×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم / الصفحات: ٦١ - ٨٠

فليواقعها فإنّ ذلك يردّ ما في نفسه(١).

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه في باب: ما قالوا في الرجل يرى المرأة فتعجبه، من قال يجامع أهله، حدّثنا أبو بكر قال: نا وكيع، عن سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الله بن حبيب قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلقي امرأة فأعجبته، فرجع إلى أمّ سلمة وعندها نسوة يدفن طيبا، قال: فعرفن ما في وجهه، فأخلينه، فقضى حاجته فخرج فقال: "من رأى منكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فليواقعها، فإنّ ما معها مثل الذي معها"(٢).

وروى في كشف الخفاء، في باب من رأى منكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فليواقعها فإنّ معها مثل الذي معها، رواه ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن حبيب بلفظ: قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلقي امرأة فأعجبته فخرج إلى أمّ سلمة وعندها نسوة يدفن طيبا فعرفن في وجهه، ما طلب عليه السلام، فقضى حاجته، فخرج، فقال: من رأى وذكره، ورواه مسلم والترمذي عن جابر: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رأى امرأة فأعجبته فدخل على زينب فقضى حاجته وخرج فقال: "إنّ المرأة إذا أقبلت في صورة شيطان فإن رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإنّ ذلك يردّ ما في نفسه"(٣).

جعلوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يختلي بالأجنبيّة:

روى البخاري في صحيحه، حدّثنا عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أنّه سمعه يقول: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يدخل على أمّ حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أمّ حرام

١- صحيح مسلم ٤: ١٣٠.

٢- المصنّف لابن أبي شيبة ٣: ٤٠٧.

٣- كشف الخفاء ٢: ٢٤٩ ـ ٢٥٠.

٦١

تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأطعمته، وجعلت تفلي رأسه، فنام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثُمّ استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمّتي، عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة، أو: مثل الملوك على الأسرة". شكّ إسحاق، قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أنْ يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثُمّ وضع رأسه ثُمّ استيقظ وهو يضحك، فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمّتي، عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله". كما قال في الأوّل، قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أنْ يجعلني منهم قال: "أنت من الأولين". فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان، فصرعت عن دابتها حين خرجب من البحر، فهلكت(١).

وروى مسلم في صحيحه، حدّثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: "أنْ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يدخل على أمّ حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أمّ حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوماً فأطعمته ثُمّ جلست تفلي رأسه فنام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثُمّ استيقظ، وهو يضحك..."(٢).

وروى أبو داود في سننه، حدّثنا عبد الواحد بن غياث، أخبرنا عبد الواحد ابن زياد، أخبرنا الأعمش، عن جامع بن شداد، عن كلثوم، عن زينب أنّها كانت تفلي رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعنده امرأة عثمان بن عفان ونساء من المهاجرين، وهن يشتكين منازلهن أنّها تضيق عليهن ويخرجن منها، فأمر رسول

١- صحيح البخاري ٣: ٢٠١.

٢- صحيح مسلم ٦: ٤٩.

٦٢

الله صلّى الله عليه وسلّم أنْ تورث دور المهاجرين النساء، فمات عبد الله بن مسعود، فورثته امرأته داراً بالمدينة"(١).

قال في الدّر المنثور: أخرج عبد بن حميد، عن عكرمة أنّ امرأة أخي عبادة ابن الصامت جاءت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تشكو زوجها تظاهر عنها، وأمراة تفلي رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو قال: تدهنه، فرفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نظره إلى السماء، فقالت التي تفلي لامرأة أخي عبادة بن الصامت واسمها خولة بنت ثعلبة: يا خولة ألا تسكتي، فقد ترينه ينظر إلى السماء، فأنزل الله فيها: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا . . . .}(٢)(٣).

جعلوه يقرّ بمزامير الشيطان في بيته، ويحلّل الحرام في العيد:

اُنظر عزيزي القارئ، وتمعّن كيف أنّهم يجعلون من أبي بكر وعمر وكأنّهم أحرص على شرع الله من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي أنّهم يقبلون أنْ يطعن في عصمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنزلته، مقابل رفع أولئك، ويجعلون الشياطين تسرح وتمرح في بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكأنّ بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مجمع للشياطين، وكأنّ الشياطين منسجمة في العيش في بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ الشياطين لا تخشى الله، ولا من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بينما تهرب من عمر بن الخطّاب، تلك الشياطين التي منعت من اختراق السماء والتنصّت عليها بسبب ولادة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ونزلت آيات عديدة في هذا المعنى، وهناك أحاديث كثيرة تؤكّد أنّ ذكر الله وذكر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يطرد الشياطين، بالرغم من كلّ ذلك، جعلوا الشياطين مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي بيته، بينما تفرّ من عمر، فكيف يعتقد السنيّ ذلك على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، في حين أنّه ينفيه عن عمر؟ فهل أنّ عمر أفضل من رسول الله النبيّ المعصوم المختار المصطفى

١- سنن أبي داود ٢: ٥٢ .

٢- المجادلة: ١.

٣- الدرّ المنثور ٦: ١٨١.

٦٣

أفضل الأنبياء والمرسلين وخير الخلق أجمعين(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

روى البخاري في صحيحه قال: استأذن عمر على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن، فلمّا استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنّك يا رسول الله، قال: "عجبت من هؤلاء اللاتي كنّ عندي، فلمّا سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحقّ أنْ يهبن ثُمّ قال: أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قلن: نعم، أنت أفظّ وأغلظ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قطّ سالكا فجّا إلا سلك فجّا غير فجك"(١).

روى البخاري في صحيحه، حدّثنا عبيد بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: دخل أبو بكر، وعندي جاريتين من جواري الأنصار، تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "يا أبا بكر، إنّ لكلّ قوم عيداً، وهذا عيدنا"(٢).

وروى البخاري في صحيحه، حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنّ أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان، في أيّام منى، تدففان وتضربان، والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن وجهه، فقال:

١- صحيح البخاري ٤: ٩٦.

٢- صحيح البخاري ٢: ٣.

٦٤

"دعهما يا أبا بكر، فإنّها أيّام عيد، وتلك الأيّام أيّام منى. وقالت عائشة: رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسترني، وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "دعهم، أمناً بني أرفدة"(١).

وروى مسلم في صحيحه، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: دخل عليّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار، تغنيّان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "يا أبا بكر! إنّ لكلّ قوم عيداً، وهذا عيدنا"(٢).

جعلوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يتلهّى عن الفقراء ويتصدّى للأغنياء:

ويقول كذلك أهل السنّة: إن الآيات الكريمة: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الأَْعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى...)(٣).

قد نزلت عتاباً للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لعبوسه بوجه عبد الله بن مكتوم، والذي كان ضرّيراً، وإنّ سبب إعراض الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عنه حسب ما يرويه أهل السنّة هو انشغاله بالحديث مع عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعبّاس بن عبد المطلّب، وأبياً، وأمية بن خلف، يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم، وقد طلب ابن مكتوم من الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حينها أنْ يقرؤه ويعلمه ممّا علّمه الله حتّى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لقطعه كلامه وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد إنّما أتباعه من

١- المصدر نفسه ٢: ١١.

٢- صحيح مسلم ٣: ٢١.

٣- عبس: ١ ـ ٤.

٦٥

العميان والعبيد، فأعرض عنه وأقبل على القوم الذين كان يكلمهم(١).

وأمّا أهل البيت وأتباع أهل البيت سلام الله تعالى عليهم وشيعتهم، فإنّهم ينزّهون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن كلّ نقيصة، ويرفضون ذلك، ويقولون إنّ هذه الآيات نزلت بحقّ رجل من بني أميّة أعرض عن ذلك الأعمى وليس الرسول(٢).

جعلوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يهتمّ بستر نسائه:

أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما أنْ عائشة زوج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت كان عمر بن الخطّاب يقول لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: احجب نساءك. قالت: فلم يفعل. وكان ازواج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يخرجن ليلاً إلى ليل قبل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطّاب وهو في المجلس فقال: عرفتك يا سودة حرصاً على أنْ ينزل الحجاب قالت: فأنزل الله عزّ وجلّ آية الحجاب(٣).

وروى البخاري عن أنس قال: "قال عمر: قلت: يا رسول الله، يدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب(٤).

وروى البخاري في صحيحه، حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنّ أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان، في أيّام منى، تدففان وتضربان، والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن وجهه، فقال: "دعهما يا أبا بكر، فإنّها أيّام عيد، وتلك الأيّام منى" وقالت عائشة: رأيت النبيّ

١- اُنظر: أسباب النزول للواحدي: ٢٩٧. وذكر الفخر الرازي في تفسيره ٣١: ٥٥ أنّ المفسرين أجمعوا على أنّ الذي عبس هو الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

٢- اُنظر مجمع البيان ١٠: ٢٦٦.

٣- صحيح البخاري ٧: ١٢٩، صحيح مسلم ٧: ٧.

٤- صحيح البخاري ٦: ٢٤.

٦٦
 كتاب سبيل المستبصرين إلى الصراط المستقيم صلاح الدين الحسيني (ص ٦٧ - ص ٩٧)
٦٧

دخول سالم "وهو حليفه"، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "أرضعيه" قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: "قد علمت أنّه رجل كبير" زاد عمرو في حديثه: وكان قد شهد بدراً، وفي رواية ابن أبي عمر: فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم(١).

وروى مسلم في صحيحه، عن عائشة، أنّ سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت "تعني ابنة سهل" النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالت: إنّ سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوا، وإنّه يدخل علينا، وإنْ أظنّ أنّ في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً، فقال لها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة"، فرجعت فقالت: إنّي قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة(٢).

وروى مسلم في صحيحه أيضاً، وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمّد بن نافع، "واللفظ لابن رافع" قال: حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا ابن أبي مليكة، أنّ القاسم بن محمّد بن أبي بكر أخبره، أنّ عائشة أخبرته، أنّ سهلة بنت عمرو جاءت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله! إنّ سالماً "لسالم مولى أبي حذيفة" معنا في بيتنا، وقد بلغ ما يبلغ الرجال، وعلم ما يعلم الرجال، قال: "أرضعيه تحرمي عليه" قال: فمكثت سنة أو قريباً منها لا أحدّث به، وهبته، ثُمّ لقيت القاسم فقلت له: لقد حدّثتني حديثاً ما حدّثته بعد، قال: فما هو؟ فأخبرته، قال: فحدّثه عنّي، أنّ عائشة أخبرتنيه(٣).

وروى مسلم في صحيحه أيضاً وحدّثني أبو الطاهر وهارون بن سعيد الأيلي "واللفظ لهارون" قالا: حدّثنا ابن وهب، أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه،

١- صحيح مسلم ٤: ١٦٨.

٢- صحيح مسلم ٤: ١٦٨.

٣- صحيح مسلم ٤: ١٦٨ ـ ١٦٩.

٦٨

قال: سمعت حميد بن نافع يقول: سمعت زينب بنت أبي سلمة تقول: سمعت أمّ سلمة زوج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تقول لعائشة: والله! ما تطيب نفسي أنْ يرأنّي الغلام قد استغنى عن الرضاعة، فقالت: لمّ؟ قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله! والله! إنّي لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، قالت: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "أرضعيه" فقالت: إنّه ذو لحية، فقال: "ارضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة" فقالت: والله! ما عرفته في وجه أبي حذيفة(١).

وروى مالك في الموّطأ، أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أنّه سئل عن رضاعة الكبير. فقال: أخبرني عروة بن الزبير أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة وكان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان قد شهد بدراً، وكان تبنى سالماً الذي يقال له "سالم" مولى أبي حذيفة، كما تبنى رسول الله زيد بن حارثة، فأنكح أبو حذيفة سالماً وهو يرى أنّه ابنه، أنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهي يومئذ من المهاجرات الأول، وهي من أفضل أيامي قريش، فلمّا أنزل الله تعالى في كتابه في زيد ما أنزل: (ادْعُوهُمْ لآِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ)(٢) ردّ كلّ أحد من أولئك إلى أبيه، فإنّ لم يعلم أبوه رد إلى مولاه فجاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة، وهي من بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت: يا رسول الله كنّا نرى سالماً ولداً، وكان يدخل عليّ وأنا فضل، وليس لنا إلا بيت واحد فماذا ترى في شأنه؟ فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم "أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنها"، وكانت تراه ابناً من الرضاعة فأخذت بذلك عائشة أمّ المؤمنين فيمن كانت تحبُ أنْ يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختها أمّ كلثوم بنت أبي بكر الصدّيق، وبنات أخيها أنْ يرضعن من

١- صحيح مسلم ٤: ١٦٩.

٢- الأحزاب: ٥ .

٦٩

أحبّت أنْ يدخل عليها من الرجال وأبى سائر أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدٌ من الناس، وقلن: والله ما نرى الذي أمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سهلة بنت سهيل إلا رخصة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في رضاعة سالم وحده، لا والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد، فعلى هذا كان رأي أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في رضاعة الكبير(١).

جعلوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يستر عورته، ولا عورة نسائه، ولا يستحي من الله:

روى مسلم في صحيحه، حدّثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، حدّثني أبي، عن جدّي، حدّثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن يحيى بن سعيد بن العاص، أنّ سعيد بن العاص أخبره أنّ عائشة زوج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعثمان حدّثاه، أنّ أبا بكر استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثُمّ انصرف، ثُمّ استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثُمّ انصرف، قال عثمان: ثُمّ استأذنت عليه، فجلس، وقال لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك"، فقضيت إليه حاجتي، ثُمّ انصرفت، فقالت عائشة: "يا رسول الله! ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان"؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ عثمان رجل حيي وإنّي خشيت إن أذنت له على تلك الحال أنْ لا يبلغ إليّ في حاجته"(٢).

وروى المتقي الهندي في كنز العمّال، عن سعيد بن العاص، أنّ عائشة زوج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى الله عليه وسلّم وعثمان حدّثاه أنّ أبا بكر استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فإذن لأبي بكر

١- الموطّأ ٢: ٦٠٥ ـ ٦٠٦.

٢- صحيح مسلم ٧: ١١٧.

٧٠

وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثُمّ انصرف، ثُمّ استأذن عمر فإذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته ثُمّ انصرف، قال عثمان: ثُمّ استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجتي ثُمّ انصرفت، قالت عائشة: "يا رسول الله! مالي لم ارك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان"؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ عثمان رجل حيّي وإنّي خشيت إنْ أذنت له على تلك الحال أنْ لا يبلغ إليّ في حاجته(١).

وروى البخاري في صحيحه، حدّثنا مطر بن الفضل قال: حدّثنا روح قال: حدّثنا زكرياء بن إسحاق، حدّثنا عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يحدّث: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كان ينقل معهم الحجارة للكعبة، وعليه إزاره، فقال له العبّاس عمّه: يا ابن أخي، لو حللت إزارك، فجعلت على منكبيك دون الحجارة، قال: فحلّه فجعله على منكبيه، فسقط مغشيّا عليه، فما رؤي بعد ذلك عرياناً صلّى الله عليه وسلّم(٢).

وروى مسلم في صحيحه، حدّثنا عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يُحدّث، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان ينقل معهم الحجارة للكعبة، وعليه إزاره، فقال له العبّاس عمّه: يا ابن أخي! لو حللت إزارك، فجعلته على منكبك، دون الحجارة، قال فحلّه فجعله على منكبه، فسقط مغشيّاً عليه، قال: فما رؤي بعد ذلك اليوم عرياناً(٣).

جعلوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يشرب الخمر والنبيذ:

روى البخاري في صحيحه، حدّثنا سعيد بن أبي مريم، حدّثنا أبو غسان

١- كنز العمّال ٣: ٧٢ ـ ٧٣، والحديث أخرجه أحمد في مسنده ١: ٧١، ٦: ١٥٥، السنن الكبرى للبيهقي ٢: ٢٣١.

٢- صحيح البخاري ١: ٩٦.

٣- صحيح مسلم ١: ١٨٤.

٧١

قال: حدّثني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد الساعدي أنْ يرسل إليها فأرسل إليها فقدمت، فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتّى جاءها، فدخل عليها، فإذا امرأة منكّسة رأسها، فلمّا كلّمها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: أعوذ بالله منك، فقال: "قد أعذتك منّي" فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا، قالوا: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جاء ليخطبك، قالت: كنت أنا أشقى من ذلك فأقبل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يومئذ حتّى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثُمّ قال: "اسقنا يا سهل" فخرجت لهم بهذا القدح، فأسقيتهم فيه، فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه(١).

وأخرجه مسلم في الأشربة، باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد ولم يصر مسكراً(٢).

وروى مسلم في صحيحه، وحدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا وكيع، عن إسماعيل بن مسلم العبدي، عن أبي المتوكلّ الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "من شرب النبيذ منكم، فليشربه زبيباً فرداً، أو تمراً فرداً، أو بسراً فرداً"(٣).

وروى مسلم في صحيحه، حدّثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدّثنا أبي حدّثنا شعبة، عن يحيى بن عبيد، أبي عمر البهراني قال: سمعت ابن عبّاس يقول: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ينتبذ له في أوّل الليل، فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجئ، والغد والليلة الأخرى، والغد إلى العصر، فإنّ بقي شيء،

١- صحيح البخاري ٦: ٢٥٢.

٢- صحيح مسلم ٦: ١٠٣.

٣- صحيح مسلم ٦: ٩٠.

٧٢

سقاه الخادم، أو أمر به فصبّ(١).

وروى مسلم في صحيحه، حدّثنا محمّد بن بشّار، حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا شعبة عن يحيى البهراني قال: ذكروا النبيذ عند ابن عبّاس فقال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ينتبذ له في سقاء. قال شعبة: من ليلة الاثنين، فيشربه يوم الاثنين والثلاثاء إلى العصر، فإنْ فضل منه شيء، سقاه الخادم أو صبّه(٢)

وروى مسلم في صحيحه، وحدّثني محمّد بن أحمد بن أبي خلف، حدّثنا زكرياء بن عدي، حدّثنا عبيد الله عن زيد، عن يحيى، أبي عمر النخعي. قال: سأل قوم ابن عبّاس عن بيع الخمر وشرائها والتجارة فيها؟ فقال: أمسلمون أنتم؟ قالوا: نعم. قال: فإنّه لا يصلح بيعها ولا شراؤها ولا التجارة فيها. قال فسألوه عن النبيذ. فقال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر. ثُمّ رجع وقد نبذ ناس من أصحابه في حناتم ونقير ودباء. فأمر به فأهريق، ثُمّ أمر بسقاء فجعل فيه زبيب وماء. فجعل من الليل فأصبح، فشرب منه يومه ذلك وليلته المستقبلة. ومن الغد حتّى أمسى، فشرب وسقى، فلمّا أصبح أمر بما بقي منه فأهريق(٣).

وروى مسلم في صحيحه، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا: حدّثنا عفّان، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس. قال: لقد سقيت رسول الله، بقدحي هذا الشراب كلّه، العسل والنبيذ والماء واللبن(٤).

وروى مسلم في صحيحه، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب "واللفظ لأبي كريب" قالا: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر بن عبد الله قال: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاستسقى. فقال رجل: يا

١- المصدر نفسه ٦: ١٠١.

٢- صحيح مسلم ٦: ١٠١.

٣- صحيح مسلم ٦: ١٠٢.

٤- صحيح مسلم ٦: ١٠٤.

٧٣

رسول الله! ألا نسقيك نبيذاً فقال: "بلى" قال: فخرج الرجل يسعى، فجاء بقدح فيه نبيذ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "ألا خمرته ولو تعرض عليه عودا" قال: فشرب(١).

وروي في شرح معاني الآثار، حدّثنا ريبع المؤذّن قال: ثنا أسد بن موسى قال: ثنا مسلم بن خالد قال: حدّثني زيد بن أسلم، عن سمّي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ثُمّ إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فاطعمه طعاماً فليأكلّ من طعامه، ولا يسأل عنه، فإنْ أسقا شراباً فليشرب منه، ولا يسأل عنه، فإنْ خشي منه فليكسره بشيء(٢).

وروى النسائي في سننه، أخبرنا زياد بن أيّوب قال: حدّثنا هشيم قال: أنبأنا العوام، عن عبد الملك بن نافع قال: قال ابن عمر: رأيت رجلاً جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقدح فيه نبيذ وهو عند الركن، ودفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديداً فردّه على صاحبه، فقال له رجل من القوم: يا رسول الله، أحرام هو؟ فقال: عليّ بالرجل، فأتي به فأخذ منه القدح، ثُمّ دعا بماء فصبّه فيه، فرفعه إلى فيه فقطب، ثُمّ دعا بماء أيضاً فصبّه فيه، ثُمّ قال: إذا اغتلمت عليكم هذه الأوعية فاكسروا متونها بالماء(٣).

وروى البيهقي في سننه الكبرى، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت إذا أشتدّ نبيذ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جعلت فيه زبيباً يلتقط حموضته(٤).

وأخرج أبو داود، عن عائشة: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان ينبذ له

١- صحيح مسلم ٦: ١٠٥.

٢- شرح معاني الآثار ٤: ٢٢٢.

٣- سنن النسائي ٨: ٣٢٣ ـ ٣٢٤.

٤- السنن الكبرى ٨: ٣٠٠.

٧٤

زبيب فيلقى فيه تمر وتمر فيلقى فيه الزبيب(١).

وأحبّ أنْ ألفت نظر القارئ العزيز إلى أنّ معنى النبيذ في اللغة والعرف والشرع هو الخمر، وسأذكر لك بعض الأحاديث والأشعار والمعاني اللغوية من القواميس العربية، والتي تؤكّد على هذا المعنى، كما وأذكر أنْ شرب النبيذ كان مستفحلاً بين الناس بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلقد روي عن العديد من الصحابة المنافقين أنّهم لم يتركوا شرب الخمر بعد تحريمه، فمعلوم ما جرى مع والي عثمان على الكوفة الصحابي الوليد بن عقبة، عندما صلّى الفجر بالناس أربعاً وكان سكراناً(٢)، وكذلك الحكام الأمويين والعباسيين اشتهرت عنهم روايات المجون والخمر، ولقد اقتدوا بمن أباح لهم ذلك من الصحابة، ونبيّن التفاصيل إنْ شاء الله في بحث الانقلاب والتغيير بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

ورى الحاكم في مستدركه، عن أبي سعيد الخدري قال: لا أشرب نبيذ الجرّ، بعد إذ أتي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بنشوان فقال: يا رسول الله، ما شربت خمراً، لكنيّ شربت نبيذ زبيب وتمر في دباء، فأمر به، فنهز بالأيدي، وخفق بالنعال(٣).

قال القرطبي: "وثبت بالنقل الصحيح أنّ عمر بن الخطّاب ـ وحسبك به عالماً باللسان والشرع ـ خطب على منبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا أيّها الناس، ألا إنّه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة. من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر، يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة، وهم أهل اللسان، ولم يفهموا الخمر إلا ما ذكرناه، وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأنّ الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمّى

١- سنن أبي داود ٢:١٩٠.

٢- اُنظر: السنن الكبرى للنسائي ٣: ٢٤٨.

٣- المستدرك على الصحيحين ٤: ٣٧٤.

٧٥

خمراً، ولا يتناوله اسم الخمر، وإنّما يسمّى نبيذاً، وقال الشاعر:


تركت النبيذ لأهل النبيذ وصرت حليفا لمن عابه
شراب يدنّس عرض الفتى ويفتح للشرّ أبوابه(١)

وقال القرطبي في الجامع لإحكام القرآن: وحكى الفراء عن العرب، طين لاتب بمعنى لازم، والأتب الثابت، تقول منه: لتب يلتب لتبا ولتوبا، مثل: لزب يلزب بالضمّ لزوبا، وأنشد أبو الجراح في اللاتب:


فإنْ يك هذا من نبيذ شربته فـــإنّي مـــن شرب النبيذ لتائب
صداع وتوصيم العظام وفترة وغمّ مع الإشراق في الجوف لاتب(٢)

وذكر في تحفة الأحوذي شرح الترمذي: يقال للخمر: المعتصر من العنب نبيذ، كما يقال للنبيذ خمر، قاله ابن الأثير في النهاية(٣).

وفي لسان العرب ويقال للخمر المعتصرة من العنب: نبيذ، كما يقال للنبيذ: خمر(٤).

جعلوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعرف من أمر الدنيا شيئاً:

روى مسلم في صحيحه، عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرّ بقوم يلقّحون، فقال: "لو لم تفعلوا لصلح" قال: فخرج شيصاً، فمرّ بهم فقال: "ما لنخلكم؟ قالوا: قلت: كذا وكذا. قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم"(٥).

وفي فيض القدير: روى أحمد عن طلحة قال: مررت مع رسول الله صلّى

١- الجامع لأحكام القرآن "تفسير القرطبي" ٦: ٢٩٤.

٢- تفسير القرطبي ١٥: ٦٩.

٣- تحفة الأحوذي ١: ٤٥.

٤- لسان العرب ٣: ٥١١.

٥- صحيح مسلم ٧: ٩٥.

٧٦

الله عليه وسلّم في نخل، فرأى قوماً يلقّحون نخلاً فقال: "ما تصنعون"؟ قالوا: كنّا نضعه، قال: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً" فتركوه، فنقصت ثمرته، فقال: "إنّما أنا بشر مثلكم، وإنّ الظنّ يُخطىء ويصيب، ولكن ما قلت لكم قال الله، فلن أكذب على الله، فلن أكذب على الله"(١).

جعلوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يأكلّ الحرام:

روى البخاري في صحيحه، حدّثني محمّد بن أبي بكر، حدّثنا فضيل بن سليمان، حدّثنا موسى بن عقبة، حدّثنا سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، قبل أنْ ينزل على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الوحي، فقُدّمت إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سفرة، فأبى أنْ يأكلّ منها، ثُمّ قال زيد: إنّي لست آكلّ ممّا تذبحون على أنصابكم، ولا آكلّ إلا ما ذكر اسم الله عليه. وإنّ زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحها، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثُمّ تذبحونها على غير اسم الله. إنكاراً لذلك وإعظاما له(٢).

جعلوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يخالف أمر الله ويصلّي على المنافقين:

وأيضاً ما نسبه أهل السنّة بشأن آية النهي عن الصلاة على المنافقين بأنّها نزلت مؤيّدة لموقف عمر بعد أنْ أصرّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على الصلاة على ابن أبي المنافق.

روى البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن عمر أنّه قال: لمّا توفي عبد الله ابن أبي، جاء أبنه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفّنه فيه، وصلّ عليه واستغفر له، فأعطاه قميصه وقال له: إذا فرغت منه

١- فيض القدير شرح الجامع الصغير ١: ٦٢٥.

٢- صحيح البخاري ٤: ٢٣٣.

٧٧

فاذنّا، فلمّا فرغ أذنه به، فجاء ليصلّي عليه، فجذبه عمر فقال: أليس قد نهاك الله أنْ تصلّي على المنافقين؟ فقال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ)(١)، فنزلت: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ)(٢)، فترك الصلاة عليهم(٣).

وفي رواية أخرى عن عمر نفسه قال: "... فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)"(٤).

ولا يستفاد من هذه الحادثة سوى خطأ عمر وشدّة اعتراضه على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)وكما اعترف عمر نفسه بذلك، فعن الشعبيّ أنّ عمر بن الخطّاب قال: لقد أصبت في الإسلام هفوة ما أصبحت مثلها قط، أراد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصلي على عبد الله بن أبي، فاخذت بثوبه، فقلت: والله ما أمرك الله بهذا، لقد قال الله: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ)(٥)، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد: خيرّني ربّي، فقال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)(٦).

على أنّني لا أظنّ أنّ هذه الحادثة حصلت على الوجه المذكور ; لأنّه ثبت أنّ عمر جذب ثوب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لكنّ بقيّة القصّة لُفّقت حتّى يحول خطأ عمر إلى منقبة مقابل مخالفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأمر الله، وفي ذلك تنقيص من شأن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وطعن في عصمته، وهذا ممّا لا يقبله عقل ولا شرع.

١- التوبة: ٨٠ .

٢- التوبة: ٨٤ .

٣- صحيح البخاري ٧: ٣٦.

٤- صحيح البخاري ٢: ١٠٠، ٥: ٢٠٧.

٥- تفسير ابن أبي حاتم ٦: ١٨٥٣ ـ ١٨٥٤.

٦- التوبة: ٨٠ .

٧٨

جعلوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يخالف أمر الله في الأسرى:

ومثل ذلك ما يروى عن أخذ الفداء من الأسرى يوم بدر، وأنّ الآية: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(١)، نزلت - على حسب رأي أهل السنّة - عتاباً للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بسبب أخذه الفداء من أسرى بدر وعدم قتله لهم، في نفس الوقت الذي كان فيه عمر بن الخطّاب يريد قتلهم جميعاً، فنزلت الآية مؤيّدة لرأي عمر، ورووا ما يؤيّد رأيهم قولاً وضعوه من عندهم، ونسبوه إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بشأن معنى الآية السابقة الذي يتضمّن تهديداً بالعذاب الشديد، ولكن لمن ذلك التهديد؟ فهل كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية يريد عرض الدنيا؟ حاشاه صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإننّي أعتقد أنّ هذا الأمر لا يجوز أنْ يعتقد به أحد، ولكنّ أهل السنّة اعتقدوا به، وأنّ الرسول كان ممّن يريدون عرض الدنيا.

فيروي أهل السنة أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبكي مع أبي بكر، حيث قال: "إنْ كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطّاب عذاب عظيم، ولو نزل عذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطّاب".

قال في الدرّ المنثور: أخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، من طريق نافع، عن ابن عمر قال: "اختلف الناس في أسارى بدر، فاستشار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. فقال أبو بكر رضي الله عنه: فادهم. وقال عمر رضي الله عنه: اقتلهم. قال قائل: أرادوا قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهدم الإسلام ويأمره أبو بكر بالفداء! وقال قائل: لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمره بقتلهم! فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقول أبي بكر،

١- الأنفال: ٦٧ ـ ٦٨.

٧٩

ففاداهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله (لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(١)، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنْ كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطّاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر"(٢).

اتّهموا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه لم يجمع القرآن الكريم:

اتّهموه بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) توفي ولم يجمع القرآن، وهذه من القضايا الخطيرة التي يتبنّاها أهل السنّة، واتهّموا بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وطعنوا في عصمته ونبوّته ورسالته، وجعلوا منها فضائل لأبي بكر وعمر وعثمان، ألا وهي قضيّة جمع القرآن، وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) توفي ولم يهتمّ بالقرآن الكريم ولم يجمعه، وكانت آياته متفرّقة بين الناس.

والله سبحانه وتعالى يقول في سورة القيامة: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)(٣)، ووردت الأحاديث عند السنّة أنّ جبريل كان يراجع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن كلّ سنة مرّة، وآخر سنة من حياته الشريفة راجعه فيها مرّتين(٤)، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يعرض القرآن على جبريل(عليه السلام) في كلّ عام مرّة فلمّا كان في العام الذي قبض فيه، عرضه عليه مرّتين(٥).

كذلك ذكرت الأحاديث أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان مهتمّاً بكلّ صغيرة وكبيرة فيما يتعلّق بالقرآن الكريم من ناحية الترتيب والرعاية والحفظ، فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كثيراً ما يقول ضعوا آية كذا في مكان كذا.

وروى في الإتقان في علوم القرآن: قال ابن الحصّار: ترتيب السور ووضع

١- الأنفال: ٦٨.

٢- الدرّ المنثور ٣: ٢٠٢ ـ ٢٠٣.

٣- القيامة: ١٧.

٤- مسند أحمد ٢: ٣٩٩، صحيح البخاري ٦: ١٠٢، صحيح مسلم ٧: ١٤٣.

٥- مسند أحمد ١: ٢٧٦. قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد٩: ٢٨٨).

٨٠