتّى أنّني لم أصادف

٢٧

عالماً من علماء أهل السنّة قد قرأ البخاري أو مسلم كاملاً، أو أنّه يعرف محتويات كتبه الأساسية لمعرفة دينه، والأعجب من ذلك أنْ تجد أتباع المذهب الحقّ وشيعتهم مذهب أهل البيت(عليهم السلام) يعرفون ومطّلعون على ما في كتب أهل السنّة أكثر من أصحابها.

والأدهى من ذلك أيضاً أنّ أهل السنّة يعادون ويتّهمون الشيعة باتّهامات باطلة هم - أي الشيعة - مبرؤون منها، ولو أمعنت النظر لتلك التهم والأباطيل والتشنيعات لوجدتها في الحقيقة حاصلة عند أهل السنّة وتنطبق عليهم انطباقاً كاملاً، مع العلم بأن مذهب أهل البيت(عليهم السلام) تستطيع أنْ تقيم الدليل عليه وعلى صحّته ليس من كتبه فحسب، بل من كتب خصومه وبشكل صريح، ولو ناظر أو ناقش أحد الشيعة علماء أهل السنّة فأنّك تجد الشيعي يقول للسنّي ارجع إلى كتاب البخاري أو مسلم ليتبيّن لك صحّة ما ندّعي ونقول، بينما ينكر السنّي ما في كتبه وصحاحه والتي طالما يفتخر بها، قال تعالى في سورة الجمعة: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(١).

وقال تعالى في سورة البقرة: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}(٢).

فهل يا ترى اتبعت أمّتنا الإسلاميّة هذه السنّة اليهوديّة التي ضربها الله مثلاً لبني إسرائيل؟ حيث إنّهم يفتخرون بكتبهم دون أنْ يعرفوا ما فيها، ولكنّهم كالحمار يحمل أسفاراً؟

هل تقتني الأمّة الإسلاميّة كتب إسلامها للزينة في المنازل فقط أو للقراءة

١- الجمعة: ٥ .

٢- البقرة: ٧٨.

٢٨

والبحث والمعرفة؟ لا ادري فلنبحث.

واليك عزيزي القارئ بعضٌ من الأسئلة، والتي هي محلّ بحث المقارنة.

* هل حاولت الأمّة الإسلاميّة قتل نبيّها محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته، وهل قتلوا أوصياءه كما فعلت اليهود والنصارى؟

* هل عبدت أمّتنا الإسلاميّة ربّها ووحدّته ونزّهته عن النقائص والعيوب والتجسيم أوأنّها اقتدت واتّبعت اليهود والنصارى وعبدوا العجل وجسّموا ربّهم؟

* هل غيّرت الأمّة الإسلاميّة وبدّلت بعد رسول الله وتركت اتّباع نبيها وسنّته وتولّت عن طريق الحقّ وانحرفت عن الصراط المستقيم كما فعلت اليهود والنصارى؟

* هل آمنت الأمّة الإسلاميّة ببعض الكتاب وتركت بعضه حسب أهوائهم كما فعلت اليهود والنصارى؟

* هل سمعت أمّتنا الإسلاميّة وأطاعت أو سمعت وعصت ومنعت رسولها من الكتابة والتحدّث والكلام كما فعلت اليهود والنصارى؟

* هل نبذت أمّتنا الإسلاميّة كتاب ربّها وأئمّتها وسنّة نبيّها وراء ظهرها كما فعلت اليهود والنصارى؟

* هل كتمت أمّتنا الإسلاميّة الحقّ عن أصحابه ومنعته؟ وهل من شهد من أمّتنا بيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب(عليه السلام) يوم الغدير؟ هل كتمت شهادتها كما فعلت اليهود والنصارى؟

* هل حرّفت أمّتنا الإسلاميّة الكتاب عن مواضعه كما فعلت اليهود والنصارى؟

* هل أبعدت أمّتنا الإسلاميّة ربّها ونبيّها وأوصياء نبيّها من حياتها

٢٩

واتّخذت بدلهم أحباراً ورهباناً يُحلّون لهم الحرام ويُحرّمون عليهم الحلال كما فعلت اليهود والنصارى؟

* هل بقيت أمّتنا الإسلاميّة على الصراط المستقيم صراط الله ونبيّه وأوصيائه أو أنّها ضلّت وتاهت كما ضلّ وتاه اليهود والنصارى؟

قبل الإجابة على كلّ تلك الأسئلة، لابدّ من تقديم موضوع عصمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ما يتعلّق بوصيّته(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثُمّ التوطئة إلى كلّ الإجابات من ذكر الصحابة وأنواعهم،وأهل البيت ومقاماتهم، فهذه المواضيع كلّها سوف تمهدّ للقارئ العزيز استيعاب قضية اتّباع المسلمين لليهود والنصارى وتقليدهم كما جاء في الحديث الشريف المذكور آنفاً.

اّذن فلننتقل إلى مقدّمات البحث مباشرة، ثُمّ بعدها نجيب على كلّ تلك الأسئلة.

ولكن قبلها أذكّرك أيّها القارئ العزيز بأننّي لن أتركك تضيع مع كلّ تلك الحقائق، بل سأوجهك أيضاً إلى سلوك سبيل النجاة، نحو الصراط المستقيم حتّى تصل إلى سفينة النجاة، وتكون مع المهتدين، مع الفرقة الناجية أتباع أهل البيت(عليهم السلام)وطريق أهل البيت ومنهجهم الذي هو طريق ومنهج رسولنا الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).

٣٠

عصمة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

العصمة عبارة عن لطف يفعله الله في المكلّف، بحيث لا يكون له مع ذلك داع إلى ترك الطاعة ولا إلى فعل المعصية مع قدرته على ذلك، ويحصل انتظام ذلك اللطف بأنْ يحصل له ملكة مانعة من الفجور والإقدام على المعاصي مضافاً إلى العلم بما في الطاعة من الثواب، والعصمة من العقاب، مع خوف المؤاخذة على ترك الأولى، وفعل المنهي. وربّما تعرّف بأنّها قوّة تمنع الإنسان عن اقتراف المعصية والوقوع في الخطأ.

القرآن الكريم طرح عصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في أكثر من آية، وأهم تلك الآيات والتي فيها الكفاية قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}(١).

كلمة - ما - التي في الآية نافية، والنطق فيها عام، أي أنّ كلّ ما يتكلّم أو ينطق به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يكون عن هوى أو ميل النفس، بل إنّ كلّ ما ينطق به هو وحي من الله ألقي في روعه وأوحي إلى قلبه، وهذا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لا يتكلّم ولا ينطق عن الهوى أو عن ميل النفس، بل يعتمد في منطقه على الوحي، يكون محفوظاً ومصوناً عن الزلل أو الخطأ أو السهو في كلّ ما يأخذ عن الله، وكلّ ما يبلّغ به، قال تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}(٢)، وقال تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}(٣).

١- النجم: ٣ ـ ٤.

٢- النجم: ١١.

٣- النجم: ١٧.

٣١

فنرى الآيتين تشيران بوضوح إلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن ميول نفسانية، وأنّ ما ينطق به وحي القى في روعه وأوحى في قلبه، ومن لا يتكلّم عن الميول النفسانية ويعتمد في منطقه على الوحي يكون مصوناً من الزلل في المرحلتين: مرحلة الأخذ والتبليغ، اّذ قال سبحانه: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}، {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}.

وفي التعبير عن عصمة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) نجد في نهج البلاغة للإمام علي(عليه السلام)في خطبته القاصعة يقول: "ولقد قرن الله به من لدن أنْ كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره"(١).

ودلالة هذه الجمل من هذه الخطبة على عصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في القول والعمل عن الخطأ والزلل واضحة، فإنّ من ربّاه أعظم ملك من ملائكة الله سبحانه من لدن أنْ كان فطيماً، إلى أُخريات حياته الشريفة، لا تنفكّ عن المصونية من العصيان والخطأ، كيف وهذا الملك يسلك به طريق المكارم، ويربيه على محاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، لا يعصي ولا ينحرف عن الجادّة الوسطى، وليست المعصية إلا سلوك طريق المآثُمّ ومساوئ الأخلاق، ومن يسلك الطريق الأوّل يكون متجنباً عن سلوك الطريق الثاني.

إنّ حياة الأنبياء من لدن ولادتهم إلى زمان بعثتهم، مشحونة بالمجاهدات الفردية، والاجتماعية، فقد كانوا يجاهدون النفس الأمارة أشدّ الجهاد، ويمارسون تهذيب أنفسهم، بل ومجتمعهم، فهذا هو يوسف الصدّيق(عليه السلام) جاهد نفسه الأمّارة وألجمها بأشدّ الوجوه عندما راودته من هو في بيتها قال تعالى في سورة يوسف: {وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ}، فأجاب بالرد والنفي بقوله: {مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي

١- نهج البلاغة شرح محمّد عبده ٢: ١٥٧.

٣٢

أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}(١).

وهذا موسى كليم الله وجد في مدين امرأتين تذودان واقفتين على بعد من البئر، فقدم إليهما قائلاً: ما خطبكما؟ فقالتا: إنّا لا نسقي حتّى يصدر الرعاء، وأبونا شيخ كبير، وعند ذلك لم يتفكر في شيء إلا في رفع حاجتهما، ولأجل ذلك سقى لهما ثُمّ تولّى إلى الظل قائلاً: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ}(٢).

وكم هناك من شواهد تاريخية على جهاد الأنبياء وقيامهم بواجبهم في شبابهم إلى زمان بعثتهم التي تصدّت لذكرها الكتب السماوية وقصص الأنبياء وتواريخ البشر.

وليكن معلوماً أنّ العصمة لا تتعارض مع مسألة لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين، لأنّ المعصوم أولاً هو مكلّف، قال تعالى في سورة الأعراف: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}(٣)، إذاً هم مكلّفون كسائر البشر، ولذلك فإنّ ترك الطاعة وفعل المعصية يكون بداع نفسي يحمل الإنسان على الطاعة أو يحمله على ارتكاب المعصية، إلا أنّ العصمة تمسك المعصوم بحيث لا يبقى له داع إلى ارتكاب المعصية أو ترك الطاعة والتكليف الشرعي، فالعصمة موهبة إلهية لا تغيّر الطبيعة الإنسانية المختارة.

إنّ هذا العلم، أعني ملكة العصمة لا يغيّر الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعالها الإرادية، ولا يخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار، كيف والعلم من مبادئ الاختيار، ومجرّد قوة العلم لا يوجب إلا قوة الإرادة، كطالب السلامة إذا أيقن بكون مانع ما سمّاً قاتلاً من حينه، فإنّه يمنع باختياره من شربه قطعاً، وإنّما

١- يوسف: ٢٣.

٢- القصص: ٢٤.

٣- الأعراف: ٦.

٣٣

يضطر الفاعل ويجبر إذا أخرج المجبر أحد طرفي الفعل والترك من الإمكان إلى الامتناع، ويشهد على ذلك قوله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم * ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(١)، تفيد الآية أنّهم بإمكانهم أنْ يشركوا بالله وإن كان الاجتباء أو الهدى الإلهي مانعاً من ذلك، وقوله سبحانه وتعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}(٢)، إلى غير ذلك من الآيات.

إنّ الهدف الأسمى والغاية القصوى من بعث الأنبياء هو هداية الناس إلى التعاليم الإلهية والشرائع المقدّسة، ولا تحصل تلك الغاية إلا بإيمانهم بصدق المبعوثين، وإذعانهم بكونهم مرسلين من جانبه سبحانه، وإنّ كلامهم وأقوالهم كلامه وقوله سبحانه، وهذا الإيمان والإذعان لا يحصل إلا بإذعان آخر وهو الإذعان بمصونيتهم من الخطأ في مجال تبليغ الرسالة، أعني المصونية في مقام أخذ الوحي أوّلاً، والمصونية في مقام التحفّظ عليه ثانياً، والمصونية في مقام الإبلاغ والتبيين ثالثاً، ومثل هذا لا يحصل إلا بمصونية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الزلل والخطأ عمده وسهوه في تحمل رسالات الله وإبلاغها لعباده، فالآيات القرآنيّة تؤكّد على عصمة الأنبياء في أخذ الوحي وحفظه وإبلاغه.

قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم}(٣).

١- الأنعام: ٧٨ ـ ٨٨ .

٢- المائدة: ٦٧.

٣- البقرة: ٢١٣.

٣٤

الآية تصرّح بأنّ الهدف من بعث الأنبياء هو القضاء بين الناس في ما اختلفوا فيه، وليس المراد من القضاء إلا القضاء بالحقّ، وهو فرع وصول الحقّ إلى القاضي بلا تغيير وتحريف.

ويقول سبحانه وتعالى في سورة النجم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}(١).

فالآية تصرّح بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق عن الهوى، أي لا يتكلم بداعي الهوى. فالمراد إمّا جميع ما يصدر عنه من القول في مجال الحياة كما هو مقتضى إطلاقه أو خصوص ما يحكيه من الله سبحانه، فعلى كلّ تقدير فهو يدل على صيانته وعصمته في مجال إبلاغ الرسالة.

إنّ القرآن الكريم يؤكّد ويصرّح بأنّ الهدف من بعث الأنبياء هو تزكية نفوس الناس وتصفيتهم من الرذائل وغرس الفضائل فيها، قال سبحانه حاكياً عن لسان إبراهيم: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}(٢)، {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلال مُّبِين}(٣).

والمراد من التزكية هو تطهير القلوب من الرذائل، وإنماء الفضائل، وهذا ما يسمّى في علم الأخلاق بـ( التربية) ولا شكّ أنّ تاثير التربية في النفوس يتوقف على إذعان من تراد تربيته بصدق المربّي وإيمانه بتعاليمه، وهذا يعرف من خلال عمل المربّي بما يقوله ويعلمه، وإلا فلو كان هناك انفكاك بين القول والعمل، لزال

١- النجم: ٣ ـ ٤.

٢- البقرة: ١٢٩.

٣- آل عمران: ١٦٤.

٣٥

الوثوق بصدق قوله، وبالتالي تفقد التربية أثرها، ولا تتحقّق حينئذ الغاية من البعث.

إنّ الله سبحانه يطرح عصمة الأنبياء في القرآن الكريم ويصفهم بهذا الوصف بشكل جلّي واضح يدركه العقل السوي.

قال سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ *وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم}(١).

وقال سبحانه وتعالى في سوة ر الأنعام: {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}(٢).

والآية الأخيرة تصف الأنبياء بأنّهم مهديّون بهداية الله سبحانه على وجه يجعلهم القدوة والأسوة.

هذا من جانب ومن جانب آخر نرى أنّه سبحانه يصرّح بأنّ من شملته الهداية الإلهية لا مضلّ له، ويقول سبحانه وتعالى في سورة الزمر: {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ}(٣).

وفي آية ثالثة يُصرّح بأنّ حقيقة العصيان في الانحراف عن الجادّة الوسطى، بل هل الضلالة، ويقول سبحانه وتعالى في سورة يس: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ

١- الأنعام: ٨٤ ـ ٨٧ .

٢- الأنعام: ٩٠.

٣- الزمر: ٣٦ ـ ٣٧.

٣٦
 كتاب سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم صلاح الدين الحسيني (ص ٣٧ - ص ٦٦)
٣٧

الواصفة بأنّهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، يستنتج عصمة الأنبياء بوضوح ; لأنّ العاصي من يشمله غضب الله سبحانه ويكون ضالاً بقدر عصيانه ومخالفته.

ثُمّ إنّ الحقّ تبارك وتعالى يصف جملة من الأنبياء ويقول في حقّ إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس في سورة مريم: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}(١).

فهذه الآية الشريفة تصف الأنبياء بأنّهم قد أنعم الله عليهم وأنّ الله هداهم واجتباهم وأنّهم ملازمين لطاعته والإنابة إليه.

وفي آية أخرى يحثّ الحقّ سبحانه ويدعو المسلمين على اتّباع واقتفاء أثر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ومتابعته وطاعته بمختلف التعابير والعبارات، يقول سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فاِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}(٢).

ويقول سبحانه وتعالى في سورة النساء: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}(٣).

ويقول سبحانه وتعالى في سورة النور: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}(٤).

كما أنّه سبحانه يندّد بمن يتصوّر أنّ على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقتفي الرأي العام

١- مريم: ٥٨ .

٢- آل عمران: ٣١ ـ ٣٢.

٣- النساء: ٨٠ .

٤- النور: ٥٢.

٣٨

فيقول سبحانه وتعالى في سورة الحجرات: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِير مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ}(١).

وخلاصة القول: إنّ هذه الآيات تدعو إلى إطاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والاقتداء به بلا قيد وشرط، ومن وجبت طاعته على وجه الإطلاق أي بلا قيد وشرط يجب أنْ يكون معصوماً من العصيان ومصوناً على الخطأ والزلل والسهو والغفلة والنسيان.

كيف وقد وصف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه الأسوة الحسنة في قوله سبحانه في سورة الأحزاب: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآْخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(٢).

فكونه أُسوة حسنة في جميع المجالات لا يتفق إلا مع عصمته المطلقة، بخلاف من يكون أُسوة في مجال دون مجال، وعلى ذلك فهو مصون من الخلاف والعصيان والخطأ والزلل.

وإليك الآن مجموعة أخرى من الآيات القرآنية والتي تدلّل في معانيها عصمة الأنبياء من الزلل والخطأ.

يقول سبحانه وتعالى في سورة النساء: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا)(٣).

ويقول سبحانه وتعالى في سورة النساء: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)(٤).

١- الحجرات: ٧.

٢- الأحزاب: ٢١.

٣- النساء: ١٠٥.

٤- النساء: ١١٣.

٣٩

ويقول سبحانه وتعالى في سورة البقرة: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(١).

ويقول سبحانه وتعالى في سورة النساء: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا)(٢).

ويقول سبحانه وتعالى في سورة النحل: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)(٣).

ويقول سبحانه وتعالى في سورة الزمر: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء)(٤).

والشهادة في هذه الآيات مطلقة غير مقيّدة، وظاهرها جميعها هو الشهادة على أعمال الأمم وعلى تبليغ الرسل كما تبيّن لك الآية التالية وهي قوله تعالى في سورة الأعراف: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)(٥)، وهذه الشهادة وإن كانت في الآخرة ويوم القيامة لكن يتحملها الشهود في الدنيا على ما يدل عليه قوله سبحانه: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْ شَهِيدٌ)(٦)، ويقول سبحانه وتعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)(٧).

ومن الواضح أنّ الشهادة فرع العلم، وعدم الخطأ في تشخيص المشهود به،

١- البقرة: ١٤٣.

٢- النساء: ٤١.

٣- النحل: ٨٤ .

٤- الزمر: ٦٩.

٥- الأعراف: ٦.

٦- المائدة: ١١٧.

٧- النساء: ١٥٩.

٤٠