×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم / الصفحات: ٥٤١ - ٥٦٠

الله صلّى الله عليه وسلّم، وأبي بكر، وعمر، رضي الله عنهم، حتّى نهانا عمر رضي الله عنه أخيراً، يعني النساء(١).

التغيير في الآذان، حيث أزالوا حيّ على خير العمل، ووضعوا الصلاة خير من النوم:

جاء في كنز العمّال، عن بلال: كان بلال يؤذن بالصبح فيقول: حي على خير العمل(٢).

جاء في الموطّأ: أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنّه كان يكبّر في النداء ثلاثاً ويتشهد ثلاثاً، وكان أحياناً إذا قال حي على الفلاح قال على إثرها حي على خير العمل(٣).

قال مالك في الموطّأ: بلغنا أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه جاءه المؤذّن يؤذنه لصلاة الصبح، فوجده نائماً، فقال المؤذّن: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أنْ يجعلها في نداء الصبح(٤).

قال الترمذي قال بعضهم: التثويب أنْ يقول في أذان الفجر: " الصلاة خير من النوم " وهو قول ابن المبارك وأحمد وهذا الذي قال إسحاق: هو التثويب الذي قد كرهه أهل العلم، والذي أحدثوه بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم. والذي فسر ابن المبارك وأحمد: أنّ التثويب أنْ يقول المؤذن في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم. وهو قول صحيح، ويقال له التثويب أيضاً وهو الذي اختاره أهل العلم ورأوه(٥).

١- مسند أحمد ٣: ٣٠٤.

٢- كنز العمّال ٨: ٣٤٢.

٣- الموطأ ١: ١٦٣.

٤- الموطّأ ١: ١٦١.

٥- سنن الترمذي ١: ١٢٧ ـ ١٢٨.

٥٤١

وروي عن مجاهد قال: دخلت مع عبد الله بن عمر مسجداً وقد أذن فيه، ونحن نريد أنْ نصلّي فيه، فثوب المؤذن، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد وقال: أخرج بنا من عند هذا المبتدع ولم يصل فيه(١)

وجاء في بداية المجتهد: واختلفوا في قول المؤذّن في صلاة الصبح: الصلاة خير من النوم، هل يقال فيها أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنّه يقال ذلك فيها. وقال آخرون: إنّه لا يقال ; لأنّه ليس من الآذان المسنون، وبه قال الشافعي. وسبب اختلافهم: هل قيل ذلك في زمان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؟ أو إنّما قيل في زمان عمر(٢).

ابتدعوا آذانا ثالثا يوم الجمعة:

روى البخاري في صحيحه، عن الزهري قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: إنّ الآذان يوم الجمعة كان أوّله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأبي بكر، وعمر، رضي الله عنهما، فلمّا كان في خلافة عثمان رضي الله عنه، وكثروا، أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذّن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك(٣).

روى النسائي في سننه أخبرني السائب بن يزيد أنّ الآذان كان أوّل حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأبي بكر، وعمر، فلمّا كان في خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالآذان الثالث، فأذّن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك(٤).

١- سنن الترمذي ١: ١٢٨.

٢- بداية المجتهد ونهاية المقتصد ١: ٨٩ .

٣- صحيح البخاري ١: ٢٢٠.

٤- سنن النسائي ٣: ١٠٠ ـ ١٠١.

٥٤٢

ابتدعوا صلاة التراويح:

روى البخاري في صحيحه، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنّه قال: خرجت مع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون، يصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط ، فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوّله(١).

قال ابن عبد البرّ في ترجمة عمر من الاستيعاب: وهو الذي نوّر شهر الصوم بصلاة الإشفاع فيه(٢).

وقال العلاّمة أبو الوليد محمّد بن الشحنة، حيث ذكر وفاة عمر في حوادث سنة٢٣ من تأريخه " روضة المناظر ": هو أوّل من نهى عن بيع أمّهات الأولاد، وجمع الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز، وأوّل من جمع الناس على إمام يصلّي بهم التروايح الخ(٣).

قال السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء: أوليّات عمر قال العسكري: هو أوّل من سمّي أمير المؤمنين، إلى أنْ قال: وأوّل من سنّ قيام شهر رمضان يعني [بالتراويح]... وأوّل من حرّم المتعة... وأوّل من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات(٤).

١- صحيح البخاري ٢: ٢٥٢.

٢- الاستيعاب ٣: ١١٤٥.

٣- اُنظر الفصول المهمّة في تأليف الأمّة: ٨٥ .

٤- تاريخ الخلفاء: ١٢٣.

٥٤٣

وقال محمّد بن سعد حيث ترجم عمر في الجزء الثالث من الطبقات وهو أول من سن قيام شهر رمضان [بالتراويح] وجمع الناس على ذلك وكتب به إلى البلدان وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة، وجعل للناس بالمدينة قارئين: قارئاً يصلّي بالرجال، وقارئا يصلّي بالنساء(١).

وروى البخاري في صحيحه، في كتاب صلاة التراويح: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه ". قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والأمر على ذلك، ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر رضي الله عنه وصدراً من خلافة عمر(٢).

وروى مسلم في باب الترغيب في قيام رمضان من صحيحه: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يرغب في قيام رمضان من غير أنْ يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه " فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والأمر على ذلك، ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر على ذلك(٣).

وقال القسطلاني في شرح صحيح البخاري، عند بلوغه إلى قول عمر في هذا الحديث: "نعم البدعة هذه " ما هذا نصّه: سماها بدعة ; لأنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يسن لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصدّيق ولا أوّل الليل، ولا كلّ ليلة، ولا هذا العدد(٤).

أكلوا الصيد وهم محرمون:

قال السيوطيّ في الدرّ المنثور: أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي

١- الطبقات الكبرى ٣: ٢٨١.

٢- صحيح البخاري ٢: ٢٥١ ـ ٢٥٢.

٣- صحيح مسلم ٢: ١٧٧.

٤- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ٤: ٦٥٦.

٥٤٤

حاتم، وأبو الشيخ، عن الحارث بن نوفل قال: حجّ عثمان بن عفّان، فأتى بلحم صيد صاده حلال، فأكلّ منه عثمان ولم يأكلّ عليّ، فقال عثمان: والله ما صدنا ولا أمنا ولا أشرنا، فقال عليّ: { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا }(١)(٢).

روى الطبري في تفسيره، بسنده إلى عبد الله بن الحرث، عن نوفل، عن أبيه، قال: حجّ عثمان بن عفّان، فحجّ عليّ معه. قال: فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال، فأكلّ منه ولم يأكلّ عليّ، فقال عثمان: والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا! فقال عليّ: { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا }(٣).

التخلّف عن جيش أسامة:

ورى مسلم في صحيحه، حدّثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيّوب وقتيبة وابن حجر، قال يحيى بن يحيى: أخبرنا، وقال الآخرون: حدّثنا إسماعيل - يعنون ابن جعفر - عن عبد الله بن دينار: أنّه سمع ابن عمر يقول بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعثاً وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمرته، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: " إنْ تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إنْ كان لخليقاً للإمارة وإنْ كان لمن أحبّ الناس إليّ، وإنّ هذا لمن أحبّ الناس إليّ بعده "(٤).

روى مسلم في صحيحه، حدّثنا أبو كريب محمّد بن العلاء، حدّثنا أبو أسامة، عن عمر - يعني بن حمزة - عن سالم، عن أبيه: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال وهو على المنبر: إنْ تطعنوا في إمارته - يريد أسامة بن زيد - فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيم الله، إنْ كان لخليقاً لها، وأيم الله، إنْ كان لأحبّ

١- المائدة: ٩٦.

٢- الدرّ المنثور ٢: ٢٣٢.

٣- تفسير الطبري ٧: ٩٤.

٤- صحيح مسلم ٧: ١٣١.

٥٤٥

الناس إليّ، وأيم الله، إنّ هذا لها لخليق - يريد أسامة بن زيد - وأيم الله، إنْ كان لأحبّهم إليّ من بعده، فأوصيكم به فإنّه من صالحيكم "(١).

روى البخاري في صحيحه، حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا سفيان بن سعيد، حدّثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال أمّر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسامة على قوم فطعنوا في إمارته. فقال: " إنْ تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وإيم الله لقد كان خليقاً للإمارة، وإنْ كان من أحبّ الناس إليّ وإنّ هذا لمن أحبّ الناس إليّ بعده "(٢).

روى في الطبقات الكبرى: أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلمّا كان من الغد دعا أسامة بن زيد فقال: " سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتك هذا الجيش، فأغر صباحاً على أهل أبنى، وحرّق عليهم، وأسرع السير تسبق الأخبار، فإنْ ظفرك الله فأقلل اللبث فيهم، وخذ معك الأدلاّء وقدّم العيون والطلائع أمامك ". فلمّا كان يوم الأربعاء بُدىء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فحمّ وصدع، فلمّا أصبح يوم الخميس، عقد لأسامة لواء بيده ثمّ قال: " اغز بسم الله في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، فخرج بلوائه وعقودا، فدفعه إلى بريدة بن الحصيب الأسلمي، وعسكر بالجرف، فلم يبقَ أحد من وجوه المهاجرين الأوّلين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة، فيهم أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد، وقتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش، فتكلّم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوّلين، فغضب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غضباً شديداً، فخرج وقد عصّب على رأسه عصابة، وعليه قطيفة، فصعد

١- صحيح مسلم ٧: ١٣١.

٢- صحيح البخاري ٥: ٨٤ .

٥٤٦

المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: " أمّا بعد، أيّها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وأيم الله، إنْ كان للإمارة لخليقاً، وإنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإنْ كان لمن أحبّ الناس إليّ، وإنّهما لمخيّلان لكلّ خير، واستوصوا به خيراً فإنّه من خياركم، ثمّ نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأوّل، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجعل يقول: أنفذوا بعث أسامة، فلمّا كان يوم الأحد اشتدّ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجعه فدخل أسامة من معسكره والنبيّ مغمور، وهو اليوم الذي لدّوه فيه فطأطأ أسامة...(١).

ولمّا سيّروا الجيش تخلّف عنه جماعة ممّن عبّأهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في جيشه، وقد كان رسول الله يقول: " جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلّف عنه "(٢).

إلغاء التيمّم:

روى البخاري ومسلم عن شقيق قال: كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى الأشعري، فقال له أبو موسى: لو أنّ رجلاً أجنب، فلم يجد الماء شهراً، أما كان يتيمّم ويصلّي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة: { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا }(٣)؟ فقال عبد الله: لو رخّص لهم في هذا، لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أنْ يتيمّموا الصعيد. قلت: وإنّما كرهتم هذا لذا؟ قال: نعم. فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمّار لعمر: بعثني رسول الله في حاجة، فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرّغت في الصعيد كما تمرّغ الدابّة، فذكرت ذلك للنبيّ صلّى الله عليه

١- الطبقات الكبرى ٢: ١٩٠.

٢- الملل والنحل ١: ٢٣.

٣- المائدة: ٦.

٥٤٧

وسلّم فقال: " إنّما يكفيك أنْ تصنع هكذا ". فضرب بكفّه ضربة على الأرض، ثمّ نفضها، ثمّ مسح بها ظهر كفّه بشماله، أو ظهر شماله بكفّه، ثمّ مسح بها وجهه؟ فقال عبد الله: أفلم ترَ عمر لم يقنع بقول عمّار؟ وزاد يعلى: عن الأعمش، عن شقيق: كنت مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمّار لعمر: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعثني أنا وأنت، فأجنبت، فتمعّكت بالصعيد، فأتينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبرناه، فقال: " إنّما كان يكفيك هذا " ومسح وجهه وكفّيه واحدة(١)؟

وروى أبو داود: حدّثنا محمّد بن سليمان الأنباري، أخبرنا أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن شقيق قال: " كنت جالساً بين عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، أرأيت لو أنّ رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً أما كانت يتيمم؟ قال: لا، وإنْ لم يجد الماء شهراً. فقال أبو موسى: فكيف تصنعون بهذه الآية التي في سورة المائدة: { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا }؟ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أنْ يتيمموا بالصعيد. فقال له أبو موسى: وإنّما كرهتم هذا لهذا؟ قال نعم. فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمّار لعمر: بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حاجة، فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثمّ أتيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فذكرت ذلك له، فقال: " إنما كان يكفيك أنْ تصنع هكذا " فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثمّ ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثمّ مسح وجهه. فال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار(٢).

روى مسلم في صحيحه: عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: أنّ

١- صحيح البخاري ١: ٩٠ ـ ٩١، صحيح مسلم ١: ١٩٢ ـ ١٩٣.

٢- سنن أبي داود ١: ٨١ .

٥٤٨

رجلاً أتى عمر فقال: إنّي أجنبت فلم أجد ماء. فقال: لا تصلّ. فقال عمّار: أما تذكر، يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سريّة فأجنبنا، فلم نجد ماء، فأمّا أنت فلم تصلّ، وأمّا أنا فتمعكت في التراب وصلّيت. فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " إنّما كان يكفيك أنْ تضرب بيديك الأرض، ثمّ تنفخ، ثمّ تمسح بهما وجهك وكفيك " فقال عمر: اتق الله، يا عمّار! قال: إنْ شئت لم أحدث به(١).

تغيير الوضوء بغسل الرجلين بدل المسح:

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ }(٢).

روى ابن أبي شيبة في المصنّف، عن الشعبي قال: إنّما هو المسح على القدمين، ألا ترى أنّ ما كان عليه الغسل جعل عليه التيمّم، وما كان عليه المسح أُهمل، فلم يجعل عليه التيمّم(٣).

روى ابن ماجة في سننه، عن الربيع قالت: أتاني ابن عبّاس فسألني عن هذا الحديث، تعني حديثها الذي ذكرت، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم توضّأ وغسل رجليه. فقال ابن عبّاس: إنّ الناس أبوا إلا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح(٤).

روى أحمد في مسنده، عن عليّ رضي الله عنه قال: " كنت أرى أنّ باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما حتّى رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح ظاهرهما "(٥).

١- صحيح مسلم ١: ١٩٣.

٢- المائدة: ٦.

٣- المصنّف ١: ٣٠.

٤- سنن ابن ماجة ١: ١٥٦.

٥- مسند أحمد ١: ٩٥.

٥٤٩

ورواه أبو داود أيضاً(١).

روى ابن ماجة في سننه عن عليّ بن يحيى بن خلاّد، عن أبيه، عن عمّه رفاعة بن رافع: أنّه كان جالسا عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: " إنّها لا تتمّ صلاة لأحد حتّى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين "(٢).

ورواه أبو داود(٣).

روى ابن أبي شيبة في المصنّف، عن عكرمة قال: غسلتان ومسحتان(٤).

روى ابن أبي شيبة في المصنّف، عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح على القدمين(٥).

غيّروا الصيغة الشرعيّة في الصلاة على النبيّ والآل:

روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب ابن عجرة فقال: ألا أهدي لك هديّة سمعتها من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؟ فقلت: بلى، فاهدها لي، فقال: سألنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإنّ الله قد علّمنا كيف نسلّم؟ قال: " قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، اللهمّ بارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد"(٦).

١- سنن أبي داود ١: ٤٤.

٢- سنن ابن ماجة ١: ١٥٦.

٣- سنن أبي داود ١: ١٩٧.

٤- المصنّف ١: ٣٠.

٥- المصنّف ١: ٣٠.

٦- صحيح البخاري ٤: ١١٨.

٥٥٠

ورواه مسلم(١).

روى البخاري في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، هذا التسليم، فكيف نصلّي عليك؟ قال: " قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد عبدك ورسولك، كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم " قال أبو صالح، عن الليث: " على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم ".

حدّثنا إبراهيم بن حمزة: حدّثنا ابن أبي حازم، والدراوردي عن يزيد، وقال: " كما صلّيت على إبراهيم، وبارك على محمّد وآل محمّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم "(٢).

روى مسلم في صحيحه، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: أتانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن في مجلس سعد بن عبادة. فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أنْ نصلّي عليك يا رسول الله! فكيف نصلّي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى تمنينا أنّه لم يسأله. ثمّ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنّك حميد مجيد. والسلام كما قد علّمتم "(٣).

وفي الصواعق المحرقة ويروى: " لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء. قالوا: وما الصلاة البتراء يا رسول الله؟ قال: تقولون: اللهمّ صلّ على محمّد وتسكتون، بل قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد "(٤).

١- صحيح مسلم ٢: ١٦.

٢- صحيح البخاري ٦: ٢٧.

٣- صحيح مسلم ٢: ١٦.

٤- الصواعق المحرقة ٢: ٤٣٠.

٥٥١

وأورده القندوزي في ينابيع المودة(١).

قال السيوطي: وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّهم سألوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كيف نصلّي عليك؟ قال: " قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين، إنّك حميد مجيد. والسلام كما قد علّمتم "(٢).

وأخرج مالك، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن مردويه، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، أنّ بشير بن سعد قال: يا رسول الله، أمُرنا الله أنْ نصلّي عليك، فكيف نصلّي عليك؟ فسكت حتّى تمنينا أنّا لم نسأله، ثمّ قال: " قولوا اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم في العالمين، إنّك حميد مجيد. والسلام كما قد علّمتم "(٣).

وأخرج ابن مردويه، عن عليّ قال: قلت: يا رسول الله، كيف نصلّي عليك؟ قال: " قولوا اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد "(٤).

وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف السلام عليك، فكيف نصلّي عليك؟ قال: " قولوا اللهمّ اجعل صلواتك وبركاتك على آل محمّد، كما جعلتها على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد "(٥).

١- ينابيع المودّة ١: ٣٧.

٢- ٥) الدرّ المنثور ٥: ٢١٧.

٥٥٢

وأخرج ابن خزيمة، والحاكم وصحّحه، والبيهقي في سننه، عن أبي مسعود، عقبة بن عمرو، أنّ رجلاً قال: يا رسول الله أمّا السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف نصلّي عليك، إذا نحن صلّينا عليك في صلاتنا؟ فصمتّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثمّ قال: " إذا أنتم صلّيتم على فقولوا: اللهمّ صلّ على محمّد النبيّ الأمّي وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمّد النبيّ الأمّي وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد "(١).

وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: " من قال: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، وترحّم على محمّد وعلى آل محمّد، كما ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم. شهدت له يوم القيامة بالشهادة وشفعت له "(٢).

لم يقبلوا سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الجمع في الصلاة:

روى مسلم في صحيحه، عن ابن عبّاس قال: صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الظهر والعصر جميعا بالمدينة في غير خوف ولا سفر. قال أبو الزبير: فسألت سعيداً: لمَ فعلَ ذلك؟ فقال: سألت ابن عبّاس كما سألتني فقال: أراد أنْ لا يحرج أحداً من أُمّته(٣).

روى مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: قال رجل لابن عبّاس: الصلاة، فسكت. ثمّ قال: الصلاة، فسكت، ثمّ قال: الصلاة، فسكت. ثمّ قال: لا أمّ لك، أتعلّمنا بالصلاة، وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلّى الله

١- ٢) الدرّ المنثور ٥: ٢١٧.

٣- صحيح مسلم ٢: ١٥١.

٥٥٣

عليه وسلّم(١).

روى مسلم في صحيحه، عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلّى بالمدينة سبعا وثمانياً، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء(٢).

روى مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عبّاس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة. قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة. فقال ابن عبّاس: أتعلّمني بالسنّة لا أمّ لك. ثمّ قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدّق مقالته(٣).

روى أحمد في مسنده، عن ابن عبّاس قال: جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. قيل لابن عبّاس: وما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أنْ لا يحرج أمّته(٤).

روى مالك في الموطّأ، عن عبد الله بن عبّاس أنّه قال: صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر(٥).

أوّلوا السجود على الحصى وعلى الأرض وأجازوه على كلّ شيء:

روى البخاري في صحيحه، عن ميمونة قالت: كان النبيّ صلّى الله عليه

١- صحيح مسلم ٢: ١٥٣.

٢- صحيح مسلم ٢: ١٥٢.

٣- صحيح مسلم ٢: ١٥٣.

٤- مسند أحمد ١: ٢٢٣.

٥- الموطّأ ١: ١٤٤.

٥٥٤

وسلّم يصلّي على الخُمرة(١).

روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " أعطيت خمساً لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأيّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة فليصلّ(٢).

روى النسائي في سننه، عن جابر بن عبد الله قال: كنّا نصلّي مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الظهر، فآخذ قبضة من حصى في كفّي، أُبرّده ثمّ أحوّله في كفّي الآخر، فإذا سجدت وضعته لجبهتي(٣).

ورى أبو داود في سننه، عن أبي الوليد: سألت ابن عمر عن الحصى الذي في المسجد فقال: مطرنا ذات ليلة، فأصبحت الأرض مبتّلة، فجعل الرجل يأتي بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته، فلمّا قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الصلاة قال: " ما أحسن هذا "(٤).

روى أحمد في مسنده، عن جابر بن عبد الله قال: كنت أصلّي مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الظهر، فآخذ قبضة من حصى في كفّي لتبرد حتّى أسجد عليه من شدّة الحر(٥).

انتزعوا الميراث من أهله:

ذكرت لك كيف انتزعوا ميراث السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) وحرموها حقّها من أبيها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ( والموضوع مفصل في بحث اغتيال السيّدة فاطمة(عليها السلام) في

١- صحيح البخاري ١: ١٠٠.

٢- صحيح البخاري ١: ٨٦ .

٣- سنن النسائي ٢: ٢٠٤.

٤- سنن أبي داود ١: ١١٢.

٥- مسند أحمد ٣: ٣٢٧.

٥٥٥

هذا الكتاب فراجعه ).

انتزعوا الإمامة والحكم من أهله:

هذه أخطر قضيّة انقلب العديد من الصحابة فيها، وغيّروا وبدّلوا بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد نكثوا عهدهم وبيعتهم لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سلام الله عليه وجعلوه لأبي بكر ( والموضوع مفصّل في بحث وصيّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من هذا الكتاب فراجعه ).

وأختم عزيزي القارئ هذا الموضوع بما سأذكر لك من روايات تتعلّق في التغيير والتبديل وتحريف سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأثبت لك أنّ ما فعلته الأمم السابقة فعله الصحابة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة، وقد ذكرت جملة يسيرة من الأشياء التي غيّروا وبدّلوا فيها.

روى أحمد في مسنده، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " إنّه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفئون السنّة، ويحدثون بدعة، ويؤخّرون الصلاة عن مواقيتها " قال ابن مسعود:يا رسول الله، كيف بي إذا أدركتهم؟ قال: " ليس يا ابن أمّ عبد طاعة لمن عصى الله " قالها ثلاث مرات. وسمعت أنا من محمّد بن الصباح مثله(١).

روى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان قال: قلت يا رسول الله إنّا كنّا بشر، فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرّ؟ قال: " نعم " قلت: هل وراء ذلك الشرّ خير؟ قال: " نعم " قلت: فهل وراء ذلك الخير شرّ؟ قال: " نعم " قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس"(٢).

١- مسند أحمد ١: ٤٠٠.

٢- صحيح مسلم ٦: ٢٠.

٥٥٦

روى الحاكم في مستدركه، عن ابن عمر قال: كنت في الحطيم مع حذيفة، فذكر حديثاً ثمّ قال: لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة، وليكوننّ أئمّة مضلّون، وليخرجنّ على أثر ذلك الدجّالون الثلاثة(١).

١- المستدرك على الصحيحين ٤: ٥٢٨.

٥٥٧

التجسيم ورؤية الله تعالى

قال تعالى في سورة البقرة: { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ }(١).

قال تعالى في سورة البقرة: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }(٢).

هذا أيضاً بحثٌ آخر من أبحاث المقارنة بين الأمم السابقة، وكيف أنّ اليهود والنصارى قد جسّموا الإله وحدّدوه بزمان ومكان وبكيفيّة جسميّة، حيث تبعهم المسلمون في ذلك، وفعلوا نفس الفعل بوعي أو بغير وعي، لا أدري، ولكنّ هذا الأمر قد حصل بالفعل، وكتب الحديث عند أهل السنّة تُظهر موضوع التجسيم بشكل صريح وواضح.

فقبل أنْ انتقل إلى إثبات ما ذكرت من خلال كتب أهل السنّة وصحاحهم، أحبّ أنْ أقدّم بين يدي القارئ العزيز رأي الفرقة الناجية واعتقاد أهل البيت وعقيدتهم في هذا الموضوع، حيث إنّهم لم يتّبعوا اليهود والنصارى في سننهم بالنسبة إلى التجسيم، وإنّما التزموا وتقيّدوا بالنصوص الشرعيّة من الآيات

١- البقرة: ٥١ .

٢- البقرة: ٥٤ .

٥٥٨

القرآنيّة، فهم كعادتهم لا يخرجون عن النصّ الشرعي كانوا دائماً يتّبعونه ويلتزمون به ولا يتعارضون معه.

ولذلك فإنّهم يأخذون بالآية الشريفة وهي قوله تعالى في سورة الأنعام: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }(١)، وقوله تعالى في سورة الأعراف: { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }(٢).

وقال تعالى في سورة الشورى: { فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيٌْ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }(٣).

فالله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، لا يحدّ في زمان، ولا يحوزه مكان، الأوّل بلا بداية، والآخر بلا نهاية، تقدّس وتنزّه عن المكان والزمان والجسد، ولا تستطيع العقول أنْ تدرك كنه ذاته، جاء في نهج البلاغة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) :

من خطبة له(عليه السلام): " الحمد لله الدّال على وجوده بخلقه، وبمحدث خلقه على أزليّته، وباشتباههم على أنْ لا شبه له. لا تستلمه المشاعر، ولا تحجبه السواتر، لافتراق الصانع والمصنوع، والحادّ والمحدود، والربّ والمربوبّ. الأحد بلا تأويل عدد، والخالق لا بمعنى حركة ونصب. والسميع لا بأداة، والبصير لا بتفريق آله، والشاهد لا بمماسة، والبائن لا بتراخي مسافة، والظاهر لا برؤية. والباطن لا

١- الأنعام: ١٠٣.

٢- الأعراف: ١٤٣.

٣- الشورى: ١١.

٥٥٩

بلطافة. بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها، وبانت الأشياء منه بالخضوع له، والرجوع إليه. من وصفه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله، ومن قال: "كيف" فقد استصوفه، ومن قال: "أين" فقد حيزه. عالم إذ لا معلوم، وربّ إذ لا مربوب، وقادر إذ لا مقدور "(١).

ومن خطبة له(عليه السلام): " وأشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له: الأوّل لا شيء قبله، والآخر لا غاية له، لا تقع الأوهام له على صفة، ولا تعقد القلوب منه على كيفية، ولا تناله التجزئة والتبعيض، ولا تحيط به الأبصار والقلوب "(٢).

ومن خطبة له(عليه السلام): " الحمد لله الأوّل فلا شيء قبله، والآخر فلا شيء بعده، والظاهر فلا شيء فوقه، والباطن فلا شيء دونه "(٣).

سئل الإمام الكاظم(عليه السلام) عن قوم يزعمون أنّ الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا فقال: " إنّ الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أنْ ينزل، إنّما منظره في القرب والبعد سواء، لم يبعد منه قريب، ولم يقرب منه بعيد، ولم يحتج إلى شيء، بل يحتاج إليه وهو ذو الطول، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. وأمّا قول الواصفين: إنّه ينزل تبارك وتعالى، فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكلّ مّتحرك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرك به، جلّ وعزّ عن صفة الواصفين، ونعت الناعتين وتوّهم المتوهمين "(٤).

عن أبي حمزة الثمالي، قال: سأل نافع بن الأزرق أبا جعفر(عليه السلام) فقال: أخبرني عن الله متى كان؟ فقال له: " ويلك، أخبرني أنت متى لم يكن حتّى أخبرك

١- نهج البلاغة بشرح محمّد عبده ٢: ٣٩ ـ ٤٠.

٢- نهج البلاغة بشرح محمّد عبده ١: ١٤٨.

٣- نهج البلاغة بشرح محمّد عبده ١: ١٨٦.

٤- الكافي ١: ١٢٥.

٥٦٠