×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم / الصفحات: ٥٦١ - ٥٨٠

متى كان، سبحان من لم يزل ولا يزال فرداً صمداً لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً "(١).

عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: جاء رجل إلى أبي جعفر(عليه السلام)فقال له: يا أبا جعفر، أخبرني عن ربّك متى كان؟ فقال: " ويلك، إنّما يقال لشيء لم يكن: متى كان، إنْ ربّي تبارك وتعالى كان ولم يزل حيّاً بلا كيف، ولم يكن له كان ولا كان لكونه كون كيف ولا كان له أين، ولا كان في شيء، ولا ابتدع لمكانه مكاناً ولا قوي بعد ما كوّن ولا كان ضعيفاً قبل أنْ يكوّن شيئاً، ولا كان مستوحشا قبل أنْ يبتدع شيئاً، ولا يشبه شيئاً مذكوراً، ولا كان خلواً من الملك قبل إنشائه، ولا يكون منه خلواً بعد ذهابه، لم يزل حيّاً بلا حياة، وملكاً قادراً قبل أنْ ينشئ شيئاً، وملكاً جباراً بعد إنشائه للكون، فليس لكونه كيف، لا له أين، ولا له حدّ، ولا يعرف بشيء يشبهه، ولا يهرم لطول البقاء، ولا يصعق لشيء، بل لخوفه تصعق الأشياء كلّها، كان حيّاً بلا حياة حادثة ولا كون موصوف، ولا كيف محدود، ولا أين موقوف عليه ولا مكان جاور شيئاً، بل حيّ يعرف، وملك لم يزل له القدرة والملك، أنشأ ما شاء بمشيّته، لا يحدّ ولا يبعّض، ولا يفنى، كان أوّلاً بلا كيف، ويكون آخراً بلا أين، وكلّ شيء هالك إلاّ وجهه، له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين، ويلك أيّها السائل، إنّ ربّي لا تغشاه الأوهام، ولا تنزل به الشبهات، ولا يحار ولا يجاوره شيء، ولا تنزل به الأحداث، ولا يسأل عن شيء ولا يندم على شيء، ولا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى "(٢).

وقد أكّدت أمّ المؤمنين عائشة هذا المعنى في حديث رواه البخاري عندما ذكر مثل هذا البحث أمامها، حيث كان الصحابة يتداولونه ويعتقد قسم كبير منهم بالتجسيم.

١- الكافي ١: ٨٨ .

٢- الكافي ١: ٨٨ ـ ٨٩ .

٥٦١

روى البخاري في صحيحه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: من حدّثك أنّ محمّداً صلّى الله عليه وسلّم رأى ربّه فقد كذّب ثمّ قرأت: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ... }(١)(٢).

ولكن مقابل هذه الرواية تجد أنّ كتب أهل السنّة وصحاحهم تخالف ذلك مخالفة تامّة، وسوف أتعرّض لجملة من هذه الأحاديث التي تتناول بعض المعتقدات في الله عند السنّة، وممّا يجدر ذكره أيضاً أنّ علماءهم اختلفوا في أبحاثهم الفقهية فقالوا: هل تجوز رؤية الله في الآخرة أو لا تجوز؟ فمنهم من أجاز ذلك ومنهم من منع، واختلفوا أيضاً: هل تجوز رؤيته في الدنيا أو لا تجوز؟ فمنهم من أجاز ذلك في المنام مثلاً، ومنهم من لم يجوّز ذلك، ولا زال الخلاف قائماً حتّى اليوم، والأسباب في ذلك كثيرة، منها ترك اتّباع الآية الشريفة التي أكد فيها ربّ العزّة سبحانه وتعالى أنّه لا تدركه الأبصار، ومنها عشرات الأحاديث الموضوعة، والتي نسبوها إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والموجودة في أصحّ الكتب بعد كتاب الله عندهم، وهناك أسباب أخرى تجعلهم لا يردّون مثل تلك الأحاديث، بل يعتقدون بها ويأخذونها أخذ المسلّمات، وهي عدم البحث في الصحابة وأنواعهم ويعتبرونهم كلّهم عدول، يأخذون منهم كلّ شيء وقد أثبتّ لك في بحث حقيقة الصحابة كلّ ما يتعلّق بهذا الموضوع فراجعه.

وإليك عزيزي القارئ جملة مّما يعتقد به أهل السنّة في الذات الإلهيّة حسب ما أوردته صحاحهم.

رووا بأنّ صورة الله الجسميّة على صورة آدم:

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة، عن رسول الله صلّى

١- الأنعام ١٠٣.

٢- صحيح البخاري ٦: ٥٠ .

٥٦٢

الله عليه وسلّم فذكر أحاديث منها وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خلق الله عزّ وجلّ آدم على صورته، طوله ستّون ذراعاً، فلمّا خلقه قال: اذهب فسلّم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يجيبونك، فإنّها تحيّتك وتحيّة ذريتك. قال: فذهب فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله. قال: فزادوه ورحمة الله. قال: فكلّ من يدخل الجنّة على صورة آدم، وطوله ستّون ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص بعده حتّى الآن(١).

روى في كنز العمّال: رأيت ربّي في حظيرة من الفردوس في صورة شابّ عليه تاج يلتمع البصر(٢).

روى في كنز العمّال: رأيت ربّي في صورة شاب له وفرة ( الوفرة: الشعر المجتمع على الرأس أو ما سال على الأذنين منه أو ما جاوز شحمة الاذن. طب في السنّة عن ابن عبّاس ونقل عن أبي زرعة أنّه قال: هو حديث صحيح )(٣).

روى في كنز العمّال: رأيت ربّي في المنام في صورة شاب موفر في الخضر عليه نعلان من ذهب وعلى وجه فراش من ذهب ( طب في السنّة عن أمّ الطفيل )(٤).

قال في الدرّ المنثور: وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، عن بعض أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: " سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: رأيت ربّي في أحسن صورة. فقال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى يا محمّد؟ قال: قلت:

١- صحيح البخاري ٧: ١٢٥، صحيح مسلم ٨: ١٤٩.

٢- كنز العمّال ١: ٢٢٨.

٣- كنز العمّال ١: ٢٢٨.

٤- كنز العمّال ١: ٢٢٨.

٥٦٣

أنت أعلم أي ربّ! قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي. قال: فعلمت ما في السموات والأرض، ثمّ تلا هذه الآية: { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ }(١)(٢).

روى ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق عن أبي رزين بن لقيط بن عامر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم " رأيت ربّي بمنى عند النفر على جمل أورق عليه جُبّة صوف أمام الناس "(٣).

له قدم يضعها في جهنّم:

روى البخاري في صحيحه: حدّثنا محمّد بن موسى القطّان: حدّثنا أبو سفيان الحميري سعيد بن يحيى بن مهدي حدّثنا عوف، عن محمّد، عن أبي هريرة رفعه، وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان: يقال لجهنّم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد، فيضع الربّ تبارك وتعالى قدمه عليها، فتقول: قط قط(٤).

روى البخاري في صحيحه، حدّثنا عبد الله بن محمّد، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمّر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " تحاجّت الجنّة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنّة: ما لي لا يدخلني إلاّ ضعفاء الناس وسقطهم. قال الله تبارك وتعالى للجنّة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنّما أنت عذابي أعذّب بك من أشاء من عبادي، ولكلّ واحدة منهما ملؤها، فأمّا النار: فلا تمتلئ حتّى يضع رجله فتقول: قط قط قط ، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض "(٥).

١- الأنعام: ٧٥.

٢- الدرّ المنثور ٣: ٣٩٦.

٣- تاريخ دمشق ٢٧: ٣٩٦.

٤- صحيح البخاري ٦: ٤٧.

٥- صحيح البخاري ٦: ٤٨.

٥٦٤

يأتيهم بغير الصورة التي يعرفونها:

روى البخاري في صحيحه، حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد ابن أبي هلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: " هل تضارّون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحواً ". قلنا: لا، قال: " فإنّكم لا تضارّون في رؤية ربّكم يومئذ إلا كما تضارّون في رؤيتهما ". ثمّ قال: " ينادي مناد: ليذهب كلّ قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كلّ آلهة مع آلهتهم، حتّى يبقى من كان يعبد الله، من برّ أو فاجر، وغُبّرات من أهل الكتاب، ثمّ يؤتى بجهنّم تُعرض كأنّها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنّا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أنْ تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنّم. ثمّ يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون نريد أنْ تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون، حتّى يبقى من كان يعبد الله، من برّ أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منّا إليه اليوم، وإنّا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كلّ قوم بما كانوا يعبدون، وإنّما ننتظر ربّنا، قال: فيأتيهم الجبّار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أوّل مرّة، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه، فيقولون: الساق، فيكشف عن ساقه، فيسجد له كلّ مؤمن "(١).

روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، أنّ ناساً في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالوا: يا رسول الله! هل نري ربّنا يوم القيامة؟ قال رسول الله

١- صحيح البخاري ٨: ١٨١.

٥٦٥

صلّى الله عليه وسلّم " نعم ". قال: " هل تضارّون في رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب؟ وهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيها سحاب " قالوا: لا. يا رسول الله! قال: " ما تضارّون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارّون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذّن مؤذّن: ليتّبع كلّ أمّة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد، كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب، إلا يتساقطون في النار، حتّى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برّ وفاجر، وغبّر أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنّا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتّخذ الله من صاحبة ولا ولد. فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا، يا ربّنا! فاسقنا. فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنّها سراب يحطّم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار. ثمّ يدعى النصارى. فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنّا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذّبتم، ما اتّخذ الله من صاحبه ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون. فيقولون: عطشنا يا ربّنا! فاسقنا. قال: فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنّم كأنّها سراب يحطّم بعضها بعضاً فيتساقطون في النار.

حتّى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من برّ وفاجر، أتاهم ربّ العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها. قال: فما تنتظرون؟ تتّبع كلّ أمّة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربّنا! فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنّا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: نعوذ بالله منك. لا نشرك بالله شيئاً ( مرّتين أو ثلاثا ) حتّى أنّ بعضهم ليكاد أنْ ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود. ولا يبقى من كان يسجد اتّقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة. كلّما أراد أنْ يسجد خرّ على قفاه. ثمّ يرفعون رؤوسهم، وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أوّل مرّة. فقال: أنا ربّكم. فيقولون: أنت ربنا. ثمّ يضرب الجسر على

٥٦٦

جهنّم، وتحلّ الشفاعة، ويقولون: اللهمّ! سلّم سلّم(١).

روى مسلم في صحيحه، عن عطاء بن يزيد الليثي، أنّ أبا هريرة أخبره أنّ ناساً قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله! هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " هل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر " قالوا: لا يا رسول الله! قال: " هل تضارّون في الشمس ليس دونها سحاب " قالوا: لا يا رسول الله! قال: " فإنّكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتّبعه، فيتّبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتّبع من كان يعبد القمر القمر، ويتّبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تبارك وتعالى، في صورة غير صورته التي يعرفون. فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: نعوذ بالله منك. هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا. فإذا جاء ربّنا عرفناه. فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون. فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: أنت ربّنا، فيتّبعونه. ويضرب الصراط بين ظهري جهنّم. فأكون أنا وأمّتي أوّل من يجيز "(٢).

روى البخاري في صحيحه، عن عبيدة، عن عبد الله، أنّ يهوديّاً جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا محمّد، إنّ الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثمّ يقول: أنا الملك. فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى بدت نواجذه، ثمّ قرأ: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }(٣)، قال يحيى بن سعيد: وزاد فيه فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله: فضحك

١- صحيح مسلم ١: ١١٥ ـ ١١٦.

٢- صحيح مسلم ١: ١١٢ ـ ١١٣.

٣- الزمر: ٦٧.

٥٦٧

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تعجّباً وتصديقاً له(١).

ورى البخاري في صحيحه، عن عبيدة، عن عبد الله رضي الله عنه قال: جاءحبر من الأحبار إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا محمّد إنّا نجد: أنّ الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتّى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثمّ قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }(٢).

روى أحمد في مسنده، عن علقمة عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أنّ الله عزّ وجلّ يحمل الخلائق على إصبع والسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، فضحك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتّى بدت نواجذه، فأنزل الله عزّ وجلّ { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }(٣).

روى الطبري في تفسيره، عن عبيدة السلماني، عن عبد الله، قال: جاء يهودي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا محمّد، إنّ الله يمسك السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والخلائق على إصبع، ثمّ يقول: أنا الملك، قال فضحك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتّى بدت نواجذه وقال: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }(٤).

وروى أحمد في مسنده، عن عبد الله بن مسعود قال جاء حبر إلى رسول الله

١- صحيح البخاري ٨: ١٧٤.

٢- صحيح البخاري ٦: ٣٣.

٣- مسند أحمد ١: ٣٧٨.

٤- تفسير الطبري ٢٤: ٣٣.

٥٦٨
 كتاب سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم صلاح الدين الحسيني (ص ٥٦٩ - ص ٦٠١)
٥٦٩

ترجعوا بعدي كفّاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض "(١).

روى مسلم في صحيحه، عن قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: " ما من نبيّ إلاّ وقد أنذر أمّته الأعور الكذاب، إلا إنّه أعور. وإنّ ربّكم ليس بأعور. ومكتوب بين عينيه ك ف ر "(٢).

جعلوا الله يضحك فيعرفونه ويتّبعونه:

روى مسلم في صحيحه، أخبرني أبو الزبير: أنّه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود. فقال: نجيء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا، اُنظر أيّ ذلك فوق الناس. قال فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأوّل فالأوّل، ثمّ يأتينا ربّنا بعد ذلك فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربّنا. فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: حتّى ننظر إليك فيتجلّى لهم يضحك قال: فينطلق بهم ويتّبعونه. ويعطى كلّ إنسان منهم، منافق أو مؤمن، نوراً، ثمّ يتّبعونه(٣).

جعلوا لله داراً يسكن فيها:

روى البخاري في صحيحه، عن أنس رضي الله عنه: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: " يحبس المؤمنون يوم القيامة حتّى يُهمّوا بذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربّنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنّته، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كلّ شيء، لتشفع لنا عند ربّك حتّى يريحنا من مكاننا هذا. قال: فيقول: لست هناكم، قال: ويذكر خطيئته التي أصاب أكله من الشجرة وقد نهى عنها، ولكن ائتوا نوحاً أوّل نبيّ بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله

١- صحيح البخاري ٥: ١٢٦.

٢- صحيح مسلم ٨: ١٩٥.

٣- صحيح مسلم ١: ١٢٢.

٥٧٠

ربّه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن، قال: فيأتون إبراهيم فيقول: إنّي لست هناكم، ويذكر ثلاث كلمات كذبهنّ، ولكن ائتوا موسى عبداً آتاه الله التوراة وكلّمه وقرّبه نجيّاً، قال: فيأتون موسى فيقول: إنّي لست هناكم، ويذكر خطيئته التى أصاب قتله النفس، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله، وروح الله وكلمته، قال: فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمّداً صلّى الله عليه وسلّم، عبداً غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فيأتوني، فاستأذن على ربّي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أنْ يدعني، فيقول: ارفع محمّد، وقل يُسمع، واشفع تُشفّع، وسل تُعط ، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربّي بثناء وتحميد يعلمنيه، فيحدّ لي حدّاً، فأخرج فأدخلهم الجنّة " قال قتادة: وسمعته أيضاً يقول: " فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنّة ثمّ أعود فأستأذن على ربّي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله أنْ يدعني، ثمّ يقول: ارفع محمّد، وقل يُسمع، واشفع تشفّع، وسل تُعطي قال: فأرفع رأسي فأثني على ربّي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثمّ أشفع فيحدّ لي حدّاً، فأخرج فأدخلهم الجنّة، قال قتادة: وسمعته يقول: " فأخرج، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنّة ثمّ أعود الثالثة، فأستأذن على ربّي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت له ساجداً، فيدعني ما شاء الله أنْ يدعني، ثمّ يقول: ارفع محمّد، وقل يّسمع، واشفع تشفّع، وسل تُعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربّي بثناء وتحميد يعلمنيه، قال: ثمّ أشفع فيحدّ لي حدّاً، فأخرج فأدخلهم الجنّة "(١).

جعلوا الله ينزل على كرسي يوم الجمعة:

جاء في الدرّ المنثور: أخرج الدارقطني، عن أنس قال: بينما نحن حول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ قال: " أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء

١- صحيح البخاري ٨: ١٨٣ ـ ١٨٤.

٥٧١

في وسطها كالنكتة السوداء، قلت يا جبريل: ما هذا؟ قال: هذا يوم الجمعة يعرض عليك ربّك ليكون لك عيداً ولأمّتك من بعدك. قلت يا جبريل: فما هذه النكتة السوداء؟ قال: هذه الساعة، وهي تقوم في يوم الجمعة، وهو سيّد أيّام الدنيا، ونحن ندعوه في الجنّة يوم المزيد. قلت: يا جبريل: ولم تدعونه يوم المزيد؟ قال: لأنّ الله عزّ وجلّ اتّخذ في الجنّة وادياً أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة ينزل ربّنا على كرسي إلى ذلك الوادي، وقد حفّ العرش بمنابر من ذهب مكلّلة بالجوهر، وقد حفّت تلك المنابر بكراسي من نور، ثمّ يأذن لأهل الغرفات فيقبلون يخوضون كثائب المسك إلى الركب، عليهم أسورة الذهب والفضّة، وثياب السندس والحرير، حتّى ينتهوا إلى ذلك الوادي، فإذا اطمأنّوا فيه جلوسا، يبعث الله عزّ وجلّ عليهم ريحاً يقال لها: المثيرة، فثارت ينابيع المسك الأبيض في وجوههم وثيابهم، وهم يومئذ جرد مرد مكحلون أبناء ثلاث وثلاثين، يضرب جمامهم إلى سررهم على صورة آدم يوم خلقه الله عزّ وجلّ(١).

جعلوا الله ينزل كلّ ليلة إلى الدنيا:

روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: " ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له "(٢).

روى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: " ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني

١- الدرّ المنثور ٦: ٢٩٢.

٢- صحيح البخاري ٢: ٤٧.

٥٧٢

فأغفر له "(١).

روي في كنز العمّال: أمّا الوقوف عشيّة عرفة، فإنّ الله يهبط إلى السماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوني شعثا، يرجون رحمتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل وكعدد القطر والشجر لغفرتها لكم، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولمن شفعتم له(٢).

قال ابن حجر في الإصابة: وأخرج ابن السكن، وابن أبي خيثمة، والبغوي، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنّة له، والطبراني، من طريق إسرائيل، عن ثوير بن أبي فاختة: سمعت رجلاً من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقال له أبو الخطّاب، وسئل عن الوتر فقال: أحبّ إليّ أنْ أوتر إذ أصلّي إلى نصف الليل، إنّ الله يهبط إلى السماء الدنيا في الساعة السابعة فيقول: هل من داع... الحديث وفي آخره: فإذا طلع الفجر ارتفع وفي رواية أبي أحمد الزبيري، عن الطبراني: أنّه سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الوتر ولم يرفعه غيره(٣).

جاء في كنز العمّال: إذا كان ثلث الليل الباقي، يهبط الله عزّ وجلّ، إلى السماء الدنيا، ثمّ تفتح أبواب السماء، ثمّ يبسط يديه فيقول: هل من سائل فيعطى سؤله، فلا يزال كذلك حتّى يسطع الفجر(٤).

روي في كنز العمّال، "إذا بقي ثلث الليل الباقي نزل الرحمن تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا، فبسط يده، ألا داع يدعوني فأستجيب له، ألا تائب يتوب فأتوب عليه، ألا مستغفر يستغفرني فأغفر له، حتّى إذا طلع الفجر صعد على عرشه ".

١- صحيح مسلم ٢: ١٧٥.

٢- كنز العمّال: ٥: ٧١ ـ ٧٢.

٣- الإصابة ٧: ٩١.

٤- كنز العمّال ٢: ١١١.

٥٧٣

( البغوي، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه عن جدّه )(١).

روى أحمد في مسنده، عن ابن مسعود: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال إذا كان ثلث الليل الباقي يهبط الله عزّ وجلّ إلى السماء الدنيا، ثمّ تفتح أبواب السماء، ثمّ يبسط يده فيقول: هل من سائل يعطى سؤله؟ فلا يزال كذلك حتّى يطلع الفجر "(٢).

جعلوا الله يجلس على العرش:

جاء في الدرّ المنثور: وأخرج أبو داود، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن جبير بن مطعم قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، هلكت المواشي. استسق لنا ربّك، فإنّا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " سبحان الله! فما زال يسبّح حتّى عرف ذلك في وجوه أصحابه " فقال: " ويحك، أتدري ما الله؟ إنّ شأنه أعظم من ذلك، وإنّه لا يستشفع به على أحد، وإنّه لفوق سماواته على عرشه، وعرشه على سماواته، وسماواته على أراضيه هكذا، وقال بأصابعه مثل القبّة، وإنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب "(٣).

قال السيوطيّ في الدرّ المنثور أيضاً: وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في الردّ على الجهميّة، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، واللالكائي، والبيهقي، عن ابن مسعود قال: بين السماء والأرض خمسمائة عام، وما بين كلّ سماءين خمسمائة عام، ومسير كلّ سماء يعني غلظ ذلك، مسيرة خمسمائة عام،

١- كنز العمّال ٢: ١١٣.

٢- مسند أحمد ١: ٣٨٨.

٣- الدرّ المنثور ١: ٣٤.

٥٧٤

وما بين السماء إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي والماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه(١).

وقال السيوطيّ في الدرّ المنثور: وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والدارقطني، عن جابر، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " إنّ الله ليتجلّى للناس عامّة، ويتجلّى لأبي بكر خاصّة "(٢).

وقالوا حملة العرش حيوانات كما في التوراة:

قال ابن ماجة: حدّثنا محمّد بن يحيى، ثنا محمّد بن الصباح، ثنا الوليد بن أبي ثور الهمداني، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العبّاس بن عبد المطّلب قال: كنت بالبطحاء في عصابة وفيهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فمرّت به سحابة، فنظر إليها فقال: ما تسمّون هذه؟ قالوا السحاب، قال: والمزن؟ قالوا: والمزن، قال: والعنان؟ قال أبو بكر: والعنان. قال: كم ترون بينكم وبين السماء؟ قالوا: لا ندري، قال: " فإنّ بينكم وبينها إمّا واحداً أو اثنين أو ثلاثاً وسبعين سنة، والسماء فوقها كذلك، حتّى عدّ سبع سموات، ثمّ فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثمّ فوق ذلك ثمانية أو عال بين اظلافهنّ وركبهنّ كما بين سماء إلى سماء، ثمّ على ظهورهنّ العرش، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثمّ الله فوق ذلك تبارك وتعالى "(٣).

روي في فردوس الأخبار للديلمي، عن العبّاس بن عبد المطلب: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ }(٤): ثمانية أملاك في صورة الأوعال، ما بين ظلف

١- الدرّ المنثور ١: ٤٤.

٢- الدرّ المنثور ٦: ٢٩١.

٣- سنن ابن ماجة ١: ٦٩.

٤- الحاقة: ١٧.

٥٧٥

أحدهم وركبته مسيرة خمسمائة عام(١).

جاء في التمهيد لابن عبد البرّ، عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: حملة العرش أحدهم على صورة إنسان، والثاني على صورة ثور، والثالث على صورة نسر، والرابع على صورة أسد(٢).

روي في تفسير الطبري، عن شعيب الجبائي قال: في كتاب الله الملائكة حملة العرش، لكلّ ملك منهم وجه إنسان، وثور، وأسد، فإذا حرّكوا أجنحتهم فهو البرق(٣).

عزيزي القارئ، لقد ذكرت لك جملة يسيرة من أحاديث التجسيم والتشبيه، وما تركته هو أكثر بكثير من ذلك، وأيضاً تركت لك آراء العلماء عند أهل السنّة لكي تراجعها خصوصا رأي ابن تيمية وغيره، المهم أنْ تعرف أنّ موضوع التجسيم قد بدأ في عصر مبكّر، وأكثر من روى في ذلك عمر بن الخطّاب الذي عيّن كعب الأحبار قصّاصا يقصّ على المسلمين ما هو موجود في التوراة، ثمّ أبا هريرة الذي تتلمذ على يدي كعب الأحبار، والذي كان ينقل الروايات عنه وينسبها إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبذلك انتشر التجسيم والتشبيه بين أهل السنّة، فيكون إذن حديث اتّباع الأمم السابقة من اليهود والنصارى في موضوع التجسيم حاصلاً ومنطبقاً عند أهل السنّة، ويكونون بذلك قد خالفوا الآيات الشريفة المذكورة في بداية البحث، ولم ينزّهوا الله سبحانه وتعالى عن المكان والجسميّة والزمان، وتعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّا كبيراً.

١- الفردوس بمأثور الخطّاب ٤: ٤١٣.

٢- التمهيد ٤: ٩.

٣- تفسير الطبري ١: ٢٢١.

٥٧٦

اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله:

قال تعالى في سورة التوبة: { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ }(١).

قال السيوطي في الدرّ المنثور: أخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، والترمذي وحّسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عديّ بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يقرأ في سورة براءة: { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ }فقال: " أمّا أنّهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنّهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئا استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه "(٢).

وفي الدرّ المنثور أيضاً: أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في سننه، عن أبي البختري رضي الله عنه قال: سأل رجل حذيفة رضي الله عنه فقال: أرأيت قوله تعالى: { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ }، أكانوا يعبدونهم؟ قال: لا، ولكنّهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئا استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه(٣).

وفيه أيضاً أخرج أبو الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان، عن حذيفة رضي الله عنه { اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ }، قال: أما إنّهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنّهم أطاعوهم في معصية الله(٤).

عزيزي القارئ، أظنّك بعد قراءة الكتاب الذي بين يديك، سوف تصل إلى

١- التوبة: ٣١.

٢- الدرّ المنثور ٣: ٢٣٠.

٣- الدرّ المنثور ٣: ٢٣١.

٤- الدرّ المنثور ٣: ٢٣١.

٥٧٧

الإجابة على هذا السؤال، وهو هل اتّخذ المسلمون أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله يحلّون لهم الحرام ويحرّمون عليهم الحلال كما فعل اليهود والنصارى؟

أعتقد بأنّك سوف تجيب على هذا السؤال بكلّ سهولة ويسر بعد أنْ قرأت كيف نقض الصحابة عهودهم وبيعتهم لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) التي عقدوها لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) يوم غدير خمّ، وعيّنوا شخصاً آخر وهو أبو بكر الذي لم يعيّنه الله ولا رسوله، ثمّ اتّخذوه بعد ذلك قدوة، فما قال وأمر اتّبعوه، وما أنكر ومنع تركوه حتّى ولو كان ذلك مخالفاً لله ولرسوله.

ولقد قرأت عزيزي القارئ بحث التغيير والانقلاب بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وتغيير الأحكام بحسب الأهواء والآراء وكيف تمسّك المسلمون بكلّ تلك المتغيّرات والقوانين التي غيّرها أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية على حساب النصوص الشرعيّة القطعيّة الثبوت، القطعيّة الدلالة، فما حرّم أولئك حرّمه المسلمون، ولا زالوا حتّى اليوم متّبعين في ذلك آراء وأهواء أئمّتهم الذين لم يفرض الله طاعتهم، ولم يجعل لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أيّة فضيلة، وكذلك ما فرض أولئك على المسلمين لا زال المسلمون حتّى اليوم يعتبرونه فرضاً ولا يمكن أنْ يتنازلوا عنه، حتّى ولو كان ذلك على حساب الدليل من القرآن والسنّة الصحيحة، أليس هذا ما نشاهده اليوم ويطبّقه المسلمون من أهل السنّة.

فلقد قال عمر بن الخطّاب: متعتان كانا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحجّ(١).

ومع أنّ الله أحلّ ذلك للمسلمين، وفعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أنّ المسلمين السنّة - ولأنّ المحرّم لهم عمر الذي يعتبرونه مشرّعا - حتّى اليوم يتبنّون هذا الرأي ويعتبرونه تشريعاً، حتّى ولو خالف الآيات القرآنيّة، ويحاولون جهدهم أنْ

١- شرح معاني الآثار ٢: ١٤٦، كنز العمّال ١٦: ٥١٩، واللفظ للثاني.

٥٧٨

يلصقوا تحريم ذلك إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

روى أحمد في مسنده، عن ابن عبّاس قال: تمتّع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عبّاس: ما يقول عرية؟ قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن عبّاس: أراهم سيهلكون. أقول: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ويقول: نهى أبو بكر وعمر(١).

وكذلك عندما اخترعوا للمسلمين غسل الرجلين في الوضوء بدل مسحهما، مخالفين بذلك كتاب الله وسنّة نبيّه، ولكن اتّبعوا أئمّتهم الذين اتّخذوهم من دون الله، فنبذوا حكم الله - الذي في آية الوضوء - وراء ظهورهم، وتركوا تطبيق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك الأمر الإلهي، واتّبعهم المسلمون السنّة حتّى يومنا هذا، وصار الأمر على الغسل بدل المسح. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن ماجة، عن ابن عبّاس قال: أبى الناس إلا الغسل، ولا أجد في كتاب الله إلا المسح(٢).

وقس على ذلك كلّ التغييرات التي حصلت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كأحكام الطهارة، والوضوء، والصلاة، والحجّ، والصيام، والزكاة، والطلاق، والزواج، والمعاملات، والمأكولات، والمشروبات، وغير ذلك، ولا زال المسلمون حتّى اليوم يبرّرون كلّ تلك التغييرات والتبديلات بقول عمر، وأبو بكر، وعثمان، ومعاوية، أو فعل عمر، وأبو بكر، وعثمان، ومعاوية، يبرّرون كلّ ذلك بالرغم من وضوح المخالفة لأمر الله ورسوله، ولكن كما قلت لك: يقدّمون أحبارهم ورهبانهم على كلام الله وسنّة رسوله، وهم مستعدّون لتقديم الغالي والرخيص في سبيل نصرة أولئك وآرائهم، ولو كان ذلك على حساب المقام الإلهي، ومرتبة الرسالة

١- مسند أحمد ١: ٣٣٧.

٢- اُنظر الدرّ المنثور ٢: ٢٦٢.

٥٧٩

والنبوّة، كما بيّنت لك في غير موضع من هذا الكتاب، ولقد صدق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عندما قال في ذلك ما قال، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة، وليكونن أئمّة مضلون، وليخرجن على أثر ذلك الدجّالون الثلاثة(١).

ولقد قرأت عزيزي القارئ كيف جسّم أولئك الذات الإلهيّة، واتّبعهم المسلمون السنّة على ذلك، ودافعوا عن أقوالهم وأثبتوه في صحاحهم ومسانيدهم، وحتّى لو كان ذلك مخالفاً للقرآن الكريم.

ولقد قرأت كيف طعنوا في عصمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيّته حتّى يصطنعوا لاؤلئك فضائل لا وجود لها على حساب المقام الإلهي ومنزلة النبوّة والرسالة بحيث جعلوهم بمنزلة الأنبياء، وحتّى وصل بهم الأمر أنْ وضعوا حديثاً على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يدّعون فيه أنّ رسول الله قال: لو كان من بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطّاب(٢).

لقد وصل بهم الغلوّ إلى أكثر من هذا الحدّ، ولكن يكفيك أنْ تشاهد عشرات المخالفات للآيات القرآنيّة من المسلمين السنّة مقابل تطبيق آراء وأحكام أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية.

لقد ألغى عمر بن الخطّاب البسملة من الفاتحة وطبّق ذلك معاوية وفرضه على المسلمين، ومع أنّها آية من القرآن الكريم، فإنّك تجد الملايين من المسلمين السنّة يتّبعون سنّة أولئك ولا يقرؤون البسملة في صلاتهم ولا يجيزونها في صلاتهم.

وكذلك فرض عمر بن الخطّاب وضع اليدين على الصدر، أي التكتّف في

١- المستدرك على الصحيحين ٤: ٥٢٨ .

٢- مسند أحمد ٤: ١٥٤، مجمع الزوائد ٩: ٦٨.

٥٨٠