×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام)- ج09 / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

(عليهم السلام) إلى بيوت أعيان الصحابة يجد فيه بعض ما يحتاج إلى التوضيح أو التصحيح، فلاحظ ما يلي:

من هم المستجيبون؟!:

ذكر الحديث المتقدم: أن الذين استجابوا لطلب الزهراء (عليها السلام) النصرة هم: سلمان وأبو ذر، والمقداد، والزبير..

وفي هذا نظر وذلك لما يلي:

١ ـ إن سائر الروايات لا تذكر الزبير في جملتهم، بل تذكر عماراً عوضاً عنه(١).

٢ ـ وفي نص آخر: (فما أعانها أحد، ولا أجابها، ولا نصرها)(٢).

١- الإحتجاج ج١ ص١٨٨ و (ط دار النعمان سنة ١٣٨٦هـ) ج١ ص٩٨ و ٢٨١ و الصراط المستقيم ج٢ ص٨٠ ومجمع النورين للمرندي ص٧٤ وبحار الأنوار ج٢٢ ص٣٢٨ وج٢٨ ص١٩١ وج٢٩ ص٤١٩ وجامع أحاديث الشيعة ج١٣ ص٤٣ ونهج الإيمان لابن جبر ص٥٧٩ ونفس الرحمن في فضائل سلمان للطبرسي ص٥٧٩ ومستدرك الوسائل ج١١ ص٧٤ والعقد النضيد للقمي ص١٥٠ وكتاب الأربعين للشيرازي ص٢٣٨

٢- الإختصاص للمفيد ص١٨٣ ـ ١٨٥ وبحار الأنوار ج٢٩ ص١٨٩ ـ ١٩٣وموسوعة أحاديث أهل البيت للنجفي ج٨ ص٤٢٢ ـ ٤٢٤ والعوالم ج١١ ص٦٤٧ ح٢ واللمعة البيضاء ص٣٠٩ ـ ٣١٢ ومجمع النورين للمرندي ص١٢١ ـ ١٢٤.

٣٠١

٣ ـ هناك من يقول: أجابها ثلاثة نفر فقط(١).

٤ ـ في كتاب معاوية لعلي (عليه السلام): (فلم يجبك منهم إلا أربعة، أو خمسة. ولعمري لو كنت محقاً لأجابوك، ولكنك ادَّعيت باطلاً، وقلت ما لا يعرف، ورميت ما لا يدرك)(٢).

مضت بيعتنا لأبي بكر:

وعن قولهم: (مضت بيعتنا لهذا الرجل)، نقول:

أليس قد مضت بيعتهم لعلي (عليه السلام) في يوم الغدير، فلماذا ينقضونها الآن؟! وقد احتج علي والزهراء (عليهما السلام) بذلك، كما ذكرناه في موضع آخر من هذا الكتاب!!

وهل بيعة الأمر الواقع تصبح نافذة، حتى لو كانت على خلاف ما قضى الله تعالى ورسوله؟!

وهل تصح بيعة هؤلاء حتى لو كانت متضمنة لنقض بيعة تمت برعاية

١- تاريخ اليعقوبي ج٢ ص١٢٦ الهداية الكبرى للخصيبي ص٤١٢ والعقد النضيد للقمي ص١٥٠ وراجع: الدرجات الرفيعة ص٢١٣.

٢- راجع: شرح نهـج البلاغـة للمعتزلي ج٢ ص٤٧ وكتـاب الأربعين للشيرازي ص١٦٧ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٣١٣ وج٣٣ ص١٥١ وغاية المرام ج٦ ص١٨ وسفينة النجاة للتنكابني ص٣٤٥ وبيت الأحزان ص١٠٠ ومستدرك سفينة البحار ج٧ ص٥٠٥ وكتاب سليم بن قيس ص٣٠٢.

٣٠٢

الله ورسوله، ولم يكن هناك موجب لنقضها؟!

وهل تصح البيعة لكل من سبق، حتى لو كان فاقداً للشروط المطلوب توفرها، لتصح بيعة أبي بكر هنا لسبقها؟!

الكثرة دليل معاوية:

وتقدم: أن معاوية جعل قلة أنصار علي (عليه السلام) دليلاً على أنه (عليه السلام) لم يكن محقاً.

ونقول:

أولاً: لو صح هذا، لكان الأنبياء كلهم على باطل، إذ لم يجبهم إلا أقل القليل من الناس..

ثانياً: إن هذا يعني: أن أبا سفيان حين ناصر علياً (عليه السلام) كان على الباطل أيضاً؛ لأنه ناصر الطرف الذي كان معه أقل القليل، وهذا ما لا يرضاه معاوية لأبيه..

ثالثاً: إن هذا ينتهي إلى الطعن بالقرآن الذي قال: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ}(١). و {وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}(٢).

تشنيع معاوية:

إن تشنيع معاوية على أمير المؤمنين (عليه السلام) بما جرى عليه من

١- الآيتان ١٣ و ١٤ من سورة الواقعة.

٢- الآية ٤٠ من سورة هود.

٣٠٣

ظلم وحيف في مسألة اغتصاب حقه حتى اضطر إلى طلب النصرة من الأنصار هو من مفردات الظلم والبغي على أهل الحق. فإن علياً (عليه السلام) صبر وكظم غيظه، وأراد بفعله هذا، أعني: طلب النصرة من المهاجرين والأنصار:

أولاً: أن يبطل حجة الغاصبين لحقه، ويثبت للناس بصورة حية، ووجدانية أنه هو، والزهراء، والحسنان عترة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأهله ولحمه ودمه، وهم أقرب إليه من أبي بكر الذي كان تيمياً، وليس من بني هاشم في شيء..

ثانياً: إنه (عليه السلام) يريد أن يعرفهم على مقام أولئك الذين اعتدى عليهم أولئك الغاصبون، وعلى منزلة الذين تعرضوا للإهانة، وللتهديد بالإحراق، وبالقتل. لكي يرجعوا إلى أنفسهم، ويفكروا في الأمر، وليدركوا من ثم: أن من يفعل كل ذلك بهؤلاء، كيف سيتعامل مع غيرهم، ممن ليس له حرمتهم ولا موقعهم؟!

وليدركوا أيضاً: أن من يفعل ذلك لا يكون متحلياً بأيٍ من الصفات التي تؤهله للمقام الذي سعى إليه، والموقع الذي وضع نفسه فيه، لا سيما أن ثمن ما حصل عليه هو: عدوانه على هذه الصفوة المطهرة.

٣٠٤
٣٠٥

الفصل الرابع:

البيعة.. الإحتجاج..

٣٠٦
٣٠٧

لو صحت روايات بيعة علي (عليه السلام):

قد يقول البعض:

ورد في البخاري وغيره: أن بيعة علي (عليه السلام) قد تأخرت إلى ما بعد ستة أشهر، حيث توفيت السيدة الزهراء (عليها السلام)، ورأى علي انصراف الناس عنه، فبادر إلى مبايعة أبي بكر حينئذ، فلماذا يرضى علي بالبيعة، ويبادر إليها، ويصر الشيعة على رفض مشروعية خلافة أبي بكر، ولا يرضون بالقبول بها، والإنضواء تحت لوائه؟!

ونجيب:

إننا نسأل: لماذا تأخر علي (عليه السلام) عن بيعة أبي بكر كل هذه المدة ـ ستة شهور ـ فإن كان مراعاة للزهراء (عليها السلام)، لأنها لم تكن ترضى بأن يبايع أبا بكر، خصوصاً وأن البخاري يروي: أنها (عليها السلام) ماتت وهي واجدة على أبي بكر(١).

فهذا يعني: أنها (عليها السلام) لم تكن ترى أبا بكر إماماً لها، فهل هي

١- راجع: صحيح ج ٥ ص ٨٢ باب غزة خيبر، حديث ٤٢٤٠ و٤٢٤١ قوله: (فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِى بَكْرٍ فِى ذَلِكَ فَهَجَرَتْهُ ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ..).

٣٠٨

قد ماتت بغير إمام؟!

وهل يصح أن يقال عنها: إنها ـ على هذا الأساس ـ ماتت ميتة جاهلية؟!

وإن كان تأخره (عليه السلام) لأجل أنه هو نفسه لم يكن يرى أبا بكر إماماً، فلماذا عاد إلى بيعته بعد استشهاد الزهراء (عليها السلام)؟!

فهل أوجب استشهادها تغييراً في رأيه، أو في فطرته، وفي فهمه للأمور، أو أن أبا بكر أصبح صالحاً للإمامة؟!

هذا لو فرض: أن بيعته كانت بإرادة واختيار منه..

أما إن كان مجبراً على هذه البيعة، فالأمر يصبح أوضح وأصرح، ويصبح البحث في هذه القضية بلا معنى.

وفي جميع الأحوال نقول:

إن بيعة علي (عليه السلام) لأبي بكر إنما يدَّعيها عليه محبو أبي بكر، وهم غير مأمونين فيما ينقلونه عن علي (عليه السلام)..

ولو سلمنا صحة ذلك عنه، فهو أمر لم نحضره، ونشك في ظروفه وحيثياته ودوافعه، ولا سيما مع وجود النصوص التي تبين ما جرى من اكراه، وعسف وظلم. ولا أقل من أن ذلك يوجب أن تدخل فيه الاحتمالات المختلفة، فيما يرتبط بالإكراه تارة، والاضطرار أخرى.

وشواهد الأحوال تؤيد الإكراه والإضطرار على حد سواء.

ولكن نصوص النبي (صلى الله عليه وآله)، والبيعة لعلي (عليه السلام) في يوم الغدير، وعدم أهلية من تصدى للخلافة لأسباب كثيرة بيَّنها علماؤنا، ومنها جرأتهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واتهامه

٣٠٩

بأنه يهجر، ومخالفتهم له وعصيانهم لأوامره، بالإضافة إلى جهلهم بأحكامه تعالى، ثم إهانتهم، وإغضابهم للزهراء (عليها السلام) وضربها، وإسقاط جنينها، واغتصاب فدك، والتخلف عن جيش أسامة إلى عشرات من المخالفات الصادرة عنهم.

إن ذلك كله، أمر يقيني لا شبهة فيه، ولا شك يعتريه، فلابد من الالتزام به، لأن ما يزعمونه من بيعة علي (عليه السلام) لهم بعد ستة أشهر يبقى مشكوك الحصول. ولو كان حاصلاً فهو مشكوك الحيثيات والدوافع، والظروف، حسبما أوضحناه.

متى بايع علي (عليه السلام)؟!:

ادَّعوا: أن علياً (عليه السلام) بايع أبا بكر، ثم اختلفوا في وقت بيعته له، فقيل: بعد ستة أشهر(١).

١- صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج٥ ص٨٢ وصحيح مسلم ج٥ ص١٥٤ وشرح أصول الكافي ج٧ ص٢١٨ والصوارم المهرقة ص٧١ ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) للشيرواني ص٤١٣.

وشرح مسلم للنووي ج١٢ ص٧٧ وفتح الباري ج٧ ص٣٧٨ وعمدة القاري ج١٧ ص٢٥٨ وصحيح ابن حبان ج١٤ ص٥٧٣ ونصب الراية للزيلعي ج٢ ص٣٦٠ والبداية والنهاية ج٥ ص٣٠٧ والسيرة النبوية لابن كثير ج٤ ص٥٦٨ والإكمال في أسماء الرجال ص١٦٨.

٣١٠

وقيل: بعد وفاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بأيام قلائل(١).

وقيل: بعد وفاة الصدّيقة الطاهرة مع الإختلاف في وقت وفاتها.

وقيل: بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) بأربعين، وباثنين وسبعين، أو بخمسة وسبعين، و بثلاثة أشهر، و بثمانية أشهر، إلى غير ذلك من أقوال..

وزعموا: أن سبب بيعته هو: أنه كان لعلي (عليه السلام) وجه من الناس في حياة فاطمة (عليها السلام)، فلما توفيت انصرفت وجوه الناس عنه، فبادر إلى البيعة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بستة أشهر، قيل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر؟!

قال: لا والله، ولا أحد من بني هاشم، حتى بايعه علي (عليه السلام)(٢).

١- مروج الذهب ج٢ ص٢٠١ والسيرة الحلبية ج٣ ص٤٨٥ و ٤٨٩ والكامل في التاريخ ج٢ ص٣٢٥ والإمامة والسياسة ج١ ص١٤ وقاموس الرجال للتستري ج٩ ص١٥٤ وتاريخ الأمم والملوك ج٢ ص٤٤٧.

٢- راجع: السنن الكبرى للبيهقي ج٦ ص٣٠٠ وفتح الباري ج٧ ص٣٧٩ والمصنف ج٥ ص٤٧٢ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص٤٦ وتاريخ الأمم والملوك ج٢ ص٤٤٨ وعن صحيح البخاري (كتاب المغازي) ج٤ ص١٥٤٩ وعن صحيح مسلم (كتاب الجهاد) ج٤ ص٣٠ والطرائف لابن طاووس ص٢٣٨ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٣٥٣ وج٢٩ ص٢٠٢ واللمعة البيضاء ص٧٥٥ و ٧٥٦ وأعيان الشيعة ج٤ ص١٨٨ وكشف الغمة للإربلي ج٢ ص١٠٣ وغاية المرام ج٥ ص٣٢٧ وسفينة النجاة للتنكابني ص١٢٦ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج١٠ ص٤٥٦.

٣١١

ونقول:

أولاً: إن بيعة علي (عليه السلام) لها أهمية بالغة لدى جميع الناس آنئذٍ. وقد كانت مرصودة من الكبير والصغير، فلا يعقل خفاؤها إلى هذا الحد.

ثانياً: لقد هتك هؤلاء القوم حرمة علي (عليه السلام)، وهددوه بالقتل، وضربوا زوجته، وقتلوا ولده، وباشروا بإحراق بيته عليه وعلى زوجته وأولاده.. ولم يراعوا حرمة لهم. بل لقد كان للسيدة الزهراء (عليها السلام) النصيب الأكبر من هذا الأذى كله..

يضاف إلى ذلك: أنه قد حمل الزهراء وابنيها: الحسن والحسين (عليهم السلام)، ودار بهم على بيوت المهاجرين والأنصار، وأهل بدر وغيرهم، يطلبون نصرتهم، فلم يستجيبوا لهم..

فما معنى قولهم بعد ذلك كله: إنه لما توفيت فاطمة رأى انصراف وجوه الناس عنه، فضرع للبيعة؟!

أليس قد ظهر هذا الإنصراف عنه منذ الأيام الأولى، حيث هوجم هو والزهراء، وولدها؟! ثم طلبوا نصرة الناس لهم، فلم يستجب لهم سوى أربعة؟!

وكيف يقول القرطبي في المفهم: (كان الناس يحترمون علياً في حياتها كرامة لها، لأنها بضعة من رسول الله وهو مباشر لها. فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكر انصرف الناس عن ذلك الإحترام، ليدخل فيما دخل فيه الناس، ولا يفرق جماعتهم)(١).

١- الغدير ج٨ ص٣٦ وج١٠ ص٣٦١.

٣١٢

ثالثاً: لقد حورب مالك بن نويرة وقتل، وحورب مانعوا الزكاة، لأنهم أرادوا أن يبايعوا علياً (عليه السلام)، فلو أن علياً وأهل البيت (عليهم السلام) بايعوا في وقت مبكر، فإن هؤلاء لا يعرِّضون أنفسهم للقتل بتريثهم في إعطاء الزكاة لغير أهل بيت نبيهم.

رابعاً: إن الضغوط التي واجهها علي (عليه السلام) في الأيام الأولى من رحلة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) قد بلغت أقصى مداها.. وقد خفت تلك الضغوط عليه بعد ذلك، فلماذا يصوّرون الأمر بعكس ما هو واقع ومشهود؟!

غاية ما هناك: أن محاولاتهم معه لإجباره على البيعة قد تكررت في البدايات حتى يئسوا منه، فاكتفوا منه بتكاثرهم عليه حتى مسح أبو بكر على يده، ثم صاحوا: بايع، بايع، بايع أبو الحسن.

خامساً: إنه (عليه السلام) لم يبايع، بدليل: ما تقدم من أنه (عليه السلام) أقسم على عدم البيعة، فقال لعمر: إذاً ـ والله ـ لا أقبل قولك، ولا أحفل بمقامك، ولا أبايع(١). ولم يكن علي (عليه السلام) بالذي يحنث بقسمه..

سادساً: ويمكن أن يقال أيضاً: إن حديث احتجاج طائفة من الصحابة على أبي بكر يدل على أن علياً (عليه السلام) لم يبايع أبا بكر، فبعد أن امتنع

١- الإحتجاج للطبرسي ج١ ص١٨١ ـ ١٨٥ و (ط دار النعمان سنة ١٣٨٦هـ) ج١ ص٩٤ ـ ٩٧ وبحار الأنوار ج٢٨ ص١٨٥.

٣١٣

(عليه السلام) عن بيعة أبي بكر في اليوم الأول صعد أبو بكر المنبر في اليوم التالي، فتشاور قوم فيما بينهم.

فقال بعضهم: والله لنأتينه ولننزلنه عن منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وقال آخرون منهم: والله، لئن فعلتم أعنتم على أنفسكم.. ثم اتفقوا على استشارة علي (عليه السلام) في ذلك، فلما أخبروه بالأمر قال: وأيم الله لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين بأسيافكم، ومستعدين للحرب والقتال، وإذن لأتوني. وقالوا لي: بايع وإلا قتلناك. فلا بد لي من أن أدفع القوم عن نفسي(١).

فدلّ هذا الخبر على أن تصرفهم هذا سوف يؤدي إلى حرب.. ولا يؤدي إلى حرب إلا إذا خير بين البيعة وبين القتل، فإذا اختار عدم البيعة وقعت الحرب، التي تفرض أن يأتي الناس إليه متأهبين للقتال. حيث سيضطر إلى دفع القوم عن نفسه بهذه الطريقة.

كل إمام في عنقه بيعة:

واذا كان (عليه السلام) لم يبايع، فكيف نفسّر ما ورد في بعض النصوص: (..ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا

١- الإحتجاج ج١ ص١٨١ ـ ١٨٥ و (ط دار النعمان سنة ١٣٨٦هـ) ج١ ص٩٤ ـ ٩٧ وبحار الأنوار ج٢٨ ص١٩١ وقد ذكرنا هذه الحادثة ومصادرها في فصل: (إحتجاجات ومناشدات).

٣١٤

القائم..)(١).

ونجيب:

بأنه لا شك في أن المقصود هو البيعة التي تكون بالإكراه. أو ما صورته صورة البيعة بنظر الناس من عهد وعقد. إذ لا شك في بطلان إمامة كل من ادعى الإمامة خارج النص الإلهي..

فلا قيمة للبيعة المبنية على باطل، فإن كان قد جيء بعلي (عليه السلام) ملبباً، ثم مسح أبو بكر على يده، وصاحوا: بايع أبو الحسن.. ولم يعد بالإمكان إنكار هذا الأمر ولا مجال لاقتلاعه من أذهان الناس، كفى ذلك في صدق الأحاديث المشار إليها، على أساس أن المراد: في عنقه بيعة بنظر الناس بصورة عامة..

علي (عليه السلام) يعترف بالبيعة:

يقول البعض: إن علياً (عليه السلام) لم ينكر بيعته لأبي بكر، حتى حين واجهه معاوية بأنه كان يقاد إليها كالجمل المخشوش، وكذلك في

١- كمال الدين ص٣١٦ وكفاية الأثر ص٢٢٥ والإحتجاج ج٢ ص٩ وبحار الأنوار ج١٤ ص٣٤٩ وج٤٤ ص١٩ وج٥١ ص١٣٢ وج٥٢ ص٢٧٩ وكشف الغمة للإربلي ج٣ ص٣٢٨ والإيقاظ من الهجعة للحر العاملي ص٣٠٢ وغاية المرام ج٢ ص٢٨٥ وإلزام الناصب ج١ ص١٩٤ ومكيال المكارم ج١ ص١١٣ وموسوعة أحاديث أهل البيت (عليه السلام) للنجفي ج٨ ص٢٣٣.

٣١٥

مواقف أخرى، لكنه قال: إنه بايع مكرهاً(١).

فلماذا إذا ننكر نحن ما يعترف هو به؟!

ونجيب: بأننا ننكر أن يكون قد بايع بيعة شرعية صحيحة، ولم ننكر أنهم جاؤوا به لمجلس البيعة، ومدوا يده فقبضها، فمدوها حتى استطاع أبو بكر أن يمسح عليها، ثم قالوا: بايع، بايع أبو الحسن.

١- راجع: الغارات للثقفي ج١ ص٣٠٢ والإمامة والسياسة ج١ ص١٥٤ وكشف المحجة ص١٧٤ عن رسائل الكليني، وبهج الصباغة ج٤ ص٤٣٠ و ٤٣٢.

وراجع قولهم: كان يقاد كالجمل المخشوش في: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج٣ ص٣٣ والإحتجاج للطبرسي ج١ ص٢٦٢ والصوارم المهرقة ص٢٢٠ وكتاب الأربعين للشيرازي ص١٦٥ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٣٦٨ وج٢٩ ص٦٢١ وج٣٣ ص٥٩ و ١٦٢ و ١٠٨ ومستدرك سفينة البحار ج٧ ص٥٠٥ والإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للهمداني ص٧٣٣ ونهج السعادة للمحمودي ج٤ ص١٩٧ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٥ ص٧٤ و ١٨٣ وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (عليه السلام) لابن الدمشقي ج١ ص٣٧٤ وتقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص٢٣٧ وغاية المرام ج٥ ص٣٢٩ وشرح إحقاق الحق (الملحقات) ج٢ ص٣٦٩ وسفينة النجاة للتنكابني ص٣٢٧ وصفين للمنقري ص٨٧ والعقد الفريد ج٤ ص١٣٧ وصبح الأعشى ج١ ص٢٧٣ ومنهاج البراعة ج١٩ ص٩٢ و ١٠٤ عن العديد من المصادر.

٣١٦

إقتياد علي (عليه السلام):

وثمة سؤال يطرح باستمرار، على سبيل الإستهجان، المستبطن للرفض، وهو:

هل صحيح أن علياً (عليه السلام) ربط بحبل، وسحب، واقتيد إلى أبي بكر، ليبايعه في المسجد، على رؤوس الأشهاد؟!

وأين هي شجاعة علي (عليه السلام)، وهو قاتل عمرو بن عبد ود، ومرحب، وقالع باب خيبر، وهازم المشركين في بدر وفي أحد، وحنين، وهازم اليهود في قريظة والنضير، وخيبر و.. و..؟!

ونقول في الجواب ما يلي:

ألف: روي: أن علياً (عليه السلام) أخذ إلى البيعة ملبباً(١).

١- شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٦ ص٤٥ وكتاب سليم بن قيس ص٣٨٨ ومناقب آل أبي طالب ج٢ ص٨٥ والإيضاح لشاذان ص٣٦٧ و ٣٦٨ والسقيفة وفدك للجوهري ص٧١ والإختصاص ص١١ و ١٨٦ و ٢٧٥ والشافي لابن حمزة ج٤ ص٢٠٢ وكتاب الأربعين للشيرازي ص١٦٢ ومدينة المعاجز ج٢ ص٢٧٩ وج٣ ص١٢ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٢٢٠ و ٢٢٧ و ٢٢٨ و ٢٦١ و ٣٠٠ و ٣٩٣ ونهج السعادة ج١ ص٤٤ وتفسير العياشي ج٢ ص٦٧.

وراجع: الجمل للمفيد ص٥٦ ونهج الإيمان ص٤٩٢ وغاية المرام ج٥ ص٣٢٧ و ٣٣٨ ونفس الرحمن في فضائل سلمان ص٥٨٢ وبيت الأحزان ص١٢٧ والأسرار الفاطمية ص١١٧.

٣١٧

وفي رواية الإحتجاج: انطلقوا به ملبباً بحبل(١). أو بثوبه(٢).

وبعض الروايات تذكر: أنهم قادوه في حمائل سيفه(٣).

والملبب: هو الذي جَمَعْتَ ثيابه عند صدره ونحره(٤)، في الخصومة، ثم تجره. أو يجعل في عنقه ثوب أو غيره، ثم يجرُّ به(٥).

ب: الحديث عن الشجاعة في غير محله هنا.. لأن أي عنف يثيره علي

١- الإحتجاج (ط دار النعمان) ج١ ص١٠٩ وقواعد آل محمد (مخطوط) ص٦٦٩ و ٢٧٠.

٢- نوادر الأخبار ص١٨٣ وعلم اليقين ص٢٨٦ و ٢٨٨ و الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للهمداني ص٧١٠ وبيت الأحزان ص١١٧ و ١١٨ والأسرار الفاطمية ص١٢١ و ١٢٢.

٣- شجرة طوبى ج٢ ص٢٨٢.

٤- الصحاح ج١ ص٢١٦ وراجع: إختيار معرفة الرجال ج١ ص٥٢، ومجمع الفائدة للأردبيلي ج١ ص١٩٩ ولسان العرب ج١ ص٧٣٣ ومجمع البحرين ج٤ ص١٠٢ وشرح أصول الكافي ج٦ ص٢٠٠ وبحار الأنوار ج٢٨ ص٢١٦ وج٤٠ ص٣٠٦ عن الجوهري، والنهاية لابن الأثير ج١ ص١٨٩ و (ط مؤسسة إسماعيليان) ج١ ص١٩٣ والقاموس المحيط ج١ ص١٢٧ وكشف الغمة ج١ ص٣٠٤ وغريب الحديث لابن سلام ج٣ ص٣٠.

٥- النهاية لابن الأثير (ط مؤسسة إسماعيليان) ج١ ص١٩٣ ولسان العرب ج١ ص٧٣٤.

٣١٨

(عليه السلام)، أو يعطي مهاجميه مبرراً لإثارته، سوف ينتهي بقتل جميع المؤمنين في المدينة بأسرها.. لأنهم في ليلة دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ملأوها بالمسلحين، حتى تضايقت بهم سككها وطرقاتها..

والمدينة بلد صغير جداً قد لا يصل عدد سكانه إلى ثلاثة أو أربعة آلاف نسمة، بين صغير وكبير، وامرأة ورجل، ومهاجري وأنصاري، وما إلى ذلك.

وقد أفاق الناس ليجدوا في أزقتها أربعة آلاف مقاتل على أقل تقدير.

وقد شكلوا مجموعات لمداهمة البيوت، واستخراج من فيها، وسحبهم بطريقة مهينة للبيعة. ولم يستطع، ولا يستطيع أحد من أصحاب علي (عليه السلام) ومحبيه الوصول إليه (عليه السلام).

فأي عنف ينشأ بين المهاجمين وبينه (عليه السلام) سوف ينتهي باستئصال جميع هؤلاء المؤمنين الذي كانوا بمثابة أسرى بأيدي الفريق المناوئ.

فلا معنى للتفريط بهم في مثل هذه الحال، وعلى من يكون علي (عليه السلام) خليفة بعد الآن إن قتل هؤلاء؟!

ومن الذي يحمي الإسلام ويدافع عنه في مواجهة قوى الطغيان؟

ومن الذي ينشر هذا الإسلام ويبلغه للأجيال اللاحقة؟

ومن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن يربي، ومن يعلم؟! ومن؟! ومن؟!

ج: وهذا يفسر لنا وصية النبي (صلى الله عليه وآله) له (عليه السلام)

٣١٩

بأن لا يقاتلهم.

د: هذا كله، لو فرض أنه (عليه السلام) بقي حياً، ولم يقتل كما قتل الحسين (عليه السلام)؟!

وإذا كان يحق لعلي (عليه السلام) أن يستجيب لدواعي الشجاعة، فليس له أن يفرط بأرواح الناس من دون فائدة تعود على الإسلام وأهله.. وذلك ظاهر لا يخفى.

هل احتج علي (عليه السلام) بالنص؟!:

ويبقى سؤال يلح بطلب الإجابة.. وهو:

هل احتج علي (عليه السلام) بالنص؟!..

فإن كان الجواب بالإيجاب، فأين هو ذلك ما يشير إلى ذلك الاحتجاج؟!..

وإن كان الجواب بالنفي، فلماذا لم يفعل ذلك؟!..

والجواب:

أولاً: إن وضوح هذا الأمر للناس جميعاً يجعل الإحتجاج غير ذي أثر كبير.. لا سيما وأن عامة الناس قد بايعوا علياً (عليه السلام) يوم الغدير، الذي كان قبل سبعين يوماً فقط من استشهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله)..

ثانياً: قد عودنا أولئك الناس على مفاجآتٍ مثيرة فيما يرتبط بالأساليب التي يستفيدون منها للوصول إلى مآربهم.. فقد أطلق أبو بكر مقولته:

٣٢٠