×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج09 / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

ودقة، وحدة ذكاء، وتملك قرارها، وحريتها، وصدقها مع نفسها، وتتصف بكل صفات الكمال والجمال النفسي والأخلاقي إلخ.. فإن التمويه عليها غير ممكن على الإطلاق.

فإذا رأيناها قد آمنت بزوجها إيماناً عميقاً، وصادقاً، وطاغياً على كل وجودها، فإن ذلك يدل على واقعية ما تراه وتعتقد به، ويكون موقفها منه شاهد صدق على حقيقة ما يراه لنفسه، وما يطلب من الناس أن يعترفوا له به..

فكيف إذا كان الله في القرآن الكريم والرسول العظيم (صلى الله عليه وآله) لم يتركا مناسبة إلا واستفادا منها لتأكيد ذلك وترسيخه في عقول الناس، وفي نفوسهم، وفي وجدانهم، واعتباره جزءاً، بل محوراً لإيمانهم، واعتقادهم، وسلوكهم، وحياتهم كلها.

٢٨١

الفصل الثالث:

طلب النصرة

٢٨٢
٢٨٣

بيعة بني هاشم:

قد يرجح البعض أن الأمور جرت وفق ما ذكرته الرواية التالية:

إنه بعد فراغ أصحاب السقيفة من سقيفتهم، وبعد أن جرى ما جرى على فاطمة (عليها السلام) من ضرب وإهانة، بعد دفن أبيها مباشرة..

(جلس (علي (عليه السلام)) في المسجد، فاجتمع عليه بنو هاشم، ومعهم الزبير بن العوام. واجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان. وبنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف. فكانوا في المسجد كلهم مجتمعين، إذ أقبل أبو بكر، ومعه عمر، وأبو عبيدة بن الجراح، فقالوا: ما لنا نراكم حلقاً شتى! قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايعته الأنصار والناس.

فقام عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، ومن معهما فبايعوا، وانصرف علي وبنو هاشم إلى منزل علي (عليه السلام) ومعهم الزبير.

قال: فذهب إليهم عمر في جماعة ممن بايع، فيهم: أسيد بن حضير، وسلمة بن سلامة، فألفوهم مجتمعين، فقالوا لهم: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس.

فوثب الزبير إلى سيفه، فقال [لهم] عمر: عليكم بالكلب العقور، فاكفونا شره.

٢٨٤

فبادر سلمة بن سلامة فانتزع السيف من يده، فأخذه عمر فضرب به الأرض فكسره، وأحدقوا بمن كان هناك من بني هاشم، ومضوا بجماعتهم إلى أبي بكر، فلما حضروا قالوا: بايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس، وأيم الله لئن أبيتم ذلك لنحاكمنكم بالسيف.

فلما رأى ذلك بنو هاشم أقبل رجل رجل، فجعل يبايع حتى لم يبق ممن حضر إلا علي بن أبي طالب، فقالوا له: بايع أبا بكر.

فقال علي (عليه السلام):

أنا أحق بهذا الأمر منه، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من الرسول، وتأخذونه منا أهل البيت غصباً، ألستم زعمتم للأنصار إنكم أولى بهذا الأمر منهم، لمكانكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأعطوكم المقادة، وسلموا لكم الإمارة؟!

وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار.

أنا أولى برسول الله حياً وميتاً، وأنا وصيه، ووزيره، ومستودع سره وعلمه، وأنا الصديق الأكبر، والفاروق الأعظم، أول من آمن به وصدقه، وأحسنكم بلاءً في جهاد المشركين، وأعرفكم بالكتاب والسنة، وأفقهكم في الدين، وأعلمكم بعواقب الأمور، وأذربكم لساناً، وأثبتكم جناناً.

فعلام تنازعونا هذا الأمر؟!

أنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا الأمر مثل ما عرفته لكم الأنصار، وإلا فبوؤا بالظلم والعدوان وأنتم تعلمون.

٢٨٥

فقال عمر: يا علي أما لك بأهل بيتك أسوة؟!

فقال علي (عليه السلام): سلوهم عن ذلك.

فابتدر القوم الذين بايعوا من بني هاشم، فقالوا: والله، ما بيعتنا لكم بحجة على علي، ومعاذ الله أن نقول: إنا نوازيه في الهجرة، وحسن الجهاد، والمحل من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فقال عمر: إنك لست متروكاً حتى تبايع طوعاً أو كرهاً.

فقال علي (عليه السلام): احلب حلباً لك شطره، اشدد له اليوم ليرد عليك غداً، إذاً والله لا أقبل قولك، ولا أحفل بمقامك، ولا أبايع.

فقال أبو بكر: مهلاً يا أبا الحسن، ما نشدد عليك، ولا نكرهك.

فقام أبو عبيدة إلى علي (عليه السلام)، فقال:

يا ابن عم، لسنا ندفع قرابتك، ولا سابقتك، ولا علمك، ولا نصرتك، ولكنك حدث السن ـ وكان لعلي (عليه السلام) يومئذ ثلاث وثلاثون سنة ـ وأبو بكر شيخ من مشايخ قومك، وهو أحمل لثقل هذا الأمر، وقد مضى الأمر بما فيه، فسلم له، فإن عمَّرك الله يسلموا هذا الأمر إليك، ولا يختلف فيك اثنان بعد هذا، إلا وأنت به خليق وله حقيق، ولا تبعث الفتنة في غير أوانها، فقد عرفت ما في قلوب العرب وغيرهم عليك.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام):

يا معاشر المهاجرين والأنصار، الله الله لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري، ولا تخرجوا سلطان محمد (صلى الله عليه وآله) من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعر بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن حقه ومقامه في الناس.

٢٨٦

فوالله يا معاشر الجمع، إن الله قضى وحكم، ونبيه أعلم، وأنتم تعلمون: أنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، أما كان القارئ منكم لكتاب الله، الفقيه في دين الله، المضطلع بأمر الرعية؟!

والله إنه لفينا لا فيكم، فلا تتبعوا الهوى، فتزدادوا من الحق بعداً، وتفسدوا قديمكم بشر من حديثكم.

فقال بشير بن سعد الأنصاري، الذي وطأ الأمر لأبي بكر، وقالت جماعة من الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف فيك اثنان.

فقال علي (عليه السلام): يا هؤلاء، أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه، وأخرج أنازع في سلطانه؟! والله ما خفت أحداً يسمو له، وينازعنا أهل البيت فيه، ويستحل ما استحللتموه. ولا علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ترك يوم غدير خم لأحد حجة، ولا لقائل مقالاً، فأنشد الله رجلاً سمع النبي يوم غدير خم يقول:

(من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) أن يشهد الآن بما سمع!!

قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر رجلاً بدرياً بذلك، وكنت ممن سمع القول من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكتمت الشهادة يومئذ، فدعا عليٌّ عليَّ، فذهب بصري.

قال: وكثر الكلام في هذا المعنى، وارتفع الصوت، وخشي عمر أن يصغي الناس إلى قول علي (عليه السلام)، ففسخ المجلس، وقال: إن الله

٢٨٧

يقلب القلوب، ولا تزال يا أبا الحسن ترغب عن قول الجماعة، فانصرفوا يومهم ذلك(١).

١- الإحتجاج للطبرسي ج١ ص١٨١ ـ ١٨٥ و (ط دار النعمان سنة ١٣٨٦هـ) ج١ ص٩٤ ـ ٩٧، وقال المعلق (على النسخة الأولى) في الهامش: هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بين الخاصة والعامة.

نقله أصحاب السير والتواريخ مع اختلاف يسير، فمن أراد الإطلاع عليه، فليرجع إلى مظانه، وإليك بعضها: الإمامة والسياسة (ط مصر) ج١ ص١٢ ـ ١٤ وأنساب الأشراف ج١ ص٥٧٩ وتاريخ الأمم والملوك ج٢ ص٤٥٥ وكنز العمال ج٥ ص٦٤٩ والغدير ج١ ص١٥٩ انتهى. وراجع: الإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج١ ص١٧ و (تحقيق الشيري) ج١ ص٢٨ وكتاب الأربعين للشيرازي ص١٥٣ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٣٤٧ و١٧٥ وج٢٩ ص٦٢٦ عن ابن قتيبة، ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) للشيرواني ص٤٠٠ والغدير ج٥ ص٣٧١ ونهج السعادة ج١ ص٤٤ والسقيفة وفدك للجوهري ص٦٢ وبيت الأحزان ص٨١ ومصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) ج٢ ص١٣٤ و ٢٥١ وموسوعة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ ج٢ ص٣١٩ والمسترشد لابن رستم الطبري ص٣٧٥ وغاية المرام ج٥ ص٣٠٤ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٢ ص٣٥١ وج٢٥ ص٥٤٤ وشرح نهج البلاغـة للمعتزلي ج٦ ص١١ وراجع الجـزء الأخـير من الروايـة في: العمدة لابن البطريق ص١٠٦ عن المناقب لابن المغـازلي ص٣٣ ومجمـع = = الزوائد ج٩ ص١٠٦ والمعجم الكبير للطبراني ج٥ ص١٧١ و ١٧٥ وغاية المرام ج١ ص٢٧٩ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٦ ص٣١٨ وج٨ ص٧٤٥ وج١٦ ص٥٦٧ و ٥٧٩.

٢٨٨

ونقول:

تحسن الإشارة إلى الأمور التالية:

كسر سيف الزبير:

وقد اختلفت كلماتهم في كيفية التغلب على الزبير، ومن أخذ سيفه منه، ومن الذي كسره، هل هو عمر، أو سلمة بن أسلم(١)، أو أن الزبير عثر

١- في الرواية المتقدمة سلمة بن سلامة. وراجع: المسترشد ص٣٧٩ وبحار الأنوار ج٢٨ ص١٨٤ وبيت الأحزان ص٧٩.

وسلمة بن أسلم: في كتاب الأربعين للشيرازي ص١٥٣ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٣٤٨ ونهج السعادة ج١ ص٤٤ والسقيفة وفدك للجوهري ص٦٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص١١ والإمامة والسياسة (تحقيق الزيني) ج١ ص١٨ و (تحقيق الشيري) ج١ ص٢٨ وغاية المرام ج٥ ص٣٠٥.

وعمر: في السقيفة وفدك للجوهري ص٥٣ و ٧٣ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢ ص٢١ و ٥٧ وغاية المرام ج٥ ص٣٢٥ و ٣٣٨ وكتاب الأربعين للشيرازي ص١٥١ وراجع: الإختصاص للمفيد ص١٨٦ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٢٢٩ و ٣١٠ والغدير ج٥ ص٣٦٩ والوضاعون وأحاديثهم للأميني ص٤٨٨ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٣٢٧. =

= ورجل من الأنصار وزياد بن لبيد: في كتاب الأربعين للشيرازي ص١٥١ و ١٥٥ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٣١٥ و ٣٢١ ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) للشيرواني ص٤٠٣ والسقيفة وفدك للجوهري ص٥٣ و ٧٣ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٢ ص٥٦ وج٦ ص٤٨ والدرجات الرفيعة ص١٩٦ ومستدركات علم رجال الحديث ج٣ ص٤٥١ وأعيان الشيعة ج٤ ص١٨٨ وبناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص٤٠٢ وغاية المرام ج٥ ص٣٢٤ .

٢٨٩

فسقط السيف من يده، فأخذوه(١). أو أن جماعة أخذوه منه كما في الرواية الأخرى(٢).

وهو اختلاف تفوح منه رائحة حب التباهي بهذا الأمر، والإستفادة منه في بث الرعب في نفوس الضعفاء، وحملهم على الهروب من ساحات

١- راجع: تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة ١١ والرياض النضرة ص١٦٧ وتاريخ الخميس ج١ ص١٨٨ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١ ص١٢٢ و ١٣٣ و ١٣٤ و ٥٨ و ٥٩ وج٦ ص٢ والطرائف لابن طاووس ص٢٣٨ والغدير للأميني ج٧ ص٨٦ وأعيان الشيعة ج١ ص٣٣ و ٤٣١ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٢٣١ وغاية المرام ج٥ ص٣٣٤.

٢- الإحتجاج ج١ ص٢٠٩ و (ط دار النعمان سنة ١٣٨٦هـ) ج١ ص١١٠ وكتاب سليم بن قيس ص١٥٨ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٢٧٦ والأنوار العلوية ص٢٨٩ ومجمع النورين للمرندي ص١٠٠ وغاية المرام ج٥ ص٣١٩ و ٣٢٦ ونفس الرحمن للطبرسي ص٤٨٨.

٢٩٠

المواجهة مع المناوئيين، وإعطاء جرعة شجاعة لمناوئي علي (عليه السلام)، الذين كانت حالهم في الضعف والهروب من ساحات القتال في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يحسدهم عليها أحد.

ولا يهمنا تحقيق ما جرى لهم مع الزبير ومعرفة من أخذ سيفه منه، ومن كسر ذلك السيف، لقلة جدوى هذا البحث إلا في تأكيد إصرارهم على التحوير والتزوير لأغراض رخيصة وتافهة، حسبما ألمحنا إليه..

غير أن لنا ملاحظة هامة جداً حول الزبير نفسه، وسياستهم الناجحة معه.. فإن هذا الرجل الذي لم يكن له شأن في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) وبعده. بل كان تابعاً لعلي (عليه السلام)، ومنضوياً تحت لوائه، وينتظر أوامره، ويتحرك بحركته، قد استطاع الطرف الآخر الذي كان يعرف نقاط ضعف الزبير، أن يجره إليه، وأن يرفع من شأنه، ويؤهله نفسياً لأن يتجرأ على منافسة علي (عليه السلام)، وعلى الوقوف في وجهه، ثم ينتهي به الأمر إلى جمع الجيوش لمحاربته، حسداً وانتقاماً لنفسه، حيث لم يوله العمل الذي طلبه منه..

والأدهى من ذلك، أن يجعل نفسه تحت راية بنت الخليفة الذي رفض الإعتراف بشرعية خلافته، وحمل السيف في وجه المنتصرين له، ثم أخذ منه ذلك السيف وكسر..

كسر سيف علي (عليه السلام):

وتدعي بعض الروايات: أنه لما هاجم عمر بيت الزهراء (عليها السلام) خرج علي (عليه السلام) ومعه السيف، فلقيه عمر، فصارعه عمر

٢٩١

فصرعه وكسر سيفه(١).

ونقول:

إن ذلك غير صحيح..

أولاً: لما تقدم: من أن الذي أُخذ سيفه منه وكسر هو الزبير، لا علي (عليه السلام).

ثانياً: إن عمر لا يجرؤ على مواجهة علي (عليه السلام)، وقد ذكرت بعض الروايات لنا كيف أنه بعد أن هدد من في بيت الزهراء (عليها السلام) إن لم يخرجوا لبيعة أبي بكر رجع فقعد عند أبي بكر، وهو يخاف أن يخرج عليه علي (عليه السلام) بسيفه لما عرف من بأسه وشدته.

كما أن روايات أخرى ذكرت: أن علياً (عليه السلام) أخذ بمجامع ثوبه، فأسقط في يده(٢).

وفي أخرى: أن علياً (عليه السلام) أخذ بتلابيب عمر، ثم هزه فصرعه، ووجأ أنفه ورقبته، وهمَّ بقتله.. فأرسل يستغيث(٣).

١- تاريخ اليعقوبي (ط دار صادر) ج٢ ص١٢٦.

٢- كتاب سليم بن قيس ص٣٩٠ والبحار ج٢٨ ص٣٠١ والأنوار العلوية ص٢٨٩.

٣- تفسير الآلوسي ج٣ ص١٢٤ وكتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ج٢ ص٨٦٢ ـ ٨٦٨ و (ط أخرى) ص٣٨٧ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٢٩٧ ـ ٢٩٩ وج٤٣ ص١٩٧ واللمعة البيضاء ص٨٧٠ والأنوار العلوية ص٢٨٧ ومجمع النورين للمرندي ص٨١ وبيت الأحزان ص١١٥ وراجع: العوالم ج١١ ص٤٠٠ ـ ٤٠٤.

٢٩٢

ثالثاً: إن من يهرب من مرحب لا يثبت أمام قاتله، ومن يجبن أمام عمرو بن عبد ود لا يشجع أمام قاتل عمرو. ومن يهرب من خيبر لا يواجه فاتح خيبر، وقالع بابها..

إلا إذا أمن من ردة فعله، لسبب أو لآخر. ولا نظنه يجرؤ على بلوغ الحد الذي يعرف أن علياً (عليه السلام) يأباه، ولن يسكت عليه..

إستدلال علي (عليه السلام):

والمتأمل في ما استدل به أمير المؤمنين (عليه السلام) على القوم هنا يجد: أنه تضمن نقضاً لأدلتهم على الأنصار، والتأكيد على غاصبيتهم لمقام هو لأهل البيت (عليه السلام)..

وظهور فساد استدلالهم لا بد أن يستتبع سقوط كل ما رتبوه على ذلك الدليل الفاسد من آثار.

ثم بدأ (عليه السلام) يبين: أن هذا الإستدلال على الأنصار كما يسقط دعواهم بأي حق لهم في الخلافة، فإنه يثبت: أن الحق لعلي (عليه السلام) دون سواه.

وهذا من المفارقات العجيبة، التي يندر حدوثها، وهو: أن يكون الدليل الذي يقيمه طرف بعينه على أحقيته بأمرٍ مّا هو نفسه يحمل في داخله ما يبطله.. بل يحمل في داخله ما يثبت الحق للطرف الآخر المقابل له..

ثم إنه (عليه السلام) لم يقتصر على هذا، بل تجاوزه إلى بيان عناصر بيّن أكثرها الإثنا عشر رجلاً الذين احتجوا على أبي بكر.. وكان أهل المدينة

٢٩٣

أعرف الناس بها؛ وسيكون إنكار ابي بكر لها، بل التشكيك فيها مجازفة خطيرة، تعرّض من يفعل ذلك إلى وهن كبير، وإلى سقوط مريع أمام الناس ـ كل الناس. ولن ينفع بعد ذلك الترقيع، ولا تمحل الأعذار..

غير أن اللافت في كل ما احتج به علي (عليه السلام): أنه لم يذكر أي قول لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا أشار إلى أية آية من كتاب الله، ربما لأن هذه المواجهة كانت تقضي بالسكوت عن هذا الأمر مرحلياً، من حيث إنه (عليه السلام) لم يرد أن يثير مناوئيه للمبادرة إلى التشكيك في النصوص ولو بصورة عشوائية، حيث إنهم يعلمون: أنه إذا تقرر كون الإمامة والخلافة بالنص، وسلم الناس بهذا الأمر وقبلوه، فإن عليهم وعلى الأمويين وكل الناس أن يشيعوا أحلامهم بالحكم إلى مثواها الأخير..

فلا بد لهم من إنكار النص بأي ثمن كان؛ لأنه يبطل تأثير سقيفتهم التي كرست أن أمر الخلافة يقرره الناس، ولا يحتاج إلى نص. ولأن النص كرس الخلافة في بني هاشم دون سواهم.

فكان أن اكتفى (عليه السلام) بالأمور التي بلغت درجة البداهة في عقول الناس وفي وجدانهم. الأمر الذي أنتجته مجموعة كبيرة جداً من النصوص التي صدرت من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو سجلها القرآن الكريم.. ولم يكن لأي كان أي سبيل لإنكارها.

فاختيار أي نص منها من دون انضمامه إلى النصوص الأخرى التي أنشأت تلك الضرورة والبداهة. أو من دون عرض التفاصيل التي جاء النص القرآني والنبوي ليتعامل معها.. سوف يعطي المتربصين بالنص

٢٩٤

الفرصة لإثارة الشبهة فيه وحوله..

ومما يدل على أن هذا التعاطي كان مرحلياً، أنه (عليه السلام) عاد فاستدل بالنص، حينما استخرج من بيته، وجيء به للبيعة، وهدد بالقتل..

موقف عمر من استدلال علي (عليه السلام):

والغريب في الأمر: أن السلطة وأنصارها لم يمكنهم طرح أية مفردة، تفيدهم في مواجهة صاحب الحق الشرعي، ولم يتمكنوا من تصحيح استدلالهم أو ترميمه، ليصبح صالحاً لإثبات ولو شبهة حق لهم في هذا الأمر!! كما أنهم عجزوا عن إثارة أية شبهة فيما استدل به (عليه السلام) على أن الحق له في هذا الأمر دونهم!!

بل لم يتمكنوا حتى من إنكار أن يكونوا ظالمين ومعتدين في ما أقدموا عليه. بل غاية جهدهم تمثلت فيما طلبه عمر من علي (عليه السلام) إليه أن يتأسى ببني هاشم، الذين بايعوا مكرهين..

فبين له علي (عليه السلام) بالدليل الحسي: أن ما طلبه منه يعدّ قلباً فاضحاً للمعايير، وسفهاً من القول والفعل؛ لأنه يجعل المأموم إماماً، والإمام مأموماً.. وهو أمر ترفضه الفطرة، ولا يجيزه العقل، وتأباه الحكمة والتدبير..

ويلاحظ: أنه (عليه السلام) أحال عمر على نفس أولئك الذين افترضهم عمر أسوة لعلي، وإذ بهم يرفضون ذلك، ويستدلون لرفضهم هذا بأنه هو صاحب القرار والأسوة، وهذا لا مجال للنقاش فيه..

٢٩٥

فلجأ عمر إلى استعمال القوة، والقهر بالسلطان..

اعتراف أبي عبيدة وتبريراته:

وبعد أن استوعب أبو بكر أجواء الحدة، جاء دور شريكه أبي عبيدة، ليسجل اعترافاً صريحاً بصحة أقوال أمير المؤمنين كلها، توطئة للإستدلال علىه (عليه السلام) بأمرين:

أولهما: ميزة لم يجد سواها في أبي بكر ترجحه ـ بنظره ـ على علي (عليه السلام). وهي: أن علياً كان على حد تعبيره: (حدث السن)، وأبو بكر شيخ من مشايخ قومه، وهو أحمل لثقل هذا الأمر.

الثاني: أن خلافة أبي بكر قد أصبحت أمراً واقعاً، فلم يعد له فيها خيار سوى التسليم..

ثم أطلق تهديده القوي له، بأنه إن لم يبايع، فسيكون سبباً في بعث الفتنة في غير أوانها، فقد عرف ما في قلوب العرب وغيرهم عليه..

ونقول:

إن ما ذكره أبو عبيدة لا قيمة له، ولا يبرر اغتصاب الحق من أهله..

فأولاً: إن السن ليس هو المعيار في استحقاق هذا المقام.. بل المعيار هو ما ذكره علي (عليه السلام) في احتجاجه، لاسيما بملاحظة خطورة هذا المقام، من: العلم، والشجاعة، والعصمة، والسابقة. وغير ذلك..

ثانياً: لو صح الإستدلال بالسن؛ لكان أبو قحافة أحق بهذا المقام من ابنه أبي بكر، بالإضافة إلى عشرات أو مئات أو آلاف من الناس كانوا في

٢٩٦

الأمة أسن من أبي بكر..

ثالثاً: إن اختيار الخليفة ليس للناس.

ولو فرض أن للناس في ذلك أدنى حق، فبعد أن اختار الله ورسوله لهم، يسقط حقهم هذا، ولا يجوز لهم تجاهل من اختاره الله لهم، واللجوء إلى آرائهم وأهوائهم..

رابعاً: إن الشيخوخة لا تعني: أن الشيخ أحمل لهذا الأمر من غيره، فإن درجات التحمل تختلف وتتفاوت، وقد يكون الأصغر سناً أحمل من غيره، والوقائع هي التي تثبت ذلك، وقد أثبتت بالفعل: أن الأحدث سناً هو الأحمل لثقل هذا الأمر.

ولم ينس أحد مبيت علي (عليه السلام) على فراش الرسول (صلى الله عليه وآله) ليلة الغار، وحزن أبي بكر، مع أنه كان في موضع الأمن والسلام. كما أن أحداً لم ينس ما جرى في حرب بدر، وأحد، وخيبر، وحنين، وغير ذلك.

خامساً: إن السبب الذي يراد التقديم على أساسه، وهو علو السنّ، إنما تكونت الزيادة فيه في أيام الجاهلية، حيث كان يمارس عبادة الأصنام، والأعمال التي لا تنتج إلا تراكمات تحمل معها المزيد من الإبتعاد عن الصلاحية لهذا الأمر كما لا يخفى..

أما علي (عليه السلام) فقد عاش عمره كله في كنف الرسول (صلى الله عليه وآله)، وفي حضن الإيمان والتقوى، ولا شيء غير ذلك، فزيادة السّن لا تنتج مجداً، ولا تعطي امتيازاً، بل هي على ضد ذلك أدل بسبب ما

٢٩٧

تفرزه من تراكمات للصوارف والمبعدات عن الله، لتصبح ظلمات بعضها فوق بعض، فلا تقاس بالعمر الذي يقضيه صاحبه في ظل التربية الإلهية على قاعدة: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}(١). كما هو الحال بالنسبة لعلي (عليه السلام).

سادساً: إن الأمر الواقع لا يجعل خلافة أبي بكر شرعية، إذا كان أساسها العدوان والظلم، إذ لو سرق إنسان مال غيره، فهذا أمر واقع، لكنه لا يجعل المال للسارق، مهما طال الزمن، ولو قتل أحدهم مؤمناً عدواناً، فهذا الأمر واقع؛ ولكنه لا يعفي القاتل من الإقتصاص منه. وإذا احتل أحدهم بيت غيره، فذلك لا يوجب على الغير أن يعطيه المفتاح، وأن يترك البيت له..

سابعاً: بالنسبة للفتنة، فإن من أطلق الفتنة ليس هو صاحب الحق الذي يجب عليه أن يطالب بحقه المغتصب، بل هو من اغتصب الحق، ويريد أن يقاتل صاحبه عليه، ويحرك غرائز الناس، ويضرب على الوتر العشائري والمصلحي؛ ليحتفظ بما ليس له..

الزهراء وعلي (عليهما السلام) في طلب النصرة:

قال سلمان الفارسي (رحمه الله): فلما كان الليل حمل علي (عليه السلام) فاطمة (عليها السلام) على حمار، وأخذ بيد ابنه الحسن والحسين (عليهما السلام)، فلم يدع أحداً من أهل بدر [وبيعة الرضوان]، من المهاجرين ولا

١- الآية ٣٩ من سورة طه.

٢٩٨

من الأنصار إلا أتاه في منزله، وذكر له حقّه، ودعاه إلى نصرته.

فما استجاب له من جميعهم إلا أربعة وأربعون رجلاً، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلِّقين رؤوسهم، معهم سلاحهم، وقد بايعوه على الموت.

قال: فأصبح ولم يوافه منهم أحد غير أربعة.

قلت لسلمان: من الأربعة؟!

قال: أنا، وأبو ذر، والمقداد، والزبير بن العوام.

[قال:] ثم أتاهم من الليلة الثانية فناشدهم [الله].

فقالوا: نصبحك بكرة، فما منهم أحد وفى غيرنا.

ثم أتاهم في الليلة الثالثة، فما وفى أحد غيرنا(١).

وفي نص آخر: إنهم كانوا يقولون: قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر، ما عدلنا به.

فقال علي (عليه السلام): أفكنت أدع رسول الله (صلى الله عليه وآله)

١- الإحتجاج ج١ ص٢٠٦ و ٢٠٧ و (ط دار النعمان ص١٣٨٦هـ) ج١ ص١٠٧ و ١٠٨ وكتاب سليم ج٢ ص٥٨٠ و ٥٨١ و (طبعة أخرى) ص١٤٨ وبحار الأنوار ج٢٢ ص٣٢٨ وج٢٨ ص٢٦٧ والأنوار العلوية ص٢٨٥ ومجمع النورين للمرندي ص٩٧ وغاية المرام ج٥ ص٣١٥ و ٣١٦ وج٦ ص٢٦ ونفس الرحمن للنوري ص٤٨٢ و بيت الأحزان ص١٠٨ والأسرار الفاطمية للمسعودي ص١١٥.

٢٩٩
٣٠٠